---
ا
الباب الثالث
في إستقبال القبلة
قال الإمامان القاسم والهادي : يجب على كل مصلٍ أن يستقبل الكعبة إن أمكنه وإن لم يتهيَّأ تحرى جهتها.
اعلم أن القبلة كانت في أول الإسلام إلى بيت المقدس وقد استقبلها الرسول مدة إقامته بمكة قبل الهجرة وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، وبيت المقدس هي قبلة اليهود، وكان من شدة حبه لذلك يصلي من ناحية الصفا ليستقبل الكعبة وبيت المقدس، يجعلها بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه استقبالهما جميعاً لأن من استقبل بيت المقدس فيها استدبر الكعبة فأقام بالمدينة يصلي إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً وقيل ستة عشر فعيرته اليهود فقالوا: إنه على ديننا ويصلي إلى قبلتنا، فسأل اللّه أن يحول قبلته إلى الكعبة فنزل جبريل فأخبره أنه يجب إستقبال الكعبة فعرج جبريل صلى الله عليه وسلم والرسول يتبعه نظره ويقلب طرفه نحو السماء ينتظر نزول جبريل، فنزل عليه بقوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والمسجد الحرام هاهنا هو الكعبة قال اللّه تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ }[المائدة:97]. يعني: مقاماً لهم ولصلاتهم. وقال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }[الحج:26]. يعني: المصلين. وقوله تعالى: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: نحوه. قال الشاعر:
ألا من مبلغ عمراً رسولاً ... وما تغني الرسالة شطر عمرو
أي: نحو عمرو، فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الباب موضوع للإستقبال فلابد من بيان القبلة المستقبلة، ثم المصلي إليها يستقبلها، ثم الصلاة التي تستقبل لها، فهذه فصول ثلاثة تشتمل عليها.

---
الفصل الأول
في بيان القبلة في الصلاة إليها
قال الناصر في كتابه الكبير: على المصلي أن يستقبل القبلة حضرها أو غاب عنها، فمن صلى بالمدينة فعليه استقبال بيت اللّه الحرام بالنية والإرادة. وأراد بالنية والإرادة: الصلاة؛ لأن استقبال القبلة لا تأثير للنية فيه كما سنوضحه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في أن النية للتوجه إلى القبلة غير واجبة إلا السيد أبا العباس فإنه أوجبها مرة واحدة، وإنما تكون النية واجبة للصلاة وسائر العبادات دون الإستقبال.

والحجة على ذلك: هو أن النية إنما تكون مؤثرة في وقوع الأفعال على وجوه مختلفة نحو كونها طاعة ومعصية وقربة وعبادة لله تعالى، فأما ما كان يتعلق بوجود الأفعال ووقوعها فلا تأثير للنية فيه نحو إستقبال القبلة ودخول وقت الصلاة وأعداد الركعات نحو كون الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً فهذه الأمور لا تأثير للإرادة فيها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن كل أمر لا تأثير للنية فيه فلا يصح أن تجعل النية شرطاً في صحته كالصلاة إذا دخل وقتها لم تكن النية شرطاً في دخوله. لأنه لو قصد إلى أن الوقت لم يدخل لم يكن لقصده تأثير، وهكذا لو أزال النجاسة وقصد إلى أنها غير زائلة لم يؤثر قصده فيه، وهكذا الحال فيمن توضأ بماء طاهر أو صلى في ثوب طاهر أو صلى على موضع طاهر فنوى أنه توضأ بماء نجس أو صلى على ثوب نجس أو موضع نجس فإنه لا يخرج عما كان عليه بهذه النية، وهكذا في قضاء الدين ورد الوديعة فإنه لا تأثير للنية فيها فإذا كان لا تأثير فيه فما كان من الأفعال واقعاً على وجه دون وجه وقف وجوبه على الدليل فإن قامت دلالة على وجوبها فيه قبل به وإلا فهو باقٍ على جوازه من غير نية. وعلى هذا جميع أصول الشريعة من الوضوء والصلاة والزكاة والحج والصيام والإحرام بالحج والعمرة، فالقدرة يحتاج إليه في وقوع الفعل ووجوده، والعلم يحتاج إليه في أحكام الفعل وانتظامه والإرادة يحتاج إليها في وقوع الأفعال على وجه دون وجه.
الفرع الثاني: في بيان المعاين للقبلة. اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة أن كل من كان معايناً للقبلة فإنه يجب عليه التوجه إلى عينها.

والحجة على هذا قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة:144]. وشطر الشيء: بعضه يقال: شطر المال وشطر الدار. وقوله : ((الوضوء شطر الإيمان )) أي: بعضه. وجملة المقامات التي يجب فيها التوجه إلى العين، خمسة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
المقام الأول: جوف الكعبة، فالمصلي فيها له أن يستقبل أي جدار شاء ويجوز لهم عقد الجماعة متدابرين مستقبلين للجدرات، ولو استقبل الباب وهو مردود(1) صح لأنه من أجزاء البيت، فإن كان مفتوحاً والعتبة(2) مرتفعة قدر مؤخرة الرحل(3) جاز ذلك وإن كانت أقل فهل يجزي أم لا يجزي؟ فيه تردد.
والمختار: أنه إذا كان قدامه جزء من البيت أجزأه، وإلا فلا يجزي لأنه ليس مقابلاً للبيت ولا لجزء من أجزائه، ولو انهدمت الكعبة والعياذ بالله فصلى في وسط العرصة فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه تردد، فحكي عن بعض أصحاب الشافعي منعه.
والمختار: جوازه لأن بين يديه أرض الكعبة وساحتها فهو مستقبل لها.
المقام الثاني: سطح الكعبة، فإن صلى على ظهرها نظرت فإن كان قدامه شيء من أجزائها صحت صلاته لأنه مقابل لجزء من أجزائها فصحت صلاته كما لو كان مواجهاً له، وإن لم يكن قدامه شيء من أجزائها فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاته غير مجزية، وهذا هو الذي ذكره الأخوان الإمامان أبو طالب والمؤيد بالله للمذهب.
__________
(1) يقصد وباب الكعبة مغلق.
(2) جاء في حاشية الأصل: والعتبة الدرج، وكل مرقاة عتبة، والعتبة أسكفة الباب، جمعها عتب وعتاب. ا ه‍.
(3) جاء في حاشية الأصل: الصحيح أن مُؤْخِرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء معجمة مكسورة بعدها رآء وهاء، وهي عبارة عما يستند إليه راكب الرحل من خلف ظهره، والرحل منزلته من ظهر الجمل البردعة من ظهر الحمار، وقال في غريب المهذب: المؤخرة بفتح الهمزة وتشديد الخاء. اه‍.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144] وإذا كان قدامه جزء منها كان متوجهاً إلى شطر منها فوجب أن يجزيه ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يجزيه إلا إذا كان قدامه شيء شاخص يصلي إليه مغروزاً فيصلي إليه وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: أنه لا يسمى مستقبلاً إلا إذا كان بين يديه سترة، ويخالف ما إذا كان على رأس [جبل] أبي قبيس والكعبة تحته فإنه يسمى مستقبلاً لها لخروجه منها.
المذهب الثالث: جواز الصلاة وإن لم يكن قدامه شيء منها وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115] ولم يفصل. فهذه المذاهب على ما ترى، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في أماكن المصلي، والانتصار له بمعونة اللّه تعالى.
المقام الثالث: الواقف في المسجد فإنه تلزمه محاذاة الكعبة فإن وقف على طرف وبعض بدنه في محاذاة ركن من أركانه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها غير مجزية لأنه ليس مواجهاً للبيت بكل بدنه، وإن أمتد صف مستطيل قريب من البيت فالخارجون عن سمت البيت ومحاذاته لا صلاة لهم لبطلان مواجهتهم له.
المقام الرابع: الواقف خارج المسجد أو في بيت من بيوت مكة أو يكون بينه وبينها حائل يمنعه من النظر إلى عينها فمن هذه حاله ففرضه التوجه إلى عين الكعبة لأنه في حكم المعاين لها فلا يسقط عنه فرض المعاينة لعارض يمكن زواله.
المقام الخامس: الواقف في مسجد الرسول للصلاة فإن محرابه ينزل منزلة الكعبة في حقه إذ لا يمكن الخطأ فيه ولا يجوز الاجتهاد من أجله لا بالتيامن ولا بالتياسر.

قال الإمام المؤيد بالله: وهذا الاعتبار إنما يصح إذا علم أن المحراب لم يُغيَّر عما وضعه الرسول لا بزيادة ولا نقصان، فأما إذا حول عما كان عليه فإنه لا يتحقق أنه متوجه إليها. وهذا نظر حسن جارٍ على القواعد والأصول. فهذه المقامات كلها دالة على اعتبار المعاينة للكعبة، والعمارة هذه في حرم رسول اللّه قد غيرت عن عمارته وهي من عمارة المستعصم " (1)
آخر خلفاء الدولة الجائرة الظالمة الذين غيَّروا الأحكام الإسلامية وتلبسوا بالمعاصي والآثام الفسقية، وقد قطع اللّه دابرهم وعفا آثارهم فبعداً لقوم لا يؤمنون.
دقيقة: اعلم أن الذي في حكم المعاين للكعبة ممن يكون من أهل مكة في بعض بيوتها ودورها التي لا تشاهد منها الكعبة ويكون بينه وبينها حائل يمنعه عن المشاهدة لها، ففرضه التوجه إلى عينها فإذا كان لا يمكنه الإطلاع عليها إلا بقطع مسافة بعيدة بطلوع جبل أو صعود هضبة فما المتوجه عليه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: وجوب ذلك وتأخير الصلاة إلى أن يخشى فوتها فحينئذ يجوز له التحري في هذه الحالة وهذا هو رأي القاسمية واختيار السيدين أبي طالب والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة بالتحري بدل عن صلاة المعاينة فلا يجوز التلبس بها إلا بعد الإياس من المشاهدة في آخر وقتها كالمتيمم.
المذهب الثاني: أنه إن كان يمكنه الإطلاع والمشاهدة في أول الوقت وإلاَّ صلى بالتحري ولا ينتظر آخر الوقت، وهذا هو رأي المنصور بالله والفقهاء.
__________
(1) المستعصم: عبد الله بن منصور (المنتصر) بن محمد (الظاهر) بن أحمد(الناصر) من سلالة هارون الرشيد العباسي، وكنيته أبو أحمد، آخر ولاة الدولة العباسية في العراق، ولد بالعراق وتولى الخلافة بعد أبيه سنة 640ه‍، ومدة خلافته 15سنة، وقتل على يد هولاكو الذي دخل بالتتار إلى بغداد سنة 656ه‍. ا.ه‍. أعلام4/140 ملخصاً.

والحجة على هذا: هو أنه مخاطب بالصلاة في أول وقتها وهو معذور بترك المعاينة لأنها ليست بدلاً عن غيرها.
وهذا هو المختار.
والحجة عليه: هو أن هاهنا فضيلتين إحداهما معاينة الكعبة، والأخرى تأديته الصلاة في أول وقتها للإختيار، فإذا قامت فضيلة المعاينة بالبعد لم تغب فضيلة الوقت فلأجل هذا وجب عليه تأديتها في أول وقتها من غير انتظار للمعاينة، ولأنه لا قائل بأن أهل منى يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت.
الفرع الثالث: في بيان من ليس معايناً ولا في حكم المعاين فإنه يرجع إلى خبر غيره ويترك إجتهاد نفسه.
والحجة على ذلك: هو أن الأخبار المروية عن الرسول مبطلة للاجتهاد فهكذا خبر العدل الموثوق بصدقه يقبل خبره في مراعاة أحوال القبلة قبل إجتهاد نفسه فإن أخبره مخبر عن علم بأن يكون على رأس جبل وهو يشاهد الكعبة وجب عليه قبول خبره فإن أخبرته امرأة أو عبد عن مشاهدة وجب قبول خبرهما كما يقبل خبرهما في رواية أخبار الرسول لأنهما من أهل الإسلام والعدالة فلهذا كان خبرهما مقبولاً، وإن أخبره صبي عن القبلة فهل يقبل خبره أم لا؟ فيه تردد بين أصحاب الشافعي.

والمختار: أن خبره غير مقبول لأنه متهم ولا يعرف قبح الكذب فلا يمتنع من الإقدام عليه، وإن أخبره كافر لم يقبل خبره لأنه ليس من أهل الإسلام فلا يقبل قوله في شيء من أحكامه، وإن أخبره فاسق لم يقبل خبره لأنه متهم في دينه فلا يمتنع إقدامه على الكذب لجرأته على اللّه تعالى بملابسته الكبيرة، فمتى حصلت هذه الأمور الثلاثة المعاينة للكعبة ومن هو في حكم المعاين لها، والخبر عنها بخبر الثقة كان مبطلاً للإجتهاد فيها لأن ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة أقوى من الاجتهاد نفسه فلهذا كانت سابقة عليها لقوتها وإرشادها إلى المقصود من طلب القبلة. ويؤيد ما ذكرناه هاهنا أن الأخبار المروية عن الرسول في أحكام الشريعة في التحليل والتحريم مبطلة للإجتهاد فهكذا خبر العدل الموثوق بصدقه مبطل للإجتهاد نفسه لأن طريق الاجتهاد مظنون بالنظر في الأمارات الموصلة إلى الظن بخلاف المخبر فإنه يخبر عن مشاهدة فلهذا كان أقوى من اجتهاده.
الفرع الرابع: إذا لم يكن المصلي معايناً ولا في حكم المعاين ولا أخبره مخبر فإلى ماذا يرجع وما يكون فرضه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن فرضه الرجوع إلى الاجتهاد وطلب الأمارات في جهة القبلة، وهذا هو رأي علماء الشريعة وأهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة وهم القائلون بالقياس والمتبحرون في علومه والمظهرون لعجائبه وأسراره والمتعمقون في غوائله وأغواره.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144].

ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر نبيه وأمته بالتولية لشطر المسجد الحرام، والشطر: هو البعض أو الجهة. وعلى كلا التفسيرين فإما أن يكون المراد هو العلم أو الظن والعلم إنما يحصل بالمعاينة أو لمن هو في حكم المعاين لمن كان قريباً من مكة، فأما من بعد عنها من أهل الأقاليم والأمصار في المشرق والمغرب والشام واليمن فلا يحصل لهم العلم وإنما يحصل الظن بالنظر في الأمارات وهو مرادنا بالتحري، والأمارات هي: مطالع الشمس والقمر والنجوم كما قال تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ " }[النحل:16] ومهاب الريح، فالنظر في هذه الأمارات به يقتدح الظن في جهة الكعبة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أخبر وخبره صدق وقوله حق، أن أينما تولينا فهو المقصود للعبادة في جهة القبلة فليس يخلو الحال فيه إما أن يريد أن المصلي يصلي إلى أي جهة شاء فهذا باطل لأن المعاين للكعبة ليس له أن يصلي إلا إليها ولا خيرة له في ذلك، وإما أن يريد الصلاة إلى الجهات الأربع فهذا باطل أيضاً لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك ثم إن الإجماع منعقد على خلاف ذلك، فلم يبق إلا أن يكون مراده الصلاة إلى أي جهة أوصل إليها التحري والنظر في الأمارات وفي هذا حصول المقصود من العمل على التحري في طلب القبلة.
المذهب الثاني: مذهب نفاة القياس كالأصم والإمامية وغيرهم من منكري القياس، فهؤلاء قد أنكروا القياس وعولوا على الظواهر القرآنية والأخبار المروية وأنجرَّ بهم الحال إلى إنكار التحري والعمل على الأمارات. وهم فرق كثيرة قد فصلناها في الكتب الأصولية ورددنا مقالتهم هذه.

والحجة لهم فيما زعموه هو: أنهم أعرضوا عن محاسن القياس وعجائبه وأعرضوا صفحاً عن اقتباس معانيه وإحراز غرائبه وعولوا على الظواهر وزعموا أن القياس لا يؤمن فيه الزلل إلى غير ذلك من الأوهام التي ليس لها حاصل ولا ثمرة وراءها ولا طائل، وموضع الرد عليهم الكتب الأصولية وقد أنهينا القول عليهم فيها نهايته.
والمختار: ما عول عليه علماء الشريعة أهل الرأي والاجتهاد من التعويل على القياس فإنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي وفيه معظم النظر في مجاري الاجتهاد في أساليب الشريعة وهو المفضي إلى الإستقلال بجميع أحكام الوقائع في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية.
الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه في إنكار القياس والتعويل على الظواهر. وهم قد أشاروا في إنكاره إلى أمور موهومة وتزاييف مزخرفة وإنكارهم للقياس الذي عول عليه العلماء الراسخون فيه دلالة على الفهاهة وضيق الحواصل وأنهم فيما أتوا به على غير قرار وبنوه على شفا جرف هار فانهار.
الفرع الخامس: وإذا كان المطلوب هو التحري فهل يكون الفرض هو العين أو الجهة؟
اعلم أن الكعبة شرَّفها اللّه تعالى وأعلاها عبارة عن المكان الذي استقرت عليه قواعد إبراهيم وإسماعيل فصارت الحرمة متعلقة بالأمرين جميعاً والقواعد تابعة للقرار، فلو زالت القواعد والعياذ بالله والبناء الذي عليها بقيت الحرمة للمكان فصارت الكعبة كالنقطة في مركز الدائرة فما قرب منها فهو مسامت للعين وما بعد منها فهو مسامت للجهة، فإذا عرفت هذا فاختلف العلماء القائلون بالتحري هل يكون فرض المصلي العين أو الجهة؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفرض هو الجهة، وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن أبي حنيفة وعن الكرخي والجصاص من أصحابه وأحد قولي الشافعي.

157 / 279
ع
En
A+
A-