---
الفصل الثالث
في بيان حال المستقبل للصلاة
اعلم أن المستقبل للصلاة نحو الكعبة لا يخلو حاله إما أن يكون قادراً على معرفة القبلة باليقين جزم عليه التحري وإن عجز عن التحري بالعمى قلد غيره وإن عجز عن اليقين وجب عليه التحري فإن صلى من غير تحرٍ أو تحرى وأخطأ أو صلى إلى جهة غير متحراة أو غلب على ظنه الإصابة أو صلى من غير تحرٍ وعلم الإصابة أو كان الوقت باقياً أو فائتاً إلى غير ذلك من اختلاف أحواله في طلب القبلة فلابد من إيراد هذه المسائل واستقصاء الكلام فيها بمعونة اللّه تعالى، هذا تقرير قاعدة الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: استقبال القبلة هل هو شرط من شروط الصلاة أو يكون ركناً من أركانها؟.
حكى المسعودي من أصحاب الشافعي فيها وجهين.
فإن قلنا بكونه ركناً من أركان الصلاة افتقر إلى النية كالقيام والقراءة.
وإن قلنا بأنه شرط لم يفتقر إلى النية كالطهارة في المكان والثياب وستر العورة.
والمختار: أنه بحقيقة الشرط أشبه لأنه لا يفتقر إلى النية كما أوضحناه من قبل من جهة أن النية غير مؤثرة فيه وما لا تكون النية مؤثرة فيه فلا تشترط فيه النية فإذا دخل في الصلاة من غير تحرٍ وهو من أهل التحري فقد أخل بشرط من شروطها فإن كان الوقت باقياً وجب عليه الإعادة لأن المعاد اسم لما أدِّيَ على نوع من الخلل مع بقاء الوقت، وإن كان الوقت فائتاً وجب عليه القضاء لأن القضاء اسم لما أعيد مع فوات وقته فلهذا توجه عليه القضاء لإخلاله بشرط من شروط العبادة مع التمكن منه.
نعم، لو دخل مسجداً من المساجد فصلى فيه المكتوبة من غير تحرٍ ولا نظر في شيء من الأمارات خلى أنه نظر إلى هذه المحاريب المنصوبة في المساجد فصلى إليها فمن هذه حاله لا يقال بأنه لم يتحر لأنه قد عول عليها في صلاته وهي أقوى من تحريه لوجهين:
أما أولاً: فلأنها بمنزلة الخبر والخبر أقوى من التحري كما مر بيانه.
وأما ثانياً: فلأنه إنما نصبها أهل البصر والمعرفة والفضل من أهل الدين باجتماع فهلذا صار التعويل عليها في الإستقبال للصلاة.
الفرع الثاني: إذا تحرى المصلي جهة القبلة وصلى ثم علم أنه أخطأها وصلى إلى غيرها.
قال السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب: والاعتبار في حكم المسألة بالعلم دون الظن.
واعلم أنه لا سبيل إلى العلم بإصابة القبلة أو بالخطأ فيها إلا لمن عاينها وشاهدها فأما من لم يشاهدها بالحاسة فالغرض بالعلم بأنه أخطأ: هو أنه صلى إلى جهة لا يصلي إليها أحد من أهل التحري. وإذا كان الأمر كما قلناه فما المتوجه عليه والحال هذه، فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الإعادة واجبة عليه في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد فوات الوقت، وهذا هو رأي الأئمة الهادي والقاسم والناصر وهو قول مالك.
والحجة على وجوب الإعادة في الوقت وهو أحد قولي الشافعي،قوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والشطر هو الجانب والجهة، فإذا تيقن أنه لم يتوجه إلى شطره لم تكن صلاته مجزية، وما بعد مضي الوقت مخصوص من الظاهر بدلالة خارجة.
الحجة الثانية: قياسية وتقريرها: هو أنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فوجب أن لا يعيد بما فعله كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه.
فقولنا: تعين له، نحترز به عما إذا صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين فإنه تعين الخطأ في أحدهما ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يتعين الخطأ في أحدهما (أي لم يتحدد في أي منهما).
وقولنا: يقضي الخطأ، نحترز به عما إذا صلى إلى جهة ثم أداه اجتهاده إلى أن القبلة في جهة أخرى فإنه قد تعين له الخطأ ولا تلزمه الإعادة لأنه لم يتيقن ذلك و إنما كان ذلك من طريق الاجتهاد.
وقولنا: فيما يأمن مثله في القضاء، نحترز به عن الأكل في الصوم ناسياً، ومن الوقوف بعرفة في اليوم الثامن أو اليوم العاشر على وجه الخطأ فإنه لا يأمن مثله في القضاء فلهذا لم تتوجه عليه الإعادة.
وإنما قلنا: إن القضاء غير متوجه عليه بعد الوقت وفواته، فالذي يدل عليه حجتان:
الحجة الأولى: ماروى جابر قال: بعث رسول اللّه سريَّة وكنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نبصر معها القبلة فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة قِبَلَ الشمال. فصلوا إليها وخطوا خطاً. وقال بعضهم: القبلة نحو الجنوب. وصلوا إليها وخطوا خطا. فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط إلى غيرجهة القبلة، فلما قفلنا من السفر سألنا رسول اللّه فسكت ولم يقل شيئا فنزل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. وفي بعض الروايات أنه قال لهم: ((قد أجزأتكم صلاتكم)).
الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها هو: أنها جهة مأمور بالصلاة إليها كما لو صلى إلى غير جهة القبلة في شدة الخوف.
المذهب الثاني: أن الإعادة متوجهة عليه مع بقاء الوقت، والقضاء بعد إنقضائه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وله في المسائل الخلافية والمجتهدات الفقهية إذا وقع الخطا فيها أقوال مختلفة وآراء مضطربة بعضها على جهة التنصيص، وبعضها على جهة التخريج، فهذان تقريران في الضبط لأقواله.
التقرير الأول: ماكان على جهة التنصيص وجملتها أقوال ثلاثة:
فالقول الأول: ذكره في (المسائل)(1)
وحاصل ماقاله هو: أن المصلي إذا نسي شيئا مما طريقه الاجتهاد في وضوءه ثم ذكره بعد مضي الوقت وجبت عليه الإعادة فهذا تصريح بأنه تجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء بعد انقضائه.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: هو (الزيادات) (كتاب للمؤيد بالله).
القول الثاني: هو أن المصلي إذا نسي شيئاً أوتركه من فروض وضوءه جاهلاً بوجوبه أياماً كثيرة ثم علم بعد ذلك نُظر، فإن كان المتروك مما طريق وجوبه الاجتهاد لم تجب عليه إعادة ماصلى في هذه الحالة، وإن لم يكن من مسائل الاجتهاد وجبت عليه الإعادة على كل حال.
القول الثالث: ذكره في (الإفادة)(1)
.قال: إذا صلى بالتحري ثم علم خطأه في الوقت أعاد. ولم يذكر إذا علم بعد فوات الوقت، فهذه أقواله المنصوصة التي أشار إليها في كتبه.
التقرير الثاني: ما ذُكِرَ على وجه التخريج على أقواله المنصوصة، والمذكور له تخريجان:
التخريج الأول: أنه إذا ترك ما طريقه الاجتهاد فإنه تلزمه الإعادة في الوقت، ولا يجب القضاء عليه بعد فوات الوقت كما هو رأي الهادي والقاسم والناصر ".
التخريج الثاني: التفرقة بين الجاهل والناسي، فقال في الجاهل: لا تلزمه الإعادة بعد مضي الوقت فيما طريقه الاجتهاد. وقال في الناسي: تلزمه الإعادة في الوقت والقضاء بعد فواته، فهذه أقواله كما ترى بالنص والتخريج، ولعل الأقوى من مذهبه ماصرح به في المسائل.
والحجة عليه: أما وجوب الإعادة في الوقت فلقوله تعالى{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144] وهذا الذي أخطأ القبلة لم يولّ وجهه شطر المسجد الحرام لأجل خطأه.
وأما الحجة على وجوب القضاء بعد مضي الوقت: فلأن استقبال القبلة شرط من شروط[الصلاة] فإذا تعين له يقين الخطأ لزمه القضاء بعد فوات الوقت كما لو كان مشاهد اللقبلة.
__________
(1) الإفادة) تأليف الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني الديلمي. في فقه نفسه، وهو في مجلد جمعه تلميذه القاضي أبو القاسم ابن تال، ويسمى أيضاً (التفريعات) وسمي في بعض المصادر (الفائدة) ا ه(مؤلفات الزيدية) للسيد أحمد الحسيني 1/138 ط. أولى.
المذهب الثالث: أن الإعادة غير لازمة له في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، والحجة على ماقاله: هو أنه قد أدّى فرضه على الوجه المأمور به فلا تلزمه الإعادة ولا القضاء لخروجه بذلك عن عهدة الأمر، ولقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم ولا فجران في يوم)). ومن جهة المعنى أن المعاد اسم لما فعل لخلل في المأمور به في الوقت. والقضاء اسم لما فعل لخلل في المأمور به بعد تقضي الوقت وزواله. والإعادة والقضاء إنما تجبان بدلالة منفصلة ولا دلالة تدل على ذلك، فهذا تقرير المذاهب كما ترى.
والمختار ماقاله الأئمة من وجوب الإعادة في الوقت وسقوط القضاء بعد فوات الوقت، وإنما اخترناه لما كان أعدل المذاهب وأقواها.
والحجة على [ذلك]: ماحكيناه عنهم آنفا ونزيد هاهنا: وهو أن الخلل إذا حصل فيما طريقه الاجتهاد فالأمر فيه أخف لأجل الخلاف فإذا كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه إليه في سقوط العبادة عن ذمته فلهذا وجبت عليه الإعادة، بخلاف ما إذا كان الوقت فائتاً فإن الخطاب غير متوجه لفوات وقت العبادة، والقضاء إنما يجب بأمر جديد ولا دلالة تدل على وجوب القضاء فلاجرم كان الأمر به كما قلناه، ويؤيد ماذكرناه من التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، في هذه المسألة مسائل أوردها الفقهاء نحن نوردها:
الأولى منها: إذا صلى ثم بان له أنه كان في ثوبه نجاسة لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة .
الثانية: إذا صلت الأمة مكشوفة الرأس ثم أعتقت في أثناء الصلاة وبقربها سترة ولم تعلم بالعتق والسترة حتى فرغت من صلاتها.
الثالثة: إذا ترك قراءة الفاتحة ناسياً لها، هل تلزمه الإعادة أم لا؟
الرابعة: إذا دفع الزكوة إلى من ظاهره الفقر ثم بان له أنه غني، هل يلزمه الضمان والإعادة أم لا؟
الخامسة: إذاصام الأسير شهرا بالاجتهاد ثم بان بعد رمضان أنه صام شعبان هل يجزيه أم لا؟
السادسة: إذا توضأ بسؤر الدجاجة المخلاَّة، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟
السابعة: إذا توضأ بسؤر الطيور التي تأكل الجيف، هل تلزمه الإعادة أم لا؟
الثامنة: إذا صلى في ثوب أصابه خمر . فهل تجب عليه الإعادة في الوقت أوبعده؟
التاسعة: إذا اشتبه عليه يوم عرفة فتحرى ثم وقف قبله، إن علم بذلك يوم عرفة فعليه إعادة الوقوف، وإن علم بعد مضيه فلا إعادة عليه.
العاشرة: إذا توضأ بماء وقعت فيه نجاسة مما قد وقع في نجاسته الخلاف. فهل تلزمه الإعادة أم لا؟
فهذه المسائل وقع فيها التردد والخلاف بين العلماء الأئمة وفقهاء الأمة، في وجوب الإعادة في بقاءِ الوقت ومضيّه على حد ماذكرناه من الخلاف، وقد ذكرنا أن المختار في هذه المسائل الاجتهادية، التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، فإن كان الوقت باقياً توجهت الإعادة، لأن الخطاب متوجه مع بقاء الوقت، وإن كان الوقت فائتاً فلا إعادة هناك. فهكذا يجري القول في هذه المسائل الخلافية.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه، والخلاف مع الإمام المؤيد بالله في أحد شقي المسألة وهو قوله: بلزوم القضاء بعد الوقت للعبادة على ما نص عليه في (المسائل) وهو المعمول عليه.
وحجته على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله فقد خالفها بتحقق الخطأ في الإستقبال لجهتها فلهذا وجبت عليه الإعادة ولو فات وقتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا قد أدَّى الفرض كما أمر، وتحقق الخطأ بعد ذلك لا يطرق خللاً في المؤدَّى، وهو معذور في الأداء على جهة القضاء بعد فوات الوقت فالخطاب عنه ساقط.
وأما ثانياً: فلأن بعد فوات الوقت تكون العبادة مقضية لا محالة لفوات وقتها، والقضاء إنما يتحقق بأمر جديد يشغل الذمة ولم تدل دلالة عليه فلهذا قضينا بسقوط القضاء بعد فوات الوقت.
والخلاف مع أبي حنيفة في أحد شقي المسألة وهو أنه أسقط عنه الإعادة مع بقاء الوقت.
وحجته على هذا: قوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). وهذا فقد أدَّى العبادة على كمالها فلا جرم قضينا بسقوط الإعادة عنه في الوقت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث غير معمولٍ عليه لأن من صلى صلاة من ظهر أو عصر ثم انكشف له بعد ذلك بطلان وضوءه فقد أبطل صلاته الأولى ووجب عليه ظهر أو عصر فقد حصل ظهران في يوم.
وأما ثانياً: فلأن الوقت مهما كان باقياً فإن الخطاب متوجه إليه في تأدية العبادة، والخطاب بشغل الذمة في الوقت حاصل فلهذا وجبت عليه الإعادة مع بقاء وقت العبادة.
الفرع الثالث: إذا صلى إلى جهة بغير تحرٍ فلما فرغ من صلاته استيقن أنها جهة القبلة، فهل تجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإجزاء وهذا هو رأي الأكثر من القاسمية، ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144] وهذا فقد توجه إلى حيث أمر فلهذا قضينا بإجزاء صلاته.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو: أن هذا قد صلى إلى القبلة المتيقنة فوجب أن تجزيه صلاته كما إذا تحققها قبل دخوله في صلاته، وقد قررنا ما نريد بقولنا: إنه قد تحقق القبلة في حق من ليس مشاهداً لها فلا نعيده.
المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله والشافعي ومحمد بن الحسن.
والحجة على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله فقد أخلَّ بترك التحري في أول الأمر، وعِلْمُه بصحة الإستقبال بعد ذلك لا يوجب القضاء بالصحة لأن من حق الشرط أن يكون متقدماً على مشروطه.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من القضاء بالإجزاء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}[البقرة:144]. وهذا فقد ولَّى وجهه جهة الكعبة فوجب القضاء بإجزاء صلاته، ولأنه قد تحقق باليقين أداء العبادة على الشرط المأمور به، ومن جهة أنه قد صار حاله فيما ذكرناه كمن صلى صلاة ظن أنها عليه ثم تحقق بعد ذلك أنها عليه.
الفرع الرابع: إذا صلى إلى غير متحراه. وصورة المسألة: أن يغلب على ظنه أن جهة القبلة نحو الشجرة ثم خالف بأن صلى إلى غير جهتها، فهل تجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإجزاء، وهذا هو المحكي عن القاسمية، إذا تحقق كونها قبلة.
والحجة على هذا:قوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144]. ومن هذه حاله فقد ولى وجهه القبلة بيقين لجهة القبلة فوجب القضاء له بإجزاء صلاته.
المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنه إذا خالف متحراه الذي أدَّى إليه نظره واجتهاده صار كأنه دخل في الصلاة بغير تحرٍ فلهذا يصير كأنه قد أخل بشرط الصلاة في عدم التحري فوجب القضاء بكونها غير مجزية.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا، وهو أنه بمخالفته لمتحراه قد أخل بما وجب عليه من شرط العبادة الذي وجب عليه فلهذا لم تكن مجزية له وتحققه للقبلة بعد ذلك لا يصحح إخلاله بالشرط المعتبر في العبادة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: الآية دالة على الإجزاء وهي قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144] وهذا قد تحقق التولية فلهذا حكمنا بإجزائها.
قلنا: إن المراد بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144] أي فول وجهك الشطر الذي يغلب على ظنك أنه شطره، وهذا فبمخالفته لمتحراه لم يول وجهه الشطر الذي أمر بمواجهته فلهذا لم تكن مجزية له.
الفرع الخامس: وإذا اجتهد جماعة في القبلة فأدَّاهم اجتهادهم إلى جهة واحدة، وإمامهم واحد منهم ثم تغير اجتهاد بعضهم في الصلاة نظرت، فإن تغير اجتهاد الإمام وجب عليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية التي اجتهدها ولا يلزم المأمومين اتباعه بل يجب عليهم أن ينووا مفارقته في الصلاة لاعتقادهم بطلان اجتهاده، وإن تغير اجتهاد المأمومين وجب عليهم أن ينووا مفارقته وينحرفوا إلى الجهة الثانية، ويبنون على صلاتهم لأنها لم تبطل لأنهم فارقوه لعذر. ومن صلى إلى جهة بغير تحرٍ فلما فرغ من صلاته كان الأغلب من حاله إصابة القبلة، لم تجزه صلاته وهذا هو قول أئمة العترة والفقهاء وهو مما لا خلاف فيه.
وا لحجة على هذا: هو أنه أخل بما هو واجب عليه من التحري فلهذا لم تكن صلاته مجزية، وغلبة ظنه على إصابة القبلة لا تكفي لإخلاله بالتحري من أول أمره.
الفرع السادس: وإذا دخل المصلي في الصلاة باجتهاد ثم شك في أثناء الصلاة هل تلك الجهة التي هو فيها جهة القبلة أم لا؟ فالواجب عليه أن يمضي في صلاته ولا ينحرف لأنه دخل في الصلاة باجتهاد والاجتهاد إنما يتغير باجتهاد آخر أو يقين، فأما الشك فلا يؤثر في بطلان الاجتهاد بحال.
وإن صلى المصلي إلى جهة باجتهاد ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده الأول فهل يعيد الاجتهاد الأول أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة بل له أن يصلي إلى الجهة الأولى من غير اجتهاد لأنه قد عرف القبلة بالاجتهاد الأول، وهذا هو رأي السيد أبي طالب.
وثانيهما: أنه يعيد الاجتهاد الأول للصلاة الثانية كما لو حكم الحاكم في قضية بحكم ثم حضرت تلك القضية بعينها مرة أخرى فإنه يعيد الاجتهاد لها.
والمختار: هو الأول لأنه قد وفىَّ الاجتهاد حقه ولم يعرض ما ينقضه فلهذا وجب البقاء عليه ويخالف الحاكم فإن القضية الثانية لا تنفك عن أدنى مخالفة فلهذا وجب على الحاكم إعادة نظره في الثانية فإن لم تكن بينهما مخالفة اكتفى بالنظر الأول من غير حاجة إلى إعادة نظر ثانٍ.
الفرع الثامن: وإن اجتهد رجلان في القبلة نظرت، فإن أداهما اجتهادهما إلى أن القبلة واحدة استحب لأحدهما أن يصلي بالآخر لأن صلاة الجماعة مندوب إليها، وإن اختلف اجتهادهما فأدَّى اجتهاد أحدهما إلى أن القبلة في غير الجهة التي أدَّى اجتهاد الآخر إليها فإن كل واحدٍ منهما يصلي إلى الجهة التي أدَّاه اجتهاده إليها ولا يأتم أحدهما بالآخر. وحكي عن أبي ثور جواز ائتمام أحدهما بالآخر مع اختلاف الاجتهاد لهما في القبلة ويصلي كل واحد منهما إلى الجهة التي أدَّاه اجتهاده إلى الصلاة إليها.
والحجة على ما قلناه: هو أن كل واحد منهما يعتقد بطلان اجتهاد صاحبه فلا يجوز أن يعلق صلاته بمن يعتقد بطلان صلاته.
الفرع التاسع: إذا صلى المصلي أربع صلوات بأربعة اجتهادات في القبلة، فهل يتوجه عليه القضاء أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة أنه لا قضاء عليه لأن الخطأ لم يتعين في واحد منها وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عن بعض أصحابه أنه يقضي الكل.
والمختار: هو الأول لأن القضاء اسم لما فات وقته مع حصول خلل فيه يمنع من إجزائه وهذا غير حاصل فيما نحن فيه فإن الاجتهادات كلها صائبة فلا وجه لإيجاب القضاء.