والحجة على هذا: قوله : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق " ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن المراد بالخبر الجهة لا العين لأنه يستحيل أن تكون عين الجهة تحاذي ما بين المشرق والمغرب، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: قبلة العراق ما بين مشرق الشمس ومغربها، فهذا تصريح بأن الفرض هو الجهة.
الحجة الثانية: هو أنه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل لأن بعضهم لا محالة يخرج عن العين.
قال الإمام أبو طالب: والمراد بالتحري هو أن تطلب بالأمارات الجهة التي يغلب على الظن أنها جهة الكعبة.
__________
(1) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، وقواه البخاري، وهو عن أبي هريرة بلفظ: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) بدون: لأهل المشرق. فتح الغفار 1/172.
قال في الجواهر: والظاهر أن قوله: لأهل المشرق زيادة في لفظ الحديث مفسدة للمعنى، أما كونها زيادة في لفظ الحديث فلما ورد آنفاً من لفظ الحديث دون زيادة.
قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن غير واحدٍ من أصحاب النبي ، منهم عمر وعلي وابن عباس، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن شمالك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة. وعلق ابن بهران على هذا بقوله: وكلام ابن عمر هذا [يصدق] في حق من كان في جهات المدينة ونحوها، وأما من كان في اليمن فإنما يجعل المشرق عن يمينه والمغرب عن شماله وذلك ظاهر. إلى أن قال: وأما كون تلك الزيادة مفسدة للمعنى، فلأنه لا يستقيم أن تكون الجهة التي ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق، وإنما يستقيم أن تكون تلك الجهة قبلة لأهل الشام أو لأهل اليمن كما سبق في حديث ابن عمر ونحوه، وأما أهل المشرق والمغرب فقبلتهم التي بين الشام واليمن كما لا يخفى على أحد، فلا شك بأن تلك الزيادة سهو فسبحان من لا يجوز عليه السهو. ا ه1/203.
وحكي عن السيد أبي العباس أنه قال: يقصدون العين التي هي فرضهم إذا حضروا والجهة إذا غابوا، وكل هذا تصريح من هؤلاء بأن الفرض هو الجهة لا غير.
المذهب الثاني: أن الفرض هو العين حضر أو غاب عنها، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والناصر والمروزي وأحد قولي الشافعي، وحكى الشيخ أبو جعفر أن أبا عبدالله البصري حصَّل من مذهب أبي حنيفة أن الفرض هو العين في الحالين جميعاً.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144] وشطر الشيء بعضه، يقال: شطر المال، وشطر الدار أي بعضها وهذا هو مرادنا بالعين.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو أن من لزمه فرض التوجه إلى الكعبة لزمه إصابة العين كالمشاهد لها، فثبت بما ذكرناه أن الواجب بتحريه قصد عينها لا جهتها، فهذا تقرير كلام الفريقين في إعتبار العين والجهة كما ترى.
والمختار: تفصيل نشير إليه فيه كشف الغطاء عن المسألة، وحاصله أن نقول: إعتبار الجهة لايكفي بدليل أن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة الركن فإن صلاته غير صحيحة مع استقبال الجهة، ومحاذاة العين أيضاً ليست شرطاً فإن الصف الطويل في آخر المسجد إذا تزاحفوا إلى جهة الكعبة يخرج بعضهم عن محاذاة العين وصلاتهم لا شك في صحتها فكيف بالصف الطويل في أقصى المشرق والصف الطويل في أقصى المغرب؟ فلعل الأقرب بما قاله العلماء من الأئمة والفقهاء من العين والجهة، هو أن بين موقف المحاذي الذي يقول فيه الناظر المحقق: إنه على غاية السداد، وبين موقفه الذي يقول فيه: إنه قد خرج فيه عن اسم الإستقبال بالكلية، مواقف يقال فيها: إن بعضها أسد من بعض فإذا كان الكل سديداً فمن طلب الأسد عنى به العين، ومن طلب السديد عنى به الجهة. فهل يجب طلب الأسد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:أنه يجب لأنه ممكن.
وثانيهما:أنه غير واجب لأن حقيقة المحاذاة في المسجد ممكنة مع أنها غير واجبة، فإلى هذا ترجع حقيقة الخلاف في المسألة في العين والجهة والله أعلم بالصواب، وربما كان الخلاف راجعاً إلى عبارة من أراد الجهة فلابد له من مراعاة العين ومن أراد العين فلابد له من مراعاة الجهة، فإذا كان لابد من مراعاتهما جميعاً كان الخلاف لفظياً.
الانتصار: يكون بتصفح كلام الفريقين وانتقاد أدلتهم، وأنت إذا نظرت فيها وجدتها آيلة إلى ما ذكرناه وحققناه فلا جرم استغنت عن النظر في كل واحد منها وما يرد عليه من الاحتمال.
الفرع السادس: في بيان المعذورين من التوجه إلى القبلة، وهم في ذلك على ضروب خمسة:
الضرب الأول: الأعمى، وفرضه الرجوع إلى غيره لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " }[النحل:43] فإن وجد من يقلده عمل على قوله من حر أو عبد أو امرأة لأن كل واحد من هؤلاء من أهل الاجتهاد فجاز له تقليده فإن اتفقوا على جهة واحدة كان له أن يقلد من شاء منهم لاستوائهم في صحة القبلة، وإن اختلفوا في الجهات استحب له أن يقلد أفقههم وأعرفهم بحدود الشرع وبالأمارات فأيهم قلده جاز، ولأنه قلد من يجوز تقليده، فإن لم يجد من يقلد صلى على حسب حاله، وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم)). وإن عرف القبلة باللمس للمحاريب المنصوبة التي نصبها العلماء وأهل الفضل أجزأه ذلك لأنها بمنزلة الخبر، وإن دخل الأعمى بالتقليد ثم أبصر في حال الصلاة بأن بان له حين أبصر أنه على جهة القبلة أتم الصلاة، وإن احتاج إلى الاجتهاد بطلت صلاته لأنه صار من أهل الاجتهاد، وإن دخل البصير باجتهاد في الصلاة ثم عمي في أثنائها مضى في صلاته لأن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره، فإن تحول عنها بطلت صلاته لأنه لا يمكنه الرجوع إليها ويحتاج إلى أن يقلد وذلك لا يمكنه في حال الصلاة.
الضرب الثاني: الذي لا يعرف الدلائل على القبلة وإن عُرِّفَ بها لم يعرف. فمن هذه حاله فهو كالأعمى وفرضه التقليد. فإن دخل المقلد في الصلاة بالتقليد وفرغ منها ثم قال له من قلده، القبلة في غير الجهة التي صليت إليها فإن بان له ذلك باجتهاد لم تجب على المصلي الإعادة لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن بان له بيقين فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم، ولا فجران في يوم، ولا عصران في يوم)).
وإن قال له آخر وهو في أثناء الصلاة: قد أاخطأتك القبلة والقبلة في جهة أخرى، فإن كان قول الثاني على اجتهاد لم يلزمه قبول قوله من جهة أن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن كان الثاني كاذباً عنده لم يجب عليه الرجوع إلى قوله، وإن كان الثاني أصدق من الأول عنده فعليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية لأن الثاني أحق من الأول عنده، وإن كان الثاني عنده مثل الأول في الصدق فعليه أن يمضي في صلاته ولا ينحرف لاستوائهما في الصدق، وقد تَلَبَّس بالصلاة فلا وجه لخروجه منها، وإن قال الثاني ذلك القول على جهة الإخبار عن مشاهدة من غير اجتهاد لزمه الإنحراف إلى الجهة الثانية ولا يلزمه الإستئناف لأن دخوله فيها كان باجتهاد والخبر كان عن مشاهدة فلهذا وجب قبوله من غير تغيير لما فعله من قبل.
الضرب الثالث: الذي لا يعرف الدلائل ولكنه إذا عُرِّفَ بها عرفها. فإن كان الوقت واسعاً لزمه أن يتعرفها ولا يقال: إن هذا تقليد. كما أن العامي إذا أخبره العالم بخبر عن الرسول واستدل به لا يقال: إنه قد قلده فيما يحكم به لأنه متابع للرسول دون العالم، وإن أمكنه التعلم وأخره حتى ضاق الوقت عن التعلم والاجتهاد صلى بالتقليد، فإن لم يجد من يتعلم منه إلى أخر الوقت وضاق عن التعلم والاجتهاد جاز له التقليد. وإنما قررنا هذا التقرير لتعلم بأن ما يكفي من دلائل القبلة فرض من فروض الأعيان لا يمكنه أداء الصلاة إلا به من جهة أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لما روى أسامة عن الرسول أنه دخل الكعبة فلم يصل فيها ثم خرج منها وصلى إليها وقال: ((هذه هي القبلة " )).
الضرب الرابع: الذي يعرف الدلائل ولكن خفيت عليه لظلمة أو غيم فهل يقلد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يقلد لأنها قد خفيت عليه الدلائل والأمارات فصار كالأعمى.
وثانيهما:أنه لا يجوز له التقليد لأنه صار من أهل الاجتهاد.
والمختار: هو الأول لأنه وإن كان من أهل الاجتهاد فقد انسد عليه الاجتهاد لعروض هذا العارض فلهذا كان معذوراً في التقليد كالأعمى.
الضرب الخامس: المُسَايِفُ(1) والمربوط على خشبة والمريض الذي لا يجد من يوجهه نحو القبلة وراكب السفينة يتحرى جهده إلى القبلة ويدور بدورانها فإن لم يمكنه لاضطرابها صلى إلى أي جهة توجهت، والخائف سواء كان الخوف من آدمي أو سبع أو حيّة والأصل في هذا قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. وقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )).
__________
(1) في الأصل هامش: المسيف: الذي عليه السيف، والمسايفة: المجالدة. ا ه.
ومن كان من أهل العذر يمكن زوال عذره ويرجى، فهل ينتظر آخر الوقت أو يصلي في أول الوقت؟. فمن قال: صلاته بدلية وجب عليه انتظار آخر الوقت كالمتيمم، ومن قال: صلاته أصلية جازت له الصلاة في أول الوقت وقد مضى تقريره في أوقات الصلاة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.
---
الفصل الثاني
في بيان الصلوات التي تُستَقْبل لها القبلة
اعلم أن الصلوات التي يشرع فيها استقبال القبلة على نوعين: واجبة، ونافلة. فالواجبة: نحو الصلوات المكتوبة والصلاة المنذورة وصلاة الجنازة. والنافلة: نحو صلاة الكسوف والسنن الرواتب للصلاة ونحو سجود الشكر وسجود التلاوة. فما كان من الصلوات الواجبة فإنه يجب فيه مواجهة القبلة ولا تؤدى على الراحلة، وما كان نافلة فإنه يجوز تأديته على الراحلة ولا يشترط فيه مواجهة القبلة، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الصلوات المكتوبة يجب فيها مواجهة القبلة إلا لعذر كما مر بيانه، ولا يجوز تأديتها على الراحلة لما روى زيد بن علي عن أبيه عن علي " أن رجلاً سأل الرسول فقال له: يا رسول اللّه هل تصلي على ظهر بعيرك؟ فقال: ((نعم صل حيث توجه بك بعيرك " إنما يكون إيماؤك لسجودك أخفض من إيمائك لركوعك فإذا كانت المكتوبة فالقرار))(1).
فإن كان راكباً لسفينةٍ واسعةٍ أو عمارية يمكنه أن يدور ويركع ويسجد ويستقبل القبلة ويقوم، فهل يجوز أن يصلي فيها الفريضة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من ذلك لأن البهيمة لها اختيار في نفسها ولا تكاد تثبت على حالة واحدة فيؤدي ذلك إلى تغير القبلة بخلاف السفينة فإنها لا تسير بنفسها وإنما يسيرها الملاح فهي واقفة على اختياره فافترقا.
وثانيهما: الجواز كما لو صلى على سرير يحمله أربعة.
والمختار: هو الأول وهو المنصوص للشافعي في كتاب (الأم)، فأما إذا كان راكباً في محمل ضيق أو سرج أو على قتب فلا يجوز تأدية الفريضة عليه بحال.
الفرع الثاني: صلاة الجنازة هل تجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فليس يخلو حالها إما أن تكون متعينة عليه أم لا؟ فإن كانت متعينة عليه لم يجز تأديتها عليها لأنها من فروض الأعيان، وإن لم تتعين عليه فهل يجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) تقدم.
أحدهما: أنها غير واجبة في حقه فهي كسائر النوافل.
وثانيهما: المنع لأنها وإن لم تتعين عليه فهي واجبة في نفسها، وهذا هو المختار وهو المنصوص للشافعي.
وأما صلاة النذر الواجبة فهل يجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:المنع لأنها واجبة فأشبهت المكتوبة.
وثانيهما: الجواز لأنه ليس لها وقت معين فاشبهت المبتدأة.
والمختار: هو الأول، من جهة أنها لاحقة بالمفروضة من الصلاة في الوجوب. وهكذا الكلام في ركعتي الطواف فيهما الوجهان الجواز والمنع.
والمختار: هو الجواز لأنهما لاحقتان فلهذا جاز تأديتهما على الراحلة.
فأما رواتب الصلوات المكتوبة وصلاة الكسوفين وسجود الشكر والتلاوة فيجوز تأديتها على الراحلة، وهكذا حال صلاة العيدين عند من قال إنها سنة؛ لأن هذه الصلوات كلها نافلة فلا جرم قضينا بجواز تأديتها على الراحلة. وإنما جاز ذلك من جهة أن النوافل يستحب الإكثار منها فلم يضيق الشرع مسلكها فلهذا خفف الأمر فيها بالأداء على الراحلة وقائماً وقاعداً لما روي عن الرسول أنه قال: ((من صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء من أعمال الدنيا غفر اللّه له " )).
الفرع الثالث: النوافل المبتدأة. يجوز أداؤها على الراحلة لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. ويتوجه إلى جهة مقصده لما روي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في التطوع في السفر.
وروى ابن عمر قال: رأيت الرسول يصلي على حماره متوجهاً إلى خيبر ومن توجه إلى خيبر من المدينة فإنه يستدبر القبلة. قال الإمام القاسم: ويجوز اداء الوتر على الراحلة لأنها سنة وليست واجبة ويجوز ذلك في السفر الطويل لأن ما هذا حاله من تسهيلات السفر ورخصه فلهذا كان مختصاً بالطويل من الأسفار، وهل يجوز في القصير أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز الأداء على الراحلة في النوافل في القصير من الأسفار وهذا هو رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يصلي حيث توجهت به راحلته ولم يفصل بين طويله وقصيره.
المذهب الثاني: اختصاص ذلك بالسفر الطويل دون القصير، وهذا هو رأي مالك وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن هذا تغيير ظاهر لهذه الصلاة فلهذا كان مختصاً بالسفر الطويل كالقصر.
والمختار: ما قاله الأئمة لما روى جابر عن الرسول أنه كان يصلي على راحلته حيث توجهت، وعن علي % أنه كان يصلي على راحلته التطوع حيث توجهت، وعن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر، وقال: كان الرسول يفعله(1).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إنه تغيير هيئة في الصلاة فلا يجوز إلا في السفر الطويل كالقصر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار فإنها لم تفصل بين الطويل والقصير والأخبار أحق بالقبول من القياس خاصة مع أن الباب باب عبادة فلا تحكم فيه إلا الأخبار المروية عن الرسول .
وأما ثانياً: فلأنه معارض بقياس مثله وتقريره: أنه مسافر فجاز له فعل النوافل على الراحلة كالسفر الطويل فضعف ما عول عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم، يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
قال ابن بهران: وفيه لهما ولغيرهما روايات أخر. ا ه1/205، وفيه عن ابن عمر أيضاً بلفظ: كان النبي يسبح على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به، وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، ا هفتح 1/143، والتسبيح هنا: صلاة النوافل.
الفرع الرابع: وإذا دخل الراكب بلداً وهو في الصلاة نظرت فإن كان بلد إقامته أو نوى فيه الإقامة فعليه أن ينزل ويتم صلاته إلى القبلة ولا يكون النزول مفسداً للصلاة لأنه عمل قليل عمل لإصلاح الصلاة، وإن كان مجتازاً عن البلد فإنه يتم صلاته راكباً إلى جهة مقصده ولا تأثير للعمارة والبنيان، وإن دخله لينزل ثم يرتحل فإنه يمضي في صلاته ما دام سائراً فإذا نزل صلى إلى القبلة، وإن كان له في البلد أهل ومال نظرت فإن نوى الإقامة نزل وأتم صلاته إلى القبلة وإن لم ينو الإقامة ففيه وجهان:
أحدهما: أن يلحقه حكم المقيم تغليباً لأهله وماله.
وثانيهما: أنها في حكم الصحراء لأنه مسافر فيها.
والمختار: هو الأول لأن المال والأهل تزيل عنه حكم السفر والغربة فلهذا لحقه حكم الإقامة وإن لم يكن ناوياً لها فلهذا لزمه استقبال القبلة لما ذكرناه.
الفرع الخامس: وإذا كان المسافر ماشياً فهل يجوز له ترك القبلة والتوجه إلى جهة مقصده أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه أحد حالتي السفر فجاز له التنفل في غير جهة القبلة كحالة الركوب.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: هو أن الأدلة الشرعية دالة على الرخصة في ترك القبلة لمن أراد النافلة في حال الركوب فلهذا وجب قصرها عليه دون المشي.
والمختار: جواز ذلك في حالة المشي كما جاز في حال الركوب.
والحجة على هذا: هو أن المقصود التساهل في حال النوافل واتساع مسلكها فإذا جاز ذلك في حال الركوب جاز في حال المشي من غير تفرقة بينهما بل ربما تكون الرخصة في حال المشي أدخل منها في حال الركوب.
الانتصار: قالوا: يجب قصر الرخصة حيث وردت في حالة الركوب.