المذهب الثالث: أن الأذان تسع عشرة كلمة، التكبير في أوله أربع مرات، وابتداء الشهادتين أربع كلمات والترجيع فيهما أربع كلمات والحيعلتان أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والتهليل في آخره كلمة و احدة كملت تسع عشرة كلمة، هذا كله في غير الفجر فأما في الفجر فتكون عدة كلماته إحدى وعشرين كلمة لأن التثويب كلمتان وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أبو داود في سننه عن أبي محذورة قال: قلت يا رسول اللّه علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: ((قل: اللّه أكبر)) وذكر ما قلناه إلى آخر.
المذهب الرابع: أن عدد كلماته سبع عشرة كلمة التكبير في أوله كلمتان وابتداء الشهادتين أربع كلمات والترجيع فيهما أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة والحيعلتان (1)
أربع كلمات كملت سبع عشرة كلمة وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: أما حجته على تثنية التكبير فما حكيناه عن الهادي والقاسم. وحجته على باقي كلمات الأذان ما حكيناه عن الشافعي.
المذهب الخامس: أن الأذان خمس عشرة، التكبير في أوله أربع مرات والشهادتان أربع كلمات والحيعلتان أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة فهذه خمس عشرة كلمة، وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأسقط الترجيع من الأذان وهو أربع كلمات فإذا سقط من تسع عشرة أربع بقي خمس عشرة كلمة.
المذهب السادس: أن الأذان ثلاث عشرة كلمة، التكبير في أوله كلمتان؛ لأنه لا يقول بالتربيع، والشهادتان أربع كلمات، والحيعلتان أربع كلمات، والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة، وأسقط الترجيع من الشهادتين وأسقط تكبيرتين من أوله وإذا سقط ست كلمات من تسع عشرة بقي ثلاث عشرة، وهذا هو رأي أبي يوسف. فهذا تقرير الخلاف في أعداد كلمات الأذان.
__________
(1) في كلمات هذا المذهب تقديم التكبير وتأخير الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح) كما هو في الأصل.

الفرع الثاني: في بيان أحكام الأذان وجملتها عشرة:
الحكم الأول: في التربيع وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التكبير في أول الأذان مرتين، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم ومحكي عن الصادق وعبدالله بن الحسن وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: ما قدمناه عن زيد بن علي وعن أبي محذورة وعن بلال، فإن أخبارهم كلها دالة على كون الأذان مثنى مثنى، ونزيد هاهنا وهو ما رواه عبدالله بن زيد الأنصاري قال: رأيت شخصاً نزل من السماء فاستقبل القبلة وقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، وروى عمار بن سعد القرظي " (1)
عن سعد وكان مؤذناً لرسول اللّه بقبا أنه سمعه يقول: هذا أذان بلال الذي أمره به رسول اللّه، وهو: اللّه أكبر اللّه أكبر مرتين(2).
المذهب الثاني: أن التكبير في أوله أربع تكبيرات وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الصادق في رواية ومروي عن الباقر وقول الفريقين الشافعية والحنفية(3).
__________
(1) هو عمار بن سعد القرظي المؤذن، هكذا في تجريد أسماء الصحابة ص 394، وفي تهذيب التهذيب: سعد بن عمار بن سعد القرظ المؤذن، روى عن أبيه عن جده ا ه‍1/696، وفي الجزء الثالث من التهذيب ص 202: عمار بن سعد بن عابد المؤذن المعروف أبوه بسعد القرظ (بفتحتين على القاف والراء) لذا لزم التنبيه، وأطلق عليه ابن بهران في الجواهر: عثمان بن سعد القرضي، وهو عمار.. كما سبق، ثم قال: والصواب أنه سعد القرظ بإضافة سعد إلى القرض بفتح القاف.
(2) أورده ابن بهران بزيادة.. وإقامته الله أكبر الله أكبر، لم يزد على مرتين. حكاه في (الشفاء).اه‍.
(3) في حاشية الأصل ما لفظه: قال الأمير الحسين بن محمد في كتابه (شفاء الأوام): وذهب زيد بن علي والنفس الزكية والباقر والصادق وأحمد بن عيسى وأبو عبد الله الداعي والناصر للحق والمؤيد بالله، إلى أن التكبير في أول الأذان والإقامة أربع مرات. ا ه‍.

والحجة على ذلك: ما روي عن أبي محذورة أنه قال: ألقى عليَّ رسول اللّه الأذان بنفسه فقال: ((قل: اللّه أكبر " ، اللّه أكبر أربع مرات)).
والمختار: ما قاله الإمامان الناصر والمؤيد بالله.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: الأذان هكذا اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر الله أكبر أربعاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من خبر زيد بن علي وأبي محذورة وبلال أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن خبرنا مشتمل على الزيادة فكان مختصاً بفائدة فلهذا كان راجحاً على غيره مما لم يفد تلك الفائدة.
وأما ثانياً: فلأن خبرنا رواه أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه، وما رواه فهو في نهاية القوة والوثاقة،والأخبار إنما تكون راجحة تارة بالإضافة إلى متنها باشتمالها على الزيادة والفائدة ومرة بالإضافة إلى قوة الراوي ووثاقته، ولا شك أن أخبارنا قد جمعت هذين الوجهين اشتمالها على الزيادة وقوة الراوي وصلابته في الدين، فما يرويه أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه لا تساويه رواية غيره لما خصه اللّه تعالى به من القوة والضبط في الرواية والورع والصلابة في الدين وهي راجحة على غيرها من كل الوجوه.
الحكم الثاني: في الترجيع. ومحله الشهادتان، وصورته: أن ينطق بالشهادتين أولاً يخفض بهما صوته ثم يرجع يمد بهما صوته. وهل يكون الترجيع مشروعاً في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو قول الحنفية.

والحجة على هذا: ما روي أن الرسول لما همه أمر الإعلام بالصلاة فطلب شيئاً يدعو به المسلمين للصلاة فذكروا النار فقيل إنها من عادة المجوس، ثم ذكر الشبَّور وهو البوق، فقيل إنه من عادة اليهود، ثم ذكروا الناقوس فقيل إنه من عادة النصارى، حتى كان ما كان من أمر اللّه بالمعراج به إلى السماء أو ما كان من ليلة الإسراء ففرض عليه الأذان فأمر بلالاً وسائر مؤذنيه من غير ترجيع(1).
المذهب الثاني: أن الترجيع مشروع وهذا هو رأي الشافعي ومالك.
والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد القرظي(2)
أن الرسول أمره بالترجيع وأن سعداً أول من رجع.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
والحجة عليه ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما رواه أصحاب الشافعي عن عمر وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي رأياها في ابتداء الأذان وأمرهما رسول اللّه ، ولم يذكر فيهما ترجيعاً في الشهادتين فدل ذلك على أنه غير مشروع.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى أبو سعد القرظي أنه أذن بالترجيع.
قلنا: هذه رواية شاذة لا يعمل عليها والمشهور من الرواية هو ما ذكرناه.
قالوا: عمل أهل الحرمين على الترجيع فيجب قبوله.
قلنا: الحجة إنما هو كلام الرسول وإجماع الأمة، فأما أهل الحرمين فأقوالهم ليست حجة بحال، فبطل ما عولوا عليه وصح أنه غير مشروع.
الحكم الثالث: في التأذين بحي على خير العمل، هل هو مشروع في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) يمكن التنبيه هنا إلى أن الإسراء والمعراج كما هو معروف كانا في ليلة واحدة في مكة، وأن الأذان فرض في تلك الليلة على أرجح أراء أئمة وفقهاء المذهب، ولكن إعلان بلال بالأذان بأمر الرسول كان في المدينة، ولذا لزم التنبيه لإزاحة أي لبس قد يفهم من كلام المؤلف غير مقصود، والله أعلم.
(2) هكذا في الأصل، والصواب: سعد القرظ، كما سبق في الترجمة آنفاً، وكما أورد المؤلف في آخر هذه الحجة بقوله: ...وأن سعداً أول من رجع.

المذهب الأول: أنه مشروع في الأذان معمول عليه، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية لايختلفون فيه وأنه كان ثابتاً في زمن الرسول إلى يومنا هذا، وهو رأي فرق الزيدية متفقون عليه.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: سمعت رسول اللّه يقول: ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " ))(1)
وأمر بلالاً أن يؤذن بحي على خير العمل، وهذا خبر قوي لا يوازيه في صحة العمل به إلا آية من كتاب اللّه تعالى لصحة سنده ومتنه.
الحجة الثانية: ما رواه القاسم عن الرسول ، أنه أمر بالتأذين بحي على خير العمل وكان القاسم يعمل به ويجعله في أذانه، وفي هذا دلالة على صحة نقله ولهذا عمل به واختاره لنفسه كما يعمل على سائر الأخبار المنقولة من جهة الرسول .
الحجة الثالثة: ما روى محمد بن منصور في كتابه (الجامع) (2)
بإسناده عن رجال مرضيين عن أبي محذورة أحد مؤذني رسول اللّه ، أنه قال: أمرني رسول اللّه أن أقول في الأذان: حي على خير العمل(3).
فهذا نص صريح في صحة التأذين به.
__________
(1) رواه أبو العباس الحسني بسنده عن أحمد بن عيسى عن أبيه عن جده عن علي قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن خير أعمالكم الصلاة)) وأمر بلالاً أن يؤذن بحي على خير العمل. هكذا في الاعتصام، وفيه عن أبي العباس الحسني بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول في أذانه: حي على خير العمل. ا ه‍1/309.
(2) الجامع الكافي.
(3) أورده في الاعتصام عن أبي بكر المقري بسنده إلى عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله الأذان كما يؤذنون الآن: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، حي على خير العمل حي على خير العمل، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ا ه‍. 1/309.

الحجة الرابعة: ما روى نافع عن إبن عمر رضي اللّه عنه، أنه زاد في أذانه: حي على خير العمل، ومثل هذا لا يقوله عن نظر واجتهاد وإنما يقوله عن توقيف من جهة الرسول لا مساغ للإجتهاد فيه بحال.
الحجة الخامسة: ما روى أبو بكر بن أبي شيبة " (1)
عن علي بن الحسين " (2)
__________
(1) واسمه: عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي مولاهم، يأتي في مقدمة الأسماء المنتشرة في كتب الأسانيد والصحاح وتراجم رجال الحديث، روى عن أبي الأحوص وعبد الله بن إدريس وابن المبارك، ووكيع وابن عيينة وغيرهم. وروى عنه: البخاري ومسلم وأبو داؤد وابن ماجة، وكان مشهوراً بحفظ الحديث ورجاله، وثقه أعلام من أصحاب الصحاح ورواة الحديث، توفي سنة 235ه‍. ا ه‍ملخصاً من (التهذيب) 6/3. و(طبقات الحفاظ) 1/192.
(2) علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين، روى عن أبيه وعمه الحسن بن علي، عن جده علي، وروى عن ابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه أولاده محمد وزيد وعبد الله وعمر، وطاووس والزهري وأبو الجناد وغيرهم، كان أشهر أهل عصره بالعبادة، ولذا لقب: زين العابدين، قال ابن سعد عنه: كان ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً. وابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين، وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته...إلخ، وصفاته في التقوى والورع والزهد والعلم والعبادة مدونة في كل كتب التراجم، ولد سنة 33ه‍، وكان مع أبيه سيد الشهداء عندما استشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة 61 ه‍، مات سنة 100ه‍وقيل: سنة 99ه‍. ا ه‍ ملخصاً.

أنه كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل(1).
ومثل هذه لا يصدر إلا من جهة الرسول لأنه أمر توقيفي لا مساغ للاجتهاد فيه.
الحجة السادسة: ما روى زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين أنه كان يقول في أذانه: حي على خير العمل. ولنكتف بما أوردناه من هذه الأخبار ففيها كفاية وفيها تصريح بما نريده من كونه مشروعاً في الأذان.
المذهب الثاني: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي الفقهاء عن آخرهم لا يختلفون في إنكاره ورده.
والحجة لهم على ما قالوه: هو أن خبر عبدالله بن زيد وخبر عمر فيما رويا في ابتداء الأذان في تلك الرؤيا، لم يذكرا حي على خير العمل. وفي هذا دلالة على كونه غير مشروع.
الحجة الثانية: روي عن علي بن الحسين أنه كان يؤذن في صلاته، فإذا بلغه(2)
قال: حي على خير العمل مرتين، وقال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي كلامه هذا دلالة على كونه منسوخاً.
الحجة الثالثة: أن عمر أمر بكفه عن التأذين به ولو كان مشروعاً من جهة الرسول لم يكن له أن يكفه ويأمر بتركه؛ لأن كل ما كان من جهة الرسول فلا يجوز لأحد تركه برأيه واجتهاده. فهذه الأمور كلها دالة على كونه غير مشروع في الأذان.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعمل عليه الأكابر من أهل البيت واختاروه قولاً وعملاً.
وحجتهم على ذلك: ما نقلناه عنهم من الاحتجاج، ونزيد هاهنا وهو أن التأذين بحي على خير العمل، إجماع أهل البيت، وإجماعهم حجة.
__________
(1) جاء في الاعتصام من طريق ابن أبي شيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، وهو ثقة من رجال البخاري ومسلم، عن جعفر بن محمد عن أبيه الباقر. ومسلم بن أبي مريم، وهو مسلم بن يسار المزني، وهو ثقة من رجال البخاري، أن علي بن الحسين× كان يؤذن فإذا بلغ: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول وإنه أذان النبي. ا ه‍1/310.
(2) درج المؤلف على استخدام ضمير المذكر لكلمة (حي على خير العمل).

وإنما قلنا: إنهم أجمعوا فهذا ظاهر فإنه لم ينقل عن أحد منهم إنكاره وإنهم عاملون عليه معترفون بصحته ولو أنكره منهم منكر لنقل كما في سائر المسائل الخلافية، فلما لم ينقل دل على اتفاقهم عليه.
وأما أن إجماعهم حجة فللآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " } [الأحزاب:33]. فظاهر هذه الآية دال على تطهيرهم من جميع الأرجاس كلها، والمعاصي من جملة الرجس فيجب تبرئتهم عنها، ولا نريد بكون إجماعهم حجة إلا أنهم لا يجمعون على خطأ. وأما الخبر فقوله : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا " كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))(1)
فظاهر هذا الخبر دال على وجوب التمسك بالكتاب والعترة، ولن يكون الأمر هكذا إلا وهم معصومون فيما أجمعوا عليه عن الخطأ والزلل، وقد دللنا في كتبنا الأصولية على أن إجماعهم حجة وأجبنا عن الأسئلة الواردة على الآية والخبر فمن أرادها فليأخذها من كتاب (الحاوي)(2)
فإنه يجد فيه ما يشفي ويكفي من ذلك، ووضحنا أن الأدلة الشرعية الدالة على كون إجماع العترة حجة أصرح وأقوى من الأدلة الدالة على أن إجماع الأمة حجة لما فيها من التصريح بالغرض المقصود.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه حجة لهم.
قالوا: خبر عمر وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي قررها الرسول في ابتداء الأذان ليس فيها ذكر التأذين بحي على خير العمل.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) تقدم تخريجه في المجلد الأول.
(2) الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية) أحد كتب المؤلف المشهورة في أصول الفقه، ثلاثة مجلدات. اه‍(مؤلفات الزيدية) للسيد أحمد الحسيني 1/315.

أما أولاً: فلأنا قد قررنا أن الإعتماد في إبتداء الأذان إنما هو على ما أوضحناه من حديث المعراج وحديث الإسراء وأن إبتداءه ما كان إلا في هاتين الحالتين فأغنى عن التكرير والإعادة.
وأما ثانياً: فلأنه ولو لم يذكر في حديث عمر وعبدالله بن زيد فهو مذكور في غيرهما كما قررناه في تلك الأحاديث التي رويناها.
قالوا: روي عن علي بن الحسين انه كان يؤذن في صلاته فإذا بلغ إلى حي على خير العمل، قال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي هذا دلالة على كونه منسوخاً بما بعده من صفة الأذان.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالأصل هو الثبوت ولا يقدم على نسخ الآي والأخبار إلا بدلالة تزيل حكمه ولا دلالة تدل على نسخه، ومجرد الدعوى لا يعمل عليها ولا يلتفت إليها.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على أنه لم يكن من الأذان الأول الذي نزل به جبريل يوم المعراج أو ليلة الإسراء ولكن الرسول أوضحه من بعدُ وليس على الرسول فيما أوضحه من أمور الشريعة في التقدم والتأخر حرج، فإليه الأمر في ذلك على قدر ما يراه من المصلحة الشرعية.
قالوا: إن عمر أمر بتركه ولو كان من جهة الرسول لم يكن له أن يأمر بتركه لأن ما كان من جهة الرسول وجب امتثاله والمسارعة إلى فعله.
قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أن إسقاطه من الأذان فيه دلالة على أنه كان ثابتاً في أيام الرسول وفي خلافة أبي بكر، ولولا ثبوته في هذه الأزمنة ما أمر بإسقاطه.

الجواب الثاني: أن إسقاطه إنما كان لغرض ديني قد رآه عمر واستصلحه للمسلمين خوفاً من الإتكال على الصلاة لما كانت خير الأعمال(1)
فيقع التساهل في الجهاد والإعتماد على الصلاة فأراد إحياء أمر الجهاد بما فعله، وإذا رأى من يلي أمر المسلمين منعهم عن بعض المسائل الاجتهادية لمصلحة رآها جاز له ذلك، ولم يكن لأحد الإعتراض عليه.
__________
(1) وفي هذا أورد ابن بهران عن علي بن الحسين زين العابدين، أنه كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول، وفيه عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: وكانت هذه الكلمة في الأذان فأمر عمر بن الخطاب أن يكفوا عنها مخافة أن تثبط الناس عن الجهاد ويتكلوا على الصلاة. ا ه‍، قال ابن بهران: قلت: وحكى سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح العضد عن عمر أنه كان يقول: ثلاث كن على عهد رسول الله أنا أحرمهن وأنهى عنهن: متعة الحج، ومتعة النكاح، وحي على خير العمل. ا ه‍جواهر 1/192، وهو في الاعتصام كما جاء، وأورد الإمام القاسم فيه عن كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل لأنه اتفق على الأذان به يوم الخندق، ولأنه دعاء إلى الصلاة، وقد قال رسول الله : ((خير أعمالكم الصلاة))، وقد اتفق أيضاً على أن ابن عمر والحسن والحسين وبلال وجماعة من الصحابة أذنوا به، حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم. ا ه‍1/310.

151 / 279
ع
En
A+
A-