الجواب الثالث: أن عمر لما رأى اتساع ملك الإسلام وانفتحت الأقطار والأقاليم وقوي الأمر، خشي أن الناس يتكاسلون عن الجهاد ويتكلون على الصلاة والصيام وأنواع القربات ويتركون الجهاد، فلهذا أمر بقصره من أجل ما ذكرناه، وهذا توهم لا وجه له وإن اللّه تعالى قد خص المجاهدين بما خص فقال تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا " } [النساء:95]. فأخبر اللّه تعالى أن ثواب المجاهد أعظم من ثواب القاعد الذي ليس بمجاهد وإن كان يصلي ويصوم ويحج ويعتمر فدل ما ذكرناه على ضعف هذا التوهم. فأما ما حكاه النيروسي عن الإمام القاسم من إسقاط هذه الكلمة حي على خير العمل من الأذان فهو وهم وخطأ من النيروسي لأمرين:
أحدهما: أن الإمام إنما حكى قول المخالفين في إسقاطها من الأذان وليس مذهباً له وإنما وهم النيروسي في اضافته إليه على أنه مذهب له وهو غير قائل به و إنما نقل مذهب المخالفين ليرد عليهم ما زعموه.
وثانيهما: أن أخباره التي رواها عن الرسول وأقواله ورده على من خالف مؤذنه بخلاف ما قاله النيروسي فإذن لا وجه لما قاله.
قاعدة: اعلم أنا لا ننكر فضل الفقهاء ولا إحرازهم لمنصب الاجتهاد وهم الغواصون في أسرار الشريعة والمتبحرون في علومها، لكنا نقول إنهم ما أنصفونا في إنكار هذه الكلمة وإسقاطها من الأذان وقوتها ظاهرة من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: ما نقلناه من الأخبار المروية عن الرسول من الرواة الذين يوثق بهم وبرواياتهم كأمير المؤمنين وزيد بن علي وعلي بن الحسين وابن عمر وأبي محذورة وبلال وغيرهم من جلَّة الصحابة والتابعين، فإنها دالة على إثباتها في ألفاظ الأذان.
الجهة الثانية: ما قررناه وأوضحناه من إجماع أهل البيت عن آخرهم على ثبوتها واتفاقهم على ذلك، وأن إجماعهم حجة قاطعة كإجماع الأمة ولا يفترقان في كونهما قاطعين فيما دلا عليه خلا أن إجماع الأمة مخالفه يفسق بظاهر الآية بخلاف المخالف لإجماع العترة فإنه لا يفسق ولكن يأثم ويخطئ لمخالفة القاطع.
الجهة الثالثة: المعارضة بالتثويب وهو قولهم: ((الصلاة خير من النوم " )) فإذا كانوا قد قبلوا هذه الكلمة وليس فيها نص من جهة الرسول ولا دل عليها دليل شرعي، ولكن مستندها أمران: إما استصلاح عمر من نفسه من غير نقل من جهة الرسول مخافة أن يترك الناس الجهاد ويتكلوا على الصلاة(1).
__________
(1) عبارة: مخافة أن يترك الناس الجهاد ويتكلوا على الصلاة جاءت هنا في الأصل، ويبدو أن محلها في مبحث الكلام على (حي على خير العمل) وأنها جاءت هنا خطأ، والله أعلم.
وإما كلام بلال لما أراد أن يؤذن الرسول للصلاة قالوا: إنه نائم. فقال: الصلاة خير من النوم(1)،
فإذا قبلوا التثويب مع ما فيه من الضعف في تقريره وثبوته، كيف لا يقبلون هذه الكلمة مع ما فيها من مزيد القوة كما أوضحناه، فلينظر الناظر فيما ذكرناه وليحقق ما بين الكلمتين من الضعف والقوة وما بينهما من التفرقة في الرد والقبول، وغاية ما نقول: تحسين الظن بأحوالهم وأن المسألة اجتهادية وكل مجتهد فيها مصيب كما في غيرها من المسائل الفقهية.
__________
(1) أورده في الجواهر بلفظه نقلاً عن الانتصار: وعلق ابن بهران على الخبر بقوله: قلت: المعروف أن هذه القصة إنما وقعت لعمر ومؤذنه كما أخرجه في الموطأ، والمروي في ذلك عن بلال ما أخرجه الترمذي عنه قال: قال رسول الله : ((لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر)) ا ه/193، وفي هذا الباب روايات كثيرة كما أشار إليها في الجواهر بأن التثويب كان على عهد عمر فيما أورده عن مالك ما بلغه أن المؤذن جاء (إلى) عمر يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعله في نداء الصبح، أخرجه الموطأ، وروي عن عمرو بن حفص أن جده سعد القرظ أول من قال: الصلاة خير من النوم بخلافة عمر ومتوفى أبي بكر، فقال عمر: بدعة، هكذا في أصول الأحكام، ومثله في الشفاء إلا قوله: وقال عمر: بدعة، وفيه عن مجاهد قال: دخلت مع ابن عمر مسجداً وقد أذن فيه ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: أخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه، أخرجه الترمذي، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، ا ه، وفي رواية أبي داؤد إن مجاهد قال: كنت مع عبد الله بن عمر فثوب رجل في الظهر والعصر، فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة، ا ه، وفي الشفاء عن طاووس أنه قال له رجل: متى قيل: الصلاة خير من النوم؟ فقال: أما إنها لم تقل على عهد رسول الله .
الحكم الرابع:في التثويب في الأذان، والتثويب في اللغة هو الرجوع إلى الشيء بعد الخروج عنه، قال اللّه تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ " } [البقرة: 145] أي: يرجعون إليه مرة بعد أخرى، وقال الشاعر:
وكل حي وإن طالت سلامته ... يوماً له من دواعي الموت تثويب
وفي صفته ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: تثويب أهل العراق، وهو أن يقول بعد الأذان: حي على الصلاة حي على الفلاح.
القول الثاني: أن يقول بعد الإقامة للصلاة: يرحمكم اللّه، وهو محكي عن أهل العراق أيضاً.
القول الثالث: أن يقول: الصلاة خير من النوم(1)،
وهو المحكي عن الشافعي وأين يكون محله؟ فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مخصوص بأذان الفجر بعد قوله حي على الفلاح، وهذا هو قول الشافعي.
القول الثاني: أنه يكون في جميع الصلوات، وهذا هو قول أبي يوسف.
القول الثالث: أنه يكون في صلاة العتمة، وهذا هو قول الحسن بن صالح. وهل يكون مشروعاً في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي في الجديد.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: قال ابن الأثير: والأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخاً ليُرى ويشتهر، فسمي الدعاء تثويباً، وكل داعٍ مثوب، وقيل: إنما سمي الدعاء تثويباً من ثاب يثوب، إذا رجع، وهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلىالصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة. فقد دعا إليها، فإذا قال: الصلاة خير من النوم. فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها، ذكره في النهاية.اه.
والحجة على هذا: ما روى سعد القرظي أن أول من قال: الصلاة خير من النوم في صلاته عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر، فقال ابن عمر: هذه بدعة، وعن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه سمع مؤذناً في أذان الفجر يقول: الصلاة خير من النوم. فقال: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه. قال القاسم : الصلاة خير من النوم، محدث ضعيف أحدثوه في زمان عمر.
قال السيد أبو طالب: التأذين به عندنا بدعة(1).
الحجة الثانية: روى ابن أبي شيبة قال جاء رجل يؤذن عمر بصلاة الفجر فقال: الصلاة خير من النوم، فأعجب عمر بذلك فأمره أن يجعلها في أذانه. وموضع الدلالة من هذا الخبر يكون من أوجه ثلاثة:
أولها: أنه لم يكن في أذان رسول الله وأن الرجل تفرد بها وأمره عمر.
وثانيها: أنه لو كان مشروعاً في الأذان لم يعجب به عمر لأن الأذان الشرعي كان معهوداً لعمر.
وثالثها: أن عمر أمره بها، وفيه دلالة على أنه لم يؤذن بها من قبل.
المذهب الثاني: أنها مشروعة في الأذان، وهو أن يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، بعد قوله: حي على الفلاح، وهذا هو قول الشافعي في القديم، ومحكي عن مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، فأما أبو حنيفة فعنه في التثويب خمس روايات:
الرواية الأولى: حكاها الجصاص من أصحابه، وهو أن يقول: الصلاة خير من النوم، بعد قوله حي على الفلاح مرتين كما هو رأي الشافعي.
الرواية الثانية: حكاها الطحاوي، وفيها تثويبان، الأول بعد قول المؤذن: حي على الفلاح، والثاني: بعد الأذان والإقامة.
__________
(1) قال في الجواهر: لفظ هذا الخبر في أصول الأحكام عن الأسود بن يزيد أنه سمع مؤذناً يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم، فقال: لا تزيدن في الأذان ما ليس منه، ومثله في الشفاء إلا قوله: في الفجر. ا ه1/193.
الرواية الثالثة: عن محمد بن شجاع " (1)
تثويبان أيضاً، الأول في نفس الأذان والثاني بعد الأذان والإقامة.
الرواية الرابعة: تثويبان أيضاً الأول بعد الأذان والإقامة والثاني حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة.
الرواية الخامسة: عن الحسن بن زياد، أنه ينتظر بعد الأذان بقدر عشرين آية، ثم يقول حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين. فهذا تقرير الخلاف في التثويب.
والحجة على ذلك: ما روى أبو محذورة عن الرسول أنه قال له: ((حي على الفلاح " وإن كان في صلاة الفجر قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم))(2).
الحجة الثانية: روي أن بلالاً جاء إلى الرسول يؤذنه بالصلاة فقيل له إنه نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، فقال له رسول اللّه : ((إجعلها في أذانك " ))(3)
فهذا تقرير ما جعلوه عمدة لهم.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم على هذا: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر أنه دخل المسجد فسمع المؤذن يثوب للصلاة فقال: أخرجنا عن هذه البدعة(4)،
وروي أن رجلاً سأل طاووس فقال: يا أبا عبدالرحمن متى كان الصلاة خير من النوم؟ فقال طاووس: أما إنه لم تكن على عهد رسول اللّه .
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن رسول اللّه علَّم أبا محذورة أن يؤذن بالتثويب في صلاة الفجر.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أبو عبد الله، ويعرف بابن الثلجي، قيل عنه: كان فقيه أهل العراق في وقته، طعن أهل الحديث في روايته، وعده صاحب الكامل في الضعفاء 6/291. مات سنة 266ه.
(2) أورد الرباعي-رحمه الله- في فتح الغفار عن أنس قال: من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وقال: إسناده صحيح، وقال في الخلاصة: قد أخرجه مرفوعاً ابن ماجة من رواية بلال، والنسائي من رواية أبي محذورة، وغيرهم. ا ه1/145.
(3) تقدم.
(4) تقدم.
أما أولاً: فإنما كان على جهة التنبيه للناس عن النوم لا أنه مشروع في الأذان.
وأما ثانياً: فلأنه لو كان مشروعاً لما أنكره الأفاضل من الصحابة والتابعين.
قالوا: روي أن بلالاً قال له: الصلاة خير من النوم لما آذنه بالخروج للصلاة.
قلنا: عن هذان جوابان:
أما أولاً: فإنما قاله على جهة التنبيه والإشعار بالصلاة، ولم يجعله من كلمة الأذان، كقولنا: الصلاة جامعة.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأدلة الدالة على كونه غير مأثور في الأذان.
الحكم الخامس: في التهليل. وهو مشروع في الأذان، وقد أمر رسول اللّه مؤذنيه بالتهليل في آخر الأذان، وهل يكون مفرداً أو مثنى؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التهليل في آخره مرة واحدة، وهذا هو رأي القاسمية وعامة الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه كان يؤذن بالتهليل في آخر أذانه مرة واحدة(1)،
ومثل هذا لا يصدر عن نظر واجتهاد و إنما يصدر عن توقيف من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه إذ لا مجرى للاجتهاد فيه.
الحجة الثانية: ما كان من مؤذني رسول اللّه ، بلال وأبي محذورة وغيرهما ممن كان مختصاً بالأذان، فإنه لم يرو عن أحد منهم تكرير التهليل في آخره، وفي هذا دلالة على إفراده وتوحيده.
المذهب الثاني: أن التهليل في آخره مثنى، وهذا هو رأي الناصر والباقر والصادق وموسى بن جعفر وإسماعيل بن جعفر وعلى بن موسى الرضا.
والحجة على هذا: ما رووه عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في أذانه مرتين ويجعل التكبير في أوله أربعاً، وهذا إنما يكون عن شيء سمعه من رسول اللّه لأنه من جملة العبادات التي لاتعلم إلا من جهة الرسول .
والمختار: ما اعتمده أئمة القاسمية من إفراده.
__________
(1) تقدم في حديث مسند الإمام زيد بن علي في صفة الأذان، وفيه التهليل مرة واحدة.
وحجتهم: ما نقلناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أبي محذورة أنه قال: لقَّنني رسول اللّه الأذان سبع عشرة كلمة(1)
ولن يكون هذا إلا والتهليل في آخره مرة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في آخر أذانه مرتين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لم يقل أنه من جملة الأذان المشروع وإنما هو على جهة الذكر لاسم اللّه كما في التسبيح والتهليل.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه برواية أخرى عنه دالة على إفراده.
الحكم السادس: الترتيب في الأذان. ومعنى الترتيب أن يؤتى به على الصفة المشروعة من تقديم التكبير ويتلوه كلمة التوحيد وبعدها كلمة الرسالة والشهادة بهما، والحيعلات الثلاث إلى آخر الأذان، وترتيبه واجب فإن نكسه وخالف ترتيبه لم يجزه وأعاده مرتباً، لا يعرف فيه خلاف. ويؤيد ما ذكرناه ما روي عن الرسول أنه علَّم أبا محذورة الأذان مرتباً، ولأن الأذان متميز عن سائر الأذكار بترتيبه فإذا نكس بطل ترتيبه ولم يعلم السامع أن ذلك من الأذان وما كان فيه بطلان الحقيقة فرعايته واجبة.
الحكم السابع: ويستحب رفع الصوت بالأذان لأن المقصود به الإشعار ولا يحصل إلا برفع الصوت إذا كان يؤذن للجماعة، ولقوله : ((يغفر اللّه للمؤذن مدى صوته " ويشهد له كل رطب ويابس))(2).
والمدى هو المدد لكنه أبدل من أحد حرفي التضعيف ألفاً، والمدد: هو الغاية والمنتهى وله معنيان:
__________
(1) تقدم في الخبر الذي أورده القاسم في الاعتصام، وفيه: حي على خير العمل، والتهليل مرة واحدة من طريق أبي بكر المقري بسنده.
(2) تقدم، وهو في فتح الغفار عن أبي هريرة بلفظ: أن النبي قال: ((المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس)) رواه الخمسة إلا الترمذي، ورواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه. ا ه1/145.
أحدهما: أن يريد أن اللّه يغفر له مدى صوته، أي يرفع له درجات عالية في الجنة فوضع المغفرة مكان جزائها لأنها سبب فيه.
وثانيهما: أن يريد أن اللّه تعالى يكرر عليه العفو والمغفرة بمقدار تقطيع صوته في الأذان. وكلاهما لا غبار عليه.
ويكره رفع الصوت بحيث يخشى انشقاق حلقه لما روي أن عمر قال لأبي محذورة وقد بالغ في رفع صوته: أما خشيت أن تنشق مريطآؤك والمريطأ ما بين السرة والعانة ويجوز فيها المد والقصر والغالب هو المد فيها. وإن أذن في نفسه لم يرفع صوته لأنه لا يحتاج فيه إلى الإعلام(1).
الحكم الثامن: ويستحب التطريب في الأذان، والتطريب هو حسن الصوت مع البيان لما روي عن الرسول أنه قال: ((زينوا القرآن بحسن أصواتكم " فإن حسن الصوت يزيد القرآن حسناً)) (2)
وإذا جاز ذلك في القرآن جاز في الأذان؛ لأن المقصود هو خشوع القلب بالإقبال إلى الصلاة، ولما روي أنه قال لأسيد بن حضير(3)
__________
(1) المريطاوان: عرقان في مراقّ البطن عليهما يعتمد الصائح، ولا يتكلم بها إلا مصفرة تصغير مرطاء. ا.ه. لسان 7/401.
(2) عن البراء بن عازب أن رسول الله قال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) أخرجه أبو داؤد والنسائي.
(3) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: القارئ هو أبو موسى الأشعري، قال له : ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داؤد)) أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم أن رسول الله قال له: ((ولقد رأيتني وأنا استمع لقرآنك البارحة)). ا ه.، وأسيد بن حضير بضم الهمزة، ابن سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلي، أيو يحيى، كان أحد النقباء ليلة العقبة، واختلف في شهوده بدراً، روى عن النبي ، وعنه أبو سعيد الخدري، وأنس وأبو ليلى الأنصاري، وكعب بن مالك وعائشة وغيرهم.
قال ابن حجر: ذكره ابن إسحاق في البدريين، وروى الواقدي ما يخالفه، وأخرج البغوي وابن السكن وفاته سنة 20، وعن المدائني سنة 21. إ ه. تهذيب التهذيب 1/303.
وقد قرأ عنده وكان حسن الصوت: ((لقد أوتيت من مزامير آل داود " ))، ويكره تمطيط الأذان وهو تطويل الصوت وتمديده، ويقال: مط حاجبه إذا مده. ويكره البغي في الأذان، وله معنيان:
أحدهما: أن يمد صوته حتى يجاوز المقدار ويخرج عن الحد.
وثانيهما: أن يراد التشدق في الكلام يتكلم بملء فيه كما يفعله الجبَّارون. ويكره التغني في الأذان أيضاً، والتغني هو: سلوك طريق ألحان الغناء وتقطيع الكلمات، لما روي عن علي أنه كره مؤذناً كان يتغنى في أذانه(1).
الحكم التاسع: وإن جهر في شيء من الأذان وخافت بالباقي نظرت، فإن كان يؤذن لنفسه لم تضره المخافتة لأنه قد أتى بلفظ الأذان كاملاً، وإن كان الأذان في مساجد الجماعات فإنه يجهر به ولا يخافت في شيء منه لأن المقصود منه الإشعار والإعلام، فإن خافت في جميعه أعاده، وإن خافت في بعضه فإن شاء أعاد ما خافت فيه وإن شاء استأنف في الكل.
ويستحب الترتيل في كلمات الأذان لأنها عبادة تتعلق بالقول فاستحب فيها الترتيل كقراءة القرآن ولأنه لا يؤمن مع الإدراج والعجلة نقصان الأحرف والكلمات في الأذان، فلهذا كان الترتيل فيه مستحباً لما ذكرناه.
__________
(1) تقدم. رواه زيد بن علي في مسنده عن علي .