قلنا: لا نسلم قصرها على الركوب وإنما وردت في حال الركوب لأن الغالب في الأسفار هو الركوب على الرواحل وليس من جهة كونه شرطاً و إنما جاز تعويلاً على مطرد العادة فلهذا سوغناه للماشي لما كان المقصود هو الترفه في حق النوافل واتساع نطاقها في حق من أرادها.
الفرع السادس: وإذا كان المتنفل حاضراً في غير سفر نظرت، فإن كان واقفاً من غير سير لم يجز له التنفل إلا مع استقبال القبلة لأنه لا عذر له في ترك الاستقبال مع الوقوف عن السير وأما إذا كان سائراً فهل يجوز له ترك الاستقبال في صلاة النفل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:الجواز لأن عادة الناس في الحضر هو المشي في حوائجهم أكثر النهار فلهذا جوَّز لهم ترك الإستقبال في النافلة مخافة أن ينقطعوا عن النوافل كما قلنا في حال السفر.
وثانيهما: المنع من ذلك لأن الغالب من حال الحضر اللبث والإقامة، وهذا هو المختار؛ لأنه ممكن فلا وجه لتركه مع المسير لسهولة الأمر فيه، والله أعلم.
الفرع السابع: في كيفية استقبال المتنفل للقبلة في حال صلاته. وليس يخلو الحال في إشتراط الإستقبال إما أن يكون في إبتداء الصلاة أو في حال الإشتغال بها أو الخروج منها فهذه حالات ثلاث:
الحالة الأولى: في إبتداء الصلاة وفيه وجوه أربعة:
أولها: أنه يجب الإستقبال عند التحريم لأنه لا حرج فيه ولا عسرة بخلاف الدوام فأشبه النية.
وثانيها: أنه لا يجب لأن هذه الحالة تعم جميع الصلاة فإذا لم يلزم في جميعها لم يلزم الإبتداء به.
وثالثها: أن العنان والزمام إن كان في يديه وجب الإستقبال لسهولته وتيسره، وهكذا حالها إن كانت مقطورة إلى غيرها، وإن كانت مرسلة لم يلزم؛ لأنه لا يملكها.
ورابعها: إن وجه الدابة إن كان في جهة القبلة فلا يجوز تحريفها وإن كان وجهها في غير القبلة لم يلزمه تحريفها إلى القبلة.
الحالة [الثانية]: في دوام الصلاة وحال الإشتغال بها، فلا يجب الإستقبال فيها لكن تلزمه الإستقامة على وجه الطريق لا يدل على القبلة(1) فلو كان راكباً للتعاسيف(2)
فلا يتنفل أصلاً لما كان غير مستقيم على صوب واحد(3).
الحالة الثالثة: في الخروج عن الصلاة، ولا يلزمه الإستقبال عند الخروج من الصلاة النافلة لأنه تارك للصلاة فلا يلزمه الإستقبال كما لو لم يتلبس بها.
الفرع الثامن: والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن يجعل بين يديه سترة فلا يبالي بما مر من ورائها لما روى أبو هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم من جلة الصحابة رضي اللّه عنهم عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم ووضع بين يديه سترة " مثل مؤخرة الرَّحْل فليصل ولا يبالي مِنْ مَنْ مر وراء ذلك))(4).
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: لأنه بدل عن القبلة.
(2) قال ابن منظور: والتعسيف: السير على غير عَلَم ولا أثر، ا ه، لسان العرب ج9 ص245.
(3) في حاشية الأصل تصحيح للجملة لتكون: على صوب واحد.
(4) جاء الخبر من عدة طرق وبألفاظ مختلفة. منها: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود)) قلت [الراوي عن أبي ذر]: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأصفر من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله كما سألتني، فقال : ((الكلب الأسود شيطان)) أخرجه مسلم، وزاد الترمذي بعد قوله: كآخرة الرحل، ((..او كواسطة الرحل)) وجعل عوض الأصفر الأبيض، وأورد ابن بهران رواية عن ابن عباس: أن رسول الله قال: ((إذا صلى أحدكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، وتجزئ عنه إذا مروا من بين يديه على قذفة بحجر)) هذه من رواية أبي داؤد. ا ه. جواهر 1/205.
وقال هؤلاء من الصحابة: سترة الإمام سترة لمن وراءه.
ويستحب لمن يصلي إلى السترة أن يدنو منها لقوله : ((إذا صلى أحدكم إلى السترة فليدن منها " )) (1).
ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ذراع، لما روي عن الرسول أنه كان بينه وبين قبلته قدر ممر الشاة(2).
قال الشافعي: ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ثلاثة أذرع. وهذا التقدير فيه زيادة على الحد ولم يذكر المحدثون البخاري والترمذي وغيرهما إلا مقدار ممر العنز وهذا حاصل بقدر الذراع من غير زيادة. ويكره التباعد عن السترة بأكثر من قدر الذراع لما روى ابن المنذر " (3) أن مالكاً كان يصلي مبايناً للسترة فمر به رجل لا يعرفه فقال له: أيها المصلي أدن من سترتك فجعل مالك يتقدم ويقول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ " وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}[النساء:113].
__________
(1) عن سهل بن أبي حثمة، يبلغ به النبي قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) أخرجه أبو داؤد. ا هجواهر 1/206.
(2) لفظه: عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وفي رواية أبي داؤد: كان بين مقام النبي وبين القبلة ممر عنز، ا هالمصدر السالف.
(3) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر: فقيه مجتهد من الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكة.
قال الذهبي: ابن المنذر صاحب التي لم يصنف مثلها، منها: (المقصود) في الفقه، و(الأوسط في السنن والإجماع والإختلاف -خ-) و(الإشراف على مذاهب أهل العلم-خ-) الجزء الثالث منه فقه، و(اختلاف العلماء-خ-) الأول منه، و(تفسير القرآن) وغير ذلك، ولد سنة242، وتوفي سنة319هبمكة. ا.ه. (أعلام)5/294، راجع (تذكرة الحفاظ)3/4، و(الوفيات) 1/461، و(طبقات الشافعية) 2/126.
فإن كان المصلي في البنيان فالمستحب أن يدنو من الجدار، وإن كان في الصحراء فالمستحب أن يجعل سترة بين يديه، لما روي عن الرسول أنه كان إذا خرج للعيد تنصب له الحربة فيصلي إليها(1).
وهكذا كان يفعل في السفر تركز له العنزة.
ولا يستتر بامرأة ولا دابة، ويكره له ذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلى امرأة " )) (2)
__________
(1) عن ابن عمر: أن النبي كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، وفي رواية أخرى: كان يركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي، أخرجه البخاري ومسلم، اهالمصدر السالف، وفيه روايات أخرى بألفاظ متقاربة للبخاري وأبي داؤد والنسائي، ومنها: أنه كان يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه فيصلي إليها. وعن أبي جحيفة: أن رسول الله صلى بالبطحاء وبين يديه عنزة، الظهر ركعتين والعصر ركعتين، يمر بين يديه، وفي رواية: بين يدي العنزة، المرأة والحمار، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي، وفي الجواهر ما لفظه: (حاشية) قال في النهاية: العنزة: مثل نصف الرمح أو أكثر ولها سنان مثل سنان الرمح، ا هالمصدر السابق، وهي بفتحتين على العين المهملة والزاي كما في لسان العرب ج5/ ص 384.
(2) لم نجد هذا الحديث بلفظه في المصادر المتاحة، وقد أورده ابن بهران في الجواهر نقلاً عن الانتصار، وقال: ولم يرد، وأورد أحاديث تتضمن النهي عن الصلاة إلى النائم وإلى المتحدث، أو الحائض أو الجنب، ا ه، المصدر السابق ملخصاً.
ويستحب للمصلي أن يداري في صلاته مخافة أن يمر بين يديه مارٌ لما روي عن النبي أنه كان يصلي ذات يوم إلى الجدار فأراد تيس أن يمر بين يديه فجعل يداريه عن المرور وهو يزحف إلى الجدار حتى لصق بالجدار ومر التيس من ورائه(1).
الفرع التاسع: والمستحب إذا لم يجد المصلي عوداً يغرزه أن يخط بين يديه خطاً، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً " ))(2)
قال أبو داود في سننه، وليكن الخط مثل الهلال، أراد: يكون معوجاً كهيئة المحراب.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عباس بلفظ: أن رسول الله كان يصلي فذهب جدي يمر بين يديه فجعل ينفيه، وفيه عن ابن عمرو بن العاص قال: هبطنا مع رسول الله من ثنية أذاخر فحضرت الصلاة فعنى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدرأها حتى ألصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه، أو كما قال مسدد. أخرجه أبو داؤد.
حاشية أوردها ابن بهران جاء فيها: قال في النهاية: ثنية أذاخر موضع بين مكة والمدينة وكانت مسماة بجمع الأذخر. ا ه، والبهمة: واحدة البهم، وهي صغار الضأن. ا ه1/207.
تصحيح: وردت جمع الأذخر، بالزاي في المصدر السالف، وهي بالذال المعجمة. وهي كما في لسان العرب، ثنية أذاخر موضع بين مكة والمدينة وكانت مسماة بـ: جمع الأذخر. ا.ه4/303، ولعل ورودها في الجواهر بالزاي خطأ مطبعي.
(2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يجد فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه)) أخرجه أبو داؤد، قال: الخط بالطول، وقالوا: بالعرض مثل الهلال. ا ه. المصدر السابق.
ويكره المرور بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى سترة من عصا أو حربة أو خط بين يديه، لما روى أبو هريرة وابن عمر وعبدالله بن عمرو وأبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه " لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه)) (1).
وحكى أبو عيسى الترمذي " (2)
عن النضر راوي الحديث له قال: لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً. والقريب: أنه أراد أربعين سنة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي " )) فإن لم يجعل المصلي تلقائه شيئاً لم يكره المرور بين يديه لأنه فرَّط في نفسه بترك الستر فبطل حقه(3).
__________
(1) روي الحديث عن بسر بن سعيد-بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله في المار بين يدي المصلي؟ قال أبو جهيم: قال رسول الله : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)). قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، أخرجه الستة.
قال الترمذي: وقد روي عن النبي أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)). ا ه، المصدر السابق.
(2) محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي، الراوية المشهور أحد أصحاب الصحاح الست، طاف بالبلدان وصنف مؤلفات في الحديث والرجال، منها: كتاب الجامع والعلل والتواريخ، كان يضرب به المثل في الحفظ، مات بترمذ في رجب سنة 279ه، ترجماته منتشرة في مختلف كتب الطبقات والتراجم والمعاجم والأعلام.
(3) في هامش الأصل: ظاهر الحديث وإطلاقه الكراهة، وإن لم يكن هناك سترة. قال في (الهداية): ويدرأ المار إذا لم يكن بين يديه سترة أو مر بينه وبين السترة لقوله : فادرأوا ما استطعتم، اهحاشية الأصل.
الفرع العاشر: والمستحب للمصلي إذا صلى إلى سترة قدامه من جدار أو أسطوانة وغيرهما أن لا يصمد إليها صمداً كلياً بل يكسر بحاجبيه شيئاً قليلاً، لما روي عن الرسول أنه كان إذا صلى إلى السترة قدامه لم يصمد إليها صمداً ولكني رأيته يكسر بحاجبيه شيئاً قليلاً فإن مر مارٌ بين المصلي وبين السترة عمداً جاز له مخاصمته، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن شاء أن يخاصمه فليخاصمه " )) وفي حديث آخر: ((فإن شاء أن يقاتله فليقاتله))(1).
وهل يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي وليس بين يديه سترة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يقطع صلاة المصلي ما يمر بين يديه كالكلب والمرأة والحمار، وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء.
__________
(1) الخبر عن ابن عمر بلفظ:((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين)) أخرجه مسلم. والقرين: الشيطان كما في حاشية البحر لا ما ذكره في (الجامع) بدليل الحديث الثاني عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان)) هكذا في رواية البخاري. وفي رواية لمسلم بزيادة: ((... وليدرأ ما استطاع فإن أبى... إلخ)). ا هجواهر 1/208 ملخصاً.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه قال: كنت رديف الفضل بن عباس " (1)
على أتان لنا فجئنا والرسول يصلي بأصحابه في منى، قال: فنزلنا عنها فوصلنا الصف ومرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم(2).
المذهب الثاني: أنه يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، وهذا يحكى عن بعض الفقهاء.
قال أحمد بن حنبل: لا أشك أن الكلب الأسود يقطع الصلاة وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء.
قال إسحاق بن راهويه: لا يقطعها إلا الكلب الأسود.
__________
(1) الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله ، وأخو عبد الله بن العباس الصحابي حبر الأمة، كان رديف رسول الله على ناقته في حجة الوداع، قتل يوم اليرموك بالشام في عهد عمر وهو ابن 22 سنة، وعليه درع النبي ، وفي (تهذيب التهذيب)8/252: قال أبو داؤد: قتل بدمشق، وقال الواقدي: مات بطاعون عمواس سنة 18، وقال ابن سعد: كان أسن ولد العباس، وثبت يوم حنين ومات بناحية الأردن في خلافة عمر، حضر غسل رسول الله ، وإلى جانب مواقفه هذه المشهورة مع رسول الله فقد كان هو وابن عمه علي الرجلين اللذين خرج رسول الله أثناء مرضه إلى بيت عائشة متكئاً عليهما كما جاء في روايات عدة، منها ما جاء عن عائشة بلفظ: فخرج رسول الله يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، راوي الحديث عن عائشة: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن العباس، فقال: هل تدري من الرجل الآخر؟ قال: قلت: لا، قال: علي بن أبي طالب. ا ه، من روايةابن إسحاق بسنده عن الزهري، سيرة النبي لابن هشام 4/298.
(2) هذه رواية الترمذي لحديث أخرجه الستة، وزاد أبو داؤد في إحدى رواياته: وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما ففرع بينهما، وفي رواية: ففرع إحداهما من الأخرى فما بالى ذلك. ا هالمصدر السابق.
والحجة على ذلك: ما روى أبو ذر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى الرجل وليس بين يديه كواسطة الرحل " قطع صلاته الكلب الأسود والمرأة والحمار)) قال الراوي: فقلت لأبي ذر ما بال الأسود من الأحمر والأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألتني عما سألت رسول اللّه فقال: ((الكلب الأسود شيطان " ))(1).
والمختار: ما عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: ((لا يقطع صلاة المرء شيء " وادرأوا ما استطعتم))(2).
__________
(1) تقدم.
(2) أورده في الاعتصام وفي جواهر الأخبار وغيرهما، وهو من مشاهير الأحاديث. جاء في المصدرين السابقين بزيادة: ((فإنما هو شيطان)) أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي عن أبي سعيد. ا هاعتصام 1/251. وروى الإمام زيد بسنده عن علي % قال: كانت لرسول الله عنزة يتوكأ عليها ويغرزها بين يديه إذا صلى، فصلى ذات يوم فمر بين يديه كلب ثم حمار ثم مرت امرأة. فلما انصرف قال: ((قد رأيتم الذي رأيتم ليس يقطع صلاة المسلم شيء، ولكن ادرأوا ما استطعتم)) ا ه139، أخرجه محمد بن منصور في الأمالي بسنده، عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال: لا يقطع الصلاة شيء ولكن ادرأوا ما استطعتم. أورده في الروض بألفاظ وطرق عدة منها: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرأ عن نفسك ما استطعت)) أخرجه عبد الرزاق، قال: وأخرج البيهقي بإسناه إلى سعيد بن المسيب أن علياً وعمر قالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرأوا ما استطعتم، أخرجه (البيهقي) في باب الدليل على أن مرور الكلب وغيره بين يدي المصلي لا يفسد الصلاة. كما أورده في الروض بزيادة: ((...فإنما هو شيطان)) ا هروض 2/151.
ويكره أن يجلس رجل مستقبلاً للمصلي لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلى متحدث " )) فإن فعل رجلان ذلك عمداً أدبا. لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه رأى رجلين فعلا ذلك فضربهما(1).
الانتصار: يكون بالجواب عما رووه من حديث أبي ذر وعنه جوابان:
أما أولاً: فيحتمل أن يكون منسوخاً بحديث أبي سعيد لاتفاق العلماء على ذلك من أئمة العترة وفقهاء الأمة.
وأما ثانياً: فلأنه متأول على أنه قطع الصف عن الإتصال لا أنه قطع الصلاة عن الإجزاء وهذا التأويل وإن كان فيه بعد لكنه مغتفر في جنب مخالفة الأحاديث الدالة على صحة الصلاة واتفاق العلماء عليها، فهذا ما أردنا ذكره في بيان الصلاة التي يستقبل بها القبلة.
__________
(1) وفيه عن ابن عباس أن رسول الله قال: ((لا تصلوا خلف النيام ولا المتحلقين ولا المتحدثين)) وفي رواية: ((لا تصلوا خلف النائم ولا المتحرك)) أخرج الثانية أبو داؤد. والأولى ذكرها رزين، وفي الجواهر نقلاً عن المهذب، أن عمر رأى رجلاً يصلي ورجل جالس مستقبله بوجهه فضربهما بالدرة، ا ه1/207.