المذهب الأول: أن صلاة هؤلاء بدلية عن صلاة من ليس معذوراً فيلزمه تأخير الصلاة حتى يحصل الإياس عن صلاة الصحة، وهذا هو المحصل على رأي الهادي والقاسم وذكره أبو العباس في (النصوص)(1)
وفصل بين هؤلاء وبين المستحاضة ومن به سلس البول وسيلان الجرح، فقال: إن صلاة هؤلاء بدلية عن صلاة الأصحاء فلهذا وجب عليهم التأخير في الوقت حتى يحصل الإياس بخلاف المستحاضة ومن كان في حكمها فإن صلاتهم أصلية فلا يلزمهم التأخير.
والحجة على هذا: هو أن صلاة هؤلاء بدلٌ عن صلاة الصحيح فتقرير القياس أن نقول: بدل عن مبدول لا مرية في فعله معه فلا يجوز فعله إلا عند الإياس من البدل كالإعتداد بالأشهر ولا إياس إلا في آخر الوقت.
المذهب الثاني: أن صلاة هؤلاء أصلية فلا يجب عليهم التأخير كصلاة الصحيح.
والحجة على هذا قوله لرجل من الأنصار وقد دخل يزوره وقد شبكته الريح: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " ))(2)
ولم يأمره بتأخير الصلاة عن وقتها ولو كان شرطاً لذكره لأنه في موضع التعليم والبيان، وهذا هو رأي المؤيد بالله والفريقين الحنفية والشافعية.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله والفريقان.
__________
(1) تأليف أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (352) (مؤلفات الزيدية) تأليف السيد أحمد الحسيني 30/ 106، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الأولى العام 1413 (3مجلدات).
(2) هذا الحديث روي عن علي في مجموع الإمام زيد، وأورده في الجواهر بلفظ: دخل رسول الله على رجل من الأنصار وقد شبكته الريح، فقال: يا رسول الله كيف أصلي؟ قال: ((إن استطعتم أن تجلسوه فاجلسوه وإلا فوجهوه إلى القبلة)) حكاه في أصول الأحكام وغيره، وزاد في المجموع: ((...ومروه فليومئ إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن كان لا يستطيع أن يقرأ القرآن فاقرأوا عنه)) ا ه‍1/171.

وحجتهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ " }[آل عمران: 191] فأثنى عليهم بفعل الذكر على هذه الأحوال ولم يأمرهم بالتأخير. ولأن فضيلة الوقت مما يجب الإعتناء به وإحرازه فلا يجوز إهماله وتركه وقد قال تعالى مشيراً إلى هذا: {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ " }[النور:37] وأراد: الصلوات في أوقاتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: بدل عن مبدول لا قربة في فعله معه فلا يجوز فعله إلا عند الإياس كالمعتدة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلا جريان للأقيسة في باب العبادات ولا يسوغ استعمالها بحال.
وأما ثانياً: فعمدتنا فيما ذهبنا إليه الآية والخبر فلا يمكن معارضتهما بالقياس لأن رأي القائس لا يساوي كلام اللّه ولا كلام رسول اللّه .
وأما ثالثاً: فنعارضه بقياس مثله فنقول: صلاة مؤداة على حكم صاحبها في توجه الخطاب فلا تؤخر عن وقتها كصلاة الصحيح.

الحكم السادس: في حكم جمع المشاركة: اعلم أن جمع التقديم والتأخير إنما شرعا في حق المسافر رخصة ورفقاً به وتسهيلاً لحاله وليسا من أوقات الفضيلة، بخلاف جمع المشاركة فإنه محرز للفضيلة فإن جمع الفرضين بالمشاركة يكون في آخر اختيار الأولى وهي الظهر وإدراك فضيلة الثانية وهي العصر وهكذا حال المغرب والعشاء تكون في آخر اختيار المغرب وإحراز فضيلة العشاء وهو أول وقتها، وليس معدوداً في التقصير ولا يحتاج إلى العذر في جواز فعله، وإنما ذكرناه بياناً لحاله وأنه غير معدود في رخصة الجمع بالتقديم والتأخير. فإذا تقرر هذا فالأفضل في [حال] المسافر إذا كان نازلاً في وقت الأولى أن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى وإن كان سائراً فالأفضل أن يجمع بينهما في وقت الثانية لما ذكرناه من حديث ابن عباس ومعاذ بن جبل ولأن ما ذكرناه أرفق بالمسافر وأيسر لحاله وأسهل في أمره.
الحكم السابع:وإن أراد المسافر الجمع بينهما في أول وقت الأولى فلا بد من اعتبار شروط ثلاثة:
الشرط الأول: نية الجمع لأنه رخصة وقد قال : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )) وأي وقت تكون النية فيه؟ فإن نوى الجمع عند الإحرام بالأولى صح ذلك، وإن نوى عند الإحرام بالثانية جمعها إلى الأولى جاز ذلك.
الشرط الثاني: الترتيب بينهما إذا كان جامعاً في وقت الأولى.
قال السيد أبو طالب: ذكر أصحابنا أنه إذا جمع بينهما في أول الوقت فلا بد من تقديم الأولى على الثانية لأن الوقت لها والثانية تابعة لها فلهذا وجب تقديمها، وإن جمع بينهما في وقت الأخرى فهو مخير في تقديم إحداهما على الأخرى(1).
الشرط الثالث: المتابعة بينهما، فإن فصل بينهما بفصل يسير جاز ذلك لأن ذلك لا يمكن الإحتراز منه، وإن كان الفصل بفعل كثير طويل خارج عن الحد والعرف منع الجمع.
__________
(1) سبق البحث باستفاضة في هذه المسألة عند بدايتها في (الفرع العاشر: أحكام الجمع).

وهل يسبح بينهما ويفعل نافلة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الرسول أمر بالإقامة ولم ينتفل بينهما(1).
وثانيهما: جواز ذلك، وهو رأي الهادي وقول آخر للشافعي.
والحجة على هذا: هو أن هذه السبحة من سنن الصلاة فلا يمنع منها.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأن ذلك أخلق بحقيقة الجمع لأن مع الفصل لا وجه للجمع، وإن أراد المسافر الجمع بينهما في وقت هذه الثانية فلا بد من اعتبار هذه الشرائط التي ذكرناها لأنهما مستويان في وقوع الرخصة فما اعتبرناه في احدهما اعتبرناه في الآخر.
الحكم الثامن: هل يجوز الجمع في سفر المعصية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز الجمع وهذا هو الذي رآه المزني وهو قول أبي حنيفة، واختاره السيدان أبو العباس وأبو طالب لمذهب الهادي.
والحجة على ذلك: هو أن الجمع رخصة في السفر كما أن القصر رخصة فيه فإذا جاز القصر في سفر المعصية جاز الجمع من غير فرق بينهما.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الناصر واختاره السيد أبو طالب في (التذكرة) وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو ان الجمع رخصة في السفر والرخصة مأخوذة من فعل الرسول ، وأفعاله كلها حسنة لا يدخلها محظور لأجل العصمة. فلهذا لم يجز فعله في سفر المعصية.
والمختار: ما قاله الناصر.
والحجة على ذلك: هو أن الجمع رفق وتسهيل على المسافر فلو شرعناه في سفر المعصية لكان ذلك إعانة على المعصية، والعاصي لا يعان على فعل معصية لأن المعين يكون شريكاً له.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الجمع رخصة فيجوز في السفر كما يجوز القصر لأنهما كليهما من رخص السفر فإذا جاز أحدهما جاز الآخر من غير فرق.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) تقدم في حديث رواه مسلم أن رسول الله جمع بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة.

أما أولاً: فلا نسلم جواز القصر في سفر المعصية وسيأتي تقريره في صلاة السفر.
وأما ثانياً: فلئن سلمنا فالفرق ظاهر فالقصر مأخوذ من الآية ولم يفصل بين حالة وحالة وليس كذلك الجمع فإنه مأخوذ من فعل الرسول وأفعاله كلها موصوفة بالحسن والوجوب، فافترقا، فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المتعلقة بالجمع ونرجع إلى تمام التفريع في الأوقات.
الفرع الحادي عشر: ومن وجبت عليه الصلاة فلم يصلها حتى خرج وقتها وجب عليه قضاؤها، لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ))(1)
فإذا وجب القضاء على الساهي والناسي فوجوب القضاء على العامد أحق وأولى. وإذا وجب قضاؤها فهل يكون على الفور أو على التراخي فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأوامر المطلقة كلها على الفور وهذا نحو الحج وقضاء الفوائت، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله، وروي عن الناصر، ومروي عن الكرخي، وأبي يوسف وأبي حنيفة والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً " وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:97] . فأوجب الحج وتوعد على تركه وفي هذا دلالة على المسارعة إلى أدائه ونحن لا نعني بالفور إلا ذلك.
الحجة الثانية: قوله : ((من مات ولم يحج مات ميتة جاهليه " )) وفي حديث آخر: ((فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً))(2).
ووجه الحجة من هذين الخبرين: هو أنه لم يرد عصيانه بالموت فإنه من فعل اللّه فلا يلام على ما فعله اللّه وإنما الغرض عصيانه بالتأخر عن أدائه عند إمكانه وهذا هو حقيقة الفور.
الحجة الثالثة: قياسية، وهي أنه واجب غير مؤقت فوجب أن يكون أداؤه على الفور، دليله: حقوق بني آدم.
المذهب الثاني: أن وجوبه على التراخي وهذا هو المروي عن القاسم، واختاره السيد أبو طالب، وهو قول الشافعي.
__________
(1) تقدم.
(2) سيأتي في الحج.

والحجة على ذلك: هي أن فرض الحج نزل سنة ستٍ وحج الرسول سنة عشر(1)،
وفي هذا دلالة على التراخي.
الحجة الثانية: هو أن الأوامر المطلقة كلها تقتضي وجوب تحصيل الفعل وليس فيها دلالة على تخصيص الفعل بالوقت الأول ولا بالثاني ولا بالثالث لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة معناه، وفي هذا دلالة على وجوبها على التراخي.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره، وهو أن الأوامر المطلقة لا نعني بكونها مطلقة إلا أنها غير مقيدة بشيء من القيود المتعلقة بها، فلو قلنا إنها للفور أو للتراخي لبطل كونها مطلقة. لأنا لا نعني بكونها مطلقة إلا أنها خاليةعن القيود الشرعيه. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأوامر المطلقة ساكته عن الفور والتراخي لا دلالة عليها لا من لفظها ولا من معناها وإنما يؤخذ الفور والتراخي من دلالة منفصلة لا من مطلق الأمر المطلق، فالمقصود من الأوامر المطلقة إنما هو تحصيل الفعل من غير إشارة فيها إلى قيد من هذه القيود.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من الحجج.
قالوا: الآية دالة على الفور بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ}(2)
وهذا الوعيد إنما يتناول التراخي.
قلنا: لا ننكر وجوب تحصيله عند كمال شرائطه بمطلق الأمر لا من جهة دلالته على الفور.
قالوا: الخبران يدلان على الفور لاشتمالهما على الوعيد الشديد بتركه.
قلنا: الوعيد إنما تناول على تركه عند استكمال شرائطه لا من جهة فوره فليس فيه دلالة على فور في تحصيله.
__________
(1) يبدو أن هذا الإستطراد جاء في سياق الإستدلال على وجوب أداء الصلاة على الآراء حول وجوب أداء الصلاة عند دخول وقتها وجواز التراخي عنها في القولين اللذين أوردهما المؤلف، وليس البحث هنا وارداً في الحج، والله أعلم.
(2) { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97].

قالوا: واجب غير مؤقت فوجب القضاء بفوره، دليله: ديون بني آدم.
قلنا: ديون بني آدم إن كانت مؤجلة وجب أداؤها عند انقضاء الأجل، وإن كانت غير مؤجلة فوجوب أدائها إنما كان بالمطالبة، فإنه يتضيق أداؤها عندها، بخلاف الأوامر المطلقة فإنه لم يرد فيها إلا مطلق الأمر لا غير وليس فيه دلالة على الفور.
وأما من قال بالتراخي فهو أبعد.
قالوا: ورد الأمر بالحج سنة ست وحج الرسول في سنة عشر، وفي هذا دلالة على التراخي.
قلنا: التراخي إنما أخذ من فعله، لا من جهة مطلق الأمر فلا دلالة فيه على التراخي، ومثل هذا لا ننكره أن تدل دلالة على التعجيل فيكون فوراً أو على الإمهال فيكون تراخياً وكلاهما إنما هو في مطلق الأمر.
قالوا: الأوامر المطلقة تقتضي وجوب تحصيل الفعل وليس فيها دلالة على تخصيص الفعل بالوقت الأول ولا بالثاني ولا بالثالث، فدل على أنها على التراخي.
قلنا: إذا لم تكن دالة على تحصيل الفعل في وقت بعينه فليس فيها أيضاً دلالة على تحصيل الفعل في أوقات متراخيه. فخصل من مجموع ما ذكرناه أن الأوامر المطلقة لا دلالة فيها على قيد من القيود لا بالفور ولا بالتراخي وهو المطلوب.
الفرع الثاني عشر: إذا وجب القضاء للفائتة فهل يجب الترتيب بين المؤداة والفائتة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت، وهذا هو رأي الناصر وزيد بن علي وأبي حنيفة وأحمد وأبي يوسف ومحمد، ومحكي عن مالك وزفر والزهري، والنخعي وربيعة، ثم اختلف هؤلاء في كيفية الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت.

فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إذا نسي المصلي صلاته حتى دخل وقت صلاة أخرى ثم ذكرها، فإن ذكرها بعد فراغه من الحاضرة أجزته، ويقضى الفائتة سواء كان الوقت واسعاً أو ضيقاً وإن ذكرها وقد أحرم بصلاة وقته، فإن كان الوقت واسعاً بطلت المؤداة، فعليه أن يصلي الفائتة ويصلى الحاضرة، وإن كان الوقت ضيقاً مضى عليها ولم تبطل ثم يقضي الفائتة، وإن كانت الفوائت ستاً سقط الترتيب وإن كن أربعاً لم يسقط الترتيب، وإن كن خمساً ففيها روايتان:
إحداهما: أنها كالست. والثانية: أنها كالأربع.
وذهب مالك والليث: أنه إذا نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى فإن ذكر ذلك وقد أحرم بالحاضرة فيستحب له أن يتم التي هو فيها ثم يقضي الفائتة ثم يجب عليه أن يصلي الحاضرة ويعيدها إلا أن تكون الفوائت ستاً سقط الترتيب.
وذهب الزهري والنخعي وربيعة، إلى أن من نسي صلاة فذكرها وقد دخل وقت غيرها وأحرم بالحاضرة أن صلاته تبطل وعليه أن يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة بعد ذلك.
وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أنه إن ذكر الفائتة وهو مع الإمام في الحاضرة مضى فيها على الوجوب ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة، وحكي عن أحمد بن حنبل أيضاً أنه قال: إذا ترك الرجل صلاة في شبابه إلى أن شاخ فعليه أن يقضي الفائتة ثم يعيد كل صلاة صلاها قبل قضائها، فهذه أقاويل الفقهاء في كيفيه الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت وهم متفقون على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة على ما حققناه من أقاويلهم.
والحجة لهم: [على] ما قالوه: هو أن صفة الصلاة مجملة في كتاب اللّه فيراعى في عددها وكيفية فعلها في الأداء والقضاء فعل رسول اللّه وقد روي أنه فاتته أربع صلوات في يوم الخندق فلما كان هوى من الليل قام فقضاهن قبل فرض الوقت، وفعله وارد مورد البيان في الوجوب والإمتثال فظاهره الوجوب إلا إذا خشي فوت فرض الوقت لتضايقه فإنه يسقط ويؤثر المؤداة للدلالة(1).
__________
(1) السالفة من فعل الرسول .

الحجة الثانية: هو أن الصلاة المؤداة والفائتة صلاتان واجبتان مفعولتان مع الذكر في وقت متسع لفعلهما فيجب الترتيب بينهما، كصلاة المغرب والعشاء في مزدلفه فلا يلزم عليه إذا ذكر الفائتة وصلاة الوقت قد بلغت آخرها وتضايقت فإنه يبدأ بها لدلالة خاصة.
المذهب الثاني: أنه لا ترتيب بين المؤداة والفائتة وهذا هو رأي القاسم والهادي، ومحكي عن الشافعي وحكي عنه أنه قال: فإن ذكر الفائتة في وقت صلاة حاضرة فإن كان قد ضاق وقت الحاضرة لزمه أن يبدأ بالحاضرة ثم يصلي الفائتة وإن كان وقت الحاضرة واسعاً فإنه يستحب له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة وإن بدأ بالحاضرة قبل الفائتة أجزأه ذلك. وظاهر كلامه أنه لا يوجب الترتيب بين الفائتة والمؤداة كما ترى.
والحجة على ذلك: قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ))(1)
وفي هذا دلالة على سقوط الترتيب بينها وبين فرض الوقت لأنه خص المكتوبة بالأداء ولم يفصل بين أن تكون عليه فائتة أولا.
الحجة الثانية: ما روى إبن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((إذا نسى أحدكم صلاة وهو في مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها " فإذا فرغ منها صلى التي نسيها))(2)
وهذا نص صريح في سقوط الترتيب بينها وبين فرض الوقت. فهذه حجج الفريقين قد أشرنا إليها ولهم حجج غير هذه أعرضنا عنها لضعفها.
__________
(1) هذا الحديث ورد من طرق وبروايات كثيرة لعل أشهرها ما أورده المؤلف وهو: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) رواه أبو هريرة وغيره، وأخرجه مسلم 1/493 والبخاري 1/235، وابن حبان 5/567، والترمذي في سننه2/282 وهو في سنن البيهقي والنسائي وأبي داؤد وابن ماجة وغيرها.
(2) قال ابن بهران في (الجواهر): ولفظه في (الجامع) عن نافع أن ابن عمر كان يقول: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي ثم ليصل بعدها الأخرى، أخرجه الموطأ هكذا موقوفاً على ابن عمر. ا ه‍1/173.

والمختار: ما قاله الإمامان القاسم والهادي.
والحجة: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أنا لو أمرناه بالقضاء للفائتة قبل فرض الوقت لكنا قد منعناه عن أداء الفرض في الوقت، وأنه غير جائز لقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى " ، عَبْداً إِذَا صَلَّى}[العلق: 9،10] وقال تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء:78]. وظاهر الآية دال على وجوب فعله عند الدلوك من غير اشتغال بالفائتة قبلها، وفي هذا ما نريده من سقوط الترتيب بينها وبين فرض الوقت فهذا تقرير كلام الإختيار.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: بيان الأوقات للصلاة وكيفيتها وأعدادها موكول إلى بيان الرسول وقد فات عليه أربع صلوات في الخندق فقضاهن قبل فرض الوقت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن هذا حكاية فعل لا ندري كيف وقعت فهي مجملة تحتاج إلى البيان.
وأما ثانياً: ففرض الوقت المتأخر لم يحضر فليس فيما ذكرتموه دلالة على تقديم الفائتة على فرض الوقت.
قالوا:هما صلاتان واجبتان فيجب الترتيب بينهما، دليله: صلاة المغرب والعشاء بعرفة(1).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن المعنى في الأصل كونهما صلاتين مؤداتين وهذه مقضية فلا تقاس إحداهما على الأخرى.
وأما ثانياً: فإنما وجب الترتيب بينهما لأجل النسك فافترقا.
الفرع الثالث عشر: إذا بطل الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت بما أوضحناه فهل يجب الترتيب بين الفوائت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: وجوب الترتيب بينها، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن زيد بن علي وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ، أنه فاته أربع صلوات في الخندق وقضاهن على الترتيب. وفي هذا دلالة على مراعاة الترتيب بين الفوائت. وحكي عن الشافعي: استحباب الترتيب بين الفوائت في أنفسها.
المذهب الثاني: أنه لا ترتيب بينها، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن الشافعي.
__________
(1) يريد مزدلفة.

142 / 279
ع
En
A+
A-