الفضية وروؤس البراشم(1)
لمحلاة بالفضة والذهب وحلية اللبب(2)
والسرج(3)
المذهب والخياصة(4)
الذهبية والفضية وزيج(5)
البيضة وحلية المغفر(6)
كل ذلك في قتال الحق والحرب مع إمام المسلمين ما دامت الحرب قائمة ولم تضع أوزارها.
والحجة على جواز ذلك وإباحته: ما ورد في الأثر أن أصحاب الرسول كانوا يلبسون الديباج بين يديه لقتال المشركين، ولما يظهر في ذلك من الهيبة والرعب وإظهار القوة بالمسلمين لقلوب أهل الشرك رجالاً وفرساناً، وكانوا يتخذون الذهب والفضة في جميع مراكبهم وآلات الحرب ولم يظهر من جهته نكير في ذلك بل أقرهم(7)
عليه وهكذا جميع الخلفاء بعده، وجرت سنة المسلمين على هذا في مقاتلة أهل الشرك والبغي.
الحكم الرابع: في المخلوط من الحرير بالقطن والكتان والصوف فينظر فيه فإن كان الغالب هو الحرير حرم لبسه لأن الخلط صار مستهلكاً بالقلة واسم الحرير ينطلق عليه، وإن كان الخلط هو الغالب جاز لبسه لأن الحرير يصير مستهلكاً بكثرة غيره فلا يطلق عليه اسم الحرير، وإن كان الخلط هو النصف فهو الذي يقال له المنصف(8)
__________
(1) قال في (لسان العرب): البرشم: البرقع والبرشمة تلوين النقط. ا ه‍ج14 ص 47.
(2) اللبب بالضم جمع لبب بالفتح، وهو ما يوضع في السرج أو الرحل.
(3) رحل الفرس، أو ما يوضع على ظهر الفرس للراكب.
(4) تخويص التاج ماخوذ من خوص النخل يجعل له صفائح من الذهب. ا ه‍لسان ج7 ص33.
(5) الزيج كما في (لسان العرب): خيط البنَّاء وهو المطمر، فارسي معرب، قال الأصمعي: لست أدري أعربي هو أم معرب. ا ه‍2/
(6) والمغفر والمغفرة والغفارة: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القِلَنْسَوَة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح. ا ه‍لسان 5/26، المغفر، بكسر الميم وسكون الغين وفتح الفاء.
(7) في الأصل: بل قارهم.
(8) المُنَصَّف: بضم الميم وفتح النون وتضعيف الصاد المهملة.

فاختلف كلام الهادي في الجامعين فقال في (المنتخب): يجوز لبسه؛ لأن الحرير يصير مستهلكاً بما خلط به فيباح لبسه، وقال في (الأحكام): يحرم لبسه وهذا هو الأقوى وهو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله. قال العلماء من الأئمة والفقهاء:
والحجة على ذلك: هو أن الحاظر والمبيح اجتمعا فيجب أن يكون الحكم للحاظر دون المبيح، ويؤيد ذلك قوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )). ومن جهة أن الخبر الوارد في تحريم الحرير لم يفصل بين الجميع وبين المنصف فإن وقع الشك في كون الخلط أقل من النصف أو النصف فالأولى الترك عملاً على التحريم لقوله : ((المؤمنون وقافون عند الشبهات " )).
الحكم الخامس: في الصلاة في الحرير وهل يكون مكروهاً أو حراماً؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها محظورة حرام، وهو رأي الشافعي لظاهر الخبر ولأن لباسه إذا كان محظوراً كانت الصلاة أولى بالحظر.
وثانيهما: أنه يكون مكروهاً، وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ لأن الحرير إنما حرم من أجل الخيلاء، والصلاة هي موضع خضوع وذلة فلهذا جاز مع الكراهة فإن صلى جاز لأن النهي كما ذكرناه لا يختص الصلاة، فإن لم يجد العريان إلا الثوب الحرير جازت الصلاة فيه ولا يصلي عرياناً ويخالف الثوب النجس؛ لأنه أخف حكماً باتفاقٍ من القائلين بالمنع من الصلاة في الثوب النجس فإن صلى عرياناً مع تمكنه من الثوب الحرير بطلت صلاته لأنه يصير كأنه صلى عرياناً مع تمكنه من غير عذر.
وحكي عن أحمد بن حنبل: صحة صلاته عرياناً مع تمكنه من الحرير، ولا وجه له لأن معه سترة طاهرة فلا يعذر في الصلاة عرياناً.
الحكم السادس: وتكره الصلاة في الأثواب المشبعة صبغاً. واعلم أن الإصباغ على ضربين:

فالضرب الأول منهما: مكروهة، وهذا نحو المعصفر والمزعفر والمورس، المصبوغة بالعصفر والورس والزعفران، فما هذا حاله يكره لبسه للرجال وتكره فيه الصلاة للرجال أيضاً، ويباح لبسه للنساء ولصلاتهن أيضاً لما روي عن الرسول أنه رأى رجلاً عليه ثوب مصبوغ فقال: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان خيراً لك " )). فلما سمع الرجل كلامه وضعه في التنور فرآه الرسول فقال له: ((ما صنعت؟)). فقال يارسول الله الذي قلت لي، وضعته في التنور، فقال: ((لو شققته على أهلك لكان خيراً لك " ))(1). فدل ذلك على إباحته للنساء وعلى كراهته للرجال.
الضرب الثاني: ما يباح من الأصباغ، وهذا نحو النيل والبقَّم والفوَّه(2)
__________
(1) وفي فتح الغفار: عن عبد الله بن عمرو قال: رأى النبي علي ثوبين معصفرين فقال: ((أمك أمرتك بهذا))؟ قلت: أغسلهما يا رسول الله، قال: ((بل احرقهما)) رواه احمد ومسلم والنسائي. وهذا لفظ مسلم، قال: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع النبي من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ((ما هذه))؟ فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: ((يا عبد الله ما فعلت بالريطة))؟ فأخبرته، فقال: ((ألا كسوتها بعض أهلك)) رواه أحمد، وكذلك رواه أبو داؤد وابن ماجة وزاد: ((..فإنه لا بأس بذلك للنساء)) قال: والحديث ليس في اسناده إلا عمرو بن شعيب، وقد حسن حديثه جماعة من الأئمة. ا ه‍1/138، وقد جاء الخبر بلفظه في الجواهر.
(2) البُقَّم: شجر يصبغ به، دخيل معرب. قال الأعشى:
بكأس وإبريق كان شرابها
إذا صب في المسحات خالط بَقَّما
ا ه‍لسان 14/52، وهو مضبوط بفتح الباء الموحدة وتضعيف القاف مفتوحة.
والفوَّة: عروق نبات تستخرج من الأرض يصبغ بها، وفي التهذيب: يصبغ بها الثياب. ا ه‍لسان 15/166، وهي مضبوطة بضم الفاء وتضعيف الواو مفتوحة.

وغير ذلك من الأصباغ التي لا زينة فيها بخلاف الأصباغ التي ظاهرها الزينة كالذي ذكرناه فإنه لايتعاطا لبسها إلا الأرذال والذين لا ورع لهم ولا تمسك بالديانة والصلاح، فلهذا كانت مكروهة، وتكره الصلاة واللبس في الثوب الذي فيه صور الحيوان لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان لي ثوب فيه صورة وكنت أبسطه لرسول الله فقال لي: ((أخريه عني " ))(1).
فجعلت منه وسادتين.
الحكم السابع: وتستحب الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة ولم يصبها قذر لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا في نعالكم وخالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم " ))(2).
فإن كان فيها قذر نزعها وحلها لما روى أبو سعيد الخدري قال: بينا رسول الله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره فلما رآه القوم خلعوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلاته قال لهم: ((ما حملكم على إلقاء نعالكم " ؟)). فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فألقينا نعالنا فقال: ((إن جبريل أتاني فقال إن فيهما قذراً))(3). ويستحب افتقاد النعال عند دخول المسجد لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى " فليمسحه وليصل فيهما))(4).
وهذه حجة لأبي حنيفة حيث قال: بأن المسح كافٍ في إزالة النجاسة عن الكف من غير غسل.
__________
(1) وفي رواية لأبي داؤد عن عائشة بلفظ: أنها نصبت ستراً وفيه تصاوير فدخل رسول الله فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما، قال في فتح الغفار: متفق عليه، وفي لفظ لأحمد: فقطعته مرفقتين فلقد رأيته متكئاً على إحداهما وفيها تصاوير. ا ه‍1/140.
(2) عن شداد بن أوس أن رسول الله قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم)). أخرجه أبو داؤد. ا ه‍جواهر 1/214.
(3) أخرجه أبو داؤد وزاد: ((إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً فليمسحه وليصل فيهما)) وفي رواية: ((خبثاً)) في الموضعين. ا ه‍. المصدر السالف.
(4) سبق آنفاً.

نعم، إنما تستحب الصلاة في النعال إذا كان الذابح لها(1)
من جملة المسلمين فأما إذا كان الذابح لها من الكفار أهل الشرك وعبدة الأصنام والأوثان والنجوم والمرتدين فلا تجوز الصلاة فيها، فأما ذبائح أهل الكتابين فمخالفة لغيرهم من الكفار، وسيأتي تقرير ذلك في الذبائح بمعونة الله تعالى.
وتجوز الصلاة في الثوب الواحد والقميص الواحد، لما روي عن الرسول أنه سئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: ((أوكلكم يملك ثوبين " ؟)) فإن صلى في القميص وكان فتحه ضيقاً جازت الصلاة وإن كان واسعاً فليزره بزرار فإن لم يكن رزار فليزره بشوكة، وإن صلى في الثوب الواحد فليعقد طرفيه في قفاه لما روي عن الرسول أنه صلى بالناس في مرضه الذي قبض فيه في شملة خيبرية عاقداً لطرفيها في قفاه(2)
فإن كان القميص رقيقاً يصف البدن أو كان مهلهل النسيج كرهت الصلاة فيه لرقته وهلهلة نسجه فيرى كأنه عريانٌ.
الحكم الثامن: قال الهادي في (الأحكام): وتكره الصلاة في الفراء إذا لم يكن معه غيره. قال السيد أبو طالب: وأصحابنا يختلفون في نقل هذه اللفظة ولها تأويلان:
التأويل الأول: أنها الفراء بالفاء والراء وهو جمع فروة يقال: فروة وفراء كقرية وقراء(3).
وهو شيء يتخذ من الجلود المدبوغة يستعمله أهل اليمن مفتوح من قدام، وإنما كرهت الصلاة [فيه] لأنه إذا كان وحده تجافى عن بدن المصلي ولم يقع عليه فيكون إذا ارتفع عن بدنه كالعريان.
__________
(1) يقصد الذابح لذات الجلد الذي صُنِع منه النعل.
(2) وفي الاعتصام: وأخرج فيه الترمذي عن أنس بن مالك أن النبي خرج وهو متكئ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قِطْري قد توشح به فصلى بهم، وقطري-بكسر القاف فسكون الطاء-: ضرب من البرد وفيه حمرة واعلام مع خشونة. ا ه‍4/405.
(3) لا يبدو هناك تطابق بين المادتين في الإشتقاق.

التأويل الثاني: أنه القزُّ بالقاف والزاي، وهو الأبريسم من الحرير، فإنها تكره فيه الصلاة كما أوضحناه من قبل ومعناه إذا لم يكن معه غيره من الثياب المباحة فإنه أدخل في الكراهة أو نعني إذا لم يكن معه غيره منسوجاً فيه مخلوطاً معه والأول هو المعتمد عليه.
فالتأويل الأول: محكي عن السيد أبي طالب، والتأويل الثاني: محكي عن السيد المؤيد بالله، وكلاهما جيد لا غبار عليه خلا أن الأول أجرى على أصول الهادي ومسائله.
الحكم التاسع: والخزُّ حيوان يستعمل جلده ووبره، فأما وبره فيجوز لبسه في الصلاة وفي غيرها لما روي عن الرسول أنه كان يعتم بعمامة سوداء من خز وكان يقال لها (السحاب) أعطاها علياً وكان يعتم بها ويقال: طلع علينا أمير المؤمنين وعلى رأسه (السحاب)(1)،
وروي أن الحسين بن علي رضي الله عنه استشهد وعليه جبة من خزٍّ، وروي أن الحسن البصري رأى علي بن الحسين وعليه جبة من خزٍّ. رؤية متعجب من لباسه لها فقال له علي بن الحسين: مهٍ يا أبا سعيد قلب كقلب عيسى ولباس كلباس كسرى. وعن الناصر: أنه كان يلبس الخز ويقول: لا بأس بلباسه، وأما جلده فقال الهادي في (الأحكام): وأكره الصلاة في الخز لأني لا أدري ما هو ولا ما ذكاة دوابه ولا ما أمانة عماله، وقد أشار في هذا الكلام إلى مداخل الشك وجملتها ثلاثة:
المدخل الأول: قوله: لا أدري ما هو. فما هذا حاله يحتمل وجهين:
__________
(1) قال في (الجواهر): وفي كتاب الإحياء ما لفظه: وكانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي فربما طلع فيها فيقول : ((أتاكم علي في السحاب)) وفي النهاية ما ملخصه: أنها سُميت بالسحاب تشبيهاً بسحاب المطر لانسحابه في الهواء. ا ه‍1/215، ولعل الصواب: تعليل تشبيهها بالسحاب بجامع اللون الأسود، وكما أكد هذا رواة بزيادة صفة (عمامة سوداء من خز) كما أورده المؤلف.

أحدهما: أن يريد: هل هو مما يؤكل أو مما لا يؤكل؟ وهل الأصل التحريم بالعقل إلا ما دل الشرع على تحليله أو الأصل هو التحليل بالشرع لعموماته إلا ما دل الشرع على تحريمه؟
وثانيهما: أن يريد: هل هو من حيوان البر فلابد له من ذكاة أو من حيوان البحر فتكون ذكاته صيده، فقوله يحتمل ما ذكرناه.
المدخل الثاني: قوله: ولا ما ذكاة دوابه. وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: هل ذكي أو لم يذكَّ.
وثانيهما: أن يريد: هل ذكاته النحر أو الذبح على قانون الشرع في الذبح والنحر لأنهما إذا لم يكونا على ما شرطه الشرع لم يحل المذبوح وكان ميتة.
المدخل الثالث: قوله: ولا ما أمانة عماله. فهو محتمل لوجهين:
أحدهما: هل هم كفار أو مسلمون؟ فإذا كانوا كفاراً لم تحل ذبائحهم.
وثانيهما: أنهم وإن كانوا مسلمين فلا يُدْرَى بحال عدالتهم فلا يؤمن أن يخلطوا فيه الميت والمذكى؛ لأن ما هذا حاله إنما يحجزه الورع والعدالة فإذا لم يكن هناك عدالة لم يؤمن ما ذكرناه، فهذه مداخل الشكوك التي أوجبت الكراهة.
دقيقة: اعلم أن السيد أبا طالب ذكر في شرحه: أن من أصحابنا من ذكر وجهاً ثالثاً في الاحتمال: وهو أنه يجوز أن يكون قد ذهب إلى أنه وإن كان مما لا يؤكل لحمه فإنه يصير طاهراً بالذبح ولكن لم يعلم حال الذابح فيجيء على هذا أن السباع التي هي طاهرة في حال الحياة إذا ذبحت فإنه يجوز الإنتفاع بجلودها والصلاة فيها، إلا أن الظاهر من المذهب: أن كل ما حرم الله أكل لحمه فلا يجوز لبس جلوده فهذا التخريج يضعف، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الاحتمال في التخريج من كلام الهادي جيد لا غبار عليه لأمرين:
أما أولاً: فلقوله تعالى عقيب ذكر المحرمات: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}. فظاهر الآية التحليل لكل ما ذكيتم لعمومه ولم يفصل بين أن يكون مما يحل أكل لحمه أو مما لا يحل.

وأما ثانياً: فلأن فائدة التذكية الشرعية، هو طهارة الجلد ويبقى حال الأكل موقوفاً على الدلالة الشرعية، فإن دلت على حل أكله أكل، وإن لم تدل على حل أكله انتفع بجلده وكان طاهراً، فهذا الاحتمال لا مانع منه. ولا أدري من يعني بقوله: بعض أصحابنا، أخاه السيد المؤيد بالله أو غيره من أهل التخريج لمذهب الهادي؟ فحصل من مجموع ما ذكرناه طهارة شعر الخز ووبره ذكي أو لم يذك.
وعن الشعبي أنه قال: رأيت الحسن بن علي يلبس الخز، وعن جماعة رضي الله عنهم من الصحابة سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي هريرة، أنهم كان يلبسون الخز وأن جلده يطهر بالذكاة الشرعية سواء حل أكل لحمه أو لم يحل على ما قررناه.
الحكم العاشر: اعلم أن لبس الحرير الصرف مع العلم بتحريمه في حال الرفاهية من غير عذر، معصية لله تعالى ومخالفة لما عليه المسلمون، وتحصل منه ثمرتان:
الثمرة الأولى: إجماعية، وهي فسق اللابس لأن الإجماع منعقد على فسق من لبسه من غير عذر.
الثمرة الثانية: خلافية، وهي نقض الوضوء بلبسه فإنا قد قدمنا أن الكبائر الفسقية والكفرية هل تكون ناقضة للوضوء أم لا؟ وذكرنا الخلاف والمختار والانتصار فأغنى عن تكريره، فأما لبسه في حال الصلاة فلا سبيل إلى الفسق بالمسائل الخلافية، وهل يكون محرماً أو مكروهاً؟ فيه روايتان:
الرواية الأولى: التحريم، وهي رواية (المنتخب) تقتضي بطلان الصلاة، وهو محكي عن الناصر واختيار السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أنه منهي عن لبسه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وهو إذا كان مصلياً فيه فهو لابسٌ له، فوجب أن يكون النهي متناولاً له في حال الصلاة كحاله في اللباس.
الرواية الثانية: رواية (الأحكام)، وهي الكراهة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو رأي أكثر الفقهاء.

والحجة على ذلك: هو أنه ثوب طاهر غير مغصوب فصحت الصلاة فيه كما لو كان الغالب هو القطن، أو نقول: ولأنه ثوب تصح صلاة المرأة فيه فجازت صلاة الرجل فيه.
والمختار: جواز الصلاة فيه؛ لأن النهي إنما تعلق به لما يختص به من الخيلاء، والصلاة تنافي الخيلاء لما فيها من الخضوع والذلة للمعبود.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: النهي يقتضي الفساد.
قلنا: النهي ليس مختصاً بالصلاة لعينها وإنما كان لما ذكرناه من الخيلاء فلهذا جازت الصلاة فيه، فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المختصة بلبس الحرير وما يتعلق به، ونرجع إلى الفصول والله الموفق للصواب

---
الفصل الثاني في بيان الأمكنة التي يصلى عليها
طهارة الموضع الذي يصلى عليه شرط في صحة الصلاة.
قال الإمامان القاسم والناصر: وعلى كل مصلٍ فريضةً أو نافلة ألا يصلي [في أي] من البقاع إلا في بقعة نقية. وحكي عن الهادي مثل ذلك، وهو رأي سائر أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. فأما أبو حنيفة فقد قال: إذا كان موضع قدمي المصلي طاهراً صحت صلاته، وإن كان موضع ركبتيه نجساً. وفي موضع الجبهة روايتان.
وحكي عن مالك: أن من صلى في موضع نجس استحسن له أن يقضي، وفي هذا دلالة على جواز الصلاة عليه.
والحجة على ما قاله القاسم: وهو قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}[البقرة:145].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت لكل طائف وعاكف، وشرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا، هذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: أن كتابنا ناسخ لما قبله من الكتب السالفة وأن شريعتنا ناسخة لما تقدمها من الشرائع.
والحجة على ما قلناه: هو أن الإجماع على ما ذكرناه من نسخ كتابنا لكل كتاب وشريعتنا لكل شريعة، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يصح الاحتجاج بالمنسوخ وقد رفع حكمه.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه رأى كراسة من التوراة في يد عمر ينظر فيها فاغتاظ واحمر وجهه وقال: ((والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " )) . وفي هذا دلالة على أن الكتب المتقدمة لا يلتفت إليها في تقرير حكم من أحكام الشريعة بل ما أثر عن الرسول ونطق به كتابنا فهو كاف عن طلب حكم الحادثة من غيرهما من الكتب السابقة.
التفريع على هذه القاعدة:

163 / 279
ع
En
A+
A-