وا لحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك عن رسول اللّه ، أنه قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ))(1).
وفي بعض الأحاديث، ((لا وقت لها غيره)) فاقتضى عموم هذا القول جواز فعل الفوائت في كل وقت تذكر فيه وأن النهي خاص في ما عدا ما ذكرناه.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وأبي عبدالله الداعي، والحنفية.
والحجة على هذا: ما في حديث عقبه بن عامر من المنع من تأدية الصلوات في هذه الأوقات الثلاثة سواء كانت قضاء أو أداء إلا فجر يومه وعصر يومه لا غير.
والمختار: ما قاله الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله ومن تابعهما.
والحجة لهم ما ذكرناه، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن الرسول ، أنه ((لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه " فاستيقظ وقد طلعت الشمس فانتظر حتى استقلت في طلوعها))، وفي بعض الأخبار ((هنيهة)) يعني وقتاً يسيراً، فاقتضى ظاهر ما ذكرناه من هذه الأخبار المنع من تأدية القضاء في هذه الأوقات.
الحجة الثانية: قوله : ((أما الليل فالصلاة فيه مقبولة مشهودة " حتى تصلي الفجر ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض)). إلى آخر الحديث الذي مر بيانه فاقتضى بظاهره المنع من تأدية الصلوات في هذه الأوقات إلا ما استثناه من عصر يومه وفجر يومه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه مما يخالف ما ذكرناه.
قالوا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )) فظاهره وعمومه يقتضيان جواز القضاء في هذه الأوقات الثلاثة.
قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أنه ليس في خبركم هذا لفظ عموم لا في قوله صلاة ولا في قوله فوقتها لأن الفاظ العموم محصورة، وهاتان اللفظتان ليستا من ألفاظ العموم في ورد ولا صدر، فبطل احتجاجكم بالعموم.
__________
(1) تقدم.
الجواب الثاني: أن خبرنا خاص في الأوقات عام في القضاء والأداء وخبركم عام في الوقت خاص في القضاء، فصار كل واحد من خبرنا وخبركم خاصاً من وجه عامَّاً من وجه، فخبرنا خاص فيما خبركم عام فيه، وخبركم خاص فيما خبرنا عام فيه، وإذا كان الأمر فيهما كما ذكرناه كان خبرنا أرجح لأنه خاص في الوقت وكلامنا إنما هو في الوقت وما نجوزه وما نمنع منه، فلا جرم قضينا بما دل عليه على جهة الخصوص.
الجواب الثالث: هو أنا نجمع بين أخبارنا وأخباركم ونستعمل الكل فيما تدل عليه، فنحمل أخبارنا على المنع من الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة سواء كانت مؤداة أو مقضية ونحمل أخباركم على جواز تأدية القضاء في غير هذه الأوقات الثلاثة فيكون جمعاً بين الأدلة الشرعية فيما تناولته حذراً من التناقض فيها والتدافع، وهذه طريقة مرضيه.
قالوا: روي عن رسول اللّه أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها))، فإذا جاز الأداء في هذين الوقتين جاز القضاء من غير فرق.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله قد خصه الشرع بدلالة ظاهرة فخرج عن القاعدة وبقي ما عداه على أصل المنع.
وأما ثانياً: فلأن ما هذا حاله هو فرض الوقت، فأدي فيه لأجل ضرورة التفريط بخلاف وقت القضاء فإنه حال الرفاهيه، فلهذا كانت تأديتها في غير هذه الأوقات الثلاثة.
الفرع الثاني: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة فيمن له أوراد في العبادات من الصلوات والصيامات في أوقات مخصوصة وفاتت عليه لشاغل من الشواغل، فإنه لا يعقل فيها القضاء؛ لأن القضاء إنما يكون في عبادات مؤقتة من جهة الشرع فأما النوافل المبتدأة فلا قضاء فيها. وهل يستحب قضاء النوافل المؤقتة بأوقات من جهة الشرع نحو راتبة الظهر والمغرب والفجر والوتر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهذا هو رأي القاسم والهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )) ولم يفصل بين الواجب والنفل فيما كان مؤقتاً بوقت.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن رسول اللّه أنه قال: ((من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما " ))(1).
المذهب الثاني: المنع من قضاء هذه الرواتب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: أن هذه الصلوات تطوع فلا تقضى بعد فواتها عن وقتها كصلاة الكسوف والخسوف والإستسقاء.
الحجة الثانية: هو أنها صلاة مؤقتة مسنونة فسقطت بفوات محلها كالتشهد الأول إذا تركه الإمام.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: روي عن رسول اللّه أنه رأى قيساً يصلي بعد صلاة الصبح، فقال له: ((ما هاتان الركعتان " ؟ فقال: ركعتا الفجر)) فلم ينهه ولم ينكر عليه(2).
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك ج1 ص 408، والدار قطني في سننه 1/382.
(2) عن عمر بن إبراهيم عن قيس قال: خرج رسول الله فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي فوجدني أصلي فقال: ((مهلاً يا قيس أصلاتان معاً))؟ فقلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: ((فلا إذن)). هذه رواية الترمذي، وفي رواية أبي داؤد عن قيس أن النبي رأى رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله : ((صلاة الصبح ركعتان)) فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ، ا هجواهر 1/168، والحديث ورد من عدة طرق بألفاظ متقاربة أخرجه الحاكم في المستدرك 1/409، والبيهقي في السنن الكبرى 2/456،483،484، والدار قطني في سننه 1/383 وغيرهم.
الحجة الثانية: روت عائشة عن أم سلمة [قالت]: ((إن الرسول صلى في بيتي ركعتين بعد العصر " فقلت: ماهاتان الركعتان؟ فقال: كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما مال فصليتهما الآن))(1).
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: إن هذه الصلوات تطوع فلا تقضى بعد فوات وقتها كصلاة الكسوف و الخسوف.
قلنا: المعنى في الأصل أن هذه الصلوات ليست مؤقتة بوقت لكن لها أسباب تبطل ببطلان أسبابها.
قالوا: المسنون يسقط بسقوط محله كالتشهد الأوسط.
قلنا: إنه لم يسقط بفوات محله وإنما سقط بالإنتقال إلى الفرض المقصود بعده لا لفوات محله، ألا ترى أنه إذا نهض إلى القيام ولم يستكمله فقد انتقل عن المحل ومع ذلك فإنه يرجع إليه لما لم يستتم الغرض المقصود فافترقا.
الفرع الثالث: إذا قلنا: باستحباب قضاء النوافل المؤقتة فهل يكون قضاؤها في هذه الأوقات الثلاثة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو رأي القاسم والهادي.
والحجة على ذلك: ما ذكرناه في قضاء الصلوات الواجبة إذا فاتت فلا وجه لتكريره.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وأبي عبدالله الداعي.
والحجة لهم: ما أسلفناه.
والمختار: وذكر الانتصار قد قررناه في المنع من القضاء في هذه الأوقات فأغنى عن تكريره.
نعم. وإذا منعنا من تأدية النوافل المبتداة في هذه الأوقات فهل يُستثنى شيء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يستثنى شيء، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) أورده في شرح معاني الآثار 1/302.
والحجة على هذا: ما في حديث عقبة بن عامر من قوله: ثلاثة أوقات نهانا رسول اللّه ، الخبر الذي قدمناه. وحديث عمرو بن عبسه(1)
((صلاة الليل مقبولة مشهودة وصلاة النهار مقبولة مشهودة " )) الخبر. وقد قدمناه فإنهما دالان على تحريم النوافل في هذه الأوقات الثلاثة من غير فصل بين وقت ووقت ولا بين مكان ومكان.
المذهب الثاني: أنه يستثنى عن ذلك من الزمان الجمعة ومن المكان مكة، وهذا هو رأي الشافعي. أما استثناء الجمعة فلما روى أبو سعيد الخدري عن رسول اللّه ((أنه نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة " ))(2)
وقد قيل: إن ذلك مختص بمن يغشاه النوم فيقصد طرده بركعتين. وقيل: إنه لا يختص به بل هو خاصة يوم الجمعة، هذا تقرير أصحابه لمذهبه.
__________
(1) قال ابن بهران عن ابن عنبسة: هكذا هو في أكثر نسخ البحر وغيره من كتب أصحابنا بنون ساكنة بعد العين، وهو تصحيف، والصواب: عَبَسة، بفتع العين والباء الموحدة والسين المهملة. كذا ضبطه المحققون، ا ههامش البحر ج1/ 166.
(2) رواه البيهقي والشافعي عن أبي هريرة بإسناد لا تقوم به حجة. ا ه، فتح الغفار 1/141 وفي جواهر الأخبار نقلاً عن الجامع الكافي عن أبي سعيد أن رسول الله قال: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) أخرجه البخاري ومسلم بروايات كثيرة ليس في شيء منها قوله: ((...إلا في يوم الجمعة)) فإن ذلك في حديث أخرجه أبو داؤد عن أبي قتادة ولفظه: ان رسول الله كان يكره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال : ((إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة)) ا ه. 1/166.
وأما استثناء مكة فلما روي عن أبي ذر الغفاري ((أنه أخذ بعضادتي الكعبة وقال: من عرفني فقد عرفني " ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جناده سمعت رسول اللّه يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس " ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكه))(1).
وكذلك لا يكره الطواف في سائر الأوقات لقوله :((يابني عبد مناف من ولي من أمور المسلمين شيئاً فلا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت في ساعة من ليل ولا نهار " ))(2).
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والحنفيه.
وا لحجة لهم: ما قررناه من قبل من الأخبار فلا وجه لتكريره، ونزيد هاهنا وهو أن مكه مسجد من المساجد فلا يجوز أن يصلى فيه في الأوقات الثلاثة، دليله سائر المساجد، وهكذا حال يوم الجمعة لأنه فعل صلاة نافلة حال الإستواء والطلوع والغروب فوجب أن يكون ممنوعاً كسائر الأيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: خبر أبي سعيد الخدري وخبر أبي ذر الغفاري يدلان على ما قلناه.
قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أن أخبارنا منقولة مشهورة عند أهل العلم لا يختلفون في صحة نقلها ومتفقون على العمل عليها، وهي دالة بظواهرها على المنع من الصلاة في الأوقات الثلاثة، وما أوردتموه من هذه الأخبار مختلف فيه فلا جرم كانت أخبارنا أحق بالقبول.
__________
(1) وعن أبي ذر عن النبي قال: ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة)) ثلاثاً، رواه أحمد والشافعي وابن عدي بإسناد ضعيف. ا ه1/141.
(2) وفي (فتح الغفار) ورد الحديث عن ابن عباس وقال: رواه الدارقطني والطبراني وأبو نعيم والخطيب في تلخيصه، قال في التلخيص: وهو معلول، ا ه1/140.
الجواب الثاني: أخبارنا دالة على الحظر والمنع من العبادة في هذه الأوقات وأخباركم دالة على الإباحة، والخبران إذا تعارضا وكان أحدهما حاظراً والآخر مبيحاً كان العمل على الحاظر أولى من العمل على المبيح لما فيه من الإحتياط خاصة في العبادات فإن مبناها على الإحتياط والبعد عن الآثام، فلهذا كانت أحق بالقبول.
الجواب الثالث: إن ما ذكرتموه معارض بما أوردناه من الأخبار فيجب تأويلها على وفق ما دلت عليه أخبارنا، وهو أن المراد بقوله: إلا مكة، وإلا يوم الجمعة فإنهما أحق بالمنع والتحريم في تأدية العبادة في هذه الأوقات الثلاثة دفعاً لوهم من يتوهم أنهما مخالفان لسائر الأزمنة وسائر البقاع. فإذا حملنا هذين الخبرين اللذين أوردوهما على ما ذكرناه كانت أخبارنا وأخبارهم متفقة على المطلوب.
الفرع الرابع: اختلف السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب في تحصيل مذهب الهادي في قضاء هذه النوافل، فالذي حصله السيد أبو طالب من مذهبه: استحباب قضائها في غير هذه الأوقات الثلاثة، وكراهة قضائها فيها، وحصَّل المؤيد بالله: جواز ذلك من غير كراهة. وكلا التحصيلين لا غبار عليه على ما فهما من كلامه في مصنفاته، خلا أن ما قاله المؤيد بالله هو الأحرى على أصوله والأقيس على رأيه، من جهة أن الفرائض آكد من النوافل وأعلى حالاً منها، فإذا جاز ذلك في الفرائض جاز في النوافل من طريق الأولى والأحق. نعم النوافل التي لها أساب نحو تحية المسجد وركعتي الطواف وغيرهما مما لها أسباب تضاف إليها، هل يجوز قضاؤها في هذه الأوقات الثلاثة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك قوله : ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ))، ولم يفصل بين وقت ووقت ولا بين فرض ونفل.
الحجة الثانية: ولأنها صلاة لها وقت معلوم فأشبهت الفرائض.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو الظاهر من قول الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: خبر عقبه بن عامر فإن ظاهره المنع من تأديتها في هذه الأوقات الثلاثة.
الحجة الثانية: ما في خبر عمرو بن عَبَسَة فإنه دال على المنع من تأديتها في هذه الأوقات الثلاثة.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأنها نافلة فَكُرِهَ فعلها في هذه الأوقات كسائر النوافل التي لا سبب لها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، وهو أن الخبر الذي رووه ليس فيه عموم ولا فيه شيء من ألفاظ العموم، والقياس الذي ذكروه فهو معارض بمثله من الأقيسة، ثم إنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية مستندها ما كان من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله فأما الأقيسة فهي بمعزل عنها، وإنما نوردها للفقهاء على جهة التقوية لما دلت عليه الآي والأخبار.
الفرع الخامس: إذا صلى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس أو صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس، فهل يتمها أو يقطعها أو يتوقف؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يتمها وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الصبح فقد أدرك الفجر " )) و((من أدرك ركعة من صلاة الغداة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر " )) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على إدراكه للصلاتين.
المذهب الثاني: أن الركعة تفسد عليه ويعيدها، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: حديث عقبه بن عامر وهو قوله: ((ثلاثة أوقات نهانا رسول اللّه عن أن نصلي فيهن " )) ولم يفصل بين أن يكون قد شرع فيهن أو لم يشرع.
المذهب الثالث: أنه يمكث على حالته حتى ترتفع الشمس ثم يتم صلاته بتلك التحريمة، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف.
والحجة على ذلك: هو أن الشروع صحيح فلا يجوز إبطاله بعروض المفسد، لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33] وأما الإتمام فمحظور لدخول الوقت المفسد للعبادة وهو الطلوع، فلأجل هذا قضينا بالوقف على حاله حتى يزول الوقت المحظور ويمضي في صلاته.
والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو قوله : ((من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فليصل إليها أخرى " ))(1)،
ويروى: ((فليضف إليها أخرى)) فهذه الأخبار كلها دالة بصريحهاعلى الإتمام للعبادة والإجزاء.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، فأما احتجاج أبي حنيفة بحديث عقبه بن عامر فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنه محمول على الشروع في العبادة فأما بعد الدخول فيها فلا نسلم أنه متناول لها.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها فإنها صريحة في الإتمام. وأما إحتجاج أبي يوسف على التوقف فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن الأخبار دالة على الإتمام ولا وجه للوقف.
وأما ثانياً: فلأن وقوفه لا يخلو حاله في حال وقفه إما أن يكون مصلياً أو غير مصل، فإن كان مصلياً أتم صلاته ولا فائدة في الوقف، وإن كان غير مصل فقد بطلت صلاته، فكيف يقال بأنه يتمها بعد ذهاب وقت الفساد وقد خرج عن كونه مصلياً. ومن وجه آخر وهو أن الأخبار قد دلت بصراحتها على صحتها وثباتها فلا يمكن معارضة كلام صاحب الشريعة بالرأي والاجتهاد.
__________
(1) وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإن أدرك سجدة من صلاة الصبح فليتم صلاته)) أخرجه البخاري، والمراد بالسجدة: الركعة بتمامها. ا ه، (جواهر) نقلاً عن (الجامع الكافي) 1/167.
الفرع السادس: إذا قلنا: بأن إدراك ركعة قبل غروب الشمس يكون إدراكاً للعصر وإن إدراك ركعة قبل طلوع الشمس يكون إدراكاً للفجر، فلو أدرك دون الركعة هل تلزمه تلك الصلاة أم لا؟ فيه مذاهبان:
المذهب الأول: أن إدراك دون الركعة لا يلزم تلك الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة، وأحد قولي الشافعي ومحكي عن مالك، وهو رأي المزني، والمروزي من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو الخبر: ((من أدرك ركعة من العصر أو من الفجر فقد أدركهما " )) فجعل الإدراك للصلاة بإدراك ركعة كاملة، فإذا أدرك دون الركعة لم يكن مدركاً لها وهو مرادنا.
المذهب الثاني: أنه يكون مدركاً بتكبيرة الإفتتاح وهذا هو قول أبي حنيفة، وقول آخر للشافعي، واختيار القاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن إدراك يسير الوقت يتعلق به وجوب الصلاة كما أن إدراك المسافر من صلاة المقيم يتعلق به وجوب الركعتين الأخيرتين عليه، ثم لا فرق بين أن يدرك المسافر من صلاة المقيم ركعة كاملة أو قدر الإفتتاح فإنه يلزمه الإتمام.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم.
والحجة لهم: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا، وهو أنه قد حد الإدراك في الخبر بالركعة الواحدة الكاملة فلو كان دونها يكون إدراكاً لذكره لأنه في موضع التعليم فلا يجوز تأخير التعليم عن موضع الحاجة، فلما لم يذكر دل على أن ما دونها لا يكون إدراكاً للصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إدراك يسير الوقت يتعلق به وجوب الصلاة كما أن إدراك المسافر من صلاة المقيم يتعلق به وجوب الركعتين عليه إلى آخر ما قرروه.
قلنا: عن هذا جوابان:
الجواب الأول: يأتي على كلام القاسميه القائلين بأن القصر عزيمة وأن المسافر لا يقتدي بالمقيم فيما يختلف فرضاهما فيه كالظهر والعصر والعشاء ولا يلزمه فرضه ويجوز له الإقتداء به فيما يتفق فرضاهما فيه كالمغرب والفجر ولا يلزمه شيء للإقتداء ولا يتغير فرضه فهذا غير لازم لهم.