الفرع العاشر: وإذا دخل بلداً فوجد فيها محاريب منصوبة نظرت، فإن لم يعرف أنها مما بناها المسلمون فلا يجوز استقبالها لأنه لا حرمة لما عمله الكفار ولا يعرَّج عليه، وإن عرف أنها من بناء المسلمين وأهل الدين فإن كانت تلك البلدة من البلاد التي صلى فيها رسول اللّه وجب اتباعه لأنه لا يجوز عليه الخطأ، وإن كانت مما صلى فيها أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم وجب اتباعهم لأن ذلك بمنزلة أخبارهم التي رووها فلهذا وجب العمل عليها، وإن كانوا لم يصلوا إليها نظرت فإن كان القوم الذين بنوها بحيث يقع العلم بخبرهم ويصير إجماعهم قاطعاً لوجود الاجتهاد جازت الصلاة إليها، وإن كان عددهم قليلاً أو كان في بلد تختلف فيها أحوال المحاريب وجب على المصلي الاجتهاد لصلاته.
والقويُّ في هذه المحاريب المنصوبة في الجوامع العظيمة والمشاهد المشهورة في الأمصار والأقاليم نحو بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من المدن العظيمة تجوز الصلاة إليها من غير اجتهاد لأن ما هذا حاله لا يعمل إلا بنظر واجتهاد من جهة أهل الفضل والدين، ثم سكوت العلماء وأهل الفضل في دخول هذه الجوامع والمشاهد فيه دلالة على صحتها واستقامتها على الصحة والثبات ومطابقة الشرع وأنها أقوى من خبر من يخبر عن مشاهدة الكعبة، فإذا جاز التعويل على الخبر وهو أقوى من الاجتهاد من غير أمارة فهكذا ما نحن فيه من غير فرق.
الإنتصار
على علماء الأمصار
في تقرير المختار من مذاهب الأئمة
و أقاويل علماء الأمة
تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الثالث
تحقيق
عبد الوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبد الوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد الإلكتروني:
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية
---
الباب الرابع في بيان شروط الصلاة
اعلم أن الشروط في صحة الصلاة أربعة:
الشرط الأول: في الطهارة من النجاسات، الشرط الثاني: في الطهارة من الأحداث، الشرط الثالث:في إستقبال القبلة، الشرط الرابع: في ستر العورة. فهذه هي الشرائط المعتبرة في كون الصلاة مجزية نخرج بها عن عهدة الأمر. فأما الطهارة من الأحداث، واستقبال القبلة فقد مضى تقريرهما بما فيه مقنع وكفاية فلا حاجة إلى تكريرهما، والذي نذكره هاهنا هو الطهارة من النجاسات في الأثواب والأمكنة والأبدان، وستر العورة، فهذه فصول أربعة بالكلام عليها يتم المقصود في الباب بمعونة الله.
---
الفصل الأول طهارة الأثواب
اعلم أن الذي عليه أئمة العترة وأكثر علماء الأمة على أن الطهارة عن النجاسة في الأبدان والأثواب والبقاع شرط في صحة الصلاة، وحكي عن مالك أنه إذا صلى وعليه نجاسة أعاد في الوقت، وفي هذا دلالة على أن رأيه الاستحباب في ذلك، وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس على الثوب جنابة وأراد أنه لا يجب غسله من النجاسة كما يجب الغسل عن الجنابة، وروي أن رجلاً سأل سعيد بن جبير عمن صلى وفي ثوبه نجاسة فقال: اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثوب من النجس، وفي كلامه هذا دلالة على أنها غير واجبة، وروي عن ابن مسعود أنه نحر جزوراً فأصاب ثوبه من دمه وفرثه فصلى ولم يغسله. هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: النجاسات غير الدم والقيء كالخمر والبول والعذرة هل يعفى عن شيء منها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يعفى عن شيء منها إلا ما كان لا يدركه الطرف فإنه يعفى عنه، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ }[المائدة:90].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أمر باجتناب هذه الأمور وسمَّاها رجساً والرجس هو النجس ومن جملتها الخمر فيجب القضاء بنجاسته.
الحجة الثانية: ما روى عمار بن ياسر قال مرَّ بي رسول الله وأنا أغسل ثوبي من نخامة فقال: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والودي والدم والقيء " ))(1).
الحجة الثالثة: قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )) فهذه الأدلة كلها دالة على وجوب إزالة النجاسة وأنه لا يعفى عن شيء منها.
المذهب الثاني:أنه إذا كان على ثوب المصلي من النجاسة غير الدم مقدار الدرهم فلا بأس به وإن غسله فأحسن، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
__________
(1) تقدم.
والحجة على هذا: هو أنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب القضاء بأنها معفو عنها، دليله موضع الإستنجاء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأكثر الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه ))(1).
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول مر بقبرين يعذبان فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر كان لا يستنزه من بوله))(2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الإنسان لا يعذب على ترك شيء إلا إذا كان واجباً وترك ذلك لا يجب لغير الصلاة فيجب أن يكون واجباً لأجل الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب العفو عنها كموضع الإستنجاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أنه لا يجب غسل موضع الإستنجاء وقد قدمنا الدلالة عليه في باب الوضوء فلا نعيده.
وأما ثانياً: فلأنا لو سلمنا أنه لا يجب غسله فإنما كان ذلك لعموم البلوى به وتكرره فخفف الشرع حكمه بخلاف ما نحن فيه فافترقا. ومن وجه آخر: وهو أن الطهارات أمور غيبية وتعبدات شرعية لا تعقل معانيها فلا تجري فيها الأقيسة لانسداد معانيها.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في الدم على قولين:
فالقول الأول: أن جميع الدماء طاهرة إلا دم الحيض والنفاس، وهذا شيء يحكى عن الحسن بن صالح.
والحجة على هذا: هو أنه خارج من أعماق البدن فيجب القضاء بطهارته كاللبن.
القول الثاني: أن كثير الدماء نجسة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء لا يختلفون في ذلك، ولا يحكى الخلاف في نجاسة الكثير إلا عن الحسن بن صالح.
والحجة على ذلك: قوله لعمار: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء )) ولم يفصل بين قليله وكثيره.
وهل يكون قليله نجساً أو طاهراً؟ فيه مذهبان:
__________
(1) تقدم في باب الطهارة.
(2) تقدم في باب الطهارة.
المذهب الأول: أنه يكون نجساً، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والباقر والناصر والصادق والمؤيدبالله وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على كون الدماء نجسة لم تفصل بين قليلها وكثيرها فلهذا قضينا بكونها نجسة، فإذا تقرر كونها نحسة كلها فهل يعفا عن قليلها أم لا؟ فيه رأيان:
فالرأي الأول: أنه لا يعفا عن قليلها، وهذا شيء حكاه المروزي عن الشافعي.
والرأي الثاني: يعفا عن قليله، وهذا هو قول من قال بكون القليل نجساً كزيد بن علي والصادق والباقر والمؤيد بالله وهو قول الفقهاء ولكن اختلفوا في مقدار القليل المعفو عنه بعد اتفاقهم على أن العفو إنما يتعلق بالقليل منه لنجاسته وعنهم فيه روايات خمس:
الرواية الأولى: عن الإمام زيد بن علي والحنفية، وهي أن القليل من الدم مقدر بالدرهم البغلي وهو أكبر ما يكون من الدراهم عندهم على ما ذكره هشام بن عبدالله الرازي(1)
فإن زاد على قدر الدرهم فهو كثير لا يعفى عنه.
الرواية الثانية: محكية عن الناصر والمؤيد بالله، وهي أن القليل من الدم مقدر بحب الخردل وهو حب أسود صغير القدر، ورؤس الإبر ومقدار اللمعة، ومرة قدره المؤيد بالله بدم البراغيث وقال: لا يجوز عندي إلا ذلك.
الرواية الثالثة: محكية عن الإمام القاسم، فإنه قال: إذا كان الدم في الصغر والقلة شبيهاً بالخردلة أو زاد قليلاً كقدر نصف الدرهم فلا حكم له في النجاسة.
__________
(1) هشام بن عبيد الله الرازي السِدي-بكسر السين المهملة- هكذا جاء في (تهذيب التهذيب) 11/43 و(لسان الميزان) 6/195 و(طبقات الحفاظ) 169 وغيرها، روى عن بسر بن سليمان ومالك والليث وحماد بن زيد وغيرهم، وروى عنه: الوليد والحسن بن عرفة وأبو حاتم الرازي، وقال: ما رأيت أعظم قدراً منه، ومن أبي مسهد بدمشق، وقال ابن حجر: ذكر الدارقطني أنه تفرد بحديث مالك....إلخ، وأورده ابن حبان في الضعفاء لمخالفته الأثبات، فبطل الاحتجاج به كما قال.
الرواية الرابعة: عن الشافعي فإنه قال: الدم مماله نفس سائلة من الحيوان غير الكلب والخنزير وما يولد منهما أو من واحد منهما فله فيه ثلاثة أقوال، فقال في (الإملاء) لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره كالبول والعذرة. وقال في القديم: يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف فما فوقه لأن ما دون الكف قليل فلهذا عفي عنه والكف فما زاد عليه كثير فلا يعفى عنه. وقال في (الأم): يعفى عن القليل منه وهو ما يتعافاه الناس في العادة. وهذا هو الأصح على مذهبه، وقدره بعض أصحابه بمقدار اللمعة لأنه يشق الإحتراز منه ولا يشق الإحتراز عما زاد عليه.
الرواية الخامسة: محكية عن مالك قال في الدم والقيح: تصح الصلاة معهما إلا أن يكون فاحشاً، وحكي عنه في الكثير الفاحش: أنه يكون نصف نصف الثوب. وأراد الربع وإنما قال نصف نصف الثوب ولم يقل الربع مبالغة في تفاحشه، فذكر النصف وما دون ذلك يعفا عنه.
فهذه الروايات كلها على قول القائلين بالتنجيس، واستثنى القليل لأجل العفو عنه.
والحجة على ذلك: ما ذكر في خبر عمار عن الرسول أنه قال: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء )). وهذا عام في قليله وكثيره، فلهذا حكمنا به.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه مائع خارج من البدن يتعلق نقض الطهارة[به] فوجب أن يستوي حكم قليله وكثيره في التنجيس كالبول والعذرة. أو نقول: ما كان كثيره نجساً فقليله مثله في النجاسة كالبول والخمر وسائر النجاسات.
المذهب الثاني: أن قليل الدم طاهر، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن السيدين أبي طالب وأبي العباس، وقدره الهادي بما دون السفح مرة، وتارة بما دون القطرة، فإن سفح أو قطر فهو نجس.
وقال في (الأحكام): ما كان من الثياب قد أصابه شيء من الدم مما كان مثله لو كان على رأس الجرح لقطر لا تجوز فيه الصلاة، فدل ذلك من مذهبه على أن ما دون التقطير وما دون السيلان فهو طاهر.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} فعلق التحريم بالسفح، فدل خطابه على أن ما دون السفح لا يتعلق به التنجيس.
الحجة الثانية: ما روي عن علي ، قال: خرجت مع رسول الله وقد تطهر للصلاة فأمس إبهامه أنفه فرأى عليه دماً فأعاد مرة أخرى فلم ير شيئاً وجف الدم في إبهامه فأهوى به إلى الأرض فمسحه ولم يحدث وضوءاً ومضى للصلاة. فدل ذلك على أنه ليس نجساً.
الحجة الثالثة: أنه لما تعذر الإحتراز منه خفف الشرع حكمه لما فيه من الحرج والمشقة والله تعالى يقول: {ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " }[الحج:78]. والتفرقة بين مذهبي الإمامين الهادي والمؤيد بالله هو أن ما دون القطرة أو ما دون السافح(1)
إذا وقع في مائع فإنه لا ينجسه على رأي الهادي لأنه طاهر، وعلى رأي المؤيد بالله ينجسه لأنه نجس يعفى عنه في غير المائعات فلهذا نجسها، فهذا تقرير الكلام على المذهبين جميعاً.
والمختار: تفصيل نشير إليه، وحاصله: هو أن ظواهر الأخبار كلها دالة على نجاسة [الدماء] وعلى التنزه عن ملابستها ومخالطتها وكل هذا دال على تنجيسها والبعد عن تقذيرها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ " }[المائدة:3] ولم يفصل في التحريم بين أكلها وملابستها واستعمالها في الثياب وغيرها ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتعذر الإحتراز منه وما يتعلق بمماسته الحرج والمشقة فإن هذا مرفوع بحكم الشرع لقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. وقوله : ((بعثت بالحنيفية السمحة )).
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه كما حكيناه عن الهادي ومن وافقه.
قالوا: قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} فعلق النجاسة بالسفح فدل على أن ما عدا المسفوح يكون طاهراً بظاهر الخطاب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) السافح من الدم: ما سال عن موضعه.
أما أولاً: فلأن ما ذكروه استدلال بدليل الخطاب ونحن لا نقول به.
وأما ثانياً: فقد دل الخطاب على أن ما فوق السفح نجس، ونحن ندلل بالخبر على أن ما دون السفح فهو نجس أيضاً، ومن وجه آخر وهو أن قوله: {مَسْفُوحاً} إنما ذكر على جهة التأكيد كما يقال: أمس الدابر. لأن الغالب من الدم هو السفح والسيلان فذكر الصفة تأكيد والغرض بالتحريم مطلق الدم.
قالوا: روي عن الرسول أنه أدخل إبهامه في أنفه فظهر عليها شيء من الدم ثم مسحها بالأرض ولم يعد وضوءاً. وفي هذا دلالة على طهارة القليل من الدم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر الخبر دال على العفو عنه وليس فيه دلالة على طهارته لكونه قليلاً فنحن أحق بالإستدلال به على ما نذهب إليه.
وأما ثانياً: فلعله لم يجد في تلك الحالة ما يغسله به وقد حضر وقت الصلاة فدعت الضرورة الشرعية إلى فعل الصلاة على تلك الحالة، ومن وجه آخر: وهو أن إسراعه إلى مسحه بالأرض فيه دلالة على نجاسته وإزالته عما كان ملاصقاً له.
قاعدة: اعلم أن البق هو الكتان بلسان أهل اليمن، والبراغيث هي القمل. وتردد العلما في دم البق والبراغيث إنما هو إذا قصعت فأما ما يخرج من أدبارها فهو طاهر لخروجه عن صفة الدم واستحالته في بطونها لكونه غذاء لها فأما عند قتلها فهو باق على صفة الدم فيقع التردد في كونه طاهراً أو نجساً عفي عنه، فالذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس: أنه طاهر، وهو محكي عن الكرخي. وعن السيد المؤيد بالله: أنه يجب إزالته عن الثوب إذا كان فاحشاً وهو محكي عن الشافعي.
والمختار: أنه معفو عنه إلا إذا كثر كثرة يندر وقوعه فيجب غسله والتنزه عنه، وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات والأماكن فإن الحاجة تختلف به، والاجتهاد فيه موكولٌ إلى المكلف وإلى نظره فإن رآه مجاوزاً لحد الحاجة وجب عليه غسله وإن رآه قاصراً عن حد الحاجة فليصل معه، وإن تردد احتمل أن يقال: الأصل هو العفو إلا فيما علم كثرته، أو يقال: الأصل المنع إلا فيما تحققت الحاجة إليه، وطريق الإحتياط لا يخفى والميل إلى الرخصة هاهنا هو الأليق بالفتاوى الفقهية، وطريق الحيطة أحق بالعبادات البدنية. وفيما قدمناه في ذكر الأعيان النجسة كفاية.
الفرع الثالث: قد ذكرنا أن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة وذكرنا الخلاف فيه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء(1).
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " }[المدثر:4] والمراد: عن النجاسات لأن الثوب لا تتأتى فيه الطهارة عن الأحداث ولا يجب ذلك إلا للصلاة لأن ما عداها ليس واجباً.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم " ))(2)
وقوله : ((تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه " )).
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما زعموا أنه حجة لهم.
__________
(1) أن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة.
(2) أورده ابن بهران بلفظه عن أبي هريرة ثم قال: هذا الحديث رواه روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه، وقال النووي: هو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث، وروح متروك الحديث. وانتهى ابن بهران إلى حاشية ذكر فيها ان روح بن غطيف
-بفتح الراء المهملة وسكون الواو والحاء المهملة- وغطيف 0بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة- ا ه1/211.