قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال: معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا قال: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح ثم قال بعد ذلك مثل ما قال المؤذن ثم قال معاوية: سمعت رسول اللّه يقول ذاك. وإنما كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن في غير الحيعلات ليدل على رضاه لقوله، وأما الحيعلة فمعناها الدعاء لأن معنى حيّ على الصلاة أي: هلموا إلى الصلاة، ومعنى حي على الفلاح أي: هلموا إلى العمل الذي يوجب الفلاح وهو البقاء ومعنى حي على خير العمل: هلموا إلى خير الأعمال وهو الصلاة، وهذا المعنى لا يصلح لغير المؤذن فلهذا استحب للسامع أن يأتي بذكر لله غيره وخص قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله عند ذكر الحيعلة لأن معناها: لا حول عن معصية اللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلا بالله أي بإقداره وتمكينه وحسن ألطافه الخفية في فعل الطاعة والإنكفاف عن المعصية، والصلاة من أعمال الطاعات.
الفرع السادس: يستحب لمن سمع النداء أن يدعو بالدعاء المأثور الذي رواه جابر عن رسول اللّه أنه قال: ((من قال حين يسمع النداء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة " آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) حلت له شفاعتي يوم القيامة))(1).
وروى سعد بن أبي وقاص أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع النداء " : وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه)) (2).
__________
(1) أخرجه الستة إلا مسلماً والموطأ، جواهر 1/197.
(2) أخرجوه إلا البخاري والموطأ، المصدر السابق.

وهذا يدل على أنه يقول ذلك في أثناء الأذان، وروى عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبي قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ مرة صلى اللّه عليه بها عشراً ثم سلوا اللّه لي الفضيلة والوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه وأرجو أن يكون أنا هو فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (1)
وهذا يدل على أنه يقول ذلك بعد الأذان. ويحتمل أن يقول مثل ما يقول المؤذن ثم يدعو في حال تطويل المؤذن صوته وأي ذلك فعل كان جائزاً، وإن كان في أذان المغرب فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك " وحين أوان صلواتك وأصوات دعاتك فاغفر لي))(2)
لأن الرسول أمر أم سلمة أن تقول ذاك عند أذان المغرب. وإن كان في أذان الصبح فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك " وأصوات دعاتك فاغفر لي)).
__________
(1) أخرجوه إلا مسلماً والموطأ، وأورد ابن بهران في الهامش حول قوله: أخرجوه إلا مسلماً والموطأ في الحديث الأخير قوله: حصل للمؤلف سهو، فإن الحديث أخرجه مسلم ولم يخرجه البخاري، ا ه‍. المصدر السابق.
(2) الخبر في رواية أبي داؤد عن أم سلمة بدون: ((..وحضور صلواتك)) وعند الترمذي بلفظه إلا أن في آخره: ((...اسألك ان تغفر لي)) وهي بمعنى ما جاء في في رواية أبي داؤد، قالت أم سلمة: علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب، وفي رواية الترمذي: علمني رسول الله أن أقول إذا أمسيت...إلخ. كما في الجواهر 1/197. ا ه‍، وجاء الحديث في فتح الغفار بلفظ رواية أبي داؤد، وقال: أخرجه أبو داؤد والترمذي، وقال (الترمذي): هذا حديث غريب.

الفرع السابع: والمستحب إذا سمع المؤذن وهو في قراءة أو ذكر لله تعالى قطع القراءة والذكر وتابع المؤذن فيما يقول لأن الأذان يفوت والقراءة والذكر لا يفوتان، وهكذا إذا سمع المؤذن وهو مشتغل بشيء من المباحات فإنه يقطعه أحق وأولى. وإن سمعه وهو في الصلاة فهل يتابعه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يتابعه ويشتغل بالصلاة فإذا فرغ قال مثل ما يقوله لأن ذلك يقطعه عن إتمام الصلاة ويشتغل بغيرها، فإن خالف المصلي وتابع المؤذن فيما يقوله في حال صلاته وقال مثل ما يقول وقال في الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لم تبطل صلاته لأن هذا ذكر لله وذكر اللّه لا يبطل الصلاة.
الفرع الثامن: والمستحب إذا أذن المؤذن أن ينتظر حضور الجماعة في غير المغرب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة " )). ولأنه إذا وصل الأذان بالإقامة لم يحصل المقصود بانتظار الجماعة بزيادة الفضل بها. وإذا أذن الأول خرج الإمام ولم ينتظر أذان غيره فإذا خرج الإمام قطع أذان المؤذنين لأنه إذا صلى في ذلك الوقت أدرك الناس فضيلة أول الوقت وإذا أخره وانتظر فضيلة الأذان للباقين فاتت فضيلة أول الوقت، فلا جرم كان تحصيل فضيلة أول الوقت أولى وأحق.
الفرع التاسع: والمستحب أن يؤذن للجمعة أذاناً واحداً عند المنبر، لما روى السائب بن يزيد " (1)
__________
(1) السائب بن سعيد بن ثمامة بن الأسود، ويقال: الأسدي أو الليثي أو الهذلي، أورد ابن حجر عن البغوي عن محمد بن يوسف قوله عن السائب بن يزيد: حج أبي مع النبي وأنا ابن سبع سنين، روى عن النبي وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه عبد الله وعمر بن عطاء والزهري ومحمد بن يوسف، وتوفي في المدينة سنة 91ه‍وقيل غير ذلك. ا ه‍. (تهذيب التهذيب) 1/228.

قال: كان الأذان على عهد رسول اللّه وأبي بكر وعمر إذا جلس الإمام على المنبر أذاناً واحداً، فلما كان في زمن عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني فأذَّن به فكان يؤذن به على الدور ولأهل الأسواق وجموع الناس(1).
والأفضل مراعاة ما كان يُفعل على عهد رسول اللّه فإن فعل ذلك لمصلحة يراها الإمام فلا بأس. ويستحب أن يكون المؤذن واحداً لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة إلا بلال على انفراده.
الفرع العاشر: قال الإمام المؤيد بالله: ولو أحدث المقيم بعد الإقامة للجماعة كانت مجزية لهم وبطل إجزآؤها له كالإمام إذا دخل في الصلاة على الطهارة ثم أحدث فالحدث يبطل إجزآؤها له وصح إجزآؤها للجماعة، وعلى هذا لو أحدث المؤذن بعد أذانه كان أذانه مجزياً للجماعة ويتوضأ للإقامة للصلاة ولا يلزمه إعادة الأذان لأن الإقامة إذا كانت مجزية بعد الحدث فالأذان أحق وأولى بذلك، فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بصفة الأذان وأحكامه والله أعلم.
.
__________
(1) المقصود بالأذان الثاني الأذان الذي يسبق أذان الصلاة لغرض إبلاغ عامة الناس وإشعارهم بالتوجه إلى المسجد، وإنما أطلق عليه الثاني لأنه أضيف إلى الأول وهو أذان الصلاة للسبب المذكور، والله أعلم.

---
الفصل الخامس
في بيان صفة المؤذنين
اعلم أن الصفات المعتادة في الإجزاء أربع، الإسلام والذكورة والعقل والبلوغ.
والصفات المسنونة ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت. هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الكافر لا يصح أذانه. واعلم أن الكفار صنفان:
الصنف الأول: كفار التصريح، وهؤلاء هم الملاحدة والمعطلة والدهرية والفلاسفة والزنادقة والطبائعية وعبدة الأوثان والأصنام والنجوم وسائر الكواكب، فهؤلاء كفار لا دين لهم ولا كتاب منزل عليهم، وهكذا حال أهل الكتب المنزلة كاليهود والنصارى والمجوس على اختلاف في حالهم. فهؤلاء هم كفار التصريح، ونعني بالتصريح: أنه لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل الإسلام، ولا يصح أذانهم لأنهم ليسوا من أهل العبادة فلا يكونون أهلاً للقيام بشيء من أمورها، وإن أذن واحد من هؤلاء فهل يكون أذانه إسلاماً منه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكون إسلاماً لجواز أن يأتي بالشهادتين على جهة الحكاية ولهذا فإن أبا محذورة وأبا سامعة كانا يؤذنان قبل إسلامهما على جهة الحكاية والإستهزاء بأذان المسلمين.
وثانيهما: أنه يكون إسلاماً ويحكم بصحة إسلامه وهذا هو المختار والصحيح؛ لأنه قد أتى بصريح الإسلام وهما الشهادتان فهو كالآتي بالشهادتين باستدعاء غيره منه.
الصنف الثاني: كفار التأويل، وهؤلاء هم المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج، فهؤلاء اختلف أهل القبلة في إكفارهم فبعضهم كفَّرهم وبعضهم حكم بإسلامهم، فالذين ذهبوا إلى إكفار المجبرة والمشبهة أئمة العترة وجماهير المعتزلة والزيدية، ونعني بإكفار التأويل، هو أن هؤلاء مقرون بالله تعالى وبصفاته وبحكمته وبالنبوة ويعترفون بالشريعة ويصلون إلى القبلة وينكحون على السنة ومقرون بصدق الرسول وصدق القرآن، خلا أنهم اعتقدوا اعتقاداً يوجب إكفارهم مع كونهم على هذه الصفة.

والمختار: أنهم ليسوا كفاراً لأن الأدلة التي تُذكَر في إكفارهم، فيها احتمالات كثيرة، وعلى الجملة فإن من قضى بكفرهم ومن حكم بإسلامهم فإنه يقضي بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهاداتهم ولا يضرهم ما اعتقدوه من الجبر والتشبيه في صحة إسلامهم وإيمانهم، وقد ذكرنا ما يتعلق بإكفار الفرق في الكتب العقلية فمن أراده باستيفاء فليطالعه من كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق) فإنه يجد فيه ما يكفي ويشفي بمعونة اللّه تعالى.
الفرع الثاني: الصبي، اعلم أن الصبي إذا كان لدون خمس عشرة سنة نظرت في حاله، فإن كان مختلاً ضعيف العقل مشوش الذهن فإنه لا يصح أذانه اتفاقاً بين الأئمة والفقهاء، وإن كان كيِّساً فطناً له تمييز وجودة في الذكاء والفطنة فهل يصح أذانه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يصح أذانه، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي ومذهب القاسمية، ومحكي عن داؤد من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم الصبي حتى يبلغ، والمعنى بالحديث أنه مرفوع عنه جميع التكاليف كلها فلا تعقل في حقه، وإذا كان الأمر كما قلناه كان الإجزاء مرفوعاً من أذانه، وهذا هو الذي نريده من كون أذانه غير مجزٍ ولا مسقط لوجوب الأذان.
المذهب الثاني: أنه يصح أذانه وهذا هو قول الفريقين من الفقهاء(1).
والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن أبي بكر " (2)
أنه قال: أمرني عمومتي أن أُوذن وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ينكر ذلك، فدل ذلك على جواز أذانه.
__________
(1) الحنفية والشافعية.
(2) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، روى عن أبيه وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس وحميد بن نافع، وسالم بن عبد الله وغيرهم، وعنه: الزهري وابن جريج وحماد بن سلمة والسفيانان وغيرهم، كان كثير الأحاديث، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، توفي سنة 135ه‍، انتهى ملخصاً من (التهذيب) 5/143.

والمختار: أن أذانه مبني على صحة إسلامه وقد قررنا في بيان من تجب عليه الصلاة صحة إسلامه قبل بلوغه الحلم، وأنه مؤاخذ عند اللّه تعالى بصحة الإيمان والإسلام لكنا لا نؤاخذه في ظاهر الشرع بالأحكام الشرعية إلا بظهور أمارات البلوغ، وعلى هذا لا يحكم بصحة أذانه لأن صحته من جملة الأحكام الشرعية فلا يصح وقوعها من جهته حتى يظهر أمر البلوغ بأحد الأمارات الثلاث(1).
والحجة على هذا هو أنه غير مخاطب بالصلاة فلا يصح أذانه كابن الخمس. ولأنه غير كامل العقل فلا يصح أذانه كالمجنون.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خبر عبدالله بن أبي بكر، أنه أذن ولم يحتلم ولم ينكر عليه أنس بن مالك فدل على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فسكوت أنس بن مالك لا يدل على جوازه فلعله كان غافلاً أو لأنه قد سقط الوجوب بأذان غيره أو لأنه كان في مهلة النظر(2)
ومع هذا الاحتمال لا حجة فيه.
وأما ثانياً:فهب أنا سلمنا أن سكوته سكوت رضى، فكلام الصحابي ليس حجة وإنما الحجة فيما يروي من كلام الرسول دون كلامه.
الفرع الثالث: الذكورة، اعلم أنا قد أسلفنا فيما تقدم صحة أذان النساء وإقامتهن لأنفسهن فلا مطمع في إعادته، فأما صحة أذانهن للرجال فهل يصح أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ممنوع، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والقاسمية، ومحكي عن الشافعي قال الإمام زيد بن علي: ولا يجوز أذان المرأة للرجال.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ " }[النور:31].
ووجه الإستدلال من الآية هو: أن اللّه تعالى نهاهن عن ضرب أرجلهن حذراً من ظهور أصوات الخلاخيل، فإذا ورد النهي عن سماع صوت الخلخال من الزينة فكيف يجوز سماع الصوت؟ فالنهي عنه أولى وأحق.
__________
(1) وهي: الإنبات (في شعر العانة) والاحتلام، ومضي 15 سنة.
(2) لعل المراد: مهلة النظر في صحة أذان من لم يحتلم أو عدم صحته

الحجة الثانية: هو أن الأذان حكم شرعي وأمر ديني لا يقوم به إلا من ورد عليه الشرع بإقامته، ومن زمن الرسول إلى يومنا هذا لم يعلم أن أحداً من النساء قام بالأذان ولا تلبس به، وفي هذا دلالة على منعهن من الأذان.
الحجة الثالثة: أنه لا يؤمن وقوع الفتنة بسماع أصواتهن وما كان يؤدي إلى الفتنة فهو محظور لا يجوز فعله.
المذهب الثاني: جواز أذانهن للرجال مع الكراهة وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المرأة من أهل الصلاة لهذا اعتد بأذانها كالرجل، وأما الكراهة فإنما كانت لأمر عارض وهو أن المأخوذ عليها التستر والخفارة، وما هذا حاله فليس يخل بالإجزاء.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من امتناع الإجزاء في الأذان.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((النساء عيٌّ وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المرأة من أهل الصلاة فلهذا جاز أذانها كالرجل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله مورده الشرع ولا مدخل للأقيسة فيه لإشتماله على الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله .
وأما ثانياً: فلأنا قد أوردنا من أدلة الشرع في المنع من ذلك ما فيه كفاية فلا حاجة إلى التعويل على القياس، وهكذا حال الإقامة فإنه لا يجوز توليها للرجال ولم أعرف لأبي حنيفة في الإقامة للنساء جوازاً ولا منعاً، وكلامه محتمل في الإقامة للجواز والمنع.
والحجة على ما قلناه: قوله : ((من أذَّن فهو الذي يقيم " ))(1)
فإذا كانت ممنوعة من الأذان فهي أيضاً ممنوعة من الإقامة بظاهر الخبر.
__________
(1) تقدم. رواه الخمسة إلا النسائي، وضعفه أبو داؤد، وهو مروي عن زياد بن الحارث الصدائي.

ومن وجه آخر: وهو أنها ليست من أهل الأذان فلا تكون من أهل الإقامة كالمجنون ولأنها ممنوعة من حضور مساجد الجماعات فوجب ألا يعتد بأذانها كالصبي والمجنون ولأن المأخوذ عليها هو التستر والعفاف والخفارة، وحضورها للإقامة للرجال يناقض ذلك فبطل.
الفرع الرابع: العقل، ولا يصح أذان المجنون ولا يعتد به، واعلم أن الجنون فساد في العقل من غير مرض ويختلف حال الجنون فربما كان يعرض أحياناً كالصرع فما هذا حاله يجوز أذانه وسائر تصرفاته إذا صحى عن الصرع لأنه يكون عاقلاً وعلى هذا يجوز أذانه وعقوده ونكاحه إذا زال الصرع، وربما كان دائماً لا ينفك عنه ومن هذه حاله فإنه لا يصح شيء من عقوده ولا أذانه ويكون مولَّى عليه في كل أحواله لضلال العقل وفساده، والعقل فهو ملاك هذه الأمور كلها، ويزيد ما ذكرناه وضوحاً قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم المجنون، وفي هذا دلالة على صحة ما قلناه من أذانه(1).
الفرع الخامس: السكران، وهو الذي زال عقله بشرب المسكر.
واعلم أن السكران ليس يخلو حاله إما أن يكون مميزاً للأمور ولم يبد منه إلا النشاط والطرب والهزَّة التي تكون من الخمر، فمن هذه حاله فهو عاقل وعقوده صحيحة وجميع تصرفاته جارية على نعت الصحة لأن عقله صحيح وأذانه وصلاته صحيحان، وإن كان قد شرب حتى صار ثملاً طائحاً لا يدري ما يقول وما يفعل ثرثاراً وقحاً فإذا انتهى إلى هذه الحالة فلا يصح شيء من عقوده لاختلال عقله فصار كالمجنون، قال الشيخ عبدالملك الجويني: وإن نظم الشارب للخمر كلمات الأذان على جهة الإستقامة فليس بسكران. وهذا جيد لأن السكران إذا استحكم سكره لم يدر ما يقول فضلاً عن نظم الأذان واستقامة كلماته، فأما شرب المزران(2)
__________
(1) أي ما قلناه من عدم صحة أذانه.
(2) المزر: نبيذ الشعير أو الحنطة. (المنجد في اللغة والأدب والعلوم). ص759/ مادة: مزر.

من الذرة والعسل والبر والشعير فليس مسكراً، وإنما هو مفتر للعقل من غير اختلال في العقل، وهكذا هذه الحشائش التي تغير العقل ولا تفسده، وأما البنج فإنه يفسد العقل ويخبل الجسم ويلحق بالخمر في فساد العقل، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في الأشربة بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السادس: في الصفات المسنونة، وهي ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت.
الصفة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر وهي الجنابة. وهل يجوز أذان الجنب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مجزٍ، وهذا هو الذي ذكره الإمامان القاسم والناصر، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يصح مع الجنابة كالخطبة. أو نقول: ذكر يختص بنظام مخصوص فوجب أن تكون الجنابة مانعة منه كقراءة القرآن.
المذهب الثاني: أنه يكره ويجزي، وهذا هو رأي المؤيد بالله والشافعي، فإن كان خارج المسجد صح أذانه ولم يأثم وإن كان في المسجد أو في حجرته أثم وأجزى أذانه.
والحجة على ما قالاه: هو أن الأذان ذكر تتعلق به القربة فجاز فعله من جهة المحدث، دليله التسبيح.
والمختار: ما عول عليه الإمامان القاسم والناصر من أنه لا يعتد بأذان الجنب كما قال أبو حنيفة، وهو محكي عن مجاهد والأوزاعي وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه.
والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر " )) (1)
__________
(1) ورد الحديث بلفظ: عن علي أنه قال: ((حق وسنة أن لا يؤذن لكم أحد إلا وهو طاهر)) حكاه في الشفاء، والمهذب، ويظهر من لفظه أنه موقوف، ومن عمومه الطهارة من الحدثين، وقد علق عليه في الجواهر في الهامش بلفظ: المعروف أن هذا الأثر من كلام وائل بن حجر، كذلك رواه الدارقطني في الأفراد وغيره، بزيادة: ولا يؤذن إلا وهو قائم، وسنده حسن على إرسال فيه.

154 / 279
ع
En
A+
A-