الجواب الثالث: أن الرواية فيه مضطربة، فمرةً رأى الرجل على ظهر الكعبة في المنام، ومرة قالوا: على حرم من أحرام المدينة، وتارة عليه بردان أخضران وجثا مستقبل القبلة، ومرة مستدبراً بيت المقدس، وهذا الإضطراب يضعف الرواية مع ما فيها من الضعف في النقل وبنائها على الأحلام.
قالوا: لو كان الأمر كما قلتموه لما كان لتعليمه بلالاً بالأذان [فائدة] إذا كان معلوماً من قبل.
قلنا: عن هذا جوابان:
الأول: أن يكون جبريل قد نزل به على الرسول وأعلمه أصحابه بما نزل عليه من أمر الأذان فطابق ما رأوه وكان بلالٌ لم يعلمه فلما رأيا(1) ذلك أمرهما أن يعلماه بلالاً فيكون لهما في ذلك فضيلة وأجر وثواب.
الجواب الثاني: أن هذا معارض بما ذكرناه من الرواية في ابتدائه فإذا حملنا ما نقوله على هذه التأويلات كانت الأدلة متوافقة من غير مناقضة بينها والله أعلم بالصواب.
قالوا: هذه الرواية قد نقلها المحدثون في كتب الحديث كالبخاري والترمذي ومسلم وغيرها من كتب الصحاح، يدل ذلك على صحتها وثبوتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
الأول: أنا لم ننكر ما نقلتموه على جهة التكذيب للرواية وإنما قلنا: إنها ضعيفة لما قررناه.
الجواب الثاني: أنا قبلناها وتأولناها على ما حكيناه من التأويلات لتكون مطابقة لروايتنا، وهذا هو دأب العلماء في مضطرباتهم الاجتهاديه في الأخبار المروية والقياسات المعنوية في ترجيح بعضها على بعض ليتسع منهاج الاجتهاد ويعظم أمره وتتضح مسالك الشريعة.
التفريع على هذه القاعدة:
__________
(1) المقصود بضمير المثنى، عمر وعبد الله بن زيد.

الفرع الأول: لا يجوز الأذان قبل دخول وقت الصلاة؛ لأن الأذان إنما شرع للإعلام بدخول الوقت فلا معنى له قبل دخول وقتها. فإن أذن أعاد لأن الأول ليس مشروعاً ولا مجزياً للصلاة. ولو افتتح الأذان قبل الوقت ثم دخل الوقت استأنفه لأنه مشروع على فساد فلا يعتد به ولا يكون مجزياً كما لو صلى قبل الزوال ثم دخل وقت الزوال فإنه يستأنف فهكذا في الأذان.
وهل يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوعه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي عن الناصر وزيد بن علي والمؤيد بالله وأبي حنيفة ومحمد والثوري.
والحجة على ذلك: ما روي أن بلالاً أذن بليل فدعاه الرسول فقال: ((ما حملك على أن تجعل صلاة الليل في النهار وصلاة النهار في صلاة الليل \s " \c 2، عد فناد: ألا إن العبد قد نام)) فصعد بلال وهو يقول:
ليت بلالاً لم تلده أمه ... وابتل من نضح دمٍ جبينه
فنادى بلال: ألا إن العبد قد نام، وأعاد الأذان(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال لبلال: ((لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا \s " \c 2)) (2) ومد يده عرضاً.
الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك الأنصاري عن النبي أنه قال لبلال: ((لاتؤذن حتى يكون الفجر هكذا \s " \c 2)) ومد يده. فهذه الأخبار كلها دالة على النهي عن التأذين قبل الفجر، والنهي في العبادات يقتضي فسادها.
المذهب الثاني: جواز الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر وهذا هو رأي الشافعي ومالك وأبي يوسف.
__________
(1) رواه الترمذي وأبو داؤد، وقال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، المصدر السالف.
(2) هذا جزء من الحديث السالف عن بلال، أخرجه أبو داؤد بلفظ: ((حتى يتبين لك الفجر)).

والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن رسول اللّه أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2))(1).
والحجة الثانية: ما روى زياد بن الحرث الصدائي(2) قال: لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه أن أؤذن فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول اللّه؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى(3). فدل هذا الخبر على جواز الأذان قبل طلوع الفجر.
__________
(1) متفق عليه كما جاء في فتح الغفار، قال: ولأحمد والبخاري ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) ولمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ا ه‍1/126 وفيه رواية عن عائشة أخرجه البخاري ومسلم والموطأ.
(2) قال في (تهذيب الأسماء) 1/195: صحابي مذكور في باب الأذان منسوب إلى صُداء بضم الصاد المهملة، قدم على النبي وأذن له في سفره في صلاة الصبح لغيبة بلال، وحديثه في سنن أبي داؤد، قالوا: وبعثه النبي إلى قومه ليسلموا فأسلموا، ا ه‍، وولاه رسول الله على قومه.
(3) جاء الحديث في (الجواهر) بلفظ: عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أمرني رسول الله أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله : ((إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)) هذه رواية الترمذي، ثم أورد في الجواهر رواية لأبي داؤد تضارع ما أورده المؤلف حتى انتهى إلى قوله: ... حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم الصلاة فقال له: ... إلخ، ا ه‍1//184. وفي (فتح الغفار) في باب: من أذن فهو يقيم: عن زياد نفسه قال: قال رسول الله : ((من أذن فهو يقيم)) رواه الخمسة إلا النسائي وضعفه أبو داؤد، وله شواهد أضعف منه، وقال في الخلاصة: إن ما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي. ا ه‍1/128.

الحجة الثالثة، قياسية: وهي أنها عبادة تجب بطلوع الفجر فوجب أن يجوز تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر قياساً على نية الصوم.
فإن كان للمسجد مؤذنان فالمستحب أن يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والثاني بعد طلوعه، لأن بلالاً كان يؤذن قبل طلوع الفجر وابن أم مكتوم كان يؤذن بعد طلوعه. وذكر أصحاب الشافعي لمذهبه أن كل من كان في بلدة قد جرت عادتهم بالأذان بعد طلوع الفجر لم يسع أحد أن يؤذن لها في ذلك البلد قبل طلوع الفجر لئلا يغرهم بأذانه، واختلف أصحاب الشافعي في أول وقت الأذان للفجر على خمسة أقوال:
أولها: وهو المشهور: أنه يكون بعد نصف الليل كالدفع من مزدلفة.
وثانيها: أنه إذا كان في الشتاء فلسُبُعٍ يبقى من الليل، وإن كان في الصيف فلنصف سُبُع يبقى من الليل وهو رأي الجويني عبدالملك قال: وتلك سنة رسول اللّه .
وثالثها: ما ذكره المسعودي أنه يكون لوقت السحر قبل الفجر.
ورابعها: ما قاله صاحب (العدة)(1) أن الليل كله وقت لأذان الصبح، واستضعف هذا القول.
وخامسها: أن ذلك يبنى على آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: إنه يكون إلى ثلث الليل، أذن للفجر إذا ذهب ثلث الليل، وإن قلنا: إنه إلى نصف الليل، أذن للفجر إذا ذهب نصف الليل. هذا كله تفريع على قولهم بأن الأذان للفجر قبل طلوع الفجر كما حكيناه عنهم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً ثلاثاً:
__________
(1) كتاب (العدة).

الحجة الأولى: ما روى سنان(1) قال: دخلت على رسول اللّه وهو يتغدَّا فقلت: يا رسول اللّه إني أريد الصوم؟ فقال: ((وأنا أريد الصوم إن مؤذننا في بصره سوء \s " \c 2 أذن قبل طلوع الفجر وقدمه على أذانه في الليل))(2) وهذا هو مرادنا.
الحجة الثانية: ما روي عن علي % أنه قال: من أذَّن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد.
__________
(1) لم يحدد المؤلف نسباً أو لقباً له، ولكن موضوع الحديث رجح أن المقصود هو سنان بن سنَّة (بفتح المهملة وتشديد النون) الأسلمي المدني، له صحبة، روى عن النبي ، وعنه: حكيم بن أبي حرة، ويحيى بن هند الأسلمي، وروى له ابن ماجة حديثاً واحداً ((الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر)) قيل: توفي سنة 32ه‍. ا ه‍4/213 (التهذيب). لم يرد في ترجمته شيء عن الأذان، ولا في تراجم ابن حجر لمن اسمه سنان، ومن ثم فلعل هذا هو المقصود، والله أعلم.
(2) أورده في الجواهر بزيادة: فقال -يعني رسول الله -: ((هلموا إلى الغداء المبارك...إلخ)) اه‍1/185، وفي الحديث السالف كما أورده المؤلف زيادة: ((.. وقدمه على أذانه في الليل)) ولم يظهر في المصار ما إذا كانت من الحديث أم من كلام المؤلف إلا أنه يسند الأول ما أورده ابن بهران عقب الحديث السالف في رواية عن علي % أنه قال: من أذن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد، ويظهر أن هذا موقوفاً على الإمام علي، والمؤلف يعتبر ما جاء موقوفاً عن علي مأخوذاً من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وآله.

الحجة الثالثة: ما روي عن علقمة \s " \c 3(1): أنه شُيِّعَ إلى مكة فخرج بليل فسمع مؤذناً يؤذن قبل الفجر فقال: أما هذا فقد خالف سنة رسول اللّه ولو كان نائماً لكان خيراً له. فهذه الأخبار كلها دالة على أن الأذان قبل الفجر خلاف السنة وأنه غير مجزي.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن أذان بلال ليس أذاناً للصلاة وإنما هو تذكير، وكلامنا إنما هو في أذان الصلاة المكتوبة ولهذا قال %: ((لا يهيدنكم(2) أذان بلال عن السحور)).
وأما ثانياً: فلأن أخبارنا دالة على المنع وأخباركم دالة على الإباحة والباب باب العبادة فلهذا كانت أخبارنا أحق بالقبول لما فيها من الإحتياط للعبادة.
قالوا: روى زياد بن الحرث الصدائي أنه لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه بالأذان فأذنت فأردت أن أقيم فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله: لما كان أول الفجر. ليس من كلام الرسول وإنما هو من كلام زياد فلا حجة فيه ولعله ظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع.
وأما ثانياً: فيحتمل أنه يريد بقوله: حتى إذا طلع الفجر انتشر الضوء وكثر وانكشف الظلام وكل ذلك كان بعد طلوع الفجر.
__________
(1) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله ، ورورى عن جملة من الصحابة منهم: علي وعمر وعثمان وسعد وحذيفة وأبو الدرداء وعائشة وغيرهم، وعنه: ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي وغيرهم، اشتهر بالفقه والرواية، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، كما وثقه ابن معين، وكان الناس بالكوفة يأتون إليه ويستفتونه، توفي سنة 62 ه‍، وقيل: غير ذلك. ا ه‍.
(2) هاده الشيء هيداً وهاداً: أفزعه وكربه، ا ه‍لسان 3-440.

قالوا: عبادة تجب بطلوع الفجر فيجب(1) تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر كَنِيَّةِ الصوم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا يوجب عليكم جواز الإقامة قبل طلوع الفجر على منهاج هذا التعليل ولا قائل به.
وأما ثانياً: فعلى هذا لا يختلف الحال قبل نصف الليل أو بعده، وأنتم لا تجوزون التأذين إلا في الثلث الأخير. فبطل ما عولوا عليه.
الفرع الثاني: لا تخلو بلدة في الغالب عن متطوع بالأذان لما فيه من الأجر وإحراز الفضل ويؤيد ذلك قوله : ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة \s " \c 2))(2). وهذا الحديث له تأويلات خمسة:
التأويل الأول: أن يكون مراده أطول الناس رجاءً لأنه يقال: طال عنقي إلى رجائك، أي: إلى وعدك.
التأويل الثاني: أن يكون المراد منه، المؤذنون أكثر الناس أتباعاً يوم القيامة لأنهم يتبعهم كل من صلى بأذانهم يقال: جاءني عنق(3) من الناس، أي: جماعة.
التأويل الثالث: أن يكون مراده أن تكون أعناقهم تطول يوم القيامة حتى لا ينالهم العرق في ذلك اليوم لأنه قد روي أن العرق يلجم الناس.
التأويل الرابع: أن يكون الغرض أطول الناس أصواتاً، وعبر بالعنق عن الصوت لأنه منه يخرج.
التأويل الخامس: أن تكون الرواية في الخبر: إعناقاً بكسر الهمزة، أي: أشد الناس في السير إسراعاً ومنه العنق وهو ضرب من السير بين الإرقال والخبب.
فإن لم يوجد من يؤذن إلا بأخذ الجعل نظرت في حال الجعل. فإن كان حاصلاً من غير شرط جاز ذلك على جهة البر والصلة والمواساة، هكذا قاله الإمامان القاسم والهادي لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى \s " \c 1}[المائدة:2] وإن كان على جهة الشرط لم يجز.
__________
(1) يقصد: فيجوز.
(2) رواه احمد ومسلم وابن ماجة بلفظه عن معاوية كما في فتح الغفار 1/121.
(3) والعُنُق: الجماعة الكثيرة من الناس. ا ه‍لسان 10/273.

قال الإمام أبو طالب: التفرقة بين ما يكون على جهة البر وبين ما يكون على جهة الشرط هو أن ما كان على جهة الشرط فإن الأذان ينقطع بإنقطاعه وما كان على جهة البر فإنه لا ينقطع بإنقطاعه.
دقيقة: ثم هاهنا صور يقع التردد في أخذ الأجرة عليها مفارقة للأذان.
الصورة الأولى: القاضي. ولا خلاف في جواز أخذ الرزق له من بيت المال لأنه من جملة المصالح الدينيه فيرزقه الإمام منه، والتفرقة بينه وبين المؤذن هو أن القاضي لا يلزمه التصرف في القضاء لا على وجه الكفاية ولا على وجه التعيين وإنما يلزم الإمام لقيامه بمصالح الدين، فإذا لم يمكن الإمام القيام بالخصومات استعان بالحاكم وتوجه عليه رزقه مفوضاً إلى رأي الإمام ونظره.
الصورة الثانية: ولا خلاف في جواز أخذ الأجرة على حفر الآبار وبناء المساجد والمناهل والقناطر والخانكات(1) وحفر القبور. والتفرقة بينها وبين الأذان ظاهرة فإن هذه الأشياء قد تكون واقعة لغير القربة كمن يبنى بناء لنفسه، وحفر القبر يجوز أن يجعل لغيره فلهذا لم يمنع أخذ الأجرة عليها فصارت القربة غير متعلقة بها وإنما تتعلق القربة بجعله مسجداً أو منهلاً.
__________
(1) ليست واضحة في الأصل لعدم عجمها، ولعلها أقرب إلى ان تكون (الخانكات)، وهي ربما باللغة التركية ما يعني مباني النزل للمسافرين كما كانت تسمى في اليمن بـ (السماسر) جمع (سمسرة) وتسمى أيضاً بـ(الخان) مفردة، ولم نجد لكلمة الخانكات أصلاً في معاجم اللغة، نظراً لكونها غير عربية، ولم تدخل ضمن المفردات المعربة. والله أعلم.

الصورة الثالثة: الجهاد، ولا خلاف في أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه من أعظم قواعد الدين كالصلاة والصيام والحج وهو من مهمات الإسلام لما فيه من إشادة معالمه وتقوية أمره، والإمام إنما يعطي المجاهدين والمرتزقة من أموال اللّه فليس يعطيهم على الجهاد وإنما يعطيهم ما يتقوون به من السلاح والكراع(1) والآلات التي لا تصلح أمورهم إلا بها على قدر كفاياتهم وعلى ما يراه من المصلحة في التوسعة.
الصورة الرابعة: الختان، وهو وإن كان واجباً ولكن وجوبه على المختون في ماله لأن الوجوب متعين عليه، فإن أمر به غيره جاز دفع الأجرة منه، وإن كان المختون فقيراً لا يقدر على دفع الأجرة من نفسه، توجه على الإمام ذلك لأنه من جملة ما يقوم به الإمام ويكون مفوضاً إليه لقوله : ((من ترك مالاً فلأهله ومن ترك كلاً أو عيالاً فإليَّ \s " \c 2))(2). والإمام قائم مقامه.
الصورة الخامسة: تردد الإمامان المؤيد بالله وأبو طالب في غسل الميت هل يكون لاحقاً بالأذان أو بحفر القبور فقال المؤيد بالله: لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه مؤدٍ للواجب عن نفسه فيكون كالأذان والجهاد. وقال أبو طالب: هو غير متعين عليه فلهذا كان لاحقاً بحفر الآبار وبناء المساجد. وكلا المذهبين جيد لا غبار عليه خلا أن ما قاله المؤيد بالله أقرب؛ لأنه يفتقر إلى النية كافتقار العبادات إلى النية وإن لم ينوِ أجزأ لأن المقصود هو التطهير.
__________
(1) والكراع من الدواب وهو من ذوات الحوافر ما دون الرسغ وقد يستعمل للإبل. ا ه‍لسان 8/306.
(2) سيأتي في موضعه، وهو عن أبي هريرة بلفظ: إن رسول الله كان يقول: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً أو كلاً أو ضياعاً فإلي وعلي، ومن ترك مالاً فلورثته)) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وفي معناه أحاديث أخر. ا ه‍جواهر 1/186.

الفرع الثالث: فإن لم يوجد من يقوم بالأذان إلا بشرط الأجرة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط، وهذا هو الذي رآه الإمامان القاسم والهادي، ومحكي عن الناصر وأبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روى عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: يا رسول اللّه اجعلني إمام قومي قال: ((أنت إمام قومك فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً \s " \c 2))(1).
الحجة الثانية: ما روي عنه أنه قال لرجل: ((إنْهَ مؤذنك لا يأخذ على أذانه أجرة \s " \c 2))(2). فهذان الخبران دالان على ما نريده من المنع عن أخذ الأجرة على الأذان.
الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها هو أن الأذان قربة محضة واجبة لا يصح دخول النيابة فيها فلا يجوز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصيام.
فقوله: قربة، يحترز به عمن لا قربة في أذانه كالصبي والمجنون والحربي والذمي فإن هؤلاء لا يصح أذانهم لعدم القربة.
وقوله: محضة، يحترز عن حفر القبور وبناء المساجد فإنها ليست قربة محضة ولهذا يصح أخذ الأجرة عليها.
المذهب الثاني: جواز أخذ الأجرة على الأذان وهذا هو رأي الشافعي.
__________
(1) في فتح الغفار بلفظ: عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، رواه الخمسة وصححه الحاكم وحسنه الترمذي، وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي قال لعثمان بن أبي العاص: ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) ثم عقب الرباعي على الحديث بقوله: وأما ما أخرجه ابن حبان عن أبي محذورة أنه قال: ألقى علي رسول الله الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها شيء من فضة، فذلك من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، وأيضاً حديث عثمان متأخر عن قصة أبي محذورة. اه‍1/129. وقد ورد الحديث في مصادر عدة.
(2) أورده في (الشفاء) ولم نعثر على مصادر لتخريجه، وربما كان حديث عثمان بن أبي العاص السالف بزيادة فيه و بلفظ آخر.

147 / 279
ع
En
A+
A-