الحكم العاشر: ويستحب الموالاة في كلمات الأذان من غير فاصلة فإن وقع فصل بالكلام نظرت، فإن كان يسيراً لم يكره لأنه في حكم المتصل كما لو عطس أو سعل، والمستحب أن لا يتكلم في أذانه لا لمصلحته ولا لمصلحة غيره، فإن تكلم كره ولا يبطل أذانه، لما روي عن سليمان بن صرد " (1)
أنه كان يتكلم في أذانه بحوائجه وكانت [له] صحبة، وعن نافع عن ابن عمر أن الرسول أمر مؤذنه في ليلة باردة أن يقول: ألا صلوا في رحالكم. والظاهر أنه كان كلامه في حال الأذان. وإن كان الكلام كثيراً أو سكت سكوتاً طويلاً فهل يبطل أذانه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل أذانه لأنه باستطالة الكلام والسكوت يخرج عن حد الأذان كما لو أكل وشرب.
وثانيهما: أنه لا يبطل لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }(2).
فإن قلنا: بأنه يبطل لم يبن عليه غيره، وإن قلنا: إنه لا يبطل جاز البناء عليه، والله أعلم بالصواب.
فهذا ما أردنا ذكره في أحكام الأذان ونرجع الآن إلى تمام التفريع بمعونة اللّه تعالى ولطفه.
__________
(1) سليمان بن صرد بن الجون أبو مطرف الكوفي، روى له البغوي عن النبي وعن أبي بن كعب وعن علي بن أبي طالب والحسن بن علي، وعنه: أبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن يعمر وعدي بن ثابت، سكن الكوفة وشهد مع أمير المؤمنين صفين وتخلف عن الخروج مع الحسين السبط مع أنه ممن دعاه إلى الخروج، ثم عاد مع آخرين يطالب بدم الحسين، والتقوا بعبيد الله بن زياد واقتتلوا فقتل سليمان ومن معه في ربيع لآخر سنة 65ه‍.
(2) محمد:23 {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.

الفرع الثالث: في الإقامة، وأصلها: إقوامة. فقلبت الواو ألفاً والتقى ألفان ساكنان فحذف أحدهما، وهي مشروعة كالأذان، لما روي من مؤذني رسول اللّه بلال وأبي محذورة وأبي سامعة [أنهم] كانوا يؤذنون للصلاة ويقيمون لها، ولا خلاف بين المسلمين في كونها مشروعة للصلوات الخمس المكتوبات، وتتعلق بها أحكام:
الحكم الأول: اعلم أن الخلاف في الإقامة مترتب على الخلاف في الأذان، فمن قال: بأن الأذان سنة. قال: إن الإقامة سنة كما هو رأي الفريقين، ومن قال: بأن الأذان واجب على الأعيان، قال: بأن الإقامة واجبة على الأعيان كما هو رأي أهل الظاهر. والذي عليه أئمة العترة وسادات أهل البيت: أنهما واجبان على الكفاية وأن الأذان إذا وقع في بلدة أو محلة أو قرية أو مدينة فإنه يسقط الوجوب عن أهل تلك القرية والمدينة بخلاف الإقامة فإنه لا يسقط فرضها إلا عن أهل ذلك المسجد لا غير. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن وجوب الأذان إنما كان من أجل أنه شعار الإسلام ومن قواعد الدين ومن سيماء المسلمين بخلاف الإقامة فإنها أمر يختص الصلاة، فلا جرم لم يسقط فرضها إلا عن أهل ذلك المسجد بخلاف الأذان فإنه يسقط الفرض بفعله عن أهل تلك القرية والمدينة.
الحكم الثاني: في بيان عدد كلمات الإقامة. وهو تابع للخلاف في عدد كلمات الأذان، فمن قال: بأن الأذان خمس عشرة كلمة كما هو رأي القاسمية والحنفية قال: إن الإقامة سبع عشرة كلمة لأنها تزداد على الأذان بكلمتي الإقامة(1)،
ومن قال: بأن عدد كلمات الأذان سبع عشرة كلمة قال: بأن الإقامة تسع عشرة كما هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله.
__________
(1) وهما: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.

نعم، يمكن أن يقال: إن على رأي الناصر تكون الإقامة ثماني عشرة كلمة، لأنه يقول: بأن التهليل في آخر الأذان مرتين، فلهذا كان عدتها ثماني عشرة كلمة فإذا أضاف إليها الإقامة كانت عدة الإقامة عشرين كلمة على رأيه، فأما على رأي المؤيد بالله فإن الأذان سبع عشرة كلمة ويضاف إليها كلمتا الإقامة فتكون تسع عشرة كلمة.
فأما على رأي الشافعي فالإقامة له فيها قولان:
فالقول الأول: وهو الجديد فإنها إحدى عشرة كلمة، التكبيرتان والشهادة بالتوحيد والرسالة مرتان(1)
والدعاء إلى الصلاة والدعاء إلى الفلاح مرة ولفظ الإقامة مرتان والتكبير في آخرها مرتان والتهليل مرة، وإلى هذا ذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه وأبي ثور.
القول الثاني: القديم، وهو كما ذكره في الجديد إلا الإقامة فإنها تكون مرة واحدة، فعلى هذا يكون عدد كلمات الإقامة في القديم عشر كلمات وفي الجديد إحدى عشرة كلمة.ورأي مالك مثل ما قاله في القديم تكون عشر كلمات. ومن قال: بأن الأذان ثلاث عشرة كلمة. قال: الإقامة تكون خمس عشرة كلمة كما هو رأي أبي يوسف. فهكذا يكون تقرير الخلاف في كلماتها.
الحكم الثالث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ))(2)
بخلاف الأذان فإنه يستحب بين الأذان والإقامة صلوات النوافل، وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة))(3).
يعني صلاة النافلة، وكما أنه لا أذان لصلاة الجنازة وصلاة العيدين والإستسقاء والكسوف وجميع النوافل المبتدأة فلا إقامة أيضاً لها كما مر بيانه.
__________
(1) المراد بقوله: والشهادة بالتوحيد والرسالة مرتان، أي مرة لكل منهما، وهذا يؤيده رأي الشافعي والتأكيد هنا على أن رأي الشافعي في الجديد أنها إحدى عشر كلمة.
(2) أخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي من رواية أبي هريرة.
(3) تقدم.

ومن أذَّن فهو الذي يقيم وإن أذن جماعة كان السابق أحق بالإقامة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن أخا صداء هو الذي أذن فهو يقيم " )) (1).
وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أنه يجوز أن يتولى الإقامة من لم يؤذن في حال الإختيار. ودليلنا عليهم: ما ذكرناه من الخبر.
قالوا: يحتمل أن يكون بلال لما غاب عند الأذان أراد الرسول أن يقصره عن فضيلة الإقامة عقوبة له على غيبته وتقصيره.
قلنا: هذا الاحتمال لا وجه له فإنه قد أوضح السبب بقوله: ((إن أخا صداء هو الذي أذن فهو يقيم " ))، ومع ذكر السبب لا معنى لتقدير هذا الاحتمال.
قالوا: إذا جاز أن يخطب إحدى الخطبتين خطيب ويخطب الأخرى خطيب آخر فهكذا حال الأذان والإقامة يجوز أن يتولاهما شخصان.
قلنا: كلامنا إنما هو في الأفضل لا في الجائز وعلى أنه يجوز أن يؤذن رجل ويقيم آخر لعذر وضرورة لكن كلامنا إنما هو في الأفضل والمسنون.
الحكم الرابع: ولا تجوز الإقامة على الراحله كما لا يجوز أداء الفريضة على الراحلة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا على رواحلكم فإذا كانت المكتوبة فالقرار " ))(2)،
ويجوز الأذان على الراحلة كما يجوز أداء النوافل على الراحلة.
__________
(1) تقدم.
(2) روى أبو خالد الواسطي عن زيد بن علي بسنده أن رجلاً سأل رسول الله هل أصلي على ظهر بعيري؟ قال: ((نعم حيث توجه بك بعيرك إيماءً، ويكون سجودك أخفض من ركوعك، فإذا كانت المكتوبة فالقرار)) هكذا حكاه في (الشفاء)، إ ه‍. (جواهر) 1/204 وهناك روايات أخر منها: أن النبي كان يتطوع على راحلته في غير القبلة، وكذلك الإمام علي وابن عمر كما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، وأبو داؤد في أكثر من رواية.

ولا تجوز الإقامة من قعود لأن المعلوم من حال المؤذنين من زمن الرسول والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، أنهم لا يقيمون للصلاة إلا قياماً، ويجوز الأذان من قعود إذا كان هناك عذر من مرض أو غيره لأن المقصود بالأذان هو الإشعار وهذا حاصل سواء كان المؤذن قائماً أو قاعداً.
والسنة في الإقامة الحدر والإدراج لأن المقصود هو الإستعجال للصلاة والدخول فيها، بخلاف الأذان فإن السنة فيه الترتيل كما مر بيانه لأن المقصود منه الإشعار، ومن جهة أن المقصود من الأذان هو الإشعار بدخول وقت الصلاة والتأهب لها والدعاء إليها فلهذا كان مرتلاً واضحاً بيِّناً بخلاف الإقامة فإن المقصود منها الدخول في الصلاة والإشتغال بها فلهذا كانت حدراً.
الحكم الخامس: وإذا أراد المؤذن أن يقيم فالمستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره، لما روى عبدالله بن زيد في الرجل الذي رآه يؤذن أنه استأخر عن موضع الأذان غير كثير ثم قال مثل ما قال في الأذان(1)،
والمستحب في الإقامة ألا يقيمها المؤذن حتى يرى الإمام، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تقيموا الصلاة حتى تروني " )) (2).
__________
(1) وقد تقدم حديث عبد الله بن زيد في أول الباب، وفيه: أن الرجل الذي رآه قال له: تقول: الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر.. إلى حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة إلى آخر الخبر، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبخاري. اه‍فتح الغفار 1/143، وفيه: الأذان مثنى والإقامة وتراً، وليس فيه حي على خير العمل.
(2) تقدم بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت وعليكم بالسكينة)) أخرجه الستة إلا الموطأ عن أبي قتادة، إلا أن النسائي لم يذكر: ((...وعليكم بالسكينة)).

ويؤذن المؤذن عند دخول الوقت من غير أمر بخلاف الإقامة فإنه لا يقيم إلا بأمر، لما روى جابر بن سمرة قال كان مؤذن رسول اللّه يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول اللّه قد خرج أقام الصلاة حين يراه(1)،
والمستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل قوله إلا في الحيعلات فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي لفظ الإقامة يقول: أقامها اللّه وأدامها(2)
لما روي أن رسول اللّه قال ذلك عند الإقامة(3).
الحكم السادس: وإن تكلم في الإقامة بالكلام الخفيف لم تبطل إقامته عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، وحكي عن الزهري: أنها تبطل.
__________
(1) تقدم الخبر بمعناه آنفاً، وهو عن جابر بن سمرة، أخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي.
(2) جاء في حاشية الأصل: وجعلني من صالحي أهلها، رواه الرافعي في الغريب.
(3) وفيه ما ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن)) أخرجه الستة، وعن عمر قال: قال رسول الله : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة))أخرجه مسلم وأبو داؤد.
وعن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي : أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال رسول الله : ((أقامها الله وأدامها)) وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، أخرجه أبو داؤد. اه‍جواهر 1/198.

والحجة على ذلك هو: أن الخطبة أعلى حالاً من الإقامة لأنها عوض عن بعض الظهر وشرط في صحة الجمعة فإذا لم تبطل بالكلام فهكذا حال الإقامة تكون بذلك أحق وأولى.
ويستحب الدعاء بين الأذان والإقامة، لما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((بين الأذان والإقامة دعوة لا ترد " ))(1).
وإذا أذن المؤذن وهو في المسجد كره له الخروج منه إلا لعذر، لما روى أبو الشعثاء " (2)
قال: خرج رجل من المسلمين بعد الأذان فقال أبو هريرة: أما هذا فقد [عصى] أبا القاسم، فإن خرج بعد الإقامة كان أشد كراهة سواء كان لعذر أو غير عذر لأنه يصير كالمعرض عن تأدية الصلاة والقيام بأمرها، وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((من أراد البلاء عاجلاً غير آجل فليولِّ عند الدعاء وليغن عند الأذان " )).
__________
(1) جاء في الجواهر عن أنس بلفظ: ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)) قيل: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: ((سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)) أخرجه الترمذي. ا ه‍1/196.
(2) أبو الشعثاء، واسمه سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، روى عن عمر وأبي ذر وحذيفة وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، وروى عنه ابنه أشعث وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، وثقه ابن معين والعجلي والنسائي وابن خراش، شهد مع علي رضي الله عنه مشاهده وهلك في ولاية عبد الملك أو الوليد.
قال ابن حجر رحمه الله في التهذيب تعقيباً على القائلين بأن أبا الشعثاء مات بعد وقعة الجماجم سنة 82: قلت: وقعة الجماجم كانت سنة 83 بالإتفاق، فلعل خليفة قال: مات بعد الجماجم وأرخه ابن قانع سنة 85 فهو أشبه(أقرب إلى الصحة). ا ه‍4/145.

الحكم السابع: وإذا أراد أن يقيم للصلاة فإنه يخفض صوته ويجعله دون أذانه لأن المقصود بالإقامة إعلام أهل المسجد بالصلاة وهذا حاصل، بخلاف الأذان فإن المقصود منه إشعار أهل القرية والمدينة فافترقا. ويستحب أن تكون الإقامة في موضع الصلاة ولا تُصْعَدُ لها الأمكنة العالية، بخلاف الأذان فإنه يكون على المنارات والسطوح لأن فيه تمام الإعلان به فافترقا. فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المختصة بالإقامة واللّه الموفق.
قاعدة: اعلم أن الأذان والإقامة يشتركان في أحكام ويفترقان في أحكام، ونحن نورد ما يختص كل واحد من الأمرين في تقريرين:
التقرير الأول: في بيان ما يشتركان فيه، فيشتركان في كونهما من الأذكار المشروعة للصلاة، ويشتركان في أنهما واجبان على الكفاية، ويشتركان في كونهما ذكرين يتقدمان الصلاة، ويشتركان في الجهر بهما، ويشتركان في كونهما موضوعين للإشعار بالصلاة، ويشتركان في نية التقرب بهما، ويشتركان في أنهما لا يفعلان إلا بعد دخول وقت الصلاة، ويشتركان في أن كل واحد منهما مثنى مثنى، ويشتركان في أن التارك لهما يقاتل حتى يأتي بهما، ويشتركان في الترتيب بين كلماتهما، ويشتركان في الموالاة بين كلماتهما، فهذه أحد عشر حكماً يشتركان فيها.

التقرير الثاني: في بيان ما يفترقان فيه، فيفترقان في أن عدد كلمات الإقامة زائدة على عدد كلمات الأذان بكلمتي الإقامة، ويفترقان في الحدر والترتيل فإن الحدر يختص بالإقامة والترتيل مختص بالأذان، ويفترقان في أن الإقامة لا تصلح بعدها إلا المكتوبة بخلاف الأذان فإنه تصلح بعده النوافل، ويفترقان في أن الأذان يتولاه أكثر من واحد بخلاف الإقامة فإنه لا يتولاها إلا واحد، ويفترقان في أن الإقامة لا تكون إلا بأمر بخلاف الأذان فإنه لا يحتاج إلى أمر، ويفترقان في أن الإقامة تستحب أن يقال عندها: أقامها اللّه وأدامها، بخلاف الأذان فإن هذا لا يقال عنده، ويجوز عنده ذكر آخر، ويفترقان في أن الأذان دعاء إلى الإشعار بوقت الصلاة بخلاف الإقامة فإنها إشعار بفعل الصلاة والدخول فيها، ويفترقان في أن الأذان يكون في المسجد وغيره بخلاف الإقامة فإنها لا تكون إلا في موضع الصلاة، ويفترقان في جواز الخروج من المسجد بعد الأذان لعذر بخلاف الإقامة فإنه لا يجوز الخروج من المسجد بعدها(1)،
فهذه جملة ما يشتركان فيه ويفترقان جمعناها هاهنا لأنها لا تخلو عن فائدة بالجمع وقد تقدم ذكر هذه الأحكام في أثناء التفريع بحمد الله، ونرجع إلى تمام التفريع بمعونة اللّه.
الفرع الرابع: والسنة في الأذان أن يقف المؤذن على آخر الكلمات بالسكون؛ لأنه روي موقوفاً.
قال أبو عبيد الهروي صاحب الغريب: وعوام الناس يضمون الراء من قوله: اللّه أكبر، ويعربون باقي الأذان بما يقتضيه الإعراب من الرفع والجر في كلماته وهو خلاف السنة لأن السنة وقفه.
وأقول: إن وقف المؤذن على الأواخر فهو السنة وإن وصله أعربه بما يقتضيه إعرابه من رفع أو جر ولا يضره إعرابه مع الوصل لأن وصله من غير إعراب يكون لحناً والأفضل اتباع السنة في الوقف.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: أما الجواز فيجوز، ولكن يُكْرَهُ كراهة شديدة كما ذكره في الحكم السادس قبل هذا. ا ه‍.

قال أبو العباس المبرد: السنة الوقف. وكان يفتح الراء ويقول: اللّه أكبرَ اللّه أكبر، فيفتحها في الكلمة الأولى ويقف [في] الثانية بالسكون، واحتج بأن الأذان سمع موقوفاً وغير معرب في مقاطعه كقولهم حيَّ على الصلاة حي على الفلاح، وكان الأصل أن يقول: اللّه أكبر اللّه أكبر بتسكين الراء فيهما لكن حولت فتحة الهمزة من اسم اللّه من اللفظة الثانية على الراء قبلها، وهذا نظر حسن من أبي العباس. ونظيره فتحة الميم فيمن قرأها مفتوحة في قوله تعالى: {الم الله} لأن الوقف على الميم هو الأصل لأجل البناء لكنها فتحت الميم لأجل إلقاء حركة الهمزة من إسم اللّه على الميم.
الفرع الخامس: والمستحب لغير المؤذن إذا سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلات الثلاث فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى عمر رضي اللّه عنه أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع ذلك خالصاً من قلبه دخل الجنة " ))(1).
وروي عن عبدالله بن علقمه " (2)
__________
(1) تقدم آنفاً.
(2) عبد الله بن علقمة الليثي. روى عن أبيه، وعنه ابن أخيه عمر بن طلحة بن علقمة وعيسى بن عمر، ذكره ابن حبان في الثقات، انتهى بلفظه من (التهذيب) 5/283.

153 / 279
ع
En
A+
A-