قالوا: إذا كان مسلقياً على قفاه كان متوجهاً بجميع بدنه إلى القبلة فيكون أولى.
قلنا: لا نسلم ما ذكرتموه بل إذا كان على جنبه فهو مستقبل القبلة بجميع بدنه، وإذا كان على قفاه كان رأسه مستدبراً للقبلة ورجلاه نحو القبلة لا غير والإستقبال للقبلة بالوجه أفضل من استدبارها بالرأس، والإستقبال بالوجه للقبلة أفضل من استقبالها بالرجلين، فلهذا كان الأفضل هو الإضطجاع على جنب.
الفرع السادس: وإذا صلى على جنبه كما أشرنا إليه فإنه يومي برأسه للركوع والسجود ويكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روينا من حديث ابن عمر، فإن لم يستطع المريض السجود أومأ إيماءاً فإن عجز عن الإيماء برأسه فهل يسقط عنه فرض الصلاة أو يتوجه عليه تكليف آخر؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه فرض الصلاة. وهذا هو الذي حصله السيدان أبو طالب وأبو العباس لمذهب الهادي وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة إنما هي أعمال هذه الجوارح اليدان والرجلان والرأس، وكل واحد من هذه الأعضاء له عمل في الصلاة فإذا عجز المريض عن هذه الأمور الثلاثة سقط عنه فرضها لأن ما عداها لا يقال له صلاة.
المذهب الثاني: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس توجه عليه الإيماء بعينيه وحاجبيه ولا يسقط عنه فرض الصلاة، وهذا هو الذي حصله الشيخ علي بن الخليل من مذهب المؤيد بالله، وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن علي عن الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب " مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى على قفاه وأومأ بطرفه))(1).
__________
(1) تقدم في حديث الأنصاري الذي شبكته الريح، أورده زيد بن علي في مجموعه عن علي، وفي هذه الرواية زيادة بعد كلمة مستلقياً ((...على قفاه إلى القبلة وأومأ بطرفه)) أورده ابن بهران في الجواهر نقلاً عن المهذب من رواية علي أيضاً، ا ه‍ج1/176.

فهذا فيه دلالة على أنه لا يسقط عنه فرض الصلاة مهما قدر على الإيماء بطرفه.
المذهب الثالث: أنه إذا عجز عن الإيماء بالعينين والحاجبين سقط عنه فرض الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك، وحكي عن زفر والغزالي: أنه يتوجه الإيماء بالقلب إذا عجز عن الإيماء بطرفه.
والحجة على هذا قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) وهذا يستطيع ما ذكرناه فوجب الإتيان به.
والمختار: ما حُصِّل على رأي الهادي واختاره السيدان أبو طالب وأبو العباس لمذهبه.
والحجة له: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن الآية اقتصر فيها على القيام والقعود والجنب ولم يزد على ذلك، وفي هذا دلالة على أن التكليف بالصلاة مقصور على ما ذكرناه من غير زيادة. وهكذا حال الخبر فإنه دال على ما ذكرناه من الإقتصار على هذه الأمور الثلاثة فلو كان شيئاً واجباً تكون صلاة لذكرها لأنه في موضع التعليم فلا يجوز تأخيره عن البيان في وقت الحاجة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين [ما] رواه عن الرسول أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بطرفه، وفي هذا دلالة على أن الإيماء ليس مقصوراً على الرأس.
قلنا: إنما كان ذلك على جهة الاستحباب حتى لا يخلو المريض من ذكر اللّه فأما أنه يعد صلاة فلا يعد صلاة، فأما ما روي عن زفر أنه يتوجه على المريض الإيماء بالقلب.
قلنا: الإجماع منعقد على بطلان هذه المقالة من جهة الصدر الأول وإن ما هذا حاله لا يعد من الصلاة.
قوله: روي عن الرسول : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )).
قلنا: إنما يعني ما كان من المأمورات الداخلة تحت القدرة والإمكان، وما هذا حاله فلا يعد صلاة، وأيضاً فإن المقصود هو إيقاظ المريض عن الغفلة عن ذكر اللّه وأنه مأمور بذلك فأما أنه مكلف بالصلاة إذا انتهى إلى هذه الحالة فلا قائل به، فيجب أن يكون باطلاً.

الفرع السابع: وإن افتتح الصلاة قائماً ثم عجز عن القيام فله أن يجلس ويبني على صلاته، وهذا قول أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف بينهم، ولو قرأ الفاتحة في حال الإنحطاط إلى آخر الجلوس أجزأه لأن الإنحطاط أعلى من حال الجلوس، فإذا كانت القراءة مجزية له في حال الجلوس فلأن تجزيه في حال الإنحطاط أحق وأولى، وهكذا لو افتتح الصلاة جالساً ثم عجز عن الجلوس واضطجع في صلاته بنى عليها كما قلناه في التي قبلها، وإن افتتح الصلاة جالساً عند العجز عن القيام ثم قدر على القيام في أثناء الصلاة وجب عليه القيام. وهل يبني على صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستأنف الصلاة ولا يبني وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن محمد بن الحسن.
و الحجة على ذلك هو: أنه قد عاد بعد زوال العذر إلى الحال التي لو كان عليها في الإبتداء لم يجز الدخول فيها وهو عليها(1) فلهذا لزمه الإستئناف كالمستحاضة إذا زال عذرها بانقطاع الدم في الصلاة وكالمتيمم إذا وجد الماء في خلالها.
المذهب الثاني: أنه يجوز له البناء ولا يلزمه الإستئناف وهذا هو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف.
والححة على ذلك هو: أن زوال العذر لا يورث عملاً طويلاً فلا تبطل الصلاة لأجله كالأَمَةِ إذا صلت بغير الخمار ثم اعتقت فإنه لا يلزمها استئناف الصلاة لأنه لا يورث عملاً طويلاً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
والحجة لهم: ما نقلناه ونزيد هاهنا، وهو أن صلاة القاعد بدل عن صلاة القائم لأجل العذر فإذا وجد المبدل منه بدل البدل وجب عليه الإستئناف كالمتيمم إذا رأى الماء.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: زوال العذر لا يورث عملاً طويلاً فلا يلزم الإستئناف كالأَمَةِ إذا أعتقت.
__________
(1) أي: حالة الجلوس.

قلنا: المقصود: هو بطلان الصلاة ووجوب استئنافها مع وجود المبدل سواء كان بعمل قليل أو كثير ولا تلزم عليه الأَمَة إذا أعتقت لأن صلاتها ليست بدلاً وإنما وجب عليها الستر من عند العتق بأمر جديد لا من أول الصلاة ولهذا فإنه يجوز لها الصلاة من غير خمار من أول الصلاة فجاز لها البناء بخلاف القاعد فإنه إنما وجب عليه القعود بدلاً عن القيام فإذا وجد القيام استأنف الصلاة فافترقا.
قاعدة:اعلم أن المصلي إذا تغير حاله في الصلاة نظرت فإن تغير حاله من الأعلى إلى الأدنى جاز له البناء على ما فعله في حال العذر كالقائم يقعد والقادر إذا عجز عن القيام واللابس إذا عدم ستر العورة، فمن هذه حاله يبني على صلاته ولا يستأنفها لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }[محمد:33] ولأنه إذا بنى عليها فقد أدى بعضها على التمام وبعضها على النقصان، وإذا استأنفها أداها كلها على النقصان فلهذا كان البناء أحق وأولى.
وإن انتقلت حاله من الأدنى إلى الأعلى استأنف الصلاة لأنه قد قدر على البدل فلا يجوز البقاء عليه مع وجود مبدله وتمكنه منه، كالمستحاضة إذا زال عذرها والمتيمم إ ذا وجد الماء في الصلاة. ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا الأمة إذا صلت من غير خمار ثم أعتقت فإنه لا يلزمها الإستئناف لأن الخطاب بالستر إنما توجه عليها في الحال ولهذا فإنه يجوز لها الصلاة من غير خمار مع القدرة عليه.
الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: يفسق المريض إذا ترك الصلاة وهو يقدر عليها بالإيماء والطهارة لا خلاف فيه.

واعلم أن الإكفار والتفسيق لا يكون إلا بالأدلة الشرعية؛ لأن العقل لا مجال له فيهما، وإنما مستندهما هو القطع بأدلة الشرع، إما بآيات منصوصة لا يتطرق إليها التأويل، وإما بسنة منصوصة متواترة، وإما بإجماع قاطع منقول بالتواتر، وما عدا هذه من الأمور الظنية فلا مدخل له في الإكفار والتفسيق والإجماع منعقد على ما قلناه. فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلام الإمام محمول على أن تارك الصلاة لا يفسق إلا بصلاة يوم وليلة إذا تركها وهو قادر على الإيماء والطهارة؛ لأن مستندنا في التفسيق بما ذكرناه إنما هو الإجماع ولم ينعقد الإجماع إلا على ما قلناه. لأن من الفقهاء من قال: يفسق بصلاة واحدة ومنهم من قال: يفسق بصلاتين ومنهم من قال: بثلاث، والإجماع إنما انعقد بصلاة يوم وليلة وهو مستند التفسيق بالترك. فأما ما حكي عن الهادي من تفسيق تارك الصلاة إذا لم يجد ماء ولا تراباً ففيه نظر، لأنا قد قررنا أن التفسيق والإكفار إنما يكون بالأدلة القاطعة الشرعية، وأن التفسيق بمسائل الخلاف ومسالك الظنون فلا وجه له، اللهم إلا أن يحمل على أنه يجوز أن يكون فاسقاً عند اللّه دون ظاهر الشرع، وهذا وإن كان محتملاً لكن لا وجه للتكليف بما كان عندالله.
الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: وإذا كان بالإنسان سيلان جرح كلما قام أو سجد سال منه الدم، ولو كان قاعداً لم يسل وبقيت له الطهارة، فالأصح عندي أن يترك القيام لضبط الطهارة وهذا جيد مطابق للأصول والقواعد، ويقوى لأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الطهارة لازمة في جميع الصلاة والقيام بعض أركان الصلاة فلهذا كانت الطهارة أحق بالمراعاة.
وأما ثانياً: فلأن الطهارة لا بدل لها، والقيام له بدل وهو الإيماء فلهذا كانت أحق بالمواظبة.

وأما ثالثاً: فلأن مراعاة جانب الطهارة أحق في نظر الشرع ولهذا فإن المتنفل يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه بخلاف الطهارة فلا يجوز له تركها، وقال أيضاً: والمجروح إذا كان يغشى عليه متى أخذ في التوضي للصلاة في حال وضوءه أو صلاته بحيث لا يستمر له من الصحة وكمال العقل في وقت الصلاة قدر ما يتمكن من أدائها إلا ويغمى عليه، فالأقرب أنه لا صلاة عليه. وهذا صحيح أيضاً من وجهين:
أما أولاً: فلأن العقل ملاك التكليف فلا يعقل تكليف إلا مع كماله وبقائه.
وأما ثانياً: فلأن الإغماء يبطل الطهارة وينقضها. فهذان أصلان في سقوط الصلاة، فإذا كان المريض يغمى عليه ولا يتمكن من تأدية الوضوء والصلاة مع ملازمة الإغماء فمن هذه حاله فلا يتوجه وجوبها عليه لما ذكرناه. وقال أيضاً: والمجروح إذا اضطربت عليه الفتيلة في جرحه ولا تأخذ قرارها إذا ركع أو سجد جاز له تركهما أعني الركوع والسجود، و[كفاه]الإيماء لهما. وهذا صحيح أيضاً لما ذكرناه عنه في مسألة من به سيلان الجرح. ويجوز له الإفطار إذا كان جرحه لا يلتئم إلا مع الإفطار من جهة أن المرض يبيح الإفطار كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " }[البقرة: 184] فهذه المسائل كلها صحيحة لجريها على قواعد الأدلة الشرعية.
الفرع العاشر: قال الإمام زيد بن علي: يصلي الأخرس راكعاً وساجداً ويجزيه ما في قلبه. والأمي يسبح اللّه ويذكره.

اعلم أن الأخرس الذي لا يسمع ومختوم على لسانه فلا ينطق، والأصم الذي لا يسمع وهو ينطق بلسانه، والأبكم الذي يسمع ولا ينطق بلسانه، والأمي هو الذي لا يحسن القراءة وهو ينطق ويسمع، والواجب عليه أن يتعلم من القرآن ما لا بد له منه في الصلاة فإن لم يمكنه وتعذر ذلك عليه فإنه يسبح اللّه تعالى ويهلله ويكون ذلك بدلاً عن القرآن لما روى عبدالله بن أبي أوفا قال: جاء رجل إلى الرسول فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزيني؟ قال: ((قل سبحان اللّه والحمد لله " ولا إله إلا اللّه والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) قال: يا رسول اللّه هذا لله فما لي؟ قال: ((قل اللهم ارحمني وعافني وارزقني " )) (1)
ويجب تعليمه من القرآن ما تصح به الصلاة على سبيل الكفاية لما روى رفاعة بن رافع " (2)
__________
(1) قال في (الجواهر) ما يفيد بأن الحديث ينتهي بآخره عند: ((.. ولا حول ولا قوة إلا بالله)) أخرجه أبو داؤد والنسائي. قال: وزاد أبو داؤد، قال: يا رسول الله هذا لله فمالي؟ قال: ((قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني)) فقال هكذا بيديه وقبضهما، فقال رسول الله : ((أما هذا فقد ملأ يديه بالخير)) ا ه‍1/178.
(2) رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الزرقي، صحابي شهد بدراً، وروى عن النبي وعن أبي بكر الصديق وعبادة بن الصامت، وعنه: ابنه عبيد ومعاذ وغيرهما، مات في أول دولة معاوية.
قال العسقلاني: وأبوه أول من أسلم من الأنصار، وشهد هو وابنه العقبة، وقال ابن عبد البر: وشهد رفاعة مع علي الجمل وصفين، وقال ابن قانع: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. (تهذيب التهذيب) 3/243.

أن الرسول كان جالساً في المسجد ورجل يصلي فقال: ((إذا قمت في الصلاة فكبر " واقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن معك قرآن فاحمد اللّه وهلل ثم اركع))(1).
فجعل الرسول التهليل بدلاً عن القرآن.
وأما الأبكم الذي يسمع ولا يمكنه النطق فالواجب عليه الركوع والسجود ولا يتوجه عليه شيء من أذكار الصلاة، وإذا سقط الذكر لتعذره واستحالته منه فلا تسقط أفعال الصلاة لأنها ممكنة في حقه، لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) وهذا مستطيع للأفعال فلا تسقط عنه ولأن الميسور وهو الفعل لا يسقط بالمعسور وهو الذكر.
__________
(1) هذا جزء من حديث طويل عن رفاعة بن رافع أن النبي بينما هو في المسجد، قال رفاعة: ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى وأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي فقال النبي: ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال : ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يأتي النبي فيسلم على النبي فيقول النبي: ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال : ((أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم اعتدل قائماً ثم اسجد فاعتدل ساجداً ثم اجلس فاطمئن جالساً ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً فقد انتقصت من صلاتك)) قال: وكان أهون عليهم من الأول، من انتقض من ذلك شيئاً انتقص من صلاته ولم تذهب كلها، هذه رواية الترمذي. ولأبي داؤد والنسائي روايات أخر، ا ه‍جواهر1/178،وزاد في فتح الغفار: وحسنه.

وأما الأخرس والأصم وهما اللذان لا يتأتى منهما سماع الكلام فظاهر كلام الإمام إيجاب الركوع والسجود عليهما، وقال في الأخرس: يجزيه ما في قلبه وهما سواء في تعذر السماع منهما. وهذا فيه نظر لأن مستند الوجوب في الشرائع كلها وجميع التكاليف الشرعية إنما هو قول الشارع صلوات اللّه عليه ولا بد من العلم بأنه كان في الدنيا وأنه ادعى النبوة ودعا الخلق إلى طاعته وجاء بالقرآن وأمر ونهى وبلَّغ هذه التكاليف كلها بأمره ونهيه وهذا كله مستنده السماع، والأصم والأخرس يستحيل منهما ذلك، فإذاً لا وجه لإيجاب شيء من التكاليف الشرعية عليهما لما ذكرناه.
فأما العلم بالصانع وصفاته وما يجب له ويستحيل عليه فمستنده العقل، وهما(1)
كاملان في العقل فلا تسقط عنهما التكاليف العقلية، فأما التكاليف الشرعية فلا مذهب لصحتها في حقهما بحال.
فأما قول الإمام: يصلي[الأخرس] راكعاً وساجداً فهو محمول على الاستحباب لما رأى المسلمين يفعلون ذلك فعل مثلهم إذ لا وجه لوجوب الصلاة في حقه، وقوله: يجزيه ما في قلبه. فيحتمل أن يريد العلم به تعالى وصفاته وسائر المعارف الدينية، ويحتمل أن يريد تعظيم اللّه تعالى في قلبه لما يرى من خلق هذه المكونات وعظمها فيعظم خالقها. فأما قول الإمام أبي طالب: أن كلامه محمول على النية وعلى إمرار الفاتحة وسورة معها على قلبه فلا وجه لوجوب ما ذكره في حقه كما حققناه بحال.
قال القاسم في من يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئاً من جسده في صلاته: فلا بأس بأن يضع يده عليه ليسكنه، وهذا جيد أيضاً لما روى أنس بن مالك أن رسول اللّه اتخذ عوداً يعتمد عليه إذا قام من السجود(2)
__________
(1) الأخرس والأصم.
(2) وفي فتح الغفار: عن أم قيس بنت محصن أن النبي لما أسن وحمل اللحم اتخذ عوداً في مصلاه يعتمد عليه، رواه أبو داؤد بإسناد فيه مجهول، ا ه‍1/229.

ولأن في هذا صلاحاً للصلاة ومحافظة على خشوعها. فهذا ما أردنا ذكره في صلاة العليل ونذكر الآن ما يتعلق بأرباب العذر.

145 / 279
ع
En
A+
A-