والحجة على هذا قولهم: نفع الأذان مما يعود إلى الغير من غير أن يودي فرض نفسه فجاز له أخذ الأجرة عليه، دليله كتابة المصاحف وبناء القناطر وحفر الآبار.
والمختار: ما قاله أئمة العترة من المنع من أخذ الأجرة عليه.
وحجتهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي % أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك في الله. فقال: وأنا أبغضك في اللّه قال: ولم؟ قال: لأنك تتغنى في أذانك وتأخذ على القرآن أجراً وقد سمعت رسول اللّه يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة \s " \c 2))(1).
__________
(1) جاء الحديث في (الروض النضير)، شرح مجموع الإمام زيد باختلاف في اللفظ إذ جاء بلفظ: أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، والله لإني أحبك في الله، قال: ولكني أبغضك في الله، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: لأنك تتغنى بأذانك وتأخذ على تعليم القرآن أجراً، وقد سمعت رسول الله يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة)).
قال في (الروض) ما ملخصه: أن الإمام المهدي في(البحر) قال: وندب التطريب، وقال الإمام زيد بن علي وأحمد بن عيسى والنخعي وعمر بن عبد العزيز: يكره. لنا: (زينوا القرآن بأصواتكم) ونحوه. (لأن حديث زينوا.. لم يصح لديهم كما يبدو) ا ه1/554، ونسب السياغي إلى الإمام يحيى قول: وإذا جاز التطريب في القرآن جاز في الأذان.
فائدة: وكما سلف من حديث علي عن النهي عن التغني بالأذان وردت أخبار وآراء لعدد من الصحابة والتابعين سواء ما كان مرفوعاً أو موقوفاً أو اجتهاداً تخالف الحديث السابق منها: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) و((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) هذا الإختلاف محمول على أن المذموم من التغني أو التطريب هو إخراج الأذان إلى صفة الألحان المعروفة عند أهل اللهو، وكراهته معلومة، بل لا يبعد القول بتحريمه وعدم إجزائه. ا ه، المصدر السابق ملخصاً.
الحجة الثانية: هي أن الأذان واجب على الكفاية كما سنقرره، فالقيام به قيام بعبادة فيحرم أخذ الأجرة عليه قياساً على سائر العبادات من الصلاة والصيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن نفعه راجع إلى الغير من غير أن يؤدي فرض نفسه فجاز أخذ الأجرة عليه قياساً على كتابة القرآن وعمارة المساجد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم قولكم أنه يؤدي غير فرض نفسه بل هو مؤدٍ فرضاً عن نفسه لكونه واجباً على الكفاية كما سنوضحه، فإذا قام به فقد أدَّا فرضاً عن نفسه.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل أنه ليس بقربة محضة لأنه يصلح ممن ليس من أهل القرب كالذمي والحربي ويصح وقوعه على وجه لا تتعلق به القربة وليس كذلك الأذان فإنه قربة محضة فصار كالصلاة والصيام.
الفرع الرابع: وإذا أقام المؤذن فأي وقت يفتتح الإمام الصلاة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يفتتحها عند فراغ المؤذن من الإقامة وهذا هو رأي الهادي في (المنتخب)(1)، ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف.
__________
(1) المنتخب) أحد كتب الهادي، وهو وكتاب (الفنون) كلاهما في الفقه مؤلف من إجابات الإمام الهادي على أسئلة القاضي العلامة محمد بن سليمان الكوفي. وقد طبع الكتابان في مجلد واحد في 1414ه/1993. عن (دار الحكمة اليمانية) تحقيق الباحث محمد يحيى سالم عزان.
والحجة على ذلك: ما روى أبو داؤد في سننه أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة. قال الرسول : ((أقامها اللّه وأدامها سوّوا صفوفكم \s " \c 2))(1) فدل هذا على أن الرسول لم يفتتح الصلاة إلا بعد الفراغ من الإقامة.
المذهب الثاني: أن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، قام الإمام والمسلمون، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإمام والمسلمون بعده، وهذا هو الذي ذكره الهادي في (الأحكام)(2) ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى وأبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن قول المؤذن: حي على الصلاة، دعاء إلى الصلاة وتصديقه: التأهب للصلاة بالقيام إليها والإشتغال بفعلها، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، فتصديقه: الدخول فيها والشروع في أولها بالإحرام بتكبيرة الإفتتاح ليكون ذلك تصديقاً للحال.
والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام وهو رأي زيد بن علي والباقر وغيرهم.
والحجة على ذلك: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، ولم يقم الإمام والمسلمون إلا بعد الفراغ من الإقامة لا يطابق قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
__________
(1) روى الحديث أبو داؤد بلفظه عن أبي أمامة أو بعض أصحاب رسول الله ، ا هجواهر 1/198، وجملة: أو بعض أصحاب رسول الله يبدو أنها ضمن رواية أبي داؤد إذ لم يعلق عليها مؤلف الجواهر ويؤيد ما سلف أن هذه الجملة وردت ضمن رواية أبي داؤد في مسندات منها: فتح الغفار. وزاد فيها: رواه أبو داؤد بإسناد فيه شهر بن حوشب، تكلم فيه غير واحد، ووثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل. ا ه1/127.
(2) أشهر وأكبر مؤلفات الإمام الهادي، وعنوانه الكامل: (كتاب الأحكام في الحلال والحرام) في الفقه، جمعه ورتبه أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي حريصة، مطبوع في مجلدين طبعة أولى في العام 1410ه/1990م، تولى طبعه وتحقيقه الباحث محمد بن قاسم الهاشمي.
قالوا: إن بلالاً لما أخذ في الإقامة قال الرسول: ((أقامها اللّه ..إلى آخر الحديث))، فدل على أن قيامه إلى الصلاة كان بعد الإقامة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر الجواز في الإفتتاح بعد الفراغ من الإقامة وقبلها ولكن كلامنا في الأفضل.
وأما ثانياً: فلأن الدعاء في حال الإقامة وأمرهم بتسويه الصفوف إنما هي حالة عارضة، فلعله رأى في بعض الصفوف ميلاً وازوراراً واضطراباً فأمرهم بتسويتها وسد الخلل فيها فهذه حالة عارضة والأصل هو ما ذكرناه.
الفرع الخامس: هل الأذان أفضل أو الإمامة؟ فيه أقوال أربعة:
فالقول الأول: أن الأذان أفضل من الإمامة لقوله : ((الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين \s " \c 2)) والأمين أحسن حالاً من الضمين. ومن وجه آخر، وهو أنه دعا للأئمة بالرشد وللمؤذنين بالمغفرة. والغفران أفضل من الرشد من جهة أن الرشد تحصيل الألطاف في تحصيل الطاعات والتكاليف، والمغفرة يكون بها استحقاق الجنة.
ومعنى قوله: المؤذنون أمناء، فوصفهم بالأمانة، فيه احتمالات أربعة:
الاحتمال الأول: أنهم أمناء على الأوقات فلا يؤذنون إلا بعد دخول الوقت ولا يؤذنون قبله لما فيه من الغرر والخيانة.
الاحتمال الثاني: أنهم يؤذنون على المنازل والأمكنة العالية فيكونون أمناء على الإطلاع على المحارم وعلى عورات المسلمين في بيوتهم.
الاحتمال الثالث: أنهم أمناء في تبرعهم بالقيام بالأذان من دون غيرهم.
الاحتمال الرابع: وإذا كانوا أمناء فإنه يسقط عنهم بالأذان فرض الكفايه.
وأما الأئمة فهم ضمناء إذا قاموا بفروض الصلاة وواجباتها؛ لأنهم يتحملون سهو المأمومين إذا وقع عليهم ويتحملون القراءة والقيام إذا أدركهم المأمومون في الركوع.
القول الثاني: أن الإمامة أفضل من الأذان لأن الرسول والخلفاء الراشدين والأئمة السابقين والمقتصدين، كانوا أئمة في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين، وفي هذا دلالة على فضل الإمامة ولهذا اختصوا بها.
القول الثالث: أنهما سواء في الفضل لأن الأئمة والمؤذنين قد خص الشرع كل واحد منهما بفضيلة ودرجة في الفضل ومنزلة في الثواب والأجر.
القول الرابع: أن الإمام إذا كان يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة في الصلاة وما يتوجه عليه فيها فالإمامة أفضل، و إن كان يعلم من نفسه أنه لا يقوم بما يتوجه عليه من حقوقها ولوازمها فالأذان أفضل؛ لأنه أقل خطراً وأسهل حالاً في التكليف. فهذه الأقاويل كلها كما ترى في أيهما الأفضل؟ ولم أعلم لأئمة العترة في هذه المسألة قولاً في ترجيح أحدهما على الآخر.
والمختار: أن الإمامة أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم \s " \c 2))(1). وما روي عن النبي أنه قال: ((كن إمام قومك تدخل الجنة \s " \c 2))(2). وقوله : ((أول ما تفاض الرحمة على الإمام ثم على من يليه \s " \c 2 ثم على الصف الأيمن ثم على الصف الأيسر ثم على سائر الصفوف))(3) فهذه الأخبار كلها دالة على فضل الإمامة على الأذان.
الفرع السادس: ومن جمع بين الصلاتين ممن يجوز له الجمع بينهما نظرت، فإن جمع بينهما في أول وقت الأولى منهما فإنه يؤذن للأولى ويقيم لأنها مؤداة في وقتها ثم يقيم للثانية من غير أذان، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ويجب تقديم الأولى على الثانية.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في عرفة.
وإن جمع بينهما في وقت الثانية فإنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين كما في الأولى عند أئمة العترة.
__________
(1) هو في مسند الحارث 1/265.
(2) هو في مصنف ابن أبي شيبة 1/332.
(3) سيأتي موضعه في صلاة الجماعة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة في أول وقت الثانية بأذان واحد وإقامتين.
وحكي عن الشافعي: أنه لا يؤذن للثانية قولاً واحداً، فأما الأولى ففيها قولان.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يؤذن للعشاء الآخرة ولا يقيم في مزدلفة.
الفرع السابع: ذهب أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية ومالك إلى أنه ليس على النساء أذان للرجال ولا إقامة لهم(1).
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على النساء جمعة ولا جماعة \s " \c 2 ولا أذان ولا إقامة))(2).
__________
(1) ولا لأنفسهن، كما سيأتي.
(2) ذكره ابن بهران في رواية عن ابن عباس بزيادة: ((...فإن أذنَّ كان ذِكْراً)) وفي الروض النضير ما رواه الإمام زيد بن علي عن علي % قال: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة)).
قال: ويشهد له ما ذكره في (التلخيص) من حديث ابن عمر: ليس على النساء أذان، رواه البيهقي من حديثه موقوفاً بسند صحيح، وزاد: ...ولا إقامة.
قال ابن الجوزي: لا يُعرف مرفوعاً، ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث أسماء مرفوعاً، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف جداً، ا ه. واستطرد السياغي -رحمه الله- إلى أن أورد ما جاء في التلخيص من حديث عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه الحاكم والبيهقي، وزاد: وتؤم النساء وتقوم وسطهن، ا ه، وزاد في الروض في الباب نفسه: بأن الحديث يدل على نفي وجوب الأذان والإقامة على النساء.
قال الإمام عز الدين: ولا خلاف في ذلك؛ لأنهما من الأمور الشرعية، ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وظاهر كلام الهادوية: تحريمه؛ لأنه يجب عليها خفض صوتها ولذلك نمنعها من الأذان والإقامة في جميع أحوالها، كما جاء في الروض من كلام القاسم، وزاد: قال القاضي زيد: و إليه ذهب الناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي.
قال الصعيتري: وتوقف أبو طالب في استحباب الأذان والإقامة للنساء...إلخ 1/553.
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي % عن رسول أنه قال: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة \s " \c 2))(1).
الحجة الثالثة: هو أن الأذان والإقامة أمور شرعية مستندها صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه وهي مفوضة إلى رأيه وموكولة إلى أمره ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وفي هذا دلالة على عدم الوجوب.
وهل يؤذنَّ لأنفسهن أو يقمن؟ فيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه ليس لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم، وهذا هو رأي الشافعي ذكره في (الأم) واختير لمذهبه.
القول الثاني: يحكى عن المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يكره لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم لنفسها استحباباً.
القول الثالث: أن الأذان غير مسنون في حق المرأة سواء صلت بانفرادها أو كن جماعات، فإن أذنت كان ذكراً. وهذا هو المحكي عن ابن الصباغ صاحب (الشامل).
والمختار: جواز الأذان والإقامة للنساء في أنفسهن في خفية.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي أنه قال: ((ليس على النساء أذان فإن أذن كان ذكراً \s " \c 2))(2). وإذا جاز الأذان جازت الإقامة في حقهن لأنها أولى وأحق.
الحجة الثانية: هو أن الأذان والإقامة مشروعان في حق المصلين والنساء من جملة أهل الصلاة فلهذا استحب لهن الأذان والإقامة.
الحجة الثالثة: هو أن المحذور من ذلك إنما هو رفع الصوت خوفاً من الإفتتان بسماع أصواتهن، فإذا أذن وأقمن في أنفسهن فلا يكره ذلك لأنه ذكر لله تعالى سواء كن منفردات أو جماعات.
الفرع الثامن: إذا أذن لصلاة المغرب فما المستحب له؟ فيه ثلاثة أقوال:
أولها: أنه يبقى قائماً حتى يقيم ولا يقعد، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وثانيها: أنه يقف مقدار ثلاث آيات ثم يقيم، وهذه أيضاً رواية عن أبي حنيفة.
وثالثها: أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقيم، وهذا هو قول أبي يوسف ومحمد.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة أولاً.
__________
(1) سبق في الحديث السالف.
(2) سبق آنفاً.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم \s " \c 2)) وفي حديث آخر: ((لن تزال أمتي على الفطرة مالم يؤخروا صلاة المغرب \s " \c 2))(1).
ويستحب أن يكون المؤذن غير الإمام وعلى هذا جرت عادة السلف الصالح من الصدر الأول إلى يومنا هذا، ويحكى عن عمر أنه قال: لولا الخِلِّيفى(2) لكنت مؤذناً. فهذا يؤيد ما ذكرناه.
ويستحب أن لا يصلي المصلي منفرداً أو بجماعة إلا بأذان وإقامة.
قال القاسم بن إبراهيم: ومن نسي الأذن حتى دخل في صلاته مضى في صلاته ولا نقص عليه. ولا يعرف في هذا خلاف لأن الأذان فرض من فروض الكفايات كما سنوضحه فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فمن تركه من آحاد الناس أجزته صلاته وكان مسيئاً لترك السنة.
وسئل الإمام أبو طالب عمن ترك الأذان هل تبطل صلاته إن كان في قرية يعلم أنه لم يؤذن فيها؟ فقال: لا تبطل لأن الأذان ليس من شروط الصلاة. قال: ويحتمل أنها تبطل لأنه ترك الذكر المفروض المفعول للصلاة متقدماً عليها في وقتها فمنع من صحتها كالخطبة في صلاة الجمعة.
وجوابه الأول هو الصحيح المعمول عليه؛ لأن المعنى في الأصل: أن الخطبتين بدلاً عن ركعتي الظهر بخلاف الأذان فافترقا. فهذه الفروع الثمانية نشأت من ابتداء الأذان ولم تدخل في الفصول الخاصة كصفة الأذان وصفة المؤذنين فلا جرم أفردناها بالذكر لما كانت غير مندرجة فيما يأتي مما نريد ذكره وبالله التوفيق.
__________
(1) تقدم في الأوقات.
(2) في حاشية الأصل ما لفظه: الخِلِّيفى: الخلافة، وكلام عمر لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت، ا ه. وفي لسان العرب: والخلافة الإمارة وهي الخِلِّيفى، وإنه لخليفة بيِّن الخلافة والخليفى، وفي حديث عمر: لولا الخليفى لأذنت، ا هلسان 9/83.
.
---
الفصل الثاني
في حكم الأذان
اتفق أهل القبلة على أن الأذان مشروع للصلوات في مساجد الجماعات وأنه شعار للدين وسنة من سنن سيد المرسلين معتمد عليه في جميع الأمصار والأقاليم بين المسلمين، ويؤيد ذلك ما روى أبو هريرة عن رسول اللّه في صحيح البخاري، قال: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط " حتى لا يسمع الأذان فإذا قضي الأذان أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا مضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: أذكر كذا أذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الإنسان لا يدري كم يصلي))(1).
ورفع الصوت به مستحب أيضاً لما روى أبو سعيد الخدري في صحيح البخاري عن الرسول ، قال: قال لي رسول اللّه : ((إني أراك تحب الغنم والبادية " فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولاإنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) (2).
قال أبو سعيد: هكذا سمعته من رسول اللّه . فهذا أمرٌ وادنى درجات الأمر هو الندب والاستحباب، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكون [الأذان] واجباً؟
اعلم أن الأذان قد تقرر كونه مشروعاً وسنة بالأدلة التي ذكرناها ويبقى الكلام في كونه واجباً أم لا؟ وفيه مذاهب أربعة:
__________
(1) أخرجاه (البخاري ومسلم) وأخرجه مالك وأبو داؤد والنسائي، ا هفتح الغفار1/122 باختلاف يسير في بعض الألفاظ.
(2) في فتح الغفار بلفظ: وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي يقول: ((إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مد صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة)) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة. ا ه1/125، وفي رواية أخرى: ((إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة...)) إلى قوله: ((...جن ولا إنس ولا شيء...إلخ)) قال: وهو في البخاري والموطأ والنسائي، اهالمصدر السابق.