الفرع الأول: المواطن التي نهي عن الصلاة فيها سبعة، لما روى عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها: المزبلة والمجزرة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق))(1) .
وإنما منع من الصلاة في المجزرة والمزبلة لنجاستهما فدل ذلك على أن كل بقعة فيها نجاسة فلا تجوز الصلاة فيها، وإنما منع من الصلاة في قارعة الطريق والكعبة لمعان أخر غير النجاسة وسيأتي تقريرُهُ بمعونة اللّه.
ومن صلى على الأرض أو على بساط وكان بحذائه(2)
على الأرض أو على البساط نجاسة ولم تصبها ثيابه ولا بدنه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز الصلاة وهو الأصح من مذهب الشافعي؛ لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حاملٍ لها ولما هو متصل بها فوجب القضاء بجوازها، وإن صلى على موضع طاهر من البساط وفي موضع منه نجاسة لا تحاذيه صحت صلاته، وحكي عن أبي حنيفة: أنه إن كان البساط لا يتحرك بتحركه صحت صلاته وإن كان يتحرك بتحركه بطلت صلاته.
__________
(1) هذه رواية ابن عمر وليس عمر، وهذا أثبته تصحيحاً ابن بهران عن رواية الحديث في الجامع، وفيه أحاديث أخرى تضمنت المواطن المنهي عن الصلاة فيها متفرقة، ومنها: عن أبي سعيد: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه الخمسة إلا النسائي.
قال في فتح الغفار: وقد اختلف في وصله وارساله، وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ابن حزم، وأشار ابن دقيق العيد في الإمام إلى صحته، وقال في الخلاصة: قال الترمذي: روي مرسلاً، وكأنه أصح، قلت: صححه مرفوعاً ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين. ا ه‍1/161.
(2) أي بمحاذاته.

والحجة على ما قلناه: هو أنه غير حامل ولا مباشر للنجاسة ولا لما هو متصل بها فصار كما لو صلى على أرض طاهرة وفي طرف منها نجاسة، وإن أصابت الأرض نجاسة فإن عرف موقعها تجنبها وصلى في موضع آخر غير ذاك، وإن فرش فوقها بساطاً طاهراً وصلى عليها صحت صلاته. وحكي عن أبي حنيفة: أن البساط إن كان يتحرك بتحركه لم تصح صلاته.
والمختار: ما قلناه وقد مضى الدليل عليه فلا وجه لتكريره.
وإن خفي عليه موضع النجاسة وجب عليه أن يتباعد إلى موضع يتحقق أن النجاسة لا تبلغ إليه، وإن كانت النجاسة تحت قدميه بطلت صلاته عندنا، وهو قول أبي حنيفة لكونه مباشراً للنجاسة، وإن كانت النجاسة في موضع ركبتيه أو موضع سجوده بطلت صلاته عندنا، وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا كان موضع قدميه طاهراً صحت صلاته ولو وقعت ركبتاه على النجاسة، وفي جبهته روايتان.
والحجة على ما قلنا: هو أنه موضع يلاقيه بدن المصلي فلم تصح صلاته كما لو كانت النجاسة تحت قدميه.
الفرع الثاني: والمصلي إذا كان مربوطاً إلى خشبة أو كان محبوساً في حشٍ، والحش: موضع إلقاء العذرة بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها، أو كان في موضع نجس وهو متوضىء، فإذا كان على هذه الحالة فهل تلزم الصلاة ويؤديها على حالته هذه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يؤديها على حالته هذه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر علماء الأمة.
والحجة على هذا: قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم )) .
الحجة الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]. والمعنى أنها موقتة بأوقاتها فيجب تأديتها على حد حالته ولا يجوز إسقاطها من غير عذر في سقوطها.
المذهب الثاني: أن الصلاة ساقطة عنه في هذه الحالة، وهذا هو الذي حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أنه مأمور بالصلاة في الأثواب الطاهرة والأمكنة الطاهرة فإذا لم يتمكن من ذلك سقط عنه وجوب الصلاة كما لو كان زائل العقل أو أغمي عليه لأن [المكان] الطاهر شرط في الصحة كما أن العقل شرط في التكليف بها.
والمختار: ما قاله الأئمة والعلماء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ }[النساء:103]. ومع هذه فهو متمكن من أداء الصلاة ولم يتأخر عنه إلا بنجاسة الموضع، وهو معذور فيه، فلهذا توجه عليه أداء الصلاة، ولعل هذه الرواية محمولة على أنه لا يلزمه السجود على القذر ولا التلوث بالنجاسة وإنما يلزمه الإيماء كما سنوضح ما يتوجه عليه، فأما سقوط الصلاة عنه بالكلية فقدره(1)
أعلى من إنكار ما هذا حاله لكونه مخالفاً للإجماع المنعقد على وجوب تأدية الصلاة على هذه الحالة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن من لزمه فرض الوقت فإنه يلزمه الإتيان به على حسب حاله كالمريض فإنه يصلي على قدر ما يمكنه من غير سقوط الفرض عنه فهكذا هاهنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره.
قال: إنه مأمور بتأدية الصلاة في أمكنة طاهرة وأثواب طاهرة فإذا لم يتمكن منها سقط عنه فرضها كما لو زال عقله.
قلنا: إن العقل ملاك التكليف وهو شرط في جميع التكاليف العقلية والشرعية وهذا فإنه كامل العقل [ولم يتعذر عليه من شروطها](2)
__________
(1) يقصد أبا حنيفة.
(2) في الأصل: (ولم يسقط عنه إلا الأمكنة الطاهرة) وتم استبدالها بعبارة: (ولم يتعذر عليه من شروطها إلا الأمكنة الطاهرة) لأن الأولى غير واضحة.

إلا الأمكنة الطاهرة فلا تسقط عنه الصلاة كما لو لم يتمكن من القيام لزمه القعود وكما لو لم يتمكن من ستر العورة صلى عرياناً. فإذا تقرر لزومها له فإنه يحرم للصلام ويأتي بالقيام إن قدر عليه، والقراءة والركوع فإذا أراد أن يسجد فإنه يدني رأسه من الأرض إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على موضع النجاسة. ولا يفترق الحال في الإمتناع عن ملاقاة النجاسة بين أن تكون رطبة أو يابسة لأنه إذا سجد على النجاسة حصلت على جبهته وكفيه وأنفه فلهذا كانت مباشرته للنجاسة بقدميه أهون من مباشرته لها بجبهته وأنفه وكفيه، ومهما أمكن تقليل المخالطة للنجاسة فهو أولى، فإذا صلى على هذه الحالة ثم قدر فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تلزمه الإعادة لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض.
وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يسقط عنه الفرض.
والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)) . ولكن تستحب له الإعادة لأنه قد تمكن من أدائها على الوجه الذي كلف [به] من غير مانع، فأما الشافعي فقد أوجب عليه الإعادة وهو الأصح من قوليه واختلف قوله في المعاد فقال في (الأم): الفرض هو الثانية لأنا إنما أمرناه بالأولى ففعلها لحرمة الوقت. وقال في القديم: الفرض هو الأولى لأنها هي التي أسقطت الفرض. وقال في (الإملاء): الجميع فرض عليه لأنه يجب عليه فعل الجميع وهو اختيار إبن الصباغ في كتابه (الشامل) . فإن صلى الأولى من غير طهارة لا بالتراب ولا بالماء فالفرض هو الثانية لندور العذر وقلته.
الفرع الثالث: والمصلي إذا فرغ من صلاته فرأى على بدنه أو ثوبه أو البقعة التي صلى عليها نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن كان قد علم قبل الصلاة لكنه نسيها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أن صلاته صحيحة لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ))(1) .
__________
(1) تقدم.

وإن لم يعلم نظرت، فإن جوز وغلب على ظنه أنها وقعت بعد الصلاة لم تلزمه الإعادة لأن الأصل عدم مصاحبته لها في الصلاة خلا أن المستحب أن يعيدها لجواز أن تكون مصاحبة له في حال صلاته. وإن كانت مما لا يجوز حدوثه بعد الصلاة فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار فيه تفصيل: وهو أن هذه النجاسة إن كانت مما وقع فيه الخلاف والاجتهاد وجبت عليه الإعادة في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، وإن كانت النجاسة مما وقع الإجماع عليها وجبت عليه الإعادة في الوقت، والقضاء بعد فوات الوقت كما قررناه من قبل. فهذا أصل يجب اطراده في مسائل الخلاف ومسائل الإجماع يجب أن يكون الحكم فيها ما ذكرناه وهو أعدل المذاهب وأولاها.
الفرع الرابع: قال الإمامان القاسم والهادي: وتكره الصلاة في المقابر لكرامة أهلها إن كانوا مؤمنين وإيثاراً لتجنب قذرهم إن كانوا فاسقين.
واعلم أن المقابر لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: المقبرة التي قد تحقق أنها قد نبشت وجعل أسفلها أعلاها، فهذه لا تصح الصلاة فوقها لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " ))(1) .
ولأنه قد اختلط بها صديد الموتى وبقيت(2)
فيها عظامهم ولحومهم فصارت نجسة.
الحالة الثانية: المقبرة التي لم يتحقق أنها نبشت، فهذه تكره الصلاة بينها وعليها لنهي عن الصلاة في المقبرة ولم يفصل بين حالة وحالة، فإن صلى صحت الصلاة مع الكراهة، وحكي عن أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة. وإنما صحت الصلاة لأن النجاسة مندفنة فيها فصار(3)
كبساط على نجاسة. وحكي عن داود: بطلان الصلاة.
__________
(1) تقدم آنفاً.
(2) لعل الكلمة في الأصل: (وتفتتت) لكنها غير معجمة وبدون تاء ثالثة.
(3) موضع المصلي فيها.

والحجة على صحتها: ما روى أبو ذر عن الرسول قال: سألت النبي عن أول مسجد وضع على الأرض " ؟ فقال: ((المسجد الحرام)) . قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)) . فقلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون عاماً وحيث ما أدركتك الصلاة فصل))(1) .
ويكره استقبال القبر عند الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ))(2) .
الحالة الثالثة: المقبرة التي لم يقع الشك فيها هل هي جديدة أو دارسة، فهل تصح الصلاة فيها أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز الصلاة فيها مع الكراهة لأن الأصل هو عدم النبش وبقاء الأرض على الطهارة.
الفرع الخامس: الصلاة في الحمام. وقد نهى رسول الله عن الصلاة في الحمامات، لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((الأرض كلها مسجد وطهور إلا الحش والحمام " )) . ثم اختلف العلماء في الوجه الذي وقع [فيه] النهي عن الصلاة في الحمامات على قولين:
فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأجل ما يهراق من النجاسات فيها فعلى هذا تكون على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أن يتحقق أن جميع بيوتها نجسة، فعلى هذا لا تجوز الصلاة فيها لأجل النجاسة.
الوجه الثاني: أن يتحقق أنها ليس فيها شيء من النجاسة، فعلى هذا تجوز الصلاة فيها مع الكراهة.
__________
(1) أورده الرباعي بزيادة: قلت: ثم أيّ؟ قال: ((حيثما أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد)) متفق عليه. ا ه‍.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة، وفي رواية للنسائي بلفظ: ((قاتل الله اليهود والنصار...)) وجاء الخبر عن عائشة وعنها وعن ابن عباس بمعناه وبلفظ: لما نزل برسول الله جعل يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر مما صنعوا. أخرجه البخاري ومسلم. اه‍. جواهر 1/216.

الوجه الثالث: أن يقع الشك في طهارتها ونجاستها، وعلى هذا تصح الصلاة فيها لأن الأصل في الأرض هو الطهارة وعدم النجاسة. فأما المخلع(1)
فلا يدخل في النهي لأنه بمعزل عن النجاسة التي تهراق في البيوت الداخلة.
القول الثاني: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين لما يكشف فيها من العورات ويحصل بالإجتماع فيها من الرفث بالكلام، كما روي عن النبي أنه عرَّس(2)
هو وأصحابه في موضع في وادٍ فناموا فيه فلم يوقضهم إلا حرُّ الشمس فقال لهم الرسول : ((ارتفعوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطاناً " ))(3) .
ولم يصل فيه فعلى هذا تكره الصلاة في بيوتها وإن تحققت طهارتها. وحكي عن أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة فيها وفي سطوحها.
والحجة على صحة الصلاة فيها، ما روى أبو ذر: ((وحيث أدركتك الصلاة فصل " )) . ولم يفصل، ولأنها أمكنة طاهرة فصحت الصلاة فيها كالمساجد.
الفرع السادس: قال الإمام الهادي: وأكره الصلاة في الطرق السابلة، لحديث ابن عمر. ثم اختلف العلماء في النهي ومتعلقه في الطرق السابلة على قولين:
فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لما يقع فيها من النجاسات لأجل المارة لأنها تداس بالنعال فعلى هذا تكون على ثلاثة أوجه كما ذكرناه في الحمامات والمقابر، فإن تحقق النجاسة لم تجز الصلاة، وإن تحقق الطهارة جازت الصلاة، وإن وقع الشك جازت الصلاة لأن الأصل طهارة الأرض إلا أن تطرأ النجاسة.
المذهب الثاني: أنه إنما نهي عن الصلاة في قارعة الطريق لأجل حق الغير وهو الضرر بالمارة وعلى هذا يتصل(4)
فيها رأيان للإمامين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله:
__________
(1) المخلع: المكان الذي يخلع فيه المستحمون ثيابهم، حسب عرف أهل المدن في اليمن.
(2) عرس المسافر: نزل في وجه السحر، أو في آخر الليل. ا ه‍لسان ج6 ص 136.
(3) تقدم.
(4) هكذا في الأصل، وهي غير مفهومة، ولعلها: يتضاهى، ومعناها: يقع. والله أعلم.

فالرأي الأول رأي السيد أبي طالب: أنها لا تجوز الصلاة فيها واسعة كانت أو ضيقة. والظاهر من كلامه هو منع الإجزاء وبطلان الصلاة.
وحجته على هذا: قوله : ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ))(1) .
مع نهيه عن الصلاة في الطريق، والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات.
الراي الثاني ما قاله المؤيد بالله: وهو أن الطريق إذا كانت واسعة فلا ضرر على أحد فيها فلهذا جازت الصلاة [فيها]، والظاهر أنه لا كراهة مع سعتها. فإن كانت ضيقة كانت الصلاة مكروهة مع الإجزاء. هذا كله إذا لم يكن المصلي مانعاً بصلاته عن المرور، فأما إذا كان مانعاً بصلاته عن المرور بطلت صلاته لأنه يصير مانعاً بصلاته عن حق الغير كما لو صلى في دار مغصوبة. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المختار هو: رفع الكراهة مع السعة، وحصول الكراهة مع الضيق والإجزاء، والبطلان مع منع المارة.
الفرع السابع: في الصلاة في الدار المغصوبة. قال الإمام القاسم: ولا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة.
واعلم أن الكلام في هذا الفرع تتعلق به أحكام ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى.
الحكم الأول: تكره الصلاة في الدار المغصوبة، لا خلاف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة وذلك لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) . وهل تكون مجزية مسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده الإمام عبد الله بن حمزة في (المهذب) ص 280، وكذا في (النور الأسنى) .

المذهب الأول: أنها غير مجزية، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه ومحكي عن الشيخين أبي على وأبي هاشم وغيرهما من المتكلمين المعتزلة البصرية والبغدادية وهو قول أبي سمرة(1)
من فقهاء البصرة، وداود من أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: هو أن الصلاة في الدار المغصوبة منهي عنها، والصلاة مأمور بها فلو قضينا بكونها مجزية لمن فعلها لأدَّى إلى أن يكون الفعل الواحد مأموراً به منهياً عنه، وهذا محال. ومن وجه آخر وهو: أن الفعل إذا كان مأموراً به وجب أن يكون مراداً، وإذا كان منهياً عنه وجب أن يكون مكروهاً، ومحال في الشيء أن يكون مراداً مكروهاً لما في ذلك من إجتماع الضدين وما هذا حاله فهو محال.
والحجة الثانية: أنا نقول: الكون في الدار المغصوبة مع التمكن من الخروج منها معصية، والصلاة في نفسها قربة وعبادة وطاعة، ومحال في الفعل الواحد أن يكون طاعة معصية لما في ذلك من التناقض والتضاد.
الحجة الثالثة: وهي أن نقول: القيام ركن من أركان الصلاة لا تتم الصلاة من القادر إلا به وهو فعل واحد والفعل الواحد لا يكون طاعة معصية، حسناً قبيحاً، مثاباً معاقباً عليه، ولا شك أن القول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة يقضي بما ذكرناه فيجب القضاء بفساده وبطلانه.
__________
(1) أحمد بن سالم بن خالد أبو سمرة، كوفي. جاء في (الكامل في ضعفاء الرجال)1/169: ليس بالمعروف، وله أحاديث مناكير، روى عن هشيم بن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله : ((إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والهم والغم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفى)) قال الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، وضعفه ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) 1/72، وقال: يروي عن الثقات الطامات لا يجوز الاحتجاج به.
…لم نجد في المراجع المتاحة غير هذا، ويبدو أن المقصود غيره؛ لأن المؤلف وصفه بأنه من فقهاء البصرة بينما المترجم له كوفي محدث، والله أعلم.

المذهب الثاني: أن الصلاة في الدار المغصوبة مكروهة لكنها مجزية مسقطة للفرض فلا يلزم قضاؤها، وهذا هو رأي الفريقين الشافعية والحنفية.
والحجة على ذلك: هو أنها أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعاً إليها وإنما هو لحق المالك وما هذا حاله فليس مانعاً لأنه بمعزل عن كونها صلاة فلهذا لم يعد مانعاً عن الإجزاء.
الحجة الثانية: قالوا: الإيمان من أعظم القرب وأولاها وهو أصلها وقاعدتها فإذا كان جائزاً في الدار المغصوبة فهكذا الصلاة من غير فرق بينهما.
الحجة الثالثة: قالوا: الصلاة عبادة وقربة وطاعة، وايقاعها على وجه الحظر لا يكون مانعاً من إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرط من شرائطها فأما إذا كان يخل فإنه يكون مانعاً من الإجزاء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن القول بإجزاء الصلاة في الدار المغصوبة يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال فهو محال. فالقول بإجزائها محال، وإنما قلنا: أن القول بإجزائها يفضي إلى المحال فلأنه يؤدي إلى إجتماع الأمور المتضادة فتكون العين الواحدة مأموراً بها منهياً عنها ومرادةً مكروهة وطاعة معصية وحسنة قبيحة وقربة وغير قربة، وهذه الأمور المتضادة قد اجتمعت في الصلاة في الدار المغصوبة واجتماعها من أعظم المحال، وإنما قلنا: إن ما أفضى إلى المحال فهو محال، فما هذا حاله معلوم بضرورة العقل فإنه لو كان صحيحاً لم يكن مؤدياً إلى المحال. فهذا مسلك قوي يجمع جملة الإلزامات التي يوردها الفقهاء متفرقة جمعناها هاهنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: هي أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعاً إليها وإنما هو لحق المالك وهو بمعزل عن كونها صلاة.
قلنا: إن ما هذا حاله فليس وجهاً في التغاير لأن الذي وقع به منع حق الغير هو نفس كونها صلاة وفي هذا دلالة على أنه مطيع بنفس ما هو عاصٍ به وهو محال.

164 / 279
ع
En
A+
A-