---
القسم الثاني
في بيان حكم أرباب الأعذار
وهم: الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والحائض والنفساء إذا طهرتا، وإنما سموا بهذا الإسم لأنهم معذورون عن الفرض مضطرون إلى تركه. وفي معناهم: الكافر إذا أسلم، وإنما جعلناه من المعذورين لأنه إذا أسلم سقطت عنه المؤاخذة بما تركه في حال كفره. وإذا زالت أعذارهم أو عذر واحد منهم أو حصل العذر وفي الوقت بقية تعلقت بهم أحكام بالزوال والحصول على حسب ما تقتضيه الحال، وسنوضحه في هذه الفروع بمعونة اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في ابتداء العذر في الحائض إذا أتاها الحيض أو نفست المرأة أو جُنَّ الرجل أو أغمي عليه في آخر الوقت نظرت، فإن [كان] ذلك قبل فراغهم من الصلاة فإذا كان قد بقي من الوقت في النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات لم يجب عليهم قضاء الصلاة لأنهم معذورون في الترك بالإدراك كما لو كان بعد الزوال، وإن كان قد بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة وجب عليهم قضاء الظهر دون العصر لأن الظهر فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، والعصر مدرك بالركعة، فلهذا لم يجب قضاؤه. وإن كانت هذه الأعذار حاصلة في آخر الليل قبل الصلاة للمغرب والعشاء الآخرة نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب عليهم قضاء المغرب دون العشاء لما ذكرناه من أن وقت المغرب فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، فإن كان قد بقي للطهارة وأربع ركعات لم يجب قضاء واحدة من الصلاتين لأنه قد أدرك المغرب بكمالها وركعة من العشاء الآخرة فلهذا لم يتوجه القضاء لإدراكهما، وإن كان ما بقي لا يتسع للطهارة وركعة وجب قضاء الصلاتين جميعاً لأنهما فائتتان بالتقصير، وإن كان العذر حاصلاً قبل طلوع الشمس بما يتسع لركعة واحدة مع الطهارة لم يجب قضاء الصلاة لأجل الإدراك، وإن كان دون ذلك وجب القضاء لفوات الوقت بالتقصير.

والأصل في هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من الفجر فقد أدركها))(1).
فظاهر الخبر دال على [أن] الإدراك بالركعة يكون إدراكاً للصلاة كلها فلما كان الأمر كما قلناه دل على أن هؤلاء إذا أدركوا من الصلاة ركعة لم يلزمهم القضاء كما فصلناه.
الفرع الثاني: في حكم زوال العذر عن هؤلاء في آخر الوقت كالحائض والنفساء إذا طهرت أو المجنون والصبي المغمى عليه إذا أفاقوا والكافر يسلم، فالعذر زائل عنهم كما فرضناه.. نظرت فإن زال وقد بقي من النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات فالصلاتان واجبتان عليهم لأن الظهر مدرك على الكمال والعصر مدرك بركعة واحدة، فلهذا وجبا بالأداء، وإن لم تحصل الصلاة حتى خرج الوقت وجب قضاء الصلاتين معاً لأجل التقصير بفوات الوقت. وإن بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة لم يجب قضاء الظهر لأن العذر حاصل بتركه ووجب العصر لإدراك وقته، فإن لم يصل وفاتت وجب قضاؤها لأجل التقصير في الأداء، وإن بقي من الوقت ما لا يتسع للطهارة وركعة لم يجب قضاء الصلاتين جميعاً لأجل العذر فلا تقصير هناك. وإن زال العذر في آخر الليل نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت ما يتسع لأربع ركعات مع الطهارة وجب المغرب والعشاء بالأداء لإدراك وقتهما فإن خرج الوقت من غير صلاة وجب قضاؤهما جميعاً لأجل التقصير وإن بقي من الوقت ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب تأدية العشاء لإدراك وقته ولم يلزم المغرب لأجل العذر. فإن خرج الوقت بطلوع الفجر وجب قضاء العشاء. وإن طلع الفجر وبقي من الوقت ما يتسع لركعة واحدة من الفجر وجب عليه الصلاة بالأداء لإدراك وقتها وإن لم يصلها حتى خرج الوقت فعليه فعلها بالقضاء، وإن أدرك دون الركعة لم يكن مدركاً وقد مضى تقريره.
__________
(1) تقدم.

الفرع الثالث: واعلم أن المنهيات في نظر الشرع آكد من المأمورات، ولهذا فإن من شرب المسكر و[فعل] غيره من المنكرات يقتل إذا لم يتركها، بخلاف تارك الصلاة وغيرها من المأمورات فإنه لا يقتل على فعلها(1)
كما مر بيانه، وفي هذا دلالة على أن ملابسة المنكرات أدخل في فساد الدين من ترك المأمورات. فإذا ثبت هذا فنقول: من دخل عليه وقت الصلاة ورأى منكراً فإنه تجب عليه إزالته إذا كان قادراً على إزالته وحصلت في حقه شروطه ثم إما أن يكون في الوقت سعة. أو لا يكون فيه سعة فإن كان في الوقت سعة اشتغل بإزالة المنكر؛ لأن فعله يتضيق فلا يجوز التراخي في فعله، وإن كان في آخر الوقت نظرت في المنكر فإن كان مما لا يمكن تأخيره كالقتل والغرق والحَرَق فإنه يشتغل بإزالة المنكر لأنه لا يمكن تداركه ثم يرجع لتأدية الصلاة، وإن كان مما يمكن تأخيره فإنه يشتغل بالصلاة لأنها مؤقتة فيلاحظ اداءها في وقت الفضيلة ثم يأخذ في إزالة المنكر، فيكون جامعاً بين تأدية الواجبين فعل الصلاة وإزالة المنكر. فإن صلى في أول الوقت وكان هناك منكر يتضيق وقته ومضى في صلاته والحال هذه، فالقوي بطلان صلاته لأنه يكون عاصياً بالدخول فيها لأنه ترك بفعلها منكراً يتضيق وقته. وإن كان في آخر الوقت نظرت، فإن كان المنكر لا يمكن تأخيره اشتغل بإزالته وقضى الصلاة بعد فوات وقتها لأن المنكر حق لآدمي والصلاة حق للّه تعالى فإذا تعارضا وضاق الوقت عن تأديتهما فتقديم حق الآدمي أولى، كالدين والوصية.
__________
(1) يقصد على فعل تركها كما يبدو، وفي المسألة خلاف واسع.

الفرع الرابع: والعذر إذا عم جميع الوقت سقط القضاء بالحيض والنفاس والجنون والكفر والصبا،والسكران لا يخاطب بالصلاة في حال سكره لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}[النساء:43] وهكذا حال من زال عقله بسبب محرم نحو شرب البنج، ومن تردَّا فزال عقله فهؤلاء لا يخاطبون بالصلاة لأنها زائلة عقولهم كالسكران، وهل يجب عليهم قضاء الصلاة الفائتة بالسكر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب عليهم لأنه زائل العقل فأشبه المجنون والمغمى عليه وهذا هو رأي الناصريه.
وثانيهما: أنه يتوجه عليهم القضاء، وهذا هو رأي القاسمية، وهذا إنما يتوجه في حق من زال عقله بالسكر وشرب البنج والأفيون حتى لا يدري ما يقول، فأما من لم يزل عقله بشرب الخمر ولكن بدا منه أوائل النشاط والطرب، فطلاقه وعقوده صحيحه وجميع تصرفاته حاصلة [على] نعت الصحة لبقاء العقل وصحته.
والمختار: أنه إذا زال عقله بالسكر فلا يصح طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا ردته؛ لأن ملاك الأمور العقل وقد زال فلا تكليف عليه بشيء من التكاليف الشرعية والعقليه ولو أخطأ وأثم بشرب المسكر فلا يكلف بما لا يعقله ولا يفهمه كمن كسر رجله فإنه لا يكلف بالصلاة قائماً. وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في طلاق السكران ونذكر الخلاف والإختيار والانتصار له، وقد تم غرضنا من الباب الأول وهو باب مواقيت الصلاة وما يتعلق بها وبالله التوفيق.

---
الباب الثاني
في الأذان و الإقامة
والأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة يقال: أذن يؤذن تأذيناً. وهو قياسه في الصحيح، كما يقال: كرمه تكريماً، وجرحه تجريحاً، وهو التفعيل وقياسه من المعتل بفعله يقال: عزَّى تعزية وروَّى تروية. والأذان الإسم من التأذين فعلى هذا يقال: أذن بالصلاة تأذيناً وأذاناً أي أعلم الناس، قال اللّه تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }[التوبة: 3]. أي إعلام. وإنما قيل: أذّن بالتشديد مبالغة في تكثير الفعل كما يقال: علّم وخبّر إذا أكثر منهما، وإنما سمي الإعلام بالصلاة أذاناً اشتقاقاً من الآذن لأن بهذه الآلة يسمع الأذان هكذا حكي عن الزجاج. والأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }[الجمعة:9]. وقوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً }[المائدة: 58].
وأما السنة: فما روى ابن عمر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه أنه قال: ((من أذّن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب اللّه له بكل أذان ستين حسنة وبكل إقامة ثلاثين حسنة))(1).
وعن ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((من أذن سبع سنين محتسباً كتب له برآة من النار ))(2).
__________
(1) لفظه في جواهر الأخبار: عن ابن عمر أن النبي
قال: ((من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة))، رواه ابن ماجة والدراقطني والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري 1/179.
(2) أخرجه الترمذي بلفظ: ((... كتب الله له...إلخ)).

فهذه الأخبار كلها دالة على فضله(1).
وأما الإجماع: فقد انعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا على كونه مشروعاً للصلاة.
فهذا تمهيد الباب فلنذكر بدأ الأذان وحكمه ومحله ثم نردفه بصفة الأذان وصفة المؤذنين فهذه فصول خمسة تنحصر فيها مسائل الباب.
__________
(1) هذان الخبران كما قال المؤلف، يدلان على فضيلة الأذان، إلا أن الباب هنا باب استدلال تبعاً لقوله في أول الباب: والأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع، ولعله اكتفى بكونه واجباً غير خفي ولا موضع خلاف فلا يحتاج إلى استدلال، وأن حكمه سيأتي بعد التمهيد. اه‍.

---
الفصل الأول
في بيان ابتداء الأذان
وللعلماء في إثبات ابتدائه طريقان:
الطريق الأول: يعتمدها أئمة العترة وأكابر أهل البيت " ولهم في إثباتها تقريران:
التقرير الأول: تسلكه القاسمية، وهو أن ابتداء الأذان إنما كان في ليلة المعراج. وهو أن الرسول لما جاءه جبريل بالبراق وهو دابة ما بين الحمار والبغل فركبه الرسول ثم انتهى إلى السموات ومر على الأنبياء وسلم عليهم وسلموا عليه واستبشروا به واستروّا ببعثته، آدم وإبراهيم وإدريس وعيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء، ثم انتهى إلى البيت المعمور وصلى بالملائكة والنبيين وأكمل اللّه له الشرف، وجبريل بجنبه لا يفارقه ثم انتهى إلى سرادقات الحجب والأنوار فخرج ملك من تلك الحجب وهو ينادي بصوته: اللّه اكبر اللّه اكبر. فأجابه مجيب من خلف تلك الأنوار: صدق عبدي أنا الكبير وأنا الأكبر، فقال الملَك: أشهد أن لا إله إلا اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي لا إله إلا أنا. فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي هو رسولي وأنا أرسلته. ..إلى آخر الأذان، ثم قال بعد ذلك: اللّه اكبر لاإله إلا الله(1)
__________
(1) ورد الخبر بألفاظ مختلفة ومن طرق عدة، واختلاف في ابتداء الأذان وأين تم وكيف شُرع، والذي أورده المؤلف تسنده روايات بأن ابتداءه كان ليلة الإسراء والمعراج كما جاء في أمالي أحمد بن عيسى وفي الأحكام للهادي وفي صحيفة علي بن موسى الرضى، وفي مجمع الزوائد عن علي %: لما أراد الله أن يعلم رسول الله الأذان أتاه جبريل % بدابة... وساق الحديث بطوله حتى قال: فقال الملَك: الله أكبر الله أكبر... إلخ، وقال (يعني في مجمع الزوائد): رواه البزار وفيه عن عمر: أن النبي لما أسري به إلى السماء (هكذا) أوحي إليه بالأذان فنزل به فعلمه جبريل (لعل الصواب فعلمه جبريل فنزل به) قال: رواه الطبراني في الأوسط، وكذا ما رواه الأمير الحسين في الشفاء بسنده عن علي إلى آخره.
…قال الإمام القاسم بن محمد: قال الهادي: والأذان من أصول الدين، وأصول الدين لا يتعلمها رسول الله على لسان بشر من العالمين، ا ه‍، اعتصام، باب الأذان ج1/ ص 276، وهذه الروايات تسند ما أورده المؤلف وتنكر ما روي أن الأذان شُرع برؤيا في المنام رآها عبد الله بن زيدٍ بن عبد ربه قال: لما أجمع رسول الله أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، حتى انتهى في سياق الرواية إلى قوله: فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت، فقال رسول الله : ((هذه الرؤيا حق إن شاء الله)) ثم أمر بالتأذين... إلى آخره في حديث طويل، أورده في فتح الغفار، وقال: رواه أحمد وأبو داؤد من حديثه. ا ه‍ج1/ ص 123.

.
التقرير الثاني: تعتمده الناصرية، وهو أن ابتداء الأذان ما كان إلا من جهة جبريل نزل به على الرسول وعلمه إياه كما علمه مواقيت الصلاة وغيرها من أصول الشريعة لأن الأذان من جملة الأصول والمصالح الغيبية التي استأثر اللّه بعلمها فلا يكون إلا بالتوقيف من جهة جبريل صلوات اللّه عليه.
فهذان التقريران هما المعتمدان في ابتداء الأذان عند أهل البيت " وكل واحد منهما مرشد إلى تقريره وإثباته ولا يفترقان إلا أن الأول كان في ليلة المعراج والثاني كان تعليماً من جبريل كسائر الشرائع التي نزل بها وأوضحها للرسول .

الطريق الثاني: يعتمده الفقهاء الفرق الثلاث الشافعيه والحنفيه والمالكيه وهو: ما رواه أبو عمير \s " \c 3(1) عن عمومته من الأنصار قال: اهتم رسول اللّه في أمر الصلاة كيف يجمع الناس لها واستشار المسلمين في ذلك فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له البوق فقال: ((هو مزمار اليهود)) فذكروا له الناقوس فقال: ((هو مزمار النصارى)) فذكروا له النار فقال: ((ذلك من شأن المجوس \s " \c 2)). فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتم لاهتمام رسول اللّه ، فأُري الأذان في منامه فغدا إلى الرسول فأخبره بذلك فقال: يا رسول اللّه إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ثم أخبر به الرسول فقال له: ((ما منعك أن تخبرنا به \s " \c 2)). فقال: سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت فقال الرسول : ((قم يا بلال فانظر ماذا يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله))(2)
__________
(1) أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، أكبر ولد أنس، قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد الله، روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي في رؤية الهلال وفي الأذان، وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به، اه‍. المصدر السابق 12/206.
(2) تقدم في الحديث السالف من رواية عبد الله بن زيد، وفي آخره: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله : ((فلله الحمد)) وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبخاري، المصدر السالف.
فائدة: ومن ا لمفيد في هذا الباب تلخيص بعض التعليقات والفوائد الواردة حوله، ومنها: ما أورده في الجواهر بعد قول عمر: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى...إلخ، قال ابن بهران: وقد أخرج الستة إلا الموطأ حديثاً في الأذان ليس فيه ذكر المنام المذكور إلى آخر ما أورده من روايات متقاربة عن أنس وعن ابن عمر وغيرهما، قال: (فائدة) قد استشكل كثير من أصحابنا وغيرهم حديث رؤيا الأذان والعمل به، قالوا: لأن الأذان شرع، والشرع لا يبنى على الرؤيا، ثم أورد ابن بهران ما جاء في (الشفاء) من كلام الهادي السابق ذكره حتى انتهى إلى قوله (ابن بهران). قلت: وقد أشار النووي في شرح مسلم إلى الجواب عن ذلك حيث قال: ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه النبي بعد ذلك إما بوحي وإما بإجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس هو عملاً بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه بلا اختلاف، واسترسل مؤلف الجواهر إلى ذكر (فائدة أخرى) جاء فيها ما لفظه: قال الترمذي: لا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه عن النبي شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم...يعني: راوي حديث الوضوء كما تقدم، فله أحاديث كثيرة في الصحيحين، وهو عم عبادة بن تميم، ا ه‍.
ونقل عن التلخيص قول الترمذي: لانعرف لعبد الله بن زيد شيئاً يصح إلا حديث الأذان، وكذا قال البخاري قال: وفيه نظر فإن له عند النسائي وغيره حديثاً غير هذا في الصدقة، وعند احمد آخر في قسمة النبي شعره وأظفاره وإعطائه لمن لم يحصل له أضحية. ا ه‍، بتصرف ج1 ص 181.

قال: فأذن بلال. قال أبو عمير عن عمومته من الأنصار، وإنما لم يأمر عبدالله بن زيد بالأذان لأنه كان يومئذ مريضاً. فهذه طريقة الفقهاء في ابتداء الأذان.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن طريق ابتداء الأذان وحي من اللّه تعالى على رسوله إما بما كان من طريق خبر المعراج كما نقلناه لأن ابتداء فرض الصلاة كان في ليلة المعراج أيضاً وأنها فرضت خمسين صلاة وما زال موسى صلى الله عليه يردد الرسول في الرجوع إلى ربه وأن أمته لا تطيق عليها حتى بلغت خمساً، وإما من طريق الإبتداء من جبريل على طريق الوحي كما في سائر الأصول الشرعية المتلقاة من جهة جبريل، فهذا هو الأصح في طريق ابتداء الأذان.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روينا عن عبدالله بن زيد أنه أري ذلك في المنام فحكاه للرسول لما اهتم بأمر الإجتماع للصلاة فأقره الرسول على هذه الرؤيا وأمر بلالاً فأذن به، والشرع متلقى من جهة الرسول إما بقوله وإما بفعله وإما بتقريره، كما كان منه هاهنا، وإما بإشارته وقد قرر ما رآه عبدالله بن زيد فدل ذلك على كونه شرعاً.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: إنا لا ننكر ما ذكرتموه إذا حمل على وجه مستقيم وإنما أنكرنا أن يكون أصل من أصول الشريعة والإشعارات المفعولة من أجل الصلاة مبنياً على المنامات التي أكثرها أضغاث أحلام وإن مثل هذا لا يعهد له نظير فلهذا كان مستبعداً لما ذكرناه.
الجواب الثاني: أن ما عولتم عليه محمول على أن جبريل صلوات اللّه عليه قد كان نزل به على الرسول وأخبره به وقص عليه صفته ولكن اتفق أن رآه عبدالله بن زيد فكانت الرؤيا مطابقة لما نزل به جبريل من غير حاجة إلى تقريره على المنام على انفراده.

146 / 279
ع
En
A+
A-