الراتبة الرابعة: سنة الظهر. ويدخل وقتها بالفراغ من الظهر، وهو وقت الفضيلة، ووقتها في الإختيار إلى عند المثل، وبعد المثل وقت جوازها إلى غروب الشمس، فأما العصر والعشاء فليس لهما راتبتان واضب الرسول على فعلهما بعد هاتين الفريضتين مثل غيرهما من الفروض، فأما الأربع قبل العصر والركعتان بعد العشاء فهي من جملة النوافل المبتدأة، وسنوضح الكلام في الأفضل من هذه الرواتب، ونذكر النوافل ما يتكرر منها بحسب الأعوام، وما يتكرر بحسب الأسابيع، عند الكلام في صلاة التطوع بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السادس عشر: يكره النوم قبل العشاء لما روى أبو برزة " (1)
عن رسول اللّه قال: كان يكره [النوم قبل العشاء] والحديث بعدها(2).
ويكره السمر. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا سمر إلا لمصل أو مسافر " ))(3).
__________
(1) نضلة [بضاد معجمة ساكنة] بن عبيد أبو برزة الأسلمي، صحابي روى عن النبي وعن أبي بكر الصديق، وعنه ابنه المغيرة وبنت ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة، وأبو المنهال الرياحي والأزرق بن قيس، وغيرهم كثيرون، قال البخاري: نزل البصرة وذكر له حديث: غزوت مع النبي سبع غزوات، وقال ابن سعد: كان من ساكني المدينة ثم البصرة.
وقال الخطيب: شهد مع علي فقاتل الخوارج بالنهروان، وغزا بعد ذلك خراسان فمات بها، وقيل: بنيسابور، وقيل: بالبصرة بعد سنة أربع وستين، وبه جزم الحاكم أبو أحمد. اه‍مختصراً من (تهذيب التهذيب) 1/399.
(2) أخرجه البخاري هكذا وأخرجه هو ومسلم في جملة حديث، وللترمذي نحوه، وفي أبي داؤد: وكان رسول الله ينهى عن النوم قبلها، والحديث بعدها. ا ه‍جواهر 1/158.
(3) تقدم من الأحاديث في كراهة السمر بعد صلاة العشاء إلا الثلاثة: (مصلٍ أو مسافر أو عروس) منها ما أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما عن عائشة وابن مسعود. ا ه‍.

ويستحب إذا كان في مصلحة من مصالح الدين وأمر الجهاد وحوائج المسلمين. لما روى عمر بن الخطاب قال: كان رسول اللّه يسمر في الأمر من أمور المسلمين.
وإن أحرم الرجل بالصلاة في هذه الأوقات المكروهة الثلاثة(1)
فهل يقطع الصلاة ويخرج منها أم لا؟ فيه تردد في انعقادها.
والمختار: قطعها ويأثم إن أتمها ولا تنعقد صلاته كما لو صلى بغير وضوء لأن اشتراط صحة الوقت للصلاة كاشتراط الوضوء للصلاة ولأنه قد نُهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة والنهي يقتضي فساد المنهي عنه خاصة في العبادات، فإنه لا يقع فيه تردد بخلاف عقود المعاوضات فإن فيها تردداً هل يكون النهي مفسداً لها أم لا؟
ومن اشتبه عليه الوقت صلى بالاجتهاد، ويظهر ذلك بالوظائف والأوراد بالقرآءة فإن وقع في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وإن كان قبل الوقت فإن أدرك الوقت أعاد لأن الخطاب متوجه إليه في تأدية الصلاة وإن لم يدرك الوقت فلا قضاء عليه، لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). فهذا ما أردنا ذكره في بيان الأوقات المكروهة وما يتعلق بها من تفاصيل المسائل والله الموفق للصواب.
__________
(1) السالف ذكرها في الفصل الثاني.

---
الفصل الثالث
في بيان صلاة العليل وأرباب العذر
اعلم أن الذي يتعلق بما نحن فيه من بيان الأوقات إنما هو الكلام في أرباب الأعذار فأما الكلام في صلاة العليل فلا تعلق لها بالأوقات وإنما مواضعها باب الصلاة ولكنا أوردناها هاهنا لغرضين:
أحدهما: أن المرض نوع من العذر، كالجنون والإغماء.
وثانيهما: أنا جمعناهما هاهنا تبركاً بكلام السيد أبي طالب وتيمناً بإيراده فإنه جمعهما في (التحرير) في باب واحد فتابعناه، فنجعل الكلام في قسمين: قسم في العليل، وقسم في أرباب الأعذار.
القسم الأول: في بيان صلاة العليل.
العليل يصلي على الحالة التي يقدر عليها فإن كان عاجزاً عن القيام صلى قاعداً فإن لم يقدر على القعود صلى على جنب، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}[آل عمران:191] وقيل في تفسير الآية: قياماً إذا قدروا عليه وقعوداً إذا لم يطيقوا القيام، وعلى جنوبهم إ ذا لم يطيقوا القعود.
وروي عن عمران بن الحصين أنه قال: كان بي بواسير، والباسور: ورم يقع في باطن المقعدة ينفجر وربما قتل(1).
فسألت رسول اللّه عن الصلاة فقال: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " ))(2).
وقال أنس بن مالك: سقط رسول اللّه من راحلته فجحش شقه الأيمن فصلى قاعداً وصلى الناس معه قعوداً. فهذا تمهيد الباب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: العاجز الذي يجوز له ترك القيام لا يخلو حاله إما أن يكون زمناً(3)
__________
(1) هذه الجملة حاشية من كلام المؤلف لتعريف الباسور.
(2) هذه إحدى روايتي البخاري وأبي داؤد، وكذا الترمذي إلا أنه لم يذكر البواسير، وإنما قال: سألته عن صلاة المريض، فذكر الحديث، ا ه‍جواهر 1/175.
(3) قال ابن منظور: ورجل زمن أي مبتلى بيّن الزمانة، والزمانة: العاهة، اه‍لسان ج13ص 199.

لا يستطيع القيام بحال أو يكون صحيحاً خلا أنه لا يستطيع القيام إلا بتحمل مشقة شديدة أو يخاف إن قام تأثيراً ظاهراً في العلة إما بزيادتها أو استمرارها أو حدوث علة أخرى بالقيام، جاز له ترك القيام لأن كل عبادة لم يقدر على أدائها إلا بتحمل مشقة شديدة جاز تركها إلى بدلها كالمسافر في شهر رمضان فإنه يجوز له الإفطار(1)
وإن كان قادراً على الصيام لتحمل المشقة، لما روى جابر أن رسول اللّه ، سقط من فرس فانفكت قدمه فدخلنا عليه نعوده وهو يصلي قاعداً وصلينا قياماً بصلاته فأومى إلينا أن اجلسوا، فلما فرغ من صلاته قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به " فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى جالساً فاجلسوا))(2).
فإذا ثبت هذا فكيف يكون الاستحباب في القعود؟ فيه مذاهب ثلاثة:
__________
(1) يبدو أن لا مساغ هنا للقياس؛ لأن المسافر يجوز له الإفطار مطلقاً دون اشتراط المشقة، بينما الصلاة من قعود يشترط في صحتها العجز أو المشقة.
(2) أورد الحديث في جواهر الأخبار عن جابر بلفظ: ركب رسول الله فرساً في المدينة فصرعته على جذم نخل، فانفكت قدمه فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يصلي جالساً قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالساً فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: ((إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً، وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم)) هذه إحدى رويتي أبي داؤد، ا ه‍، كما اورده في رواية أخرى عن أنس باختلاف في لفظ الرواية، ومتن الحديث بقوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع لله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) زاد بعض الرواة: ((..فإذا صلى قياماً فصلوا قياماً)) هذا لفظ البخاري ومسلم، وللباقين نحو من ذلك، اه‍. 1/175.

المذهب الأول: أنه يقعد متربعاً، وهذا هو الذي نص عليه الإمامان القاسم والهادي وهو قول المؤيد بالله وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روت عائشة قالت: رأيت رسول اللّه يصلي متربعاً. (1).وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي " )).
الحجة الثانية: هو أن التربع بدل عن القيام وقد أخذ في القيام الإستواء والتمكن، فبدله يكون على حاله في الإستواء والتمكن في الصلاة. وصورة التربع: أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت فخذه اليسرى وباطن قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى حتى يكون مطمئناً للقعود، ويضع كفيه على ركبتيه مفتوحة أنامله كما يصنع في الركوع.
المذهب الثاني: أن يقعد مفترشاً، وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن زفر.
والحجة على هذا: هو أن الإفتراش قعود العبادة وهو المشروع في قعود الصحة للصلاة، والتربع هو قعود العادة. فلهذا كان الإفتراش أدخل في الاستحباب من التربع، وصورة الإفتراش وهو التورك: أن يفترش وركه اليسرى وينصب قدمه اليمنى ويبسط يديه على فخذيه كما يفعل ذلك في التشهد الأخير.
المذهب الثالث: أن العاجز عن القيام يقعد كيف شاء، وهذا هو رأي محمد بن الحسن وحكاه عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا هو أن هذه حالة ضرورة فلهذا جعلناها موكولة إلى رأي المريض يفعل كيف شاء من التربع والإفتراش.
والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم لما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أن التعويل على ما دلت عليه الأخبار أحق من التعويل على ما يحصل من الأراء خاصة في العبادات، فإذا أثر عن صاحب الشريعة قول فهو أحق بالقبول من غيره لأنه لا ينطق عن الهوى وإنما ينطق عن الوحي بتأييد العصمة.
__________
(1) أخرجه النسائي قال: ولا أحسب هذا الحديث إلاَّ خطأً، المصدر السالف. وفي فتح الغفار: رواه النسائي وصححه الحاكم وهو للنسائي والدارقطني وابن حبان والحاكم من حديثها (يعني: عائشة) بلفظ: لما صلى جالساً تربع، ورواه ابن خزيمة والبيهقي، ا ه‍ج1 ص 329.

الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: التربع هو فعل العادة، والإفتراش هو فعل العبادة فلهذا كان أدخل في الاستحباب.
قلنا: تلك حالة الرفاهية، وهذه حالة الضرورة بالعجر والمرض فأحدهما مخالف للآخر.
قالوا: يفعل المريض لنفسه ما شاء وإليه الخيرة في ذلك من التربع والإفتراش على قدر حاله في التمكن.
قلنا: لا ننكر ما قلتموه ولكن إذا أشار صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه إلى شيء في العبادات فكلامه أحق بالقبول من تحكيم الأراء القياسيه. فكلامه أصدق وفعله أوفق وهذه الأقاويل كلها إنما هي في الاستحباب لكن ما اخترناه أحق لإشارة صاحب الشرع إليه.
الفرع الثاني: وإذا قعد المريض نظرت فإن أمكنه الركوع والسجود فعل ذلك لأنه قادر عليه لكنه ينحني في الركوع حتى يصير بالإضافة إلى القاعد كالراكع بالإضافة إلى القائم، وإن لم يقدر أن يسجد على الأرض لعلة في جبهته وظهره إنحنى أكثر ما يقدر عليه وإن أمكنه أن يسجد على صدغه الأيمن أو الأيسر فعل ذلك لأنه يكون أقرب إلى هيئة السجود على الجبهة. والصدغ ما يلي العين لأن كل ما كانت الجبهة أقرب إلى الأرض فهو أولى. وإن كان يمكنه السجود على عظم الرأس وهو ما فوق الجبهة كان أولى لأن الرسول سجد على قصاص رأسه، فإذا جاز ذلك في حال الصحة كان جوازه في حال المرض أجوز، وإن سجد على حجر أو مخدة أو وسادة نظرت فإن كان يحملها بين يديه ليسجد عليها لم يجز لأنه يكون ساجداً على ما يحمل، وإن وضعها على الأرض وسجد عليها جاز ذلك، لأنه سجد على الأرض، وهكذا لو سجد على شيء مرتفع وهو صحيح أجزأه ما لم يكن خارجاً عن هيئة السجود، وإذا كان قادراً على أن يصلي قائماً منفرداً ويخفف الصلاة وحده، وإذا صلى خلف الإمام احتاج إلى أن يقعد في بعضها، فالأولى له أن يصلي منفرداً وكان هذا عذراً في ترك الجماعة. فإن صلى مع الإمام وجلس فيما عجز عنه كانت صلاته صحيحة.

الفرع الثالث: وإذا كانت به علة يقدر معها على القيام، وتمنعه من الركوع والسجود، وجب عليه القيام فيقوم ويقرأ في حالة القيام. وكيف يفعل بالركوع والسجود؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يومئ للركوع من قيام ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود وهذا هو رأي أبي طالب، ومحكي عن الشافعي.
وثانيهما: أنه يفعل ما شاء وهو بالخيار إن شاء صلى قائماً وإن شاء صلى جالساً، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله الشافعي لقوله لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فجالساً " )) ولأنه إذا أومأ للركوع من قيام كان أقرب إلى هيئة الركوع، وإذا أومأ للسجود من قعود كان أقرب إلى هيئة السجود، فلهذا كان أولى، و إذا بلغ إلى الركوع وعجز عن أن ينحني حنى رقبته، فإن لم يقدر إلا بأن يعتمد على عكاز أو عصا إعتمد عليها وانحنى. وإن تقوس ظهره من الكبر أو انحدب حتى صار كالراكع ولا يقدر على الإستواء فعليه أن يصلي على حالته فإذا بلغ الركوع انحنى وإن كان يسيراً ليقع الفصل بين القيام والركوع.
وإن كان بعينيه رمد وكان يقدر على الصلاة قائماً فقيل له: إن صليت مستلقياً على قفاك كان أقرب إلى عافيتك وأسرع إلى برئك، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهو رأي المنصور بالله ودل عليه كلام المؤيد بالله، والمحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وهو رأي أبي حنيفة والثوري.
والحجة على هذا: هو أنه لو كان صائماً ورمدت عيناه واحتاج إلى الفطر لسرعة العافية جاز له ذلك، فهكذا هاهنا يجوز له ترك القيام لأجل العافيه.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو المحكي عن مالك والأوزاعي، وهو رأي أكثر أصحاب الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه لما نزل في عينيه الماء كف بصره فقال له الطبيب: إن صبرت على سبعة أيام تصلي مستلقياً على قفاك داويتك ورجوت لك العافية، فأرسل إلى عائشة وأم سلمه وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة يسألهم عن ذلك، فقالوا له: إن مت في هذه الأيام ما تفعل بصلاتك؟ فترك مداواة عينيه، وفي هذا دلالة على المنع من ذلك، ولله در العلماء وأهل الفضل والمراقبة لخوف اللّه ما أشد مراقبتهم وأخوفهم لله وأقومهم بما وجب عليهم وأعظم تواضعهم، أنظر إلى ابن عباس مع علمه الباهر وتبحره في علوم الشريعه ما اكتفى بنظره حتى أرسل إلى الصحابة ولم يقبل الرخصة واعتمد على ما قالوا لما فيه من الحيطة للدين وآثر الضرر بنفسه على ترك الصلاة(1).
والمختار: الجواز لأمرين:
أما أولاً: فلقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
[الحج: 78] وأي حرج أعظم من ذهاب البصر وفساده، وفي صحته قوام أمر الدين وتأدية العبادات على أكمل حالة وأتمها فلهذا جاز فعل الصلاة على الوجه الممكن حتى يتم هذا الغرض من الصحة.
وأما ثانياً: فلأنه إذا جاز الإفطار بعروض المرض والسفر ميلاً إلى التخفيف، فإذا جاز ترك هذه العبادة أعني الصوم لعارض المرض والسفر جاز مثله في الصلاة. بل هاهنا أجوز لأن الصوم في السنة مرة والصلاة في كل يوم وليلة فالرخصة فيها أقرب مع أنه يأتي بالصلاة بالممكن بما هو بدل عن صلاة الصحة. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا أبداً ما أبقيتنا واجعله الوارث منا.
فأما ما حكي عن فتوى الصحابة بالمنع فله تأويلان:
أحدهما: أنهم عملوا في ذلك على الإحتياط والورع دون الشرع فلهذا أفتوه بالإمتناع.
وثانيهما: أنه لم يغلب على ظنهم العافية والبرؤ لاستحكام العلة، فلهذا كان جوابهم: منع ذلك.
__________
(1) أورده في الجواهر وقال: هكذا حكاه في المهذب، ولم يذكر معهما (عائشة وأم سلمة) أبا هريرة والله أعلم، ا ه‍1/176.

الفرع الرابع: إذا عجز المريض عن الركوع والسجود وهو قادر على القعود فإنه يصلي بالإيماء يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روي عن ابن عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ إيماءاً.
وقلنا: يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه، لما روى زيد بن علي عن علي قال: دخل رسول اللّه على رجل يعوده فقال: يا رسول اللّه كيف [أصلي]؟ فقال: ((إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه " وإلا فوجهوه إلى القبلة ومروه فليومئ إيماءً ويجعل السجود أخفض من الركوع وإن كان لا يستطيع أن يقرأ فاقرأوا عنه))(1).
قال الهادي في (الأحكام): ولا يُقَرِّب شيئاً من وجهه فيسجد عليه ولا يقرب وجهه إليه. وقد قال به غيرنا، وليس له عندنا معنى ولم أعرف قائلاً به من أهل العلم. وكلامه هذا محمول على أنه لا يحمل شيئاً بيديه فيسجد عليه ليطابق ما قاله القاسم في (النيروسي)، وإن أطاق السجود سجد على الأرض وإلا فعلى ما يمكنه من وسادة أو غيرها على ما فصلناه من قبل لأنه يكون ساجداً على الأرض.
الفرع الخامس: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعداً فإنه يصلي مضطجعاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}[آل عمران:191] ولما رويناه من حديث عمران بن حصين. وكيف يكون الإضطجاع، فيه ثلاثة أوجه:
__________
(1) جاء الحديث في الروض النضير شرح مجموع الإمام زيد بن علي بزيادة: ((...وإن كان لا يستطيع أن يقرأ القرآن فاقرأوا عنه)) وأورد صاحب الروض أحاديث وروايات من عدة طرق كلها تسند الحديث السابق منها ما رواه علي: ((يصلي المريض قائماً إن استطاع...إلخ)) أخرجه الدارقطني، ومنها حديث عمران بن حصين السالف ذكره، وحديث عن ابن عمر: ((يصلي المريض مستلقياً)) وغيرها من الأحاديث عن جابر وابن عباس وغيرهما، ا ه‍ملخصاً ج2/282-286.

الأول: أن يعترض على جنبه بين يدي القبلة كما يفعل في لحده، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل، وروي عن عمر أيضاً.
والحجة على هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع صلى قاعداً " فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة))(1).
الوجه الثاني: أن يستلقي على قفاه ويستقبل القبلة برجليه وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن إبن عمر، والثوري، والأوزاعي وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول حيث دخل على المريض فقال: ((وجهوه إلى القبلة " ))(2).
وهو إذا كان مستلقياً على ظهره كان متوجهاً بجميع بدنه إليها.
الوجه الثالث: أن يكون مضطجعاً على جنبه الأيمن ويستقبل القبلة برجليه ويكون وجهه إلى جهة المشرق أو المغرب، وهذا شيء حكاه بعض أصحاب الشافعي، ولم يحك أن أحداً قال به ولم أعرف له قائلا، وإنما حكيناه لكونه ممكناً من جملة أحوال الإضطجاع.
والمختار في الإضطجاع: أن يكون لجنبه كما يكون في اللحد. وتعضده الآية في قوله تعالى: {وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} وهذا نص صريح في إضطجاعه على جنبه، وأما الخبر فقوله: ((فإن لم يستطع فعلى جنب مستقبل القبلة " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روينا عن الرسول أنه قال: ((وجهوه إلى القبلة " )). وهو إذا كان على ظهره كان متوجهاً بجميع بدنه إلى القبلة.
قلنا: خبرنا يعارض خبركم وتبقى الآية لا معارض لها فيجب العمل على ظاهرها.
__________
(1) أورده الرباعي في فتح الغفار عن علي عن النبي بلفظ: ((يصلي المريض قائماً إن استطاع فإن لم يستطع صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقياً))رواه الدار قطني بإسناد ضعيف. اه‍ 1/328.
(2) هذا جزء من حديث زيد بن علي عن علي وقد تقدم في الباب نفسه.

144 / 279
ع
En
A+
A-