قالوا: قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ " }[الأعراف:31].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بأخذ الزينة وهي اللباس ولا معنى لأخذها إلا للصلاة في المساجد ولم يفصل بين أن تكون طاهرة أو نجسة وفي هذا ما نريده.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في الآية لفظة للعموم فيحتج بها وإذا لم يكن هناك عموم في الآية بطل الاحتجاج بها فإنه لا يمتنع أن يكون أراد الزينة التي تجزي فيها الصلاة من الأثواب الطاهرة دون النجسة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأدلة التي تدل على طهارة الأثواب فيجب تأويل هذه الآية على ما يوافق دلالة الأخبار حذراً من تناقض الأدلة.
قالوا: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ " }[الأعراف:32] ولم يفصل في هذا بين الطاهر من الأثواب وبين الأثواب النجسة، وفي هذا دلالة على أن الطهارة في الأثواب غير معتبرة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلم تعرض الآية لمقصود اللباس في الصلاة فيكون فيها دلالة على ما قلتموه وإنما أراد أخذ الزينة لغير الصلاة ونحن لا نمنع من جواز لبس غير الطاهر في غير الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن ما أوردناه من الأدلة على اشتراط الطهارة في الأثواب صريحة فيما ذكرناه بخلاف هذه الآية فإنها غير دالة، فلهذا كان ما قلناه أرجح فيجب التعويل عليه. فهاتان الآيتان يحتج بهما من لم يشترط الطهارة في الأثواب في الصلاة كابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومالك، وقد أجبنا عنها فبطل تعلقهم بها، والحمد لله.
الفرع الرابع: إذا كان مع المصلي ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولا يجد ما يغسله به ولا يجد سترة سواه، فهل يصلي فيه أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يصلي عرياناً. وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم(1)
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: نصاً للقاسم وتخريج أبي طالب للهادي.ا ه‍.

والأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن طهارة ما يصلي فيه شرط في صحة الصلاة كطهارة الماء، وأجمعنا على أنه لو لم يجد إلا ماء نجساً لم يجز استعماله للصلاة فهكذا إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً فإنه لا تصح صلاته فيه.
المذهب الثاني: جواز الصلاة فيه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن محمد [بن الحسن الشيباني].
والحجة على هذا: هو أنه إذا صلى فيه استفاد ستر العورة والقيام الذي هو ركن من أركان الصلاة وكل واحد من هذين شرط في صحة الصلاة فكان أولى.
المذهب الثالث: أنه مخير بين الصلاة عرياناً وبين الصلاة فيه، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: هو أنه قد تعارض محظوران في هذه المسألة: الصلاة عرياناً والصلاة في الثوب النجس وكل واحد منهما لا يجوز فعله في حال الرفاهية وإنما يجوز في حال الضرورة ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بوجه شرعي، فلهذا كان مخيراً بين هذين الأمرين.
والمختار: ما ذكره المؤيد بالله(1).
وحجته: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا: أنه إذا صلى فيه فقد أحرز ستر العورة وهي من أهم مقاصد الشرع وهي واجبة في الصلاة وفي غير الصلاة، وأحرز القيام وهو فرض من فروض الصلاة ولم يبق هناك إلا أنه صلى في الثوب النجس، وللشرع تسامح في مباشرة النجاسات وتوسع فيها ولهذا فإن الإجماع منعقد على جواز ملابسة شيء من النجاسات ولكن اختلفوا في قدره كما قررناه في الأشياء النجسة، فلهذا كانت الصلاة فيه أحق وأولى.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: أجمعنا على أنه إذا لم يجد إلا ماء نجساً فإنه لا يجوز له استعماله للصلاة فهكذا إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً لم يجز له استعماله.
قلنا: الفرق بينهما ظاهر، فإنه إذا لم يجد إلا ماء نجساً لم يجز استعماله لأن له بدلاً وهو التيمم بخلاف الصلاة في الثوب النجس فإنه لا بدل له فافترقا.
__________
(1) من جواز الصلاة في الثوب المتنجس.

قالوا: تعارض محظوران، الصلاة عرياناً والصلاة في الثوب النجس ولا ترجيح فلهذا وجب التخيير يفعل المصلي ما شاء.
قلنا: لا ننكر التعارض، ولكن ما ذكرناه أرجح لما فيه من الوفاء بما ذكرناه من الغرضين، وهما إحراز القيام وإحراز ستر العورة، فلأنه كان أرجح من التخيير.
الفرع الخامس: وإن وجد من الماء ما يغسله نظرت فإن كان الثوب نجساً كله وجب عليه غسله وإن كانت النجاسة في بعضه نظرت، فإن عرف موضع النجاسة لزمه غسله دون غيره وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب لم يجز له أن يتحرى موضع النجاسة لأن التحري إنما يكون في عينين وهذه عين واحدة، وما الذي يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يغسل موضعاً منه فإذا غسل موضعاً منه فإنه يتحقق طهارة ما غسله وصار يشك في باقيه هل هو نجس أم لا؟ والأصل بقاؤه على الطهارة.
وثانيهما: أنه يلزمه غسل جميع الثوب كما لو نسي صلاة من خمس صلوات فإنه يلزمه أن يصلي الخمس ليسقط عنه الفرض بيقين، وهذا هو الأصح والأقوى لما فيه من التحقق واليقين في إسقاط الفرض وهو لا يسقط بغسل بعضه؛ لأنه قد تحقق حصول النجاسة فيه وهو يشك هل ارتفعت بغسل بعضه ولا شك أن الأصل بقاؤها فإن شقه نصفين وأراد أن يتحرى في أحد الشقين لم يجز له ذلك لجواز أن تكون النجاسة في وسط الشق فتكون القطعتان نجستين.
وإن صلى وعلى رأسه عمامة وطرفها على نجاسة نظرت فإن كانت النجاسة تتحرك بتحرك العمامة بطلت صلاته؛ لأنه يصير كأنه بتحريكها ملابساً لها، وإن لم تتحرك بتحركه جازت صلاته، وهذا هو المختار؛ لأنه ليس ملابساً لها، وحكي عن أصحاب الشافعي أن صلاته تبطل على كل حال سواء تحركت بحركته أم لا.

الفرع السادس: وإن كان معه ثوب بعضه طاهر وبعضه نجس، فلبسه وصلى فيه وموضع النجاسة على الأرض نظرت، فإن كان موضع النجاسة يتحرك بحركة المصلي لم تصح صلاته، وإن كان لا يتحرك بتحركه صحت صلاته على المختار(1)
لأن موضع النحاسة إذا كان يتحرك بحركته صار ملابساً له وإذا كان غير متحرك بحركته صار كالمنفصل عنه، وعن أصحاب الشافعي أن صلاته باطلة في هذه الصورة بكل حال من غير مراعاة للحركة وعدمها.
وإن كان معه ثوبان وفي أحدهما نجاسة واشتبها عليه جاز التحري وإعمال النظر للصلاة في أحدهما فأيها غلب على ظنه عمل عليه وهو قول أبي حنيفة. وفرق أبو حنيفة بين الثياب والآنية فقال في الثياب: يتحرى في الثوبين. وقال في الآنية: إن كان عدد الطاهر أكثر تحرى وإن كانا سواء أو كان عدد النجس أكثر لم يتحر، وقد مضى تقريره في باب الوضوء، وإن كان معه ثوب طاهر يتحقق طهارته لم يتحر في الثوبين المشتبهين لأنه قد تمكن من إسقاط الفرض بيقين فلا وجه للتحري.
__________
(1) في حاشية الأصل ما لفظه: هذا اختياره في العمامة والثوب إذا كان في طرفهما نجاسة، وهو كلام الأزرقي والحقيني. وكلام القاسمية مثل كلام أصحاب الشافعي:أن صلاته باطلة.اه‍.

الفرع السابع: اعلم أن ظاهر مذهب أصحابنا هو التفرقة في محل التحري بين الآنية والأثواب، فإذا وقع الشك في ثوبين أحدهما طاهر والآخر نجس صلى فيهما جميعاً، وهكذا لو كانت ثلاثة، إثنان طاهران وواحد نجس فإنه يصلي في اثنين، ولو كان إثنان نجسين وواحد طاهر صلى في الثلاثة من غير حاجة إلى التحري لأن إسقاط الفرض بيقين ممكن فلهذا وجب فعله بخلاف الآنية فإن وقع الشك في واحد من اثنين فإنه يعدل إلى التيمم ولا يتحرى وإن كان إثنان نجسين والثالث طاهراً فإنه لا يتحرى ويعدل إلى التيمم وإن كان إثنان طاهرين وواحد نجساً فإنه يتحرى لأن هاهنا تعارض جانب الحظر وجانب الإباحة فإن استويا غلب جانب الحظر لأجل الإحتياط وإن غلب جانب الحظر فلا تحري وإن غلب جانب الإباحة فالتحري.
قال الإمام المؤيد بالله: فإن وجد ثوبين وعلم أن أحدهما طاهر ولم يتميز له الطاهر عن النجس صلى في كل واحد منهما وكان الوجه ما ذكرناه من سقوط الفرض بيقين فلهذا وجب التفرقة بين الآنية والأثواب.
وإن حمل المصلي حيواناً نجساً كالكلب والخنزير لم تصح صلاته لأنه حامل لنجاسةٍ غير معفو عنها، وإن كان الحيوان طاهراً ولا نجاسة عليه صحت صلاته لأن الرسول حمل أمامة بنت أبي العاص وهو يصلي، ومن جهة أن النجاسة في جوف الحيوان لا حكم لها كالنجاسة التي في جوف المصلي، وإن حمل صُرَّةً من الدنانير أو من الدراهم والفلوس في كمه أو في جيبه أو في منطقته وصلى صحت صلاته لأنها أعيان طاهرة، فإن اتصل بها نجاسة وحملها بطلت صلاته، وإن حمل المصلي حيواناً طاهراً مذبوحاً وقد غسل الدم عن موضع الذبح لم تصح صلاته؛ لأن في بطنه دماً غير دم الذبح يظهر عند نحره فيكون حاملاً للنجاسة، وإن حمل المصلي قارورة فيها نجاسة وسد على فمها بالنحاس والرصاص ففيها وجهان لأصحاب الشافعي.

والمختار: فساد الصلاة لأنه حامل للنجاسة وهكذا لو شد على فمها بشمع أو طين وحملها بطلت صلاته قولاً واحداً لأصحاب الشافعي لأنه حامل للنجاسة.
الفرع الثامن: وإن شد المصلي حبلاً في كلب أو خنزير ووضعه تحت رجله وصلى صحت صلاته؛ لأنه ليس حاملاً للنجاسة ولا لما هو متصل بها، وإن كان الحبل مشدوداً في يديه أو في وسطه أو في عنقه، فيه وجهان لأصحاب الشافعي.
والمختار: بطلان الصلاة لأنه حامل للنجاسة ولا يفترق الحال بين أن يكون صغيراً أو كبيراً.
وإن شد حبلاً في سفينة فيها نجاسة نظرت فإن كان الشد في موضع نجس من السفينة وكان الحبل في يده أو وسطه بطلت صلاته، وإن كان تحت قدمه لم تبطل صلاته، وإن كان شد الحبل في موضع طاهر من السفينة لم تبطل صلاته لأنه ليس حاملاً للنجاسة.
وتجوز الصلاة في ثوب الحائض إذا لم تتصل به نجاسة لها ولغيرها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أحيض عند رسول الله ثلاث حيض ولا أغسل ثوبي(1).
وإنما أرادت أنه لم يصبه شيء من دمها. وروي أن رسول الله قال لعائشة: ((ناوليني الخُمْرَةَ من المسجد " ، فقالت إني حائض، فقال: ليست الحيضة في يدك ولا المؤمن ينجس)) (2).
فأشار بهذا الكلام إلى أنها وإن كانت حائضاً فإن عرقها ولعابها طاهران وعلى أن الحيض إذا لم يكن متصلاً بشيء من أعضائها فهي طاهرة.
وتجوز الصلاة في الثوب الذي يجامع الرجل فيه امرأته لما روي عن أم حبيبة زوج الرسول أنها قالت: كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم تصبه نجاسة(3).
وتجوز الصلاة في ثوب الصبي الصغير إذا لم تعلم فيه نجاسة لأن الرسول كان يحمل أمامة بنت أبي العاص وعليها ثيابها.
__________
(1) تقدم في الحيض.
(2) تقدم في الحيض.
(3) أخرجه أبو داؤد والنسائي بلفظ: سأل معاوية أخته أم حبيبة زوج النبي هل كان رسول الله يصلي في الثوب الذي كان يجامعها فيه؟ فقالت: نعم، ما لم ير فيه أذى. ا ه‍جواهر 1/214.

ولا تجوز الصلاة في جلود الميتة دبغت أو لم تدبغ لأنها تنجس بالموت فلا تجوز الصلاة فيها وقد قررناه في كتاب الطهارة فأغنى عن تكريره.
الفرع التاسع: الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق محرمة لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) (1).
وهل تكون مجزية ومسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله لا يختلفون فيه.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((لو أن رجلاً كان معه تسعة دراهم من حلالٍ " وضم إليها درهماً من حرام فاشترى بالعشرة ثوباً فصلى فيه لم يقبل الله فيه صلاته))(2).
فقيل له: سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال: سمعت رسول الله يقول ذلك ثلاث مرات.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المحذور أن يكون المصلي مطيعاً بنفس ما هو عاصٍ به والأمر هاهنا ليس كذلك فإن المصلي مطيع بالقيام والقعود والذكر والخشوع والخضوع، وعاصٍ باللباس للثوب المغصوب وهو بمعزل عن نفس الصلاة، فلما كان الأمر هكذا من حصول التغاير بين الأمرين كانت الصلاة مجزية وإن كان لابساً للثوب المغصوب لأجل ما ذكرناه من حصول التغاير.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد في سننه عن حنيفة الرقاشي بلفظ: ((لا يحل مال امرءٍ مسلم إلا بطيبة نفس منه)). ا ه‍. منتخب كنز العمال 1/69.
(2) ورد بلفظ: ((من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يتقبل الله عز وجل له صلاة ما دام عليه)) ثم أدخل (ابن عمر) أصبعيه في أذنيه فقال: صُمتا إن لم يكن النبي سمعته يقوله، قال في فتح الغفار: رواه أحمد وعبد بن حميد والبيهقي وضعفه، وإسناده ضعيف. ا ه‍1/235. وهو في جواهر الأخبار بلفظه السالف. وقال: رواه أحمد . ا ه‍1/213.

المذهب الثالث: التفصيل في ذلك، وهو أنه إذا عليه ما يستره من الحلال جازت صلاته، وإن كان ليس عليه إلا الثوب المغصوب لم تصح صلاته، وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي هاشم من المتكلمين حكاه عنه قاضي القضاه عبدالجبار بن أحمد.
والحجة على هذا هو أنه إذا كان ساتراً لجسمه بالثوب المغصوب كان عاصياً به، وإن كان قد ستر جسمه بالثوب الحلال لم يضره ذلك لأنه فضلة لا يحتاج إليه في العبادة. وهذا تقرير الخلاف والحجة لكل واحد من هذه المذاهب الثلاثة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من عدم الإجزاء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن المصلي منهيٌ عن لباس الثوب المغصوب واستعماله والنهي يقتضي فساد المنهي عنه خاصة في العبادات فلهذا قضينا ببطلان صلاته.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنَّا معاشر الفقهاء إنما جوزنا الصلاة في الثوب المغصوب لأن المغايرة حاصلة في حق المصلي فإنه صلى به بمعزل عن لباسه فلهذا جازت صلاته ولهذا يعقل كونه لابساً من غير صلاة ويعقل كونه مصلياً من غير لباس فلما حصل التغاير حصل الإجزاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه منهي عن الصلاة في الثوب لا محالة، ولا شك في أن النهي يقتضي الفساد في العبادات سواء فرضنا هناك مغايرة أو لم نفرض.
وأما ثانياً: فلأنه إذا كان مطيعاً بالصلاة لابساً للحلال كان عاصياً لا محالة بالصلاة لابساً للثوب المغصوب فالنهي[أنه كان] لا محالة ملابساً للصلاة في حال اللبس وفي هذا حصول غرضنا فبطل ما قالوه، فأما ما يحكى عن الشيخ أبي هاشم من التفصيل الذي ذكره عنه قاضي القضاة وهو أنه إذا كان عليه ما يستره من الحلال جازت صلاته، وإن لم يكن عليه ما يستره من الحلال بطلت صلاته.
فالجواب عنه من وجهين:
أما أولاً: فلأنه منهي عن لبسه في حال الصلاة، والنهي مقتضٍ للفساد، وهذا هو مرادنا ببطلان الصلاة لأجل كونها منهياً عنها.

وأما ثانياً: فلأن النهي إنما ورد عن ملابسته واستعماله في الصلاة وهذا حاصل سواء كان الثوب وحده أو معه غيره فبطل ما قاله.
الفرع العاشر: في لبس الحرير واستعمال غيره(1)
وتتعلق به أحكام عشرة:
الحكم الأول: ويباح لبس الحرير للنساء والصلاة فيه بجميع أنواعه من الديباج والأطلس وغيرهما، لما روي عن الرسول أنه خرج يوماً وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها " )) (2).
فظاهره دال على الإباحة لهن في الذهب والحرير، ولا يحرم عليهن من الذهب والفضة إلا ما كان على جهة الآلة نحو المكحلة والميل والمرآة المفضضة والمذهبة والمحك من الذهب والفضة، ويفسق الرجال والنساء باستعماله لإنعقاد الإجماع على تحريمه كسائر المحرمات الفسقية، فأما الحرير فلا يستثنى في حقهن شيء منه في اللباس والصلاة فيه وعليه والتكفين لهن به.
__________
(1) كالذهب والفضة.
(2) في (الشفاء) عن أمير المؤمنين علي قال: خرج رسول الله وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها)). وهو في (أصول الأحكام)، قال في (الاعتصام): وأخرج أبو داؤد والنسائي عنه بلفظه غير أنهما لم يذكرا((..حل لإناثها)) قال: وأخرج الترمذي عن أبي موسى أن رسول الله قال: ((حُرم الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثها)) وفي رواية النسائي: ((أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها)) ا ه‍4/409.

الحكم الثاني: ويحرم على الرجال لبس الحرير والديباح الصرف من غير ضرورة فإن لَبِسَهُ أحد من الرجال من غير ضرورة فإنه يحكم بفسقه لإنعقاد الإجماع على تحريمه كسائر المحرمات من الزنا والسرقة وشرب المسكر، ويباح القليل منه نحو علم الثوب ورأس التكة وحاشية الأثواب، وقد جرى عمل المسلمين على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف من غير نكير، لقوله : ((ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " )). ولا تباح الجبة من الديباج ولا القلنسوة من الحرير الخالص لظاهر الخبر المحرم، ويباح الزر في القميص والأزرار في الجبة من الحرير لقلته.
ويباح للعذر لما روي عن الرسول أنه أباح لبس الحرير لعبدالرحمن بن عوف حين كثر عليه القمل والحكة في جسمه(1).
وهل يكون مخصوصاً به أو يقاس عليه غيره ممن كان على صفته؟ فيه تردد، والقوي: إلحاق غيره به لجامع الرخصة لأجل الاستواء.
الحكم الثالث: ويباح استعمال الذهب والحرير في الجهاد مع الإمام، وتباح حلية السيف رأسه وصدره لما روي عن الرسول أنه كانت قبيعة سيفه محلاة بالفضة، وتباح حلية السكين والرُّكُب(2)
الفضية والذهبية ونحو الأبازيم(3)
__________
(1) قال في (الاعتصام): وفيه قال محمد: روينا عن النبي وعن كثير من الصحابة وعن العلماء من آل رسول الله أنهم قالوا: إن النبي قال: ((إن الذهب والديباج والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)).
قال الإمام القاسم بن محمد: وهذا المعمومل عليه إلا عند الضرورات فقد أذن النبي للزبير بن العوام في لبس الحرير تحت الدرع في الحرب، وأذن لعبد الرحمن بن عوف في لبس قميص حرير أبيض على جلده لجرب كان به وقمل. ا ه‍4/411.
(2) الركب جمع ركاب، وهي غرز الرحل التي يضع الراكب رجليه فيها.
(3) قال في (لسان العرب): والإبزيم والإبزام: الذي في رأس المنطقة وما أشبهه وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر، والجمع الأبازيم، ا ه‍ج14 ص 49.

162 / 279
ع
En
A+
A-