الحجة الثانية: ما روى معاذ بن جبل أن رسول الله كان في غزوة تبوك فإذا زغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر حتى ينزل وجمع بينهما في وقت العصر، وإن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، ففي هذين الخبرين تصريح بأنه صلى العصر في وقت الظهر والعشاء في وقت المغرب وأنه صلى الظهر في وقت العصر والمغرب في وقت العشاء.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الجمع في حال السفر، وهذا هو قول أبي حنيفة، ومحكي عن الحسن البصري وابن سيرين ومكحول والنخعي، فمنعوا الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما وأجازوه لأجل النسك في عرفة ومزدلفة.
والحجة على ذلك: أخبار المواقيت كالذي روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول اللّه أنه قال: ((وقت الظهر مالم يدخل وقت العصر " ووقت العصر مالم تصفر الشمس)) وما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن للصلاة أولاً وآخراً، " وإن أول وقت المغرب إذا غابت الشمس وآخره حين يغيب الشفق)). فهذان الخبران دالان على أن لكل صلاة وقتاً لا يشاركها فيه غيرها وفي هذا دلالة على المنع من الجمع لإحداهما في وقت الثانية وهو المطلوب.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من جواز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.
وحجتهم: ما ذكرنا ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روت عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه في السفر، قالت: كان يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء(1).
__________
(1) تقدم.

الحجة الثانية: ما روى[عن] عبدالله بن دينار " (1)
أنه قال: غربت الشمس ونحن مع ابن عمر في سفر فسار حتى أمسى فقلنا: الصلاة، فسار حتى غاب الشفق وتصوبت(2)
النجوم، فجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء وقال: كان رسول اللّه إذا جد به السير صلى صلاتي هذه(3).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: أخبار المواقيت كلها كالذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص ورواية أبي هريرة كلها دالة على اختصاص كل صلاة بوقتها فلهذا لم يجز الجمع بين الصلاتين إلا ما ذكرناه في عرفة ومزدلفة فإنهما نسكان فلا يجوز تغييرهما عن النسك وهو الجمع بينهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على صحة الجمع التي لا مدفع لها إلا بالمكابرة فإنها دالة بصرائحها على جواز الجمع بين الصلاتين.
__________
(1) أبو عبدالرحمن عبد الله بن دينار العدوي المدني، مولى ابن عمر، روى عن ابن عمر وأنس وآخرين، وعنه ابنه عبد الرحمن والسفيانان وشعبة وجماعة، وثقه غير واحد، توفي سنة 147 ه‍، انتهى من هامش (البساط) للإمام الناصر الأطروش، تحقيق الأستاذ عبد الكريم أحمد جدبان، منشورات مكتبة التراث الإسلامي. ط(1) 1418ه‍/1997م.
وفي (تهذيب التهذيب) قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث، وقال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي: ثقة، وقال الليث عن ربيعة: كان من صالحي التابعين، صدوقاً ديناً، زاد ابن سعد: كثير الحديث. ا ه‍5/177.
(2) أي مالت. هكذا في هامش الأصل.
(3) أورد في الجواهر عن ابن عمر أن رسول الله جمع بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه محمول على بيان وقت الإختيار وليس كلامنا فيه فإنه ظاهر لا مرية فيه، وإنما كلامنا في جواز الجمع للمسافر فإن السفر عذر في تأخير الأولى إلى وقت الثانية أو تقديم الثانية إلى وقت الأولى وما هذا حاله فليس وقتاً للإختيار وإنما هو من رخص السفر بالتقديم والتأخير.
الحكم الثالث: وإذا قلنا بجواز جمع التقديم للمسافر فهل يجوز لمن له عذر في نفسه كالمريض المتوضئ والخائف ومن به سلس البول وسيلان الجرح والمستحاضة والحائض(1)
ولمن كان مشغولاً بالطاعات بتعلم أو تعليم أو مشغولاً بحوائج الإمام وحوائج المسلمين أو كان مشغولاً ببعض المباحات كإصلاح المعيشة أو مشغولاً بطلب مال يحصله أو غير ذلك من الأمور المباحة، فهل يجوز لهؤلاء جمع الصلاتين في أول الوقت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك لمن ذكرناه وهذا هو رأي الهادي والقاسم، وارتضاه السيدان أبو طالب وأبو العباس، ولهم على ذلك حجتان:
الحجة الأولى: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر وجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء من غير خوف ولا سفر، وروي من غير سفر ولا مطر.
وروى ابن عباس أنه ربما جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب بالمدينة(2)
__________
(1) جاء في هامش الأصل: يريد في ابتداء الحيض إذا كانت تعتاد مجيء دمها في آخر الوقت جاز لها (جمع التقديم) ا ه‍.
(2) جاء بروايات كثيرة وطرق متعددة وألفاظ مختلفة بمعانٍ متقاربة، وفيما تقدم كفاية، وقد تناولها الفقهاء بآراء واجتهادات مختلفة نذكر منها هنا ما ورد في (الروض النضير) ضمن أقوال خمسة:
الأول: قول الهادي وأحد قولي المنصور بالله: أنه يجوز لعذر ولا يجوز لغير عذر، فإن فعل أجزأه.
الثاني:قول المؤيد بالله: أنه لا يجوز إلا للمسافر، قال: ولولا خلاف الإمامية [فيه] لفسقت من يفعله، ولا فرق عندي بين أن يصلي العصر بعد الميل -يعني بعد الزوال- أو قبله، أنه لا حكم لصلاته.
الثالث: للناصر وأبي حنيفة: أنه لا يجوز لأي عذر كان إلا في عرفة ومزدلفة سواء كان مقيماً فيها أو مسافراً، ولأبي حنيفة رواية ثانية: أنه يجوز في سفر الحج.
الرابع: قول الشافعي: أنه لا يجوز إلا في سفر أو مطر.
الخامس: قول الإمامية والمهدي احمد بن الحسين والمتوكل على الله أحمد بن سليمان وأحد قولي المنصور بالله وابن المنذر وابن سيرين وإحدى الروايتين عن الهادي، وإحدى الروايتين عن زيد بن علي، واختاره من المتأخرين المحقق الجلال، أنه يجوز لعذر ولغيره. إ.ه‍. 1/603.

.
فدل هذان الخبران على أن الجمع غير مقصور على السفر فقط.الحجة الثانية: القياس، فنقول: إنه مشتغل بغير معصية فجاز له الجمع كالمسافر. أو معذورٌ بالإشتغال بالطاعات والمباحات، فجاز له الجمع بين الصلاتين أول الوقت كالمسافر.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز جمع التقديم لأحد إلا للمسافر وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله ولهما على ذلك حجتان:
الحجة الأولى: ما روى ابن عباس وجابر في أحاديث مواقيت الصلاة فإن ظاهرها يقضي باختصاص كل صلاة بوقتها المعين فلا يجوز الخروج عن ظاهرها من غير دلالة، والمسافر فهو خارج بدلالة قامت عليه فبقي ما عداه على المنع.
الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أن هؤلاء الذين ذكرناهم ليسوا مسافرين فلا يجوز لهم جمع التقديم فأما الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقت المغرب في عرفة ومزدلفة فإنه خارج بدلالة وهو تحصيل النسك فلهذا كان جائزاً، فأما ما عداهما فهو باق على أصل المنع.
والمختار: ما قاله الإمامان الناصر والمؤيد بالله.
وحجتهما: ما أسلفناه ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى عبدالله بن مسعود أنه قال: ما رأيت رسول اللّه صلى صلاة إلا لوقتها ما خلا عرفة ومزدلفة، فلو كان الرسول يجمع بينهما في أول وقت الأولى من أجل المرض والخوف والجهاد وسائر الأعذار لما خفي على عبدالله مع صحبته للرسول في حضره وسفره.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها صلاة لها وقت معين مخصوص فلا يجوز ترك وقتها المشروع لها إلا لدلالة خاصة قياساً على صلاة الفجر.

قال المؤيد بالله: والمريض لا أرى له تقديم العصر إلى أول وقت الظهر بل يصليه في وقته إن أمكنه وإن فاتته لشدة علته فقضاؤه أولى من تقديمه على وقته(1).
واعلم أن كلامه هذا قد اشتمل على شدة ومبالغة في المنع من جمع التقديم وذلك من أوجه ستة:
أولها: قوله: والمريض. فإذا كان لا يجوز في حق المريض فالمنع في حق غيره أحق لعجزه وتخاذل قواه كالحائض ومن به سلس البول والمستحاضة والخائف والمشغول ببعض الطاعات والمباحات.
وثانيها: قوله: لا أرى له جمع التقديم. أراد في نظره واجتهاده وأنه لا يشارك المسافر غيره في هذه الرخصة.
وثالثها: قوله: بل يصليه لوقته. أراد أن الشرع قد حد لها حداً فلا يجوز خروجها عن حدها المشروع لها إلا لدلالة شرعية مبيحة.
ورابعها: قوله: إن أمكنه. أراد مهما كان مطيقاً لتأديتها في وقتها فلا عذر له في جمع التقديم بل يكون فرضه العزم على تأخيرها كصلاة العصر حتى يؤديها لوقتها من غير تقديم.
وخامسها: قوله: وإن فاتت لشدة علته فقضاؤها أولى من تقديمها على وقتها. أراد أن تأخير العصر وإن كان المريض يغلب على ظنه أنه إذا أخرها فاتت لشدة علته فهو معذور في التأخير وليس معذوراً في التقديم فلهذا كان التأخير أولى، وكلامه هذا محمول على مريض يغلب على ظنه أنه إذا أخرها يغمى عليه ثم يفيق وفي الوقت بقية فتأديتها بعد الإفاقة أحق من تقديمها على وقتها.
__________
(1) هذا الرأي يحتاج إلى مزيد من النظر فيه، لأن القول بتأخير العصر عن وقتها ثم يقضيها أولى من تقديم أدائها في أول وقت الظهر؛ لأن تقديم العصر مع الظهر يتفق مع كثير من الأدلة السابق ذكرها وغيرها كثير، ويتفق مع أقوال كثير من العلماء، على عكس تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، وفي ما تناوله المؤلف من البحث ما يسد الحاجة ويكشف الحقيقة، والله أعلم. اه‍ المحقق.

وسادسها: أن تقديمها إلى وقت الظهر ليس وقتا لها بحال ولا يعذر في ذلك كما لو أداها قبل الزوال بخلاف ما لو أخرها لشدة العلة فهو معذور، فإذا أخرها فقد أدَّاها في وقتها قضاءً أوأداءً، فكلامه هذا دال على المبالغة والشدة من هذه الأوجة.
واعلم أن المؤيد بالله وإن بالغ في هذه المسألة وشدد فيها فهي غير خارجة عن المسائل الاجتهادية والآراء النظريه. والرأي المقطوع به والحق الذي لا مراء فيه تصويب الأراء في المسائل الاجتهادية، وأن كل مجتهد مصيب كما قررناه في الكتب الأصوليه، وهي كغيرها من المسائل الخلافيه والمضطربات الفقهيه في العبادات والمعاملات فلا وجه للتشديد في هذه دون غيرها من مسائل التحليل والتحريم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى ابن عباس أنه ( ) جمع بين المغرب والعشاء من غير سفر ولا مطر، وروي: من غير خوف ولا سفر.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل مجملة ولا ندري كيف وقعت وما كان مجملاً فلا حجة فيه فلا بد من بيانها بدلالة منفصلة.
وأما ثانياً: فلأن ظاهر هذا الحديث يقضي بجواز جمع التقديم من غير عذر وأنتم لا تقولون به.
وأما ثالثاً: فلأن ما ذكرتموه معارض بحديث ابن مسعود وهو أرجح والعمل عليه أقرب لأنه حاظر وأحاديثكم مبيحة والعمل على الحاظر أولى من العمل على المبيح عند التعارض، فلهذا كان أرجح خاصة في أبواب العبادات والطهارات.
قالوا: إنه مشتغل بأمر ليس فيه معصية فجاز له الجمع في أول الوقت كالمسافر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا جريان للأقيسة في العبادات خاصة في رخص السفر فإنها غير معقولة المعاني فالأقيسة فيها منسدة.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بقياس مثله قد قررناه فيجب القضاء ببطلان جريان الأقيسه، والإعتماد على الأخبار المروية التي أوضحناها.

الحكم الرابع: زعمت الإمامية أن الشمس إذا زالت دخل وقت الصلاتين معاً خلا أن الظهر يؤدى قبل العصر، وهذه المقالة فاسدة لأوجه أربعة:
أما أولاً: فلأن الإجماع منعقد قبل خلافكم هذا من الصدر الأول على أن وقت الزوال لا يصلح إلا للظهر وأنه وقت لاختياره إلى المثل وإنما سوغنا للمسافر ومن في حكمه على ما قررناه من الخلاف لدلالة قامت وحجة وضحت بخلاف ما ذكرتموه فإنه لا دلالة عليه.
وأما ثانياً: فلأن أخبار المواقيت إنما تؤخذ من جهة الشرع وهي دالة على أن كل صلاة مختصة بوقت لا يشاركها فيه غيرها، وإن دلت دلالة على المشاركة قضينا بها، وما ذكرتموه فلا دلالة عليه.
وأما ثالثاً: فلأن قولكم دخل وقت الصلاتين بالزوال، إما أن يكون على جهة الجمع أو يكون على جهة البدل، ومحال أن يكون على جهة الجمع فإنه لا يتسع لهما جميعاً. وإما أن يقال أنه على جهة البدل إما هذه وإما هذه على جهة الإشتراك، فما هذا حاله لا دلالة عليه ولو قامت عليه دلالة قضينا بها كما قضينا بالإشتراك في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، وقامت عليه دلالة.
وأما رابعاً: فيلزم مثله إذا غربت الشمس، فإذا دخل الغروب دخل وقت المغرب والعشاء خلا أن المغرب يجب تقديمه وأنتم لا تقولون به فبطل ما ذكروه ، والله أعلم.
الحكم الخامس: في جمع التأخير. واعلم أن جمع التأخير لا يخلو حاله إما أن يكون لعذر أو من غير عذر فهاتان حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون من غير عذر، وهو ممنوع لا يجوز فعله لما روى زيد بن علي عن علي قال: قال رسول اللّه : ((سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون الصلاة كميتة الأبدان " فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها ولتكن صلاتكم مع القوم نافلة فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر))(1)
ثم إن هذا الحديث قد اشتمل على فوائد خمس:
الأولى منها: قوله: ((سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون الصلاة كميتة الأبدان " )) فيحتمل أن يكون هذا الزمان قد سبق وتقدم وهو ما كان في زمان الدولتين دولة بني أميه وبني العباس فإنهم غيروا الأحكام وتلبسوا بالأثام وأماتوا كل سنة وأحيوا كل بدعة وطغوا وبغوا وظلموا الأمه وقتلوا الأئمة لما أرادوا تغيير ما هم عليه من الظلم والفسوق، ويحتمل أن هذا زمان سيأتي فالناس من عام إلى عام يرذلون.
الثانية: تحريم تأخير الصلاة من غير عذر عن وقتها ولهذا سماه إماتة.
الثالثة: وجوب تأدية الصلاة في أول وقتها ولهذا قال: ((فصلوا الصلاة لوقتها " )).
الرابعة: أنه أمر بالصلاة معهم لإدراك فضل الجماعة ولهذا قال: ((ولتكن صلاتكم مع القوم نافلة " )) لأنه ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)).
الخامسة: قوله: ((فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر " )) فيحتمل وجوهاً ثلاثة:
__________
(1) هذا لفظ الحديث في مجموع الإمام زيد بن علي، وأخرج نحوه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داؤد، واللفظ له من حديث أبي ذر، قال: قال لي رسول الله : ((يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة -أو قال: يؤخرون الصلاة-؟ قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟ قال: ((صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلها فإنها لك نافلة)) ومثله عن معاذ بن جبل، أخرجه أبو داؤد، وهو في حديث عمرو بن ميمون عن معاذ وابن مسعود، أخرجه أبو عمرو في تمهيده من طرق وهو على شرط الصحيح، ا ه‍1/595، ونحوه عن عبادة بن الصامت.

أما أولاً: فبأن يكون تركها على وجه الإستحلال فيكون ردَّة وكفراً كما قررناه من قبل.
وأما ثانياً: فبأن يكون محمولاً على أن تركها من أفعال الكافرين.
وأما ثالثاً: فبان يقال بأنه كفر لنعمة اللّه تعالى في مخالفة أمره، ومعصيته بترك الصلاة. فهذه الفوائد يحتملها الحديث كما ترى وهو محتمل لأكثر من هذه الفوائد ولكنا اقتصرنا على هذه لمقدار غرضنا، ولله در كلام صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه فما أكثر غرائبه وأحسن عجائبه وأدق أسراره وأعجب غوامضه وأغواره، ونحن الآن نشير إلى كلام الأئمة في حكم المؤخر للصلاة.
قال الإمام القاسم : ليس للناس تأخير الصلاة متعمدين، ولسنا لمن فعل ذلك إذا لم يكن معتلاً بحامدين(1).
وكلامه هذا فقد اشتمل على فوائد:
الأولى: كراهة تأخير الصلاة وتأثيم من أخرها على جهة العمد من غير عذر.
الثانية: جواز التأخير للعذر وعلى جهة السهو والنسيان.
الثالثة: توجه النكير عليه إذا لم يكن هناك عذر يعذره في التأخير.
الرابعة: إذا كان عليلاً جاز له التأخير.
قال المؤيد بالله : والأقرب أن المختار إذا ترك الصلاة حتى أخر الظهر عن المثل والعشاء عن وقته والمغرب عن وقته في الإختيار وهو ذهاب الحمرة فإنه يأثم ولا تكون كبيرة لأنه آخر الوقت عن مثله(2).
وكلامه هذا مشتمل على فوائد:
الأولى: أنه إذا أخر من غير عمد كالساهي والناسي والعليل فلا إثم عليه للعذر.
الثانية: أنه إذا أخر عن وقت الاختيار فإنه يأثم.
الثالثة: أن تأخيره لا يكون كبيرة ولا يفسق بها.
قال الإمام أبو طالب رضي اللّه عنه: ومن لا يكون معذوراً وأخر الصلاة فالظاهر أنها تجزيه وإن كان مسيئاً(3).
__________
(1) راجع البحر الزخار 1/170.
(2) تقدم في رأي المؤيد بالله في هذه المسألة ضمن الأقوال الخمسة المنقولة عن (الروض).
(3) راجع البحر الزخار ج1/ ص 168.

والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه وهو أن المصلي إذا أخر الظهر عن المثل والعصر عن المثلين أو صلى عند اصفرار الشمس، فإن كان ذلك لعذر على جهة الندرة لشاغل عرض، لم يكن آثماً وأجزته الصلاة، وإن كان متخذاً لذلك عادة على جهة الإستمرار فإنه يكون آثماً عاصياً يستحق النكير لتهاونه بتأدية الصلاة على وجهها، ولتركه لما أوجب اللّه عليه من المحافظة على أوقاتها.
وهل يكون تأخيره كبيرة يفسق بها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: التردد في كونها كبيرة والاحتمال من غير صرم، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، فقد قطعا على الإثم والعصيان، ووقع التردد في الفسق وهو لا يقدم عليه إلا بدلالة قاطعة ولم تحصل فلهذا كان الاحتمال منهما. وناهيك بما هذه حاله في القبح في وقوع التردد في كونه فسقاً أو غير فسق.
المذهب الثاني: القطع بعدم الفسق، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والمختار عندنا: [المذهب الأول] وهو الأصح من كلام الهادي والقاسم ×.
والحجة على ذلك: هو أن الإكفار والتفسيق لا يقدم عليهما إلا بدلالة قاطعة شرعية لا احتمال فيها ولا تردد، ومن هذه حاله فلم تدل في حقه دلالة شرعية على فسقه فلهذا قضينا بإثمه ومعصيته من غير كِبَرٍ في المعصية يدل على الفسق. فقد أوردنا كلام الأئمة هاهنا لنطلع على ما فيه من الأسرار والفوائد،والله الموفق.
الحالة الثانية:إذا كان التأخير لعذر وهذا نحو المتيمم العادم للماء، والأمي الذي يتعلم الصلاة، والموميء الذي لا يستطيع قياماً ولا قعوداً، والقاعد والعريان والواقف في الماء الذي لا يتمكن من الخروج منه، وراكب الراحلة الذي لا يستطيع النزول ومن في حكمهم. فأما المتيمم فقد قدمنا الكلام فيه وهل يلزمه التأخير أم لا؟ فلا مطمع في إعادته، وأما سائر هؤلاء الذين ذكرناهم فهل تكون صلاتهم بدلية فيلزمهم التأخير أو تكون صلاتهم أصلية فيؤدونها في وقتها للإختيار؟ فيه مذهبان:

141 / 279
ع
En
A+
A-