قالوا: الإيمان جائز في الدار المغصوبة فهكذا حال الصلاة من غير فرق.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن عنيتم بالإيمان مجرد التصديق فلا نسلمه وإنما الإيمان ما عليه السلف الصالح وهو أنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان والصلاة من جملته وفيها وقع النزاع.
وأما ثانياً: فلو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فلا تعلق له بالمكان فافترقا.
قالوا: الصلاة عبادة وقربة وإيقاعها على وجه الحظر لا يكون مانعاً من إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرطٍ من شرائطها.
قلنا: وأي إخلال أعظم من بطلان القيام في الصلاة فإنه ركن من أركانها لأنه عاصٍ به فلهذا بطل، ومن وجه آخر وهو أنه إذا كان الشرط مبطلاً للصلاة فبطلانها ببطلان ركن من أركانها أحق وأولى.
الحكم الثاني: هل تكون هذه المسألة قطعية أو اجتهادية، وفيها تقريران:
التقرير الأول: أنها قطعية، ونعني بكونها قطعية: أن الحق فيها واحد، وهذا هو رأي الشيخين أبي علي وأبي هاشم وغيرهما من شيوخ المعتزلة وعلماء الكلام.
والحجة على هذا: هو أن المختلفين في المسألة كل واحد منهم أخذ بحجته من مسلك قاطع، وفي هذا دلالة قطعية لا مجال للإجتهاد فيها، وبيانه: هو أن من قال بكون الصلاة في الدار المغصوبة غير مجزية فإنه يأخذ حجته من دليل العقل وهو أن هذه الصلاة غير مجزية لكونها معصية لله تعالى لكونه حائلاً بينها وبين مالكها وما يكون معصية فلا قربة فيه والصلاة من شرطها القربة لكونها عبادة لله تعالى، ومن قال بكونها مجزية كما هو رأي الفريقين من الفقهاء، فإنه يأخذ مذهبه من الإجماع، وهو أن الإجماع منعقد على أن أحداً من العلماء لم يأمر الظلمة بإعادة ما صلوا في هذه الدور المغصوبة، وفي هذا دلالة على كونها مجزية مسقطة للفرض عن ذممهم. فقد عرفت بما ذكرناه أن كل واحد من المذهبين يأخذ مذهبه من مسلك قاطع، وفي هذا دلالة على كونها قاطعة خارجة عن مسائل الاجتهاد.

التقرير الثاني: أنها إجتهادية، وهذا هو الذي قرره السيد أبو طالب وهو المختار.
والحجة على هذا: هو أن كلاً من الفريقين غير منكر على صاحبه مذهبه ورأيه، وهذه أمارة كون المسألة إجتهادية لأن الرأي المقطوع به والحق الذي لا معدل عنه هو تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية.
ومن وجه آخر: وهو أن الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم ما زالت الحوادث في أيامهم غضة طرية وكل واحد منهم يجتهد رأيه ويخالف صاحبه ولم يعلم من أحد منهم إنكارٌ لمذهب صاحبه ولا تحريج عليه فيما يذهب إليه وهذا مسلك قاطع في التصويب يعقله الأكياس ويغفل عنه الأكثر من طبقات الناس.
الحكم الثالث: هل تكون الصلاة في الأرض المغصوبة كالصلاة في الدار المغصوبة أم لا؟
والمختار: التفرقة بينهما لدلالة المنع في الدار دون الأرض.
ولتحريم الصلاة فيها وجهان:
أحدهما: أن التحريم إنما يكون لأجل الكراهة من مالكها، وهذا هو رأي المؤيد بالله، فإنه قال: إن من صلى في أرض مغصوبة جازت صلاته إلا أن تظهر منهم الكراهة في ذلك فحينئذ لا يجوز الدخول ولا الصلاة لأن المصلي يكون في حكم الغاصب لأجل ما يظهر من الكراهية، فإذا لم يعلم منهم الكراهة جاز الدخول والصلاة، وهي مخالفة للدور لأن الغالب من حال الأرض أن أربابها لا يكرهون الصلاة فيها.
وثانيهما: أن الاعتبار في التحريم إنما هو بالضرر فإذا لم يكن هناك ضرر جاز الدخول والصلاة، وهذا هو المختار لما روي أن الرسول دخل أرضاً ليهودي فكره دخوله فيها فقال الرسول : ((ما ضررناك يا يهودي " )) . فعلق التحريم بالضرر فدل على أن الاعتبار به لا غير.
الفرع الثامن: قال الإمامان القاسم والهادي: وتجوز الصلاة في مرابض الغنم لما روى عبدالله بن المغفل أن الرسول قال: ((إذا أدركت الصلاة وأنت في مراح الغنم فصل فيه فإنها سكينة وبركة))(1) .
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن البراء بن عازب.

ومراح الغنم: هو الموضع الذي تأوي إليه. [و] لما روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا " )) (1) .
ولم يفصل، ولأنه موضع طاهر لا نجاسة فيه فليس مغصوباً فلهذا جازت الصلاة. دليله: المساجد.
وتكره الصلاة في أعطان الإبل لما روي عن الرسول أنه قال لعبدالله بن المغفل: ((إذا أدركتك الصلاة في أعطان الإبل فاخرج منها " وصل فإنها جن من جن خُلِقت ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها))(2) .
والعَطَن بوزن الوَطَن، واختلف أهل الأدب في معناها على وجهين:
أحدهما: أن أعطان الإبل هي مواضع قرب الحوض الذي تشرب منه تُنَحَّى إليه الإبل حتى يرد غيرها للشرب.
وثانيهما: أن أعطان الإبل هي المواضع التي تناخ فيها الإبل في الصيف إذا شربت المرة الأولى ثم يملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه فتعل، والشرب الأول يسمى: النهل، والشرب الثاني يسمى: العلل. قال لبيد:(3)
__________
(1) تقدم في التيمم، عن زيد بن علي عن علي وعن جابر، أخرجه النسائي.
(2) أخرجه النسائي عن عبد الله بن مغفل، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة: ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)) .
قال ابن بهران: وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهذا الحديث في (نيل الأوطار) للعلامة الشوكاني من حديث عبد الله بن مغفل عن أحمد بإسناد صحيح وبلفظ: ((لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خُلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيأتها إذا نفرت)) ا ه‍ج2 ص 137.
(3) لبيد بن ربيعة العامري، أبو عقيل، قال في (الإستيعاب)2/1325: قدم على النبي سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الراوي [فأسلم] وحسن إسلامه، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل))، من مطلع قصيدة له، شطره الآخر: وكل نعيم لا محالة زائل، وقد قال أكثر أهل الأخبار أنه لم يقل شعراً منذ أسلم إلا قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى اكتسيت من الإسلام جلبابا
وفي (تهذيب الأسماء)2/379: لبيد الشاعر الصحابي رضي الله تعالى عنه، من فحول شعراء الجاهلية، ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق، وقال: كان لبيد من المعمرين عاش 154 سنة. توفي سنة 41 من الهجرة، وقيل: غير ذلك.

تكره الشرب فلا يعطنها ... إنما يعطن من يرجو العلل(1)
فجعل ذلك عطناً لما كانت ترجو أن تشرب مرة ثانية.
واختلف العلماء في وجه التفرقة بين مراحات الغنم وأعطان الإبل من جهة المعنى فقال بعضهم: لأنها جن من جن خلقت، والصلاة بقرب الشياطين مكروهة، والغنم فيها سكينة وبركة. وقيل: إن الغنم من دواب الجنة دون الإبل، وقيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لما يخاف من نفورها وذلك يقطع الخشوع ولا يخاف ذلك في الغنم، وقيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لأنها مأوى الجن والشياطين بخلاف الغنم. وقيل: إنما نهى عن ذلك لأن أعطان الإبل يكثر فيها القذر في العادة من جربها ومن عفونتها، ومراحات الغنم طيبة في العادة لأن الغنم إنما تراح إلى كل موضع استعلت أرضه وطابت تربته ولا تصلح إلا على ذلك. والإبل لا تراح إلا [إلى] الدقعاء من الأرض والأراضي الرخوة ولا تصلح إلا على ذلك، والدقعاء من الأرض هي كثيرة الترب.
ولا بأس أن يجعل البعير سترة عند الصلاة لما روى نافع عن ابن عمر أن الرسول كان يصلي إلى بعيره، وروى عبادة بن الصامت أن الرسول صلى إلى بعير من المغنم.
الفرع التاسع: وتكره الصلاة خلف النائم والمتحدث والحائض والجنب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لاصلاة إلى نائم " لا صلاة إلى متحدث لا صلاة إلى حائض لا صلاة إلى ميت)) (2) .
__________
(1) من قصيدة للبيد العامري، ويروى الشطر الأول من هذا البيت بأنه:
عافت الماء فلا يعطنها... إلخ
(2) تقدم حديث أبي ذر في اتخاذ المصلي سترة بين يديه ((فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود)) وجاء في (نيل الأوطار): وقد ذهب مجاهد وطاؤوس ومالك والهادوية إلى كراهة الصلاة إلى النائم، واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داؤد وابن ماجة بلفظ: ((لا تصلوا خلف النائم والمتحدث)) وقد قال أبو داؤد: طرقه كلها واهية، وقال النووي: هو ضعيف بإتفاق الحفاظ. ا ه‍ج3/ ص 8 ملخصاً.

فهذا كله محمول على الكراهة. وإن صلى إليها أجزت الصلاة إذ لا وجه يقتضي فسادها فلهذا حملنا هذه الأخبار على الكراهة، وتكره الصلاة على بساط أو حصير فيه تماثيل الحيوانات، لما روي أن الرسول دخل الكعبة فوجد فيها حمامة مصورة فكسرها، فإذا كان هذا في غير حال الصلاة كان أدخل في الكراهة في الصلاة، وإن قطعت رؤوسها حتى صارت كالأشجار لم تكره لما روي عن علي أنه قال: ما بقاء الجسد بعد ذهاب الرأس، ولما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((أتاني جبريل فقال " : يا محمد جئتك البارحة فلم استطع أن أدخل البيت لأنه كان في البيت تمثال رجل فَمُرْ بالتمثال فليقطع رأسه حتى يكون كهيئة الشجرة))(1) .
فتقرر بهذا الخبر على أنه لا كراهة في تصوير ما ليس بحيوان وإن ما قطع رأسه فلا كراهة فيه، وإن جعلت الصورة تحت القدمين فلا كراهة لما روت عائشة. قالت: جعلت ستراً فيه تصاوير الحيوان إلى القبلة فأمرني رسول الله فنزعته وجعلت منه وسادتين، وكان يقعد عليهما. وإن كانت التصاوير [بين] يديه وركبتيه أو موضع جبهته كرهت لحديث عائشة؛ لأن التصوير كان بحذاء القبلة فأمرها بإزالته، فإذا كانت مكروهة في القبلة فكراهتها في مواضع السجود أدخل في الكراهة، وإن كانت الصورة فوق القامة لم تكره لحديث عائشة لأنه غير مستقبل لها، وإن كانت الصورة في موضع منخفض وبينه وبينها حائل لم تكره، وإن لم يكن هناك حائل كره.
__________
(1) جاء الخبر عن أبي هريرة، أخرجه أبو داؤد والترمذي بزيادة في آخره: ((... ومر بالقرام فيجعل منه وسادتان توطآن. ومر بالكلب فليخرج)) قال: وكان الكلب جرواً للحسن أو الحسين يلعب به كان تحت نضد له فأمر به فأخرج. ا ه‍جواهر 1/218.

قاعدة: اعلم أن تصوير الحيوانات مستوية في الكراهة، ويؤيد ذلك ما روي أن الرسول دخل الكعبة فرأى إبراهيم مصوراً يستقسم بالأزلام فقال: ((قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام " ))(1) .
لكنها تختلف باختلاف مجالها في صورها وأشكالها فمنها ماله شبح قائم يتخذ من النحاس والرصاص والخشب والأحجار وهذا أدخلها في الكراهة. وأحقها بالتغيير والإزالة، ومنها ما يكون بالرقوم والطرز على الوسائد والثياب بخيوط الذهب والفضة والحرير، ومنها ما يعمل بألوان الأصابيغ المموهة في الجدرات والألواح والسقوف، ومنها ما يكون بالحفر على الجدر والخشب وكلها مستوية في الكراهة والتنزه عنها أفضل، وبعضها أدخل في الكراهة من بعض كما أوضحناه.
الفرع العاشر: أفضل البقاع المساجد لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا " ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة))(2) .
والغرض من الإكثار والتردد إليها من أجل الصلاة فيها. وروي عنه أنه قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه " ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطت عنه سيئة))(3) .
وروي عن الرسول أنه قال: ((يا جبريل فيم يختصم الملأ الأعلى " ؟ فقال جبريل: في ثلاث: نقل الخُطا إلى مساجد الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات(4)
وإنتظار الصلاة بعد الصلاة))(5) .
ويتعلق بالمسجد أحكام [عشرة]:
الحكم الأول: المسجد لا يكون مسجداً إلا باجتماع شروط أربعة:
__________
(1) أخرج ابن أبي شيبة 7/403 عن جابر نحوه برقم (36905) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه ج1/219 برقم (251) عن أبي هريرة، والموطأ والنسائي والترمذي.
(3) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. جواهر 1/219.
(4) في حاشية الأصل: السَّبَرة: الغداة الباردة وجمعها سَبَرات.
(5) أخرج الترمذي نحوه عن ابن عباس. 5/366.

أولها: أن تكون البقعة لمالكها(1)
حتى يصح وقفها وتسبيلها للصلاة.
وثانيها: أن يخرجها من ملكه بالوقف للصلاة فإن لم يسبلها لم تكن خارجة عن ملكه ولا تكون مسجداً.
وثالثها: أن يكون بابها مشروعاً إلى سكة أو شارع من شوارع المسلمين ليكون الناس فيها على سواء من غير مانع عنها لمصلٍّ.
ورابعها: أن يكون العلو والسفل(2) مسجداً.
قال الإمام القاسم: من بنى مسجداً ولم يشرع بابه إلى الطريق فليس بمسجد ويورث بعده ولا يكون مسجداً حتى يشرع بابه إلى شارع أو إلى سكة وإنما وجب ذلك ليكون المسلمون متمكنين من دخوله والصلاة فيه من غير إذن أحدٍ، ويكون الناس فيه شرعاً، فإذا كانت الطريق إليه مملوكة لم يكن مسجداً وهكذا إذا لم يشرع بابه إلى سكة أو شارع.
قال الإمام المؤيد بالله: وإذا بنى رجل مسجداً على طريق أو جعل سفله حانوتاً والعلو مسجداً فالأقرب عندي أنه لا يصير مسجداً إذا لم يكن القرار مسجداً وإذا كان لرجل سفل بيت وعلوه فجعل السفل مسجداً دون العلو فإنه يصير السفل مسجداً ويرفع عنه العلو فإن جعل العلو مسجداً دون السفل لم يصر واحد منهما مسجداً أما السفل فلبقائه على ملك صاحبه وأما العلو فإنما لم يصر مسجداً لما كان قراره غير مسجدفلهذا بطلا جميعاً.
الحكم الثاني: أنه إذا كان لرجل سفل بيت وعليه علو لرجل آخر فجعل صاحب السفل حقه مسجداً فهل يصح أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والمؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على ذلك: هو أن البقعة ليست خالصة لله تعالى لوقوع الشركة فيها وذلك يبطل كونه مسجداً لقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ }[الجن:18]. فظاهر الآية دال على خلوصها لله تعالى من الحقوق والأملاك.
المذهب الثاني: الجواز، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف.
__________
(1) يقصد أن تكون ملكاً لواقفها.
(2) قال في اللسان: السفل نقيض العلو في البناء. ا ه‍.

والحجة: هي أن السفل قد صار ملكاً له وجعله مسجداً فانعقد مسجداً ولا يضره ما فوقه من ملك الغير كما لو بنى على ظهر المسجد بيتاً لم يبطل فهكذا هاهنا.
والمختار: ما قاله الإمامان لما فيه من إبطال حق الغير فلهذا بطل كونه مسجداً.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إن السفل صار ملكاً له.
قلنا: لا ننكره ولكنه يبطل حق الغير بجعله مسجداً.
قوله: كما لو بنى على ظهر مسجد.
قلنا: إنه إذا بنى على ظهر مسجدٍ فإنه يؤمر بخرابه بخلاف ما نحن فيه فإنه حقٌ للغير فلا يؤمر بخرابه فافترقا.
الحكم الثالث: وأفضل المساجد أربعة:
مسجد الرسول لأنه مهبط الوحي ومقام التنزيل ومحط الملائكة ومدارس الآيات والسور ومهاجر الرسول ومغرس الدين ومكان الشريعة وقرار الصالحين ومحل البركة ومكان الأَعْظُم الشريفة.
وبيت الكعبة فإنه بيت الله المعظم المكرم وقبلة المسلمين وبه يتعلق الحج والعمرة وقد روي أنه زاره الأنبياء وحجوا إليه من لدن آدم إلى زمان الرسول ، ومهبط الوحي ومبدأ النبوة.
ثم مسجد بيت المقدس فإنه مسجد الخليل وموضع البركة حيث قال الله تعالى: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ " }[الإسراء: 1]. وهو موضع الإسراء حيث قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى " }[الإسراء:1].
ثم مسجد الكوفة، ففي الحديث أنه صلى فيه سبعون نبياً، فهذه المساجد الأربعة هي أفضل من جميع مساجد الدنيا
لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تشد الرحال إلاَّ إلى أربعة(1)
__________
(1) في حاشية الأصل: المشهور في الحديث : ((إلى ثلاثة...) وقد ذكره المؤلف في آخر الجزء الأول.

مساجد " مسجدي هذا الذي أسس على التقوى من أول يوم، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الكوفة))(1) .
الحكم الرابع: وأفضل هذه المساجد الأربعة، الكعبة ومسجد الرسول ، لما روى أبو ذر أنه قال: ((يا أبا ذر صلاة في مسجدي تعدل مائة صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد))(2) .
__________
(1) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ: (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ولم يرد ذكر مسجد الكوفة، ورواه أحمد والطبراني وابن حبان وغيرهم. اه‍فتح الغفار 1/295.
وقد ذكر بعض الأئمة فضل مسجد الكوفة إستناداً إلى أن في الأثر أنه صلى فيه سبعون نبياً كما جاء في (شرح الأزهار) وفي (البحر) للإمام المهدي المرتضى، قال في هامش الشرح تعليقاً على ما سلف: أي صلى في مكانه سبعون نبياً؛ لأنها [الكوفة] إنما عمرت في زمان عمر. كما جاء في الحاشية نفسها، أن مسجد قبا يأتي في الأفضلية بعد مسجد الكوفة أي الخامس، لقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} إلى آخر الآية الكريمة 108 من سورة التوبة. ا ه‍ج1 ص200.
(2) جاء في فتح الغفار ما ملخصه: عن أبي هريرة: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) رواه الجماعة إلا أبا داؤد. وفي رواية بمعناه عن ابن عباس عن ميمونة، وثالثة عن جابر بن عبد الله بزيادة ((... وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وفيه روايات أخر عن عبد الله بن الزبير وأبي الدرداء وأنس. ا ه‍1/295، ولم تتضمن أي من هذه الروايات لفظ: ((تعدل مائة صلاة)) كما أورد المؤلف، وتلك الروايات السالفة أوردها ابن بهران في الجواهر 1/220.

وفي حديث آخر: ((صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيت مظلم حيث لا يراه إلا الله عز وجل يطلب بها وجه الله تعالى)) .
والصلوات المكتوبة في المساجد أفضل لما يحصل فيها من جماعات المسلمين ونزول الرحمة وكونها مبنية لهذه العبادات مقصودة لأجلها ولما يحصل باجتماع أهل الصلاح والدين بمعرفة فروضها وسننها.
وأما النوافل فالذي عليه أئمة العترة أنها كالفرائض وأن تأديتها في المساجد أفضل.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار الدالة على أن الصلوات في المساجد أفضل لم تفصل بين الفريضة والنافلة ولأن النافلة يكثر فضلها في المساجد كما يكثر فضل الفريضة.
وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أن تأدية النوافل في البيوت أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا فرغ من الفرض فالنوافل في البيوت أفضل " )) . فإنما أراد أن إخفاءها في البيوت يكون أبعد من الرياء، ولما روي عن الرسول أنه قال: ((إجعل في بيتك قسطاً من صلاتك " ))(1) .
وفي هذا دلالة على أن أكثر تأديتها في المساجد.
الحكم الخامس: والأفضل من هذين المسجدين هو المسجد الحرام لما رويناه من الحديث الدال على فضله على مسجد الرسول فلا نعيده، ثم ما المراد بالمسجد الحرام؟ فيه أقوال [ثلاثة]:
__________
(1) هذا الحديث جاء بمعناه عن جابر: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته قسطاً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)) أخرجه مسلم، وعن زيد بن ثابت: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة)) أخرجه أبو داؤد والترمذي، ورُوي موقوفاً على زيد. ا ه‍جواهر 1/220، والحديث هذا في نيل الأوطار عن زيد بن ثابت بلفظ: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) رواه الجماعة إلا ابن ماجة. ا ه‍3/76.

165 / 279
ع
En
A+
A-