فإن اللّه عابهما بتلك الخصال القبيحة، ومن جملتها قوله تعالى: {عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ " }[القلم:13] والزنيم: الذي تداعاه الرجال وما ذاك إلا لما كان منهما من شدة العداوة للرسول وإغراقهما في أذيته وعداوته والمكر به، فتولى اللّه تعالى لنبيه الكريم المثوبة وأنزل في [مبغضه](1)
قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن لم يكن بصفة العدالة والأمانة فلسنا نمنع من الإعتداد بأذانه إذا كان من أهل الملة، لكن الأولى ما ذكرناه. وكلامه هذا دال على أن المؤذن وإن لم يكن من أهل العدالة والأمانة بأن يكون فاسقاً بفسق الجوارح أو بفسق التأويل، فإن أذانه جائز لكونه من أهل الملة وإن كان غير موثوق به في ديانته وأمانته وإن كان مكروهاً، والأولى خلافه لمن كان على خلاف صفته، وفي هذا دلالة على أن الشرع وإن دل على الإجزاء فالأولى من جهة الدين المواضبة على مراعاة أحوال الديانة.
الفرع الحادي عشر: ويستحب أن يؤذن المؤذن على موضع عالٍ، لما روى عبدالله بن زيد أنه رأى رجلاً عليه ثوبان أخضران على جدر حائط يؤذن. وجدر الحائط أعلاه. وقالت عائشة ما كان بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا، فأخبرت أنهما كانا يرقيان إلى موضع عند أذانهما، ولأن ذلك يكون أبلغ في الإعلام وأعظم في الإشهار.
قال الإمام المؤيد بالله: ويجوز تقليد المؤذن في أذانه والعمل عليه إذا كان أميناً عارفاً بالأوقات مع إمكان البروز من المسجد ومراعاة زوال الشمس لقوله : ((المؤذنون أمناء " ))(2)
__________
(1) هنا كلمة في الأصل غير مفهومة وغير معجمة، وهي في الشكل والمعنى والمقصود بحسب السياق، شبيهة بكلمة (مبغضه) لذا وضعناها مكانها بين القوسين إشارة إلى أنها ليست في الأصل. والله أعلم.
(2) تقدم.

ولا يعني بذلك إلا أمانتهم في دخول الأوقات وهذا محمول على أن السماء مصحية فمتى كان الصحو فأذانه كافٍ في العمل عليه فأما إذا كانت السماء (ملبدة)(1) بالغيم فإنه مأمور بالتحري والعمل على غالب ظنه ولا يجوز تقليده.
نعم اختلف رأي السيدين الأخوين في المؤذن إذا أقام من غير وضوء فهل تجب عليه إعادة الإقامة أم لا؟ فقال السيد أبو طالب: لا إعادة عليه، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر. أو نقول: دعاء إلى الصلاة فصح من المحدث كالأذان.
وقال المؤيد بالله: تجب عليه الإعادة(2).
والحجة على هذا: هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول اللّه ومن الجلة من الصحابة والتابعين أنهم ما أقاموا على غير وضوء ولا اشتغلوا بعد الإقامة بالطهارة، وفي هذا دلالة على أنه لا يقيم إلا على الطهارة.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
وحجته: ما نقلناه عنه ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " )) (3).
وموضع الدلالة من الخبر هو أنه عقَّب الصلاة بالفاء عقيب الإقامة فلو سوغنا له الطهارة بعد الإقامة لكان فيه إبطال ظاهر الخبر وما دلت عليه الفاء من التعقيب.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: إنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر.
قلنا: موضوع الأذان بخلاف الإقامة فإنه لا يشتغل بعدها إلا بفعل الصلاة فافترقا.
قالوا: الإقامة دعاء إلى الصلاة فصحت من المحدث كالأذان.
__________
(1) في الأصل كلمة غير واضحة بمعنى (ملبدة) لذا تم وضع (ملبدة) مكانها بين القوسين.
(2) لعل الصواب أن إقامته لا تجزئ، إذ لا لزوم هنا لاعتبارها إعادة، فالمقيم هنا لدى المؤيد بالله أشبه بمن صلى دون وضوء، مع الإشارة هنا إلى أن التعبير بوجوب الإعادة عن عدم الصحة أو الإجزاء والعكس كثير في أسلوب المؤلف رحمه الله، ونظائره كثيرة في كتبه. والله أعلم.
(3) تقدم.

قلنا: المعنى في الأصل أن وقته فيه فسحة لفعل التطهر بخلاف الإقامة فإنه لا فسحة بعدها لفعل الطهارة فلهذا لم تكن جائزة من المحدث.
الفرع الثاني عشر: والمستحب للمؤذن أن يؤذن قائماً لقوله لبلال: ((قم فأذن))(1)
ولأنه إذا كان قائماً كان أظهر لصوته وأقصى لسماعه، ويستحب(2)
أن يستقبل القبلة لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله حسن " )). وهل يكون القيام واستقبال القبلة شرطين في صحة الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما لا يشترطان لصحة الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود إنما [هو] الإعلان والإشهار وتعريف الغائب والحاضر بدخول وقت الصلاة، وهذا حاصل سواءً كان قائماً أو قاعداً أو مستقبل القبلة أو غير مستقبل.
المذهب الثاني: أنهما شرطان في صحة الأذان، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك الجويني.
والحجة على هذا: هو أن مؤذني رسول اللّه وعادة الصدر الأول من الصحابة والتابعين جارية على الأذان قياماً مستقبلي القبلة فلما واظبوا عليه أشد المواظبة دل ذلك على وجوبه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
__________
(1) تقدم بمعناه، وقد جاء في نهاية الحديث المطول عن مشروعية الأذان في ما رواه ابن عمر: أن المسلمين حين قدموا المدينة كانوا يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد إلى أن قال: فقال عمر: ألا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله : ((قم يا بلال فناد بالصلاة)) أخرجه الستة إلا أبا داؤد. ا ه‍جواهر 1/181.
(2) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: قال في (الهداية) ويستقبل بهما القبلة لأن النازل من السماء أذن مستقبل القبلة وتركه (أي الاستقبال) يكره لمخالفة السنة. ا ه‍.

وحجتهم ما نقلناه عنهم، ونزيد هاهنا أن القيام واستقبال القبلة هيئتان في الأذان وتركهما لا يخرجه عن موضوعه وهو الإعلان والإشهار فلا يمنع ذلك من الإعتداد به، ولا يلزم على هذا [عدم] استقبال الإمام الناس عند الخطبة لأن تركه يخرجه عن موضوعه لأن الغرض مخاطبة الناس فلهذا لم تجز إذا تركها(1) فافترقا.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: علمنا من حال مؤذني الرسول وعادة الصحابة والتابعين، مواظبتهم على القيام في الأذان واستقبال القبلة فدل ذلك على وجوبه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المواظبة لا تدل على الوجوب فكم من سنة كثرت المواظبة عليها ولا يخرجها ذلك عن كونها سنة.
وأما ثانياً: فلأن استمرار الداعي على القيام واستقبال القبلة في الأذان ليس من جهة الوجوب كما زعمتم إنما كان من أجل أن المقصود هو الإعلان والإشهار وهذا حاصل من دونهما فبطل أن يقال أن الأذان لا يعتد به من دونهما.
الفرع الثالث عشر: ويستحب أن يجعل أصبعيه وهما المسبحتان في صماخي أذنيه لما روى أبو جحيفة " (2)
__________
(1) لعل الصواب: (إذا تركه) ليعود الضمير إلى (الإستقبال) إلا إذا قصد المؤلف عودة الضمير إلى كلمة (مخاطبة) الناس، كونها مترتبة على الإستقبال الذي هو موضوع البحث، فهذا احتمال ربما كان وارداً. والله أعلم.
(2) واسمه وهب بن عبد الله، جاء في تاريخ بغداد (1/199): أنه رأى رسول الله وروى عنه، وهو ممن نزل الكوفة، وشهد مع علي يوم النهروان، مات في ولاية بشر بن مروان على الكوفة، وفي تهذيب الكمال 31/132 أنه كان من صغار أصحاب النبي ، قيل: مات رسول الله و[أبو جحيفة] لم يبلغ الحلم، روى عن النبي وعن البراء بن عازب وعلي بن أبي طالب، وذكر الواقدي أنه توفي في ولاية بشر بن مروان، وقال غيره: سنة 74ه‍.

أن بلالاً خرج يؤذن واصبعاه في صماخي أذنيه، ومن جهة أن الصوت إذا خرج من الحلق انتفش من منافذ الأذنين فإذا سدهما فإن الصوت يجتمع في الفم ويشتد حاله ويقوى جرسه ويخرج عالياً، ولأنه قد يكون هناك من لا يسمع صوته فيحصل له العلم بالأذان بمشاهدة حاله بالبصر وإن لم يسمع. ويستحب أن يترسل في الأذان وهو الترتيل ويدرج في الإقامة وهو القطع لما روى جابر أن رسول اللّه قال لبلال: ((يا بلال إذا أذنت فرسل " وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته ولا تقوموا حتى تروني))(1).
ذكره الترمذي في صحيحه. والمعتصر هو الذي يجد في بطنه عصراً لخروج ما فيه من الطعام، وروي أن عمر قال للمؤذن: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر.
قال أبو عبيد الهروي: والرواية في الحدر بالحاء المهملة والذال بنقطة من أعلاها(2)
وكذلك الجذم أيضاً بالجيم والذال بنقطة هو القطع أيضاً. ومن جهة أن الأذان للغائبين فكان الترسل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الجذم فيها أولى.
__________
(1) وفي رواية الترمذي التي أوردها المؤلف: (..فترسل..) بدلاً عن (فرسل) و(..وأفصل..) بدلاً عن (..واجعل..) جاء بها في الجواهر عن الجامع الكافي، وفي فتح الغفار، رواه الترمذي وضعفه، ورواه الحاكم ومال إلى تصحيحه. ا ه‍1/130.
(2) نسب ابن منظور إلى الجوهري: وحَدَرَ في قرائته وفي أذانه حدراً، أي أسرع (انتهى كلام الجوهري) وفي حديث الأذان: ((إذا أذنت فترسَّل وإذا أقمت فأحْدُرْ)) أي أسرع، ا ه‍لسان ج4 ص 172، ومن ثم فإن ما أورده المؤلف عن الهروي في أن الحدر بالذال المعجمة فيه نظر، والله أعلم.

الفرع الرابع عشر: وإذا أذن المؤذن وهو قائم مستقبل القبلة فبلغ الحيعلة لوى عنقه ورأسه يميناً وشمالاً دون سائر بدنه وقدميه فلا يلتوي سواء كان أذانه على الأرض أو على المنارة، فإذا تقرر هذا فلنذكر الخلاف ثم نردفه بذكر كيفية الإلتواء فهذان تقريران:
التقرير الأول: في ذكر الخلاف وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه يستدير في أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه وشماله إذا قال حي على الصلاة حي على الفلاح، وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه لما رأى الأذان في منامه فقال الرسول : ((القه على بلال فإنه أندى منك صوتاً " )) قال ويستدير في أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه وعن شماله عند ذكر الحيعلتين.
المذهب الثاني: أنه إن كان أذانه على المنارة إستدار بجميع بدنه وإن كان على الأرض لوى عنقه لا غير وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان على المنارة كانت المنارة مانعة عن نفوذ الصوت وظهوره فلهذا استحب له الإستدارة ببدنه وإذا كان على الأرض لم يحتج إلا إلى إدارة العنق لا غير.
المذهب الثالث: أنه إن كان فوق المنارة لوى عنقه دون سائر بدنه وقدميه وإن كان على الأرض لم يحتج إلى شيء من ذلك، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان فوق المنارة ولوى عنقه كان أبلغ في إبلاغ الصوت ونفوذه فأما إذا كان على الأرض فالصوت فيه كفاية.
المذهب الرابع: أنه لا يستحب له شيء من ذلك سواء كان على المنارة أو على الأرض وهذا هو المحكي عن إبن سيرين.
والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصوت في الإبلاغ والإشهار، وهذه كيفيات لا حاجة إليها، واستقبال القبلة في جميع الأذان هو الأحق والأولى لما فيه من الفضل من غير حاجة إلى تحويل الوجه والعنق عنها.
والمختار: ما عول عليه الإمام القاسم.

وحجته: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما رواه أبو جحيفة قال: أتيت الرسول وهو في قبة حمراء من أُدُمٍ فأمر بلالاً فخرج فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر واصبعاه في أذنيه وخرج بلال بين يديه بالعَنَزَة وهي عصا فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول اللّه حتى لا يمر بين يديه الكلب والحمار وعليه حلة حمراء وكأني أنظر إلى بريق ساقيه(1).
__________
(1) ورد الحديث عن أبي جحيفة من طرق عدة وبألفاظ مختلفة أو مجزأة من حديث طويل منها: ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي جحيفة قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنيه، وفي رواية أبي داؤد عن أبي جحيفة: ثم رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، ا ه‍جواهر 1/194. وأورده الرباعي في فتح الغفار عن أبي جحيفة قال: أتيت النبي بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه (بفتح الواو: ماء وضوء النبي) فمن ناضح ونائل، فخرج النبي عليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يميناً وشمالاً، حي على الصلاة حي على الفلاح، متفق عليه، ولأبي داؤد: فلما بلغ حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، وفي رواية لأحمد والترمذي وصححه، وأصبعاه في أذنيه، ولابن ماجة، وجعل أصبعه في أذنيه، وزاد ابن ماجة أيضاً: يدور في أذانه، قال البيهقي: الإستدارة لم ترد من طرق صحيحة. قوله: فمن ناضح ونائل، الناضح: الآخذ من الماء لجسده تبركاً ببقية وضوئه ، والنائل: الآخذ مما في جسد صاحبه. ا ه‍ 1/125.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. واعلم أنهم لم يذكروا فيما ذهبوا إليه من هذه الأقوال قولاً عن رسول اللّه ولا اعتمدوا شيئاً من جهة الصحابة وإنما عولوا فيما ذهبوا [إليه] على آرائهم واستحسنوه بأنظارهم على حسب ما يعن لكل واحد منهم في ظهور الصوت وخفائه وفي بلوغه وتراخيه فوق المنارة وعلى الأرض، وما ذكرناه فهو أخبار منقولة عن الرسول فلهذا كان راجحاً على غيره خاصة في أمور العبادات وأحوالها فإنها أمور غيبية لا مدخل للآراء فيها ولا مجال للنظر في أحكامها.
التقرير الثاني: في كيفية الإلتواء وفيه حالتان:
الحالة الأولى: أن يكمل كل واحدة من الحيعلتين في كل واحد من الجانبين من غير فصل بينهما ثم هي على وجهين:
الوجه الأول منهما: أن يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، ويلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح حي على الفلاح.
الوجه الثاني: هو الوجه الأول خلا أنه يرد وجهه إلى القبلة متوسطاً بين الحيعلتين، فعلى هذا يلوي عنقه ورأسه فيقول: حي على الصلاة حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح حي على الفلاح.
الحالة الثانية: أن يفصل بين كل حيعلة برد الوجه إلى القبلة ثم ذلك يكون على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون كل واحدة من الحيعلتين كاملة في الجانبين جميعاً فيلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن ويقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ويتم أذانه على الكمال.

الوجه الثاني: أن يقسم كل واحدة من الحيعلتين على الجانبين فيلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إل القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح، وإنما خصت الحيعلة بالإلتواء دون سائر ألفاظ الأذان، من جهة أن ألفاظ سائر الأذان ذكر لله تعالى ولرسوله فلهذا كان استقبال القبلة بها أولى والحيعلة إنما تراد للإعلام والإشهار بدخول الوقت فلا جرم كان الإلتواء بها أشبه.
وهل يلتوي في الإقامة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلتوي لأنها إشعار بالصلاة كالأذان.
وثانيهما: أنه لا يلتوي لأن الإقامة للحاضرين فلا تحتاج إلى التواء بخلاف الأذان فإنه دعاء للغائبين، فلهذا استحب فيه الإلتواء ليحصل الإعلام لجميع الجهات، وهذا هو المختار لأن بلالاً وسائر المؤذنين لم يكن من جهتهم التواء لأعناقهم في الإقامة فافترقا.
الفرع الخامس عشر: وإن أراد المؤذن الأذان فارتد قبل أذانه منع من الأذان لأنه قربة فلا يصح أداءه من كافر وقد قال : ((لا قربة لكافر " )) وإن أذن ثم أرتد فهل يعتد به أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يعتد به(1)
لأن الردة تحبط الطاعات.
وإن ارتد في حال أذانه لم يصح منه إتمامه في حال ردته لأن الكافر لا يعتد بأذانه ولا يجوز لغيره أن يبني عليه لأنه قد انحبط بالردة. فإن رجع إلى الإسلام عن قريب، فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز البناء عليه لأنه قد بطل بالردة.
__________
(1) جاء في هامش الأصل ما لفظه: المذهب صحة أذانه والإعتداد به، وقد رجع (المؤلف) عما اختاره فيه إلى كلام أصحابنا، حيث قال في آخر الكلام: ويعتبر بأذانه؛ لأنه قد وقع على نعت الصحة. وربما كان قولاً ثانياً ليندفع التدافع ويبطل التناقض فليلمح. ا ه‍.

والثاني: أنه يجوز البناء لأنه تدارك نفسه بالإسلام على القرب كما لو لم يرتد.
والمختار: هو الأول لأنه قد بطل بالردة وقد قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " }[الفرقان:23].
وإن إرتد بعد أذانه منع من الإقامة لأنه ليس من أهل الإقامة بردته ويقيم غيره ويعتد بأذانه لأنه قد وقع على نعت الصحة والمقصود به الإعلام وقد حصل ولو بطل ثوابه بالردة فقد حصل مقصود الأذان وإن مات بعد الأذان أقام غيره، وإن مات في وسط الأذان بنى على أذانه غيره، وإن أغمي عليه في حال الأذان بنى على أذانه وأتمه غيره.
وقد نجز غرضنا من باب الأذان وبتمامه يتم الكلام في الجزء الثاني من كتاب الانتصار ويتلوه في السفر الثالث باب استقبال القبلة.

156 / 279
ع
En
A+
A-