الجواب الثاني: يأتي على كلام الناصرية القائلين بأن القصر رخصة وأنه يلزمه فرضه بالإقتداء به وقد أجابوا عن ذلك بوجهين:
أما أولاً: فلأن إدراكه صلاة المقيم لا يوجب عليه شيئاً لأن فرضه أربع كفرض المقيم لكن رخص له القصر بشرط أن لا يكون مقتدياً بالمقيم، فإذا اقتدى به بقي على أصل فرضه.
وأما ثانياً: فلأن من شرط جواز القصر وجوب نية القصر، فلما لم تصح نية القصر لم يجز له القصر، فالإتمام إنما وجب لعدم نية القصر لا من جهة إدراكه صلاته والدخول فيها فافترقا. وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في إمامة الصلاة ونذكر المختار والانتصار له بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السابع: وإذا أدرك أحد من المعذورين الظهر وركعة معها قبل غروب الشمس أو أدرك المغرب وركعة معها قبل طلوع الفجر، هل يكون مدركاً للصلاتين جميعاً أو لا يكون مدركاً إلا لما تأخر وقته كالعصر والعشاء؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مدركاً للصلاتين جميعاً، وهذا هو رأي القاسمية والناصريه وأحد قولي الشافعي، والأصل في الباب أنه إذا أدرك خمس ركعات قبل الغروب كان مدركاً للصلاتين جميعاً، وإن أدرك أربع ركعات قبل طلوع الفجر كان مدركاً لهما معاً.
والحجة على هذا: هو أنه صلى اللّه عليه جعل مدرك الركعة مدركاً للعصر قبل الغروب وهكذا مدرك الركعة مدركاً للعشاء قبل الطلوع، وإذا كان الأمر كما قلناه وقد بقي قبل ذلك مدة يمكنه أن يصلي فيها أربع ركعات فلا ينبغي إهماله وإذهابها هدراً فلهذا جعلناها وقتاً لإيجاب الظهر وأدائه، وإذا صح ذلك في الظهر والعصر فهكذا الحال في المغرب والعشاء لأن كل من قال [به] في الظهر والعصر قال به في المغرب والعشاء.
المذهب الثاني: أنه لا يجب عليه إلا الأخيرة من الصلاتين، ففي المسألة الأولى لا يجب عليه إلا العصر، وفي الثانية لا يجب عليه إلا العشاء، وهذا هو قول أبي حنيفة.

والحجة على ذلك: هو أن متعلق الوجوب للصلاة هو آخر الوقت عنده فإذا لم يكن الوقت متسعاً لهما جميعاً كان الوقت متعيناً للفريضة الآخرة، كما لو لم يتسع إلا لأداء فريضة واحدة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة لهم: ما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أن هذا الوقت وقت للظهر والعصر جميعاً، وصالح لهما فإدراك أربع ركعات يكون مدركاً للظهر بها وركعة واحدة يدرك بها العصر كما دل عليه الخبر، فلهذا توجه وجوبهما جميعاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: متعلق الوجوب آخر الوقت فإذا لم يكن الوقت متسعاً لهما على الكمال كان الوقت متعيناً للفرض الآخر وتبطل الأولى كما لو لم يتسع إلا لركعة واحدة.
قلنا: لا نسلم أن متعلق الوجوب آخر الوقت وقد مر بيانه، ولكن بعد المثل يكون وقتاً لهما جميعاً فيؤدى الظهر لاتساعه له، ويؤدى العصر لاتساعه بركعة واحدة فيكون مدركاً لهما لا محالة، وكل ما ذكرناه في وجوب تأدية الفرضين إنما هو مع اتساع الوقت للطهارة الكبرى أو الطهارة الصغرى في حق الحائض أو المحدث، فأما إذا كان الوقت متسعاً لخمس ركعات من غير طهارة كان الوقت فائتاً لا محالة إذا كانت الطهارة تستوعب الوقت.
الفرع الثامن: إذا كان الوقت لا يتسع إلا لفريضة واحدة فهل تجب الصلاة التي قبلها تبعاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن إدراك الثانية لا يلزم فعل الأولى وأن الأولى غير واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الوقت هذا لم يكن متسعاً إلا لفريضة واحدة سواء كان بعضها أو كلها فلا وجه لإيجاب الأولى كما لو لم يتسع لواحدة منهما.
المذهب الثاني: أنه ينظر في ذلك فإن كان وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزم وجوب ما قبلها لأنه ليس وقتاً لها بحال، وإن كان في وقت العصر أو العشاء لزمت الصلاة الأولى بإدراك الثانية، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه.

والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف أنهما أوجبا على الحائض تطهر قبل الفجر بركعة واحدة، المغرب والعشاء ولا مخالف لهما من الصحابة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة على هذا: هو أن الخطاب إنما يتوجه بأداء العبادة إذا كان الوقت متسعاً لأدائها فأما إذا كان لا يتسع لأدائها فلا وجه لإيجابها.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف أنهما أوجبا على الحائض تطهر قبل الفجر بما يتسع لركعة واحدة المغرب والعشاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما أوردوه ليس حجة وإنما الحجة ما كان عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه، ونهايه الأمر أن يكون هذا اجتهاداً لهما، وقول المجتهد ليس حجة على غيره وإنما يلزم اجتهاده لنفسه لا غير.
قولهم:لا مخالف لهما في الصحابة.
قلنا: ليس ينسب إلى ساكت قول، فسكوتهم ليس دلالة على رضاهم بهذا القول وربما سكت الساكت لعوارض كبيرة من جملتها الرضا، فلعلهم إنما سكتوا من جهة أن المسألة اجتهادية وكل مجتهد مصيب في إجتهاده وهذا لا يكون إجماعاً.
وأما ثانياً: فإن هذا محمول على أنهما قالا: إذا أدركت ركعة قبل طلوع الفجر فهي مخيرة بين تأدية المغرب أو العشاء على جهة التخيير لما كان الوقت صالحاً لها، فظن السامع أنهما قالا: يجب الفرضان عليها جميعاً، والغرض إيجاب أحدهما على جهة البدل فالتبس على السامع.
قاعدة: اعلم أن الشافعي إنما يلزم تأدية الفريضة الأولى بإدراك فرض الثانية بشرط أن يكون مدركاً من الثانية جزءاً منها أو كلها، فأما إذا لم يدرك شيئاً منها فلا وجه لإيجاب الأولى، ثم لهم(1)
في ذلك أقوال ستة:
أولها: أنه يلزمه الظهر إذا أدرك من العصر قدر تكبيرة واحدة ويلزمه المغرب إذا أدرك من العشاء قدر تكبيرة.
وثانيها: أنه لا تلزم الصلاة الأولى إلا إذا أدرك من وقت الصلاة الثانية قدر ركعة واحدة.
__________
(1) أصحاب الشافعي.

وثالثها: أنه لا تلزمه الصلاة الأولى إلا إذا أدرك من وقت الثانية قدر ركعة وطهارة.
ورابعها:أن الظهر لا يلزمه إلا إذا أدرك من وقت العصر قدر خمس ركعات.
وخامسها: أن الظهر يلزمه إذا أدرك من وقت العصر قدر أربع ركعات وتكبيرة ويلزمه المغرب مع العشاء إذا أدرك من وقت العشاء قدر ثلاث ركعات وتكبيرة.
وسادسها: أن الظهر يلزمه إذا أدرك من وقت العصر قدر أربع ركعات ويلزمه المغرب إذا أدرك من وقت العشاء قدر أربع ركعات. فهذه الأوجه كلها متفقة على أن الأولى لا تجب إلا إذا أدرك من الثانية كلها أو بعضها كما أشرنا إليه وبعضها مخرج على مذهبه لأصحابه وبعضها منصوص له.
الفرع التاسع:في الصلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر.
اعلم أن جميع ما أسلفناه إنما هو كلام في الأوقات المكروهة لنفسها وهي الأوقات الثلاثة،وهذا الكلام في الكراهة المتعلقة بالفعل، فهل تجوز الصلاة بعد صلاة العصر والفجر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز الصلاة في هذين الوقتين للقضاء وللنافلة المبتدأة والنافلة التي لها سبب، وهذا هو رأي الأئمة القاسم والهادي والناصر، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه ((رأى قيساً يصلي بعد صلاة الفجر فقال له ما هتان الركعتان " ؟ فقال هما ركعتا الفجر فأقره على ذلك ولم ينهه)).
الحجة الثانية: ما روت عائشة عن أم سلمه رضي اللّه عنهما [أنها قالت] ((إن رسول اللّه صلى في بيتي ركعتين بعد العصر " فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد فصليتهما الآن))، وفي رواية أخرى ((فشغلني عنهما مال)).
المذهب الثاني: كراهة فعل النوافل في هذين الوقتين وهو رأي أبي حنيفة.

والحجة على هذا: ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء " (1)
وأبي هريرة عن الرسول أنه ((نهى عن الصلاة في هذين الوقتين بعد العصر والفجر " ))(2).
الحجة الثانية: عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عمر رضي اللّه عنه أن الرسول ((نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس " وبعد العصر حتى تغرب الشمس)) فهذان الخبران دالان على كراهة الصلاة في هذين الوقتين.
المذهب الثالث: أن كل ما كان له سبب من الصلوات جاز فعله في هذين الوقتين وما ليس له سبب كالنوافل المبتدأة فلا يجوز فعله فيهما فصلاة الجنازة وتحية المسجد وركعتا الفجر وقضاء السنن الراتبة وقضاء الصلوات المفروضة يجوز فعل هذه لأن لها أسباباً، فأما النافلة المبتدأة فمكروه فعلها وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد أنه رأى الحسن والحسين رضي اللّه عنهما طافا بعد الفجر وصليا(3)،
ومثل هذا لا يصدر عن اجتهاد وإنما يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب هو باب العبادة لا مجال للاجتهاد فيه.
__________
(1) واسمه: معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث الأنصاري الخزرجي، وعفراء أمه، صحابي شهد العقبة الأولى مع الستة الذين هم أول من لقي النبي من الأوس والخزرج، وشهد بدراً وشرك في قتل أبي جهل، وعاش بعد ذلك، وقيل: بل جرح ببدر فمات من جراحه، له رواية عن النبي في السنن للنسائي وغيره، عن طريق نصر بن عبد الرحمن. ا ه‍. (الإصابة) 6/140، وفي تهذيب (الكمال): أنه توفي يوم قُتل عثمان.
(2) تقدم في هذا الباب ما فيه الكفاية.
(3) جاء في (الجواهر): حكاه في (الشفاء)، وروي نحو ذلك عن ابن عمر وابن الزبير والله أعلم. ا ه‍1/168.

الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ " }[هود:114] فظاهر هذه الآية جواز الصلاة في هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار، وروي عن ابن عمر وابن الزبير أنهما طافا بالبيت بعد العصر وصليا، فهذا كله دال على جواز الصلاة في هذين الوقتين لأن لها أسباباً فدل ذلك على أن الصلاة إنما جازت لما اختصت به من هذه الأسباب.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
والحجة له: ما أسلفناه ونزيد هاهنا تقريراً نشير إليه، وهو أن هذه الأخبار كلها دالة ومشيرة إلى أن الصلاة التي وقعت في هذين الوقتين إنما كانت لأسباب عارضه وأنت إذا تصفحتها وجدتها مثل ما ذكرناه دالة على أسباب كالقضاء للفرض والنفل والطواف وركعتيه وصلاة الجنازة وركعتي الفجر وركعتي الظهر وتحية المسجد، فكلها مفعولة لهذه الأسباب ولم يمنع إلا ما كان من النوافل المبتدأة فما دل من الأخبار على المنع حملناه على النوافل المبتدأة وما دل على الوقوع والجواز حملناه على أنه فعل لأسباب عارضة، فهذه طريقة جامعة بين الأخبار وهي طريقة مستحسنة لما فيها من الجمع بين الأدلة حذراً من التناقض والله أعلم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: خبر قيس وعائشة وأم سلمه يدل على جواز الصلاة في هذين الوقتين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن أخبارنا حاظرة وأخباركم مبيحة والحاظر في العبادات أولى من المبيح لأن الباب فيها باب الإحتياط فلهذا كانت أحق بالقبول.
وأما ثانياً: فلأنا نحملها على النوافل المبتداة جمعاً بين الأخبار وحذراً من التناقض بين الأدلة، فكل ما كان من الأخبار والآثار دال على المنع فهو محمول على ابتداء النوافل وكل ما كان دالاً على الجواز فهو محمول على ما له سبب وبهذا تتفق الأدلة وتتناصر على مقصود واحد.
الفرع العاشر: مشتمل على أحكام في الجمع:
الحكم الأول: اعلم أن الصلاة لها ثلاثة أوقات:

فالوقت الأول: حال المقام والرفاهية وهو للذي ليس بمضطر ولا مسافر، والمقام بضم الميم هو الإقامه والمقام يفتح الميم هو المكان. والرفاهية هي الخفض والدعة.
والوقت الثاني: هو وقت العذر نحو السفر والمطر.
والوقت الثالث: هو وقت الإضطرار كالكافر يسلم والصبي يبلغ والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والحائض والنفساء يطهران، فإذا تقررت هذه القاعدة فالذي استقر عليه رأي أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة مالك وعطاء أن ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت للظهر والعصر وما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقت للمغرب والعشاء، وذهب الفريقان الحنفية والشافعية إلى أن ذلك لا يكون وقتاً للصلاتين، وهذا الخلاف في الحقيقة ليس ورائه كبير فائدة فإنهم يسلمون لنا جواز تأدية العصر في وقت الظهر لمن كان له عذر كالمسافر والممطور ويسلمون لنا جواز تأخير الظهر عن المثل في الجواز. وإذا كان هذا مسلماً فلا معنى لقولهم إنه ليس وقتاً للصلاتين فإنا لا نريد بكونه وقتاً للصلاتين إلا ما قررناه.
نعم، يمكن أن يقال: ليس وقتاً للإختيار وإنما هو وقت للعذر والإضطرار فعلى هذا يمكن تقرير الخلاف ونحن وإن قلنا بأن ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت للظهر والعصر فلسنا نقول بمقالة الإمامية أنها إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين جميعاً الظهر والعصر ولكن يجب تقديم الظهر على العصر لأن وقت الظهر لا يتسع لهما فكيف يقال بدخول الزوال يدخل وقت العصر.
ووجهه: أن وقت الظهر ليس وقتاً للعصر على جهة الإختيار كما سنقرر الكلام عليهم بمعونة اللّه تعالى.

والحجة على ما قلناه من صلاحية الوقت للصلاتين الظهر والعصر: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء:78]. فظاهر الآية دال على أن من وقت الزوال إلى غسق الليل صالح لكل صلاة إلا ما خرج بدلالة أنه ليس وقتاً لها كالمغرب والعشاء، وليس وقتاً للإختيار كالزوال إلى المثل فيبقى ما ذكرناه مندرجاً تحت ظاهرها.
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن رسول اللّه : أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر(1)
__________
(1) أورده السياغي في الروض النضير بلفظ: جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر، وعن أبي هريرة: جمع رسول الله بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف، رواه البزار. وفيه عثمان بن خالد الأموي وهو ضعيف، ا ه‍، كما جاء في الروض ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن عبد الله بن مسعود قال: جمع رسول الله بالمدينة بين الأولى والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: ((صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي)) رواه الطبراني في (الأوسط والكبير) وفيه عبد الله بن عبد القدوس ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء، وفي الباب نفسه ورد في (الروض) حديث جابر، رواه الطحاوي بسند صحيح، قال: جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للترخيص من غير خوف ولا علة، ومنها حديث ابن عمر، رواه عبد الرزاق بلفظ سابقه إلا أنه قال: وهو غير مسافر، قال رجل لابن عمر: ولم تر النبي فعل ذلك؟ قال: لئلا يحرج أمته إن جمع رجل، رواه الهادي في (المنتخب) بلفظ: وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قال عبد الله بن عمر فذكر الحديث، وفي عمرو بن شعيب مقال: والرواية فيها انقطاع؛ لأن عمراً لم يدرك عبد الله بن عمر. ومنها حديث ابن عباس وهو أقوى ما يحتج به هنا، (وهو ما أورده المؤلف) وقد رواه جماعة من أئمة أهل البيت وكثير من غيرهم، وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ومالك واحمد والبخاري ومسلم والطبراني والحافظ الهيثمي وغيره من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة، ا ه‍بتصرف ج1/604.

،
وفي رواية أخرى: من غير مطر ولا سفر. وفي هذا دلالة على ما قلناه من صلاحية الوقت الذي ذكرناه لهذه الصلوات.
ولهم حجتان:
الحجة الأولى: ما في خبر ابن العاص عن الرسول أنه قال: ((وقت الظهر مالم يدخل وقت العصر " ووقت العصر مالم تصفر الشمس))(1)
فخص كل صلاة بوقت وفيه دلالة على ما قلناه.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((للصلاة أول وآخر " فأول وقت المغرب إذا غابت الشمس وأخره حين يغيب الشفق))(2)
فجعل لكل صلاة وقتاً يخصها.
والمختار: ما قررناه آنفاً من أن الخلاف مرتفع بيننا وبينهم لأنا نريد الجواز وهو متسع عام وهم يريدون الإختيار وهو ضيق خاص، فإن كان الغرض العموم فالوقت صالح للصلاتين من الزوال إلى الغروب وإن كان الغرض الخصوص فليس صالحاً إلا لجزء منه كما أوضحنا وقت كل صلاة على الخصوص في اختيارها وبيان الأفضلية في حق كل صلاة فيها فأغنى عن تكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من الأخبار.
قالوا: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وحديث أبي هريرة يدلان على خصوصية الوقت لكل صلاة كما هو مفهوم من ظاهرهما وفي هذا دلالة على ما قلناه من اختصاص كل صلاة بوقتها الخاص.
قلنا: الخبران محمولان على وقت الإختيار وهذا لا نزاع فيه فإن لكل صلاة وقتاً في الفضيله وفي الإختيار لا يشاركها غيرها من سائر الصلوات وإنما كلامنا في وقت الجواز والإجزاء وهو عام من وقت الزوال إلى الغروب للظهر والعصر، ومن الغروب إلى طلوع الفجر للمغرب والعشاء.
الحكم الثاني: في جواز الجمع بين الصلاتين.
__________
(1) هو في حديث ابن عمرو بن العاص ولفظه: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر)) ا ه‍، جواهر ج1 ص169.
(2) تقدم مروياً عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

اتفق العلماء(1)
أئمة العترة وفقهاء الأمة الحنفية والشافعية والمالكية وغيرهم على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما في حال الإقامة من غير عذر ولا سبب يبيح الجمع لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا الصلاة لوقتها " ))(2).
وهل يجوز الجمع بينهما في وقت أحدهما في حال السفر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز الجمع للمسافر، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ابن عمر وابن عباس ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وسعيد بن زيد " (3)
من الصحابة رضي اللّه عنهم، وبه قال: مالك والشافعي وعليه حجتان:
الحجة الأولى: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه كان إذا زاغت الشمس وهو بمنزله جمع بين الظهر والعصر وإذا لم تزع حتى ارتحل فصار إلى وقت العصر نزل فجمع بينهما، وإذا غربت الشمس وهو في منزل جمع بين المغرب و العشاء.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: وهذا ذكر في الشرح، قال سيدنا: ودعوى الإجماع فيها نظر، لأنه قد روي عن الإمام المتوكل على الله (أحمد بن سليمان) والإمام المهدي أحمد (بن الحسين) وأحد قولي الناصر، وابن المنذر وابن سيرين، وهو قول الإمامية: أنه يجوز جمع التقديم والتأخير لمن لا عذر له. ا ه‍.
(2) تقدم.
(3) سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد المشاهد كلها بعد بدر مع رسول الله ضرب له رسول الله سهمه وأجره في بدر هو وطلحة، وكان بعثهما يتحسسان له أمر عير قريش فلم يحضرا بدراً، هاجر هو وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وروى عن النبي ، وعنه ابنه هشام وأبو الطفيل وقيس بن حازم وغيرهم، نقل ابن حجر العسقلاني عن الواقدي أنه توفي في العقيق فحمل إلى المدينة، فدفن بها، وذلك سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة، قال: وهذا أثبت عندنا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وروي أنه مات بالكوفة، والله أعلم. (تهذيب التهذيب) 4/30.

140 / 279
ع
En
A+
A-