فظاهر هذا الحديث دال على أن الطهارة من الجنابة معتبرة في صحة الأذان كما قلناه، وطهارة المحدث وصحة أذانه تخرج بدليل منفصل.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: يرد إلى التسبيح بجامع كونه قربة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القياس لا يعارض ما ذكرناه من الخبر فإن القياس يشترط في العمل به ألاَّ يعارض شيئاً من الأخبار المروية لأن كلام الرسول لا يعارضه كلام المجتهد.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرناه من القياس يعارض قياسكم فيجب القضاء ببطلان الأقيسة والرجوع إلى الخبر الذي رويناه.
وهكذا حال الإقامة فإنها لا تصح من الجنب أيضاً، وظاهر كلام الشافعي: المنع من إقامة الجنب وأنها لا يعتد بها لأنه قال: وإذا كرهت الأذان على غير طهارة فأنا للإقامة أكره. ولا معنى للمبالغة في الكراهة إلا لأن الأذان مكروه والإقامة لا يعتد بها.
قال الشافعي: لأنه إذا لم يكن على طهارة فأقل ما في ذلك أنه عرض نفسه للتهمة ويستهزئ به الناس ويسخرون منه في أنه يكون مقيماً للصلاة لغيره ولا يكون مصلياً فيصير هزأة وضحكة، ويصدق ذلك قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ " }[البقرة:44].
ومن وجه آخر: وهو أن الإقامة إنما تراد لاستفتاح الصلاة فلهذا احتاج إلى أن يكون على صفة يستفتح بها الصلاة.
وأما الطهارة من الحدث الأصغر فهل يجوز أذان المحدث وإقامته أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: الجواز من غير كراهة، وهذا هو رأي أئمة العترة في الأذان وحده، قال زيد بن علي: لا بأس بأن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، وعن الناصر أنه قال: ويجوز أن يؤذن الرجل وهو محدث، وحكي عن الهادي أنه قال: ولا بأس بأن يؤذن المحدث، فأما الإقامة فاتفق هؤلاء الأئمة على أن الرجل لا يقيم إلا وهو على طهارة. فظاهر كلامهم هاهنا أن الإقامة غير مجزية ولا معتد بها.

قال الهادي: ولا يقيم إلا وهو على طهارة لأنه ليس بعد الإقامة إلا الصلاة.
و الحجة على جواز أذان المحدث: هي أن الأذان ذكر يقصد به القربة فلم يكن الحدث مانعاً منه كقراءة القرآن. ويدل على المنع من إقامة المحدث هو أن المعهود من مؤذني رسول اللّه أنهم ما كانوا يقيمون إلا على طهارة ولم يعلم أن أحداً أقام ثم توضأ بعد ذلك. وفي هذا دلالة على جواز أذان المحدث والمنع من الإقامة وهو المطلوب.
المذهب الثاني: كراهة أذان المحدث وإقامته، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن إلا متوضئ " )) (1)
__________
(1) هذا الحديث يوضح سالفه، وقد رواه الترمذي وضعفه، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان من حديث ابن عباس بلفظ: إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر، ويشهد لذلك قوله : ((إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)) أخرجه أبو داؤد من حديث المهاجر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ا ه‍فتح الغفار 1/130، وفي رواية عن أبي هريرة أيضاً قال: ((لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ)).
قال ابن بهران: وهذا أصح، و نقل عن التلخيص الحديث السابق بلفظه: ((لا يؤذن إلا متوضئ)) أخرجه الترمذي من حديث الزهري عن أبي هريرة، وهو منقطع، والراوي له عن الزهري ضعيف، ورواه أيضاً من رواية يونس عن الزهري عنه (يعني: أبا هريرة) موقوفاً، وهو أصح، قال: ثم رواه أبو الشيخ كما سلف. ا ه‍جواهر 1/200 ملخصاً.
تعليق: لعل خلاصة ما سلف: أنه لا يصح أذان الجنب قياساً على الخطبة وقراءة القرآن، ولقوله : ((إلا وهو طاهر)) وهو رأي المذهب، وتكون الطهارة هنا من الحدث الأكبر، ويصح أذان المحدث كقراءة القرآن، والمقصود هنا: الحدث الأصغر، ولا تصح إقامته، وعند الشافعي: يكرهان فقط، وعند أبي حنيفة: لا كراهة فيهما، ا ه‍، ملخصاً من البحر. وعند الإمام زيد: لا بأس أن يؤذن الرجل على غير وضوء، وأكره للجنب أن يؤذن، قال: ولا يقيم إلا وهو طاهر، ا ه‍روض 1/547.

.
ولأنه إذا لم يكن متوضياً انصرف لأجل الطهارة فإذا جاء غيره لا يرى أحداً فيظن أن ذلك ليس أذاناً. فإن أذن وهو محدث صح ذلك مع الكراهة لأنه قد أتى بالمقصود، وهكذا حال الإقامة.
المذهب الثالث: عن أبي حنيفة وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنه يكرههما جميعاً.
والرواية الثانية: جوازهما من غير كراهة.
المذهب الرابع:أنه لا يعتد بهما بحال، وهذا هو المحكي عن الأوزاعي ومجاهد وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه.
والحجة على هذا هو أنهما ذكر يتقدم الصلاة فكان الحدث مانعاً منهما كالخطبة في الجمعة.
والمختار: هو الكراهة في الأذان والإجزاء، والمنع في الإقامة.
والحجة على الكراهة في الأذان ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن إلا متوضي " )) فهذا نهي وأقل درجاته الكراهة. ويدل على أن إقامته غير معتد بها، هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول اللّه أنه لم يعلم من أحدهم أنه أقام ثم خرج يتوضأ، وفي هذا دلالة على عدم الإعتداد بها إذا كان فاعلها على غير وضوء.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ذكر يراد به القربة فلا يكون الحدث مانعاً منه، دليله قراءة القرآن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القياس لا يكون معارضاً للخبر الذي رويناه، ورأي المجتهد لا يساوي منصب الشارع.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل: هو أنه ليس وصلة إلى الصلاة بخلاف الأذان فافترقا.
وأما من زعم أنه لا يعتد بأذان المحدث فقالوا: إنه ذكر يتقدم الصلاة فكان الحدث مانعاً من إجزائه كالخطبة في صلاة الجمعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نعارضه بقياس مثله وهو أن نقول: ذكر تقصد به القربة فلا يكون الحدث مانعاً منه كالتهليل والتسبيح.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل: كونهما بدلاً عن الركعتين في الظهر فاشترطت الطهارة فيهما كمبدلهما فافترقا.
الصفة الثانية: [العدالة] واعلم أن اعتبار العدالة لها معنيان:

المعنى الأول: أن يراد بالعدل من تقبل شهادته وعلى هذا يعتد بأذان من لم تقبل شهادته لأمرين:
أما أولاً: فلأن الشهادة أغلظ حكماً من الأذان لأن الشهادة تقتطع بها الأموال وتستحل بها الفروج.
وأماً ثانياً: فلأن الشهادة قد ترد بملابسة ما ليس فسقاً كالبول في الشوارع وإفراط المزاح وسرقة بصلة وغير ذلك مما يجانب المروءة ويسقط العدالة(1) والأذان لا يرد بهذه الأمور لكونه أخف حكماً منها.
المعنى الثاني: أن يراد بالعدالة أن لا يكون فاسقاً، وعلى هذا هل يعتد بأذان الفاسق المجاهر بملابسة الكبائر كالزنا والسرقة وشرب المسكر وغير ذلك من الكبائر الفسقية؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يعتد بأذانه مع احتمال جوازه، وهذا هو المحكي عن الإمام المؤيد بالله فإنه تردد فيه ولم يمض على صرم في المسألة.
والحجة على عدم الإعتداد بأذانه قوله : ((يؤذن لكم خياركم " ))(2)
والفاسق ليس من الخيار.
المذهب الثاني: جواز أذانه مع الكراهة وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا هو: أن الفاسق من أهل الإسلام ومن المصلين إلى القبلة والمقرين بالشريعة فلهذا جاز أذانه كالتقي وإنما كره لمكان تهتكه وملابسته للكبائر الفسقية.
والمختار: أن من هذه حاله في التهتك وملابسة الكبائر والولوع بفعلها والإكباب عليها في ليله ونهاره أنه لا يعتد بأذانه.
والحجة: ما ذكرناه من الخبر فإنه مانع من الإعتداد بأذانه، ونزيد هاهنا حجتين:
__________
(1) في الأصل: (وتسقط الحالة) ولعله خطأ من الناسخ؛ لأن المعنى لا يستقيم بها.
(2) عن ابن عباس أن رسول الله قال: ((ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرأكم)) أخرجه أبو داؤد. ا ه‍جواهر 1/200.

الحجة الأولى: هو أن المعلوم من مؤذني رسول اللّه أنهم كانوا في غاية الصلاح والوثاقة في الدين والتلبس بالورع والديانة وكانوا على أحسن هيئة في الدين وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " }[الأحزاب:21]. فيجب الإقتداء بمؤذنيه فمن خالف حالهم لم يعتد بأذانه.
الحجة الثانية: هو أن الفاسق المجاهر بالكبائر يفعلها فلا يبالي بالخيانة ولا بما يفعله من القبائح والمعاصي فإذن لا يؤتمن على الأوقات في تغييرها بالزيادة والنقصان فيها ولا يؤتمن على الإطلاع على عورات المسلمين في المئذنة لجرأته على اللّه تعالى وخروجه بالفسق عن طاعة اللّه وولايته.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه من أهل القبلة ومن المقرين بالشريعة فلهذا اعتد بأذنه كالتقي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نعارض قياسكم بمثله وهو أن الفاسق قد صار من أهل العداوة لله تعالى وانقطاع الولاية عنه فلا يعتد بأذانه كالكافر.
وأما ثانياً: فلانا نسلم ما ذكرتموه لكنه يبطل المقصود بملابسته الكبائر والخيانة فإنه لا يؤمن على أداء هذه العبادة بالخيانة فيما ذكرتموه، فتقرر بما لخصناه أنه غير معتد بأذان الفاسق فلا يُمكَّن من أداء عبادة الأذان بحال، والله أعلم.
الصفة الثالثة: حسن الصوت، والمستحب في المؤذن أن يكون صَيِّتَاً ونعني بالصيت: أن يكون صوته عالياً مرتفعاً، لما روي عن الرسول أنه أمر عبدالله بن زيد بالقاء الأذان على بلال وقال: ((إنه اندى منك صوتاً " ))(1)،
واختار أبا محذورة للأذان لعلو صوته، وندا الصوت: علوه وظهوره. قال الشاعر:
فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان(2)
__________
(1) تقدم في باب مشروعية الأذان.
(2) أحد بيتين للحطيئة أولهما:
تقول حليلتي لما اشتكينا
فيدركنا بنو القرم الهجان

ولأن المقصود بالأذان إنما هو الإشعار والإعلام بوقت الصلاة فلهذا استحب أن يكون صوته عالياً مرتفعاً، والمستحب مع علوه وظهوره أن يكون حسناً لاشتماله على ذكر اللّه تعالى وذكر رسوله، فإذا كان صوته حسناً رطباً رقت القلوب إليه وأصغت الأسماع إلى قبوله وكان أقرب إلى خشوع القلب في الصلاة وإلى رقة القلب فيها والإقبال عليها، فهذا ما أردنا ذكره في الصفات المسنونة ونرجع إلى التفريع.
الفرع السابع: ويستحب في المؤذن أن يكون حراً لقوله : ((يؤذن لكم خياركم " )) والعبد ليس من أهل الخيار(1)
فإن منعه مولاه عن الأذان كان له منعه عن أذان النافلة لأنه مستغرق لخدمة سيده. وإن لم يكن هناك من يسقط فرض الكفاية إلا العبد، جاز من غير إذن سيده، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإسقاط فرض الكفاية متوجه على الأحرار والعبيد. فإن أعتق جاز أذانه ولم يكره لأن بلالاً كان عبداً لأبي بكر فاعتقه، واختاره رسول اللّه للأذان فكان مؤذناً له لاختصاصه بالجهاد والدين والورع، ولهذا قال : ((بلال أول من يقرع باب الجنة من الحبشة " )). ويستحب في المؤذن أن يكون عارفاً بالمواقيت لئلا يغتر الناس بأذانه، فيعرف الزوال في الشتاء والصيف ويتحقق علامة الغروب في صلاة المغرب وغيبوبة الشفق الأحمر للعشاء الآخرة ويفرق بين الفجرين الصادق والكاذب ليكون على حقيقة في أذانه.
__________
(1) أراد المؤلف كما هو واضح، أن العبد ليس من أهل الخيار؛ لأن لسيده منعه من أذان النافلة، ولعل هذا لا يخرجه عن أهل الخيار إذا كان فيه صفاتهم؛ لأن طاعته لسيده واجب وهو بأداء واجبه مثاب عليه، فلا يكون بأداء الواجب ناقصاً عن صفات أهل الخيار. والله أعلم. المحقق.

الفرع الثامن: ويستحب أن يجعل الأذان في أولاد من جعل الرسول الأذان فيهم، مثل أولاد بلال لأن الرسول قال: ((الأذان في الحبشة)) " (1)
إكراماً لبلال وتخصيصاً لعقبه بهذه الخصلة، ومثل أولاد أبي محذورة لأن الرسول جعل إليه الأذان بمكة وجعل الأذان إلى بلال في المدينة، وهكذا أولاد سعد القرظي؛ لأن عمر جعل الأذان إليه بعد بلال، فإن انقرض أولاد هؤلاء أو لم يكونوا عدولاً فيستحب أن يجعل في أولاد الصحابة رضي اللّه عنهم تشريفاً لهم وإكراماً لما اختصوا به، فإن لم يوجدوا جعله الإمام إلى من يراه من خيار المسلمين فإن تنازع جماعة فيه مع تساويهم في الفضل والدين، أقرع بينهم لقوله : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " ))(2)
__________
(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((الملك في قريش والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد)) يعني: اليمن. أخرجه الترمذي، قال: وقد روي عن أبي هريرة ولم يرفع وهو أصح. جواهر 1/201.
(2) جاء عن أبي هريرة بلفظ: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه، ولو علموا ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)) (يعني صلاتي العشاء والفجر) أخرجه الستة إلا أبا داؤد والترمذي. ا ه‍. المصدر السابق.

وروي أن الناس تشاجروا يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم، وروي أنه اختصم جماعة إلى عمر في الأذان فقضى بينهم لكل واحد بأذان صلاة(1).
الفرع التاسع: ويعتد بأذان الأعمى لأن إبن أم مكتوم "(2)
كان يؤذن وهو أعمى فدل ذلك على جوازه، وهل يكره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مكروه، وهذا هو رأي الهادي والقاسم واختاره السيدان المؤيد بالله وأبو طالب.
قال الهادي في (الأحكام): ولا بأس بأذان الأعمى إذا كان من أهل المعرفة والأمانة.
والحجة على هذا: ما ذكرناه من أذان إبن أم مكتوم ومعرفة الرسول بحاله ولم ينكر عليه أذانه وفي هذا دلالة على جوازه.
قال الإمام أبو طالب: ولا يمتنع أن يقال: إنه أولى بالأذان من غيره لأنه لا يقع بصره على عورات المسلمين وحرمهم في دورهم إذا صعد المنارة بخلاف المبصر فلهذا كان أحق من غيره.
__________
(1) وردت رواية ا لخبرين دون إسناد أو تعليق سوى قول ابن بهران: هكذا روي والله أعلم، وواضح أن المؤلف لم يرد الإستدلال بها إلا على جواز الإستهام بين المختلفين على الأذان استناداً إلى الحديث، هذا إلى جانب التأكيد على حرص الصحابة على التسابق إلى الفضل، فاستهموا واختصموا إلى ولاتهم في هذه المسألة كل منهم يطلب السبق إليها والفوز بها، والله أعلم. ا ه‍. المحقق.
(2) عبد الله بن شريح المعروف بابن أم مكتوم، صحابي شهير، ترجم له في (التاريخ الكبير)5/7 وفي (الجرح والتعديل) 5/79 وفي (المشاهير) 1/16، وفي (الثقات) 3/214 وغيرها، قالوا: عبد الله بن أم مكتوم الأعمى القرشي ابن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة، من بني عامر بن لؤي بن غالب. قدم المدينة بعد بدر بسنتين مهاجراً فذهب بصره، وهو أحد مؤذني الرسول [وأشهرهم بعد بلال] وكان النبي يستخلفه على المدينة يصلي بالناس، وشهد القادسية ومعه راية سوداء وعليه درع، ثم رجع إلى المدينة ومات بها في خلافة عمر، وأمه عاتكة بنت مخزوم.

المذهب الثاني: أنه يكره، وهذا هو المحكي عن ابن مسعود وارتضاه الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان أعمى فربما غر المسلمين بأذانه ولهذا قال ابن مسعود: لا أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم(1)،
ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي كان مقبولاً لأنه إنما يقوله عن توقيف لتعذر الاجتهاد فيه. قال الشافعي: إذا وجد بصير يكون معه لم يكره أذانه؛ لأن ابن أم مكتوم كان أعمى وكان يؤذن مع بلال.
والمختار: ما عليه أئمة العترة من الجواز؛ لأن ابن أم مكتوم كان مؤذناً والرسول عالم بأذانه فلو كان مكروهاً لنهاه عن ذلك، ثم إذا كان موثوقاً بديانته وصلاحه وأمانته لم يؤذن إلا عن بصيرة وتحقق.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن ابن مسعود كراهة أذان الأعمى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكره محمول على أذانه إذا لم يعرف الأوقات حتى تتفق الأدلة على الصحة والثبات.
وأما ثانياً: فلأن ما قاله ابن مسعود ليس فيه حجة لأن الظاهر أنه أخبر عن رأيه فلا يكون مقبولاً لأن الحجة اللازمة ما كان عن اللّه وعن رسوله فأما ما كان عن نظر واجتهاد فكل ورأيه فيما قال به.
الفرع العاشر: ويعتد بأذان ولد الزنا ومن ليس لرشده.
__________
(1) راجع كلام المؤلف حول هذه المسألة، واعتباره ما روي عن ابن مسعود اجتهاداً خاصاً به. واحتجاج المؤلف بأن ابن أم مكتوم كان يؤذن لرسول الله وهو أعمى كما هو معروف بين الصحابة الذين رووا هذا من عدة طرق، منها ما جاء عن عائشة وابن عمر وغيرهما، والأمر شائع وذائع ولم ينكره أحد من الصحابة ومن تبعهم حتى من قال بكراهة أذان الأعمى كابن مسعود الذي هو من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم.

قال الهادي: ولا بأس بأذان ولد الزنا إذا كان من أهل المعرفة والأمانة، وما هذا حاله فلا يعرف فيه خلاف بين العلماء فإذا كان بهذه [الصفات] جاز أذانه ولا يضر فجور والديه فلا تزر وازرة وزر أخرى وقد قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " }[الحجرات:13].ولم يفصل بين شخص وشخص، وما عاب اللّه أحداً بنسب إلا ما كان من الوليد بن المغيرة " (1) والأخنس بن شريق " (2)
__________
(1) أبو عبد شمس بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من قضاة العرب في الجاهلية ومن زعماء قريش ومن زنادقتها، كان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وأدرك الإسلام وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته، وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد خالد بن الوليد. ا ه‍(أعلام) 8/122.
(2) الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، واسمه: أُبي. وإنما لقب الأخنس؛ لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فقيل: خنس الأخنس ببني زهرة، وقد أسلم بعد ذلك، فكان من المؤلفة، وشهد حنيناً ومات في أول خلافة عمر، وذكر ابن عطية عن السدي أنه أظهر الإسلام، ثم هرب بعد ذلك فمر بقوم من المسلمين فحرق لهم زرعاً وقتل لهم حمراً، فنزلت [فيه]: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} إلى قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} وقال ابن عطية كما جاء في (الإصابة) 1/38: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت: قد أثبته في الصحابة من تقدم ذكره ولا مانع أن يسلم ثم يرتد ثم يرجع إلى الإسلام، والله أعلم. ا ه‍، الآيات الثلاث الكريمة 204-206 من سورة البقرة.

155 / 279
ع
En
A+
A-