الفرع الثامن عشر: والأفضل تأدية الصلوات على أوقاتها لما روي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الأعمال الصلاة لوقتها " )) (1) وفي حديث آخر ((صلوا الصلاة لوقتها فإن تأخيرها عن وقتها كفر " )). ونحن نذكرها واحدة واحدة ونذكر ما تحتمله كل واحدة من التقديم والتأخير ونرسم في كل صلاة من الصلوات المكتوبة مسألة.
المسألة الأولى: في صلاة الفجر، والأفضل أن تصلى الصبح في أول وقتها إذا تحقق طلوع الفجر، وهل الأفضل الإسفار أو التغليس؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأفضل هو التغليس وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصريه، وهو محكي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة و غيرهم من الصحابة، ومن الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه.
والحجة: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " }[البقرة: 238] ومن المحافظة عليها تأديتها في أول وقتها.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان نساء من المؤمنات ينصرفن من صلاة الصبح مع رسول اللّه متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس(2) وهذا إخبار عن المداومة.
__________
(1) جاء الحديث من عدة طرق منها عن عبد الله بن عمر أن رجلاً سأل رسول الله عن أفضل الأعمال، فقال: ((الصلاة)) قال: ثم مه؟ قال: ((ثم الصلاة)) قال: ثم مه؟ قال: ((ثم الصلاة)) ثلاث مرات، قال: ثم مه؟ قال: ((ثم الجهاد في سبيل الله)) رواه أحمد وابن حبان، واللفظ له. اهجواهر 1/152، وأخرج أبو داؤد والترمذي عن أم فروة قالت: سئل رسول الله عن أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة لأول وقتها)) وعن ابن مسعود بلفظ: ((الصلاة لميقاتها)) أخرجه الستة إلى الموطأ وأبا داؤد.
(2) رواه الجماعة بلفظ: كن نساء مؤمنات يشهدن مع النبي الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس، فتح الغفار 1/115.
المذهب الثاني: أن الأفضل هو الإسفار، وهذا محكي عن ابن مسعود وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل حين أسفر الفجر " ))(1).
والمختار: ما عول عليه أكابر الصحابة وأئمة العترة من أن الأفضل فيها التغليس لما روى أبو مسعود البدري قال: صلى بنا رسول اللّه صلاة الصبح مرة بغلسٍ ثم صلاها بعدما أسفر ثم لم يزل يصليها بغلس إلى أن مات ولم يعد إلى الإسفار(2).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صلى جبريل برسول اللّه حين أسفر الفجر.
قلنا: إن جبريل صلى به في اليوم الثاني حين إسفار الفجر بياناً لآخر وقتها وكلامنا هاهنا إنما هو في الأفضل وليس كلامنا في الجواز.
المسألة الثانية: في صلاة الظهر وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الأفضل هو تعجيلها على الإطلاق وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الأعمال عند اللّه الصلاة لوقتها " )).
المذهب الثاني: أن [الأفضل] تأخيرها حتى يصير الظل قدر ذراع بعد الزوال لانتظار الجماعة، وهذا هو قول مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " )) (3) فإذا جاز تأخيرها لأجل الإبراد جاز تأخيرها لانتظار الجماعة ولغير ذلك من الأغراض، فلا جرم كان التأخير في كل الأوقات إلى قدر الذراع لأن فيه وفاء بأغراض دينية في الصلاة.
المذهب الثالث: أن تعجيلها في الشتاء أفضل، وتأخيرها في الصيف أفضل، من غير مراعاة الإبراد. وهذا هو رأي أبي حنيفة.
__________
(1) تقدم.
(2) رواه أبو داؤد برجال الصحيح، وأصل الحديث في الصحيحين والنسائي وابن ماجة وفي صحيحي ابن خزيمة ج1/ 181 وابن حبان ج4/298. ا ه.
(3) وفي (فتح الغفار) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) رواه الجماعة 1/108 ا ه، وفيه روايات أخر عن أنس وأبي ذر. اه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((اشتكت النار إلى اللّه تعالى فقالت " : يارب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف))(1). فالتعجيل في الشتاء لينكسر البرد، والتأخير في الصيف لقتر الحر.
والمختار: تفصيل نشير إليه، وهو أن تعجيلها في غير وقت الحر هو الأفضل لقوله : ((أفضل الأعمال الصلاة لوقتها " ))، فإن كان وقت الحر فتأخيرها أفضل باعتبار أربع شرائط:
الأولى: أن تكون الصلاة تؤدى في جماعة في مسجد الجماعات.
الثانية: أن يكون ذلك من شدة الحر.
الثالثة: أن يكون فعلها في البلاد الحارة.
الرابعة: أن يقصد الناس المسجد للصلاة من الأمكنة البعيدة.
والحجة على ما قلناه: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة " ))(2). وهكذا حال الجمعة يبرد عنها كما يبرد عن الظهر باعتبار تلك الشرائط الأربع، وهل يكون التأخير للإبراد رخصة أو سنة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه سنة لأن شدة الحر تذهب بالخشوع وتشوش الخواطر وتشغل عن الإقبال إلى الصلاة.
المسألة الثالثة: صلاة العصر. وفيها مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن تعجيلها هو الأفضل. وهذا هو رأي الهادي والقاسم، ومحكي عن الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
__________
(1) أخرجه مسلم ج1/431، والبخاري 1/199، وابن حبان 4/377، وغيرهم.
(2) في الحديث السالف لهذا حجة للقائلين بأنه يفيد الإبراد بالصلاة بتعجيلها، وفي هذا الحديث حجة للقائلين بأن الإبراد يفيد التأخير ويسنده ما رواه أبو ذر أن النبي كان في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال له النبي : ((أبرد)) ثم أراد أن يؤذن فقال له: ((أبرد)) حتى رأينا فيء التلول...إلخ)) وكذا ما جاء في حديث أنس أن النبي كان يبرد بالصلاة في الحر ويعجل بها في البرد.
والحجة عليه، ما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه يقول في حق من أخر صلاة العصر: ((تلك صلاة المنافق " يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اللّه فيها إلا قليلا))(1).
المذهب الثاني: تأخيرها يسيراً، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روت أم سلمة قالت: ((كان رسول اللّه أشد تعجيلاً للظهر منكم " وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه))(2). فظاهر هذا الحديث دال على أنه كان يؤخرها قليلاً.
المذهب الثالث: أن الأفضل هو تأخيرها إلى آخر الوقت، وهذا هو قول أبي حنيفة.
والحجة عليه: ما روى رافع بن خديج عن رسول اللّه أنه كان يؤخر العصر، وهذا الحديث استضعفه الترمذي من أهل الحديث.
__________
(1) وفي (الجواهر) ما لفظه: عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد، قال: فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله يقول: ((تلك صلاة المنافق ...إلخ)) هذه رواية مسلم والترمذي والنسائي، وللموطأ وأبي داؤد قريب من ذلك. ا ه1/161.
(2) أخرجه الترمذي في سننه 1/303 وأحمد في مسنده 6/289،310.
والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم: أن الأفضل هو تعجيلها لما روى أنس بن مالك، قال: ((كان رسول اللّه يصلي العصر والشمس بيضاء نقية " ثم يذهب أحدنا إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة بيضاء))(1) وبين المدينة والعوالي ستة أميال قاله الترمذي. وقيل: أربعة أميال قاله البخاري، وروت عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه ((صلى العصر والشمس في حجرتها " لم يظهر الفيئ من حجرتها))(2).
المسألة الرابعة: صلاة المغرب وفيها مذهبان:
المذهب الأول: أن تعجيلها لوقتها [أفضل] وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ذلك.
والحجة على ذلك: ما روى جابر قال: ((كنا نصلي مع رسول اللّه صلاة المغرب فنتناضل " حتى نبلغ دور بني سلمة وننظر مواضع النبل من الإسفار))(3) والمناضلة هي الرشق بالسهام.
المذهب الثاني: محكي عن الروافض، وهو أن الأفضل تأخيرها حتى تشتبك النجوم، وهؤلاء فرقة من أصحاب زيد بن علي راودوه على التبرء من الشيخين رضي اللّه عنهما وعداوتهما فأبا عن ذلك فرفضوه لما لم يوافقهم على [ذلك]، فلهذا سموا روافض، وهم قوم بدعية لا يلتفت إلى أقوالهم ولا أعلم لهم وجهاً فيما ذهبوا إليه من كتاب ولا سنة.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من أن الأفضل تعجيلها.
__________
(1) وعن رافع بن خديج عن علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. كما أورده في الجواهر 1/162، ورواه الجماعة إلا الترمذي عن أنس بلفظ: ((...والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة)) ا ه، فتح الغفار 1/109.
(2) رواه البخاري في صحيحه ج1/201 وأبو عوانة في مسنده ج1/292.
(3) أورده الشافعي في مسنده ج1 ص 28.
والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك عن رسول اللّه أنه قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم " ))(1) وفي حديث آخر: ((لن تزال أمتي على الفطرة مالم تؤخر صلاة المغرب " )) وفي حديث آخر: ((بادروا صلاة المغرب قبل طلوع النجم " )) (2).
وعن عمر رضي الله عنه: صلوا هذه الصلاة، يعني المغرب، والفجاج مسفرة، يعني مضيئة(3).
المسألة الخامسة: صلاة العشاء الآخرة وفيها مذهبان:
المذهب الأول: أن تعجليها هو الأفضل، وهذا هو قول الهادي والقاسم والشافعي في القديم.
والحجة على هذا: ما رُوي [عن] النعمان بن بشير أنه قال: أنا أعلمكم بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة كان رسول اللّه يصليها لسقوط القمر لثلاث، وهذا إخبار عن دوام فعله لذلك.
المذهب الثاني: أن تأخيرها هو الأفضل، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبدالله.
والحجة على ذلك: قوله : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير هذه الصلاة إلى ثلث الليل " ))(4).
والمختار: هو تأخير وقتها.
__________
(1) تقدم.
(2) هكذا في الشفاء وهو مجمع الزوائد ج1 ص 310، ومسند أحمد ج5 ص 415 وفي مصادر أخرى بألفاظ مختلفة.
(3) أورده ابن أبي شيبة في مصنفه ج1 ص 289 وعبدالرزاق في المصنف 1/552 بلفظه كما أورده المؤلف.
(4) جاء في (جواهر الأخبار) عن أبي هريرة بزيادة ((.. أو نصفه)) أخرجه الترمذي، وعن ابن عباس قال: أعتم رسول الله بالعشاء فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: ((لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي بروايات عدة، وفي بعض ألفاظها اختلاف. ا ه1/162.
والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك أن رسول اللّه أخَّر صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: ((قد صلى الناس وناموا إنكم في صلاة ما انتظرتموها " ))(1).
الفرع التاسع عشر: أنه يجوز تأخير الصلاة عن أول وقتها مهما كان وقت الإختيار باقياً؛ لأن جبريل صلى بالرسول صلى اللّه عليهما الصلوات في المرة الأولى في أول وقتها، وصلى به في المرة الثانية في آخر وقتها، وفي هذا دلالة على جواز التأخير. وروي عن الرسول أنه قال: ((أول الوقت رضوان اللّه وأوسطه رحمة اللّه وآخره عفو اللّه "))(2)
والرضوان إنما يكون للمحسنين والرحمة تكون للمجتهدين والعفو يكون للمقصرين. وله تأويلان:
التأويل الأول: أنه أراد أنه مقصر بالإضافة إلى من صلى في أول الوقت وإن لم يكن مقصراً في نفسه، كما أن من تنفل بعشر ركعات فهو مقصر بالإضافة إلى من تنفل بعشرين ركعة.
التأويل الثاني: أنه أراد أنه مقصر في تأخير الصلاة عن أول وقتها وليس آثماً بالتأخير؛ لأن الله وسع عليه في ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالمقِصر من آخر الصلاة إلى وقت الجواز وهو آخر وقتها قبل دخول وقت الكراهة.
الفرع العشرون: ومن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان:
__________
(1) للخبر بقية أوردها في (فتح الغفار)، قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه لَيْلَتئذ، وفي رواية أخرى عن أبي سعيد قال: انتظرنا رسول الله ليلة لصلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل فجاء فصلى بنا ...إلخ، ((...ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل)) رواه أحمد وأبو داؤد وابن ماجة وابن خزيمة بإسناد صحيح. اه1/113.
(2) أخرجه الترمذي في السنن 1/321 بلفظ: ((... والوقت الآخر عفو الله)) والبيهقي في السنن الكبرى 1/435، والدارقطني في السنن 1/249.
أحدهما: أنه مدرك لتلك الصلاة كاملة لما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر " ))(1).
وقوله :((من أدرك ركعة من الفجر فقد أدرك الفجر " ))(2)
فصرح بإدراك الصلاة كلها بإدراك ركعة منها.
وثانيهما: أنه مدرك لما صلى في الوقت قاضياً لما صلى بعد خروجه كما لو صلى جميع الصلاة بعد خروج الوقت، لقوله : ((من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). فيحتمل أن يكون أراد بالإدراك الركعة وحدها، ويحتمل أن يكون أراد بالإدراك الصلاة كلها وقد تم غرضنا من بيان مواقيت الصلاة.
__________
(1) تقدم.
(2) تقدم.
---
الفصل الثاني
في بيان الأوقات المكروهة
وهي في ذلك ضربان:
فالضرب الأول: تعلق الكراهة بالفعل وهو ما بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، ولا تتعلق الكراهة إلا بعد فعل الفرضين الفجر والعصر، فأما ما قبلهما فلا وجه للكراهة، وذلك لحديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن رسول اللّه أنه ((نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس " ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس))(1)،
فهذان وقتان يتعلقان بكراهة الفعل كما قررناه.
الضرب الثاني: يتعلق بالوقت نفسه، وجملتها(2)
ثلاثة: وقت الطلوع، ووقت الغروب، ووقت الإستواء،
ولهذا قال ((إن الشمس إذا طلعت فإنها تطلع بين قرني شيطان "، فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها وإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها))(3)
__________
(1) متفق عليه، وفي لفظ عن عمر (أيضاً) أن النبي قال: ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)) أخرجه البخاري وأحمد وأبو داؤد، وقالا: (أحمد وأبو داؤد) فيه: ((...بعد صلاة العصر)).
(2) هكذا في الأصل، والمراد جملة أوقات الكراهة في الضرب الثاني.
(3) هذا جزء من حديث طويل رواه عمرو بن عَبَسَة قال: قلت: يا نبي الله خبرني عن الصلاة فقال: ((صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب (الشمس) فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار)) رواه أحمد ومسلم، ولأبي داؤد نحوه، ا ه، فتح الغفار 1/119 وهو مروي باختلاف متقارب في اللفظ.
فلهذا نهى عن الصلاة في هذه الأوقات، فأما متعلق الكراهة بالطلوع فهو من أول إشراق الشمس إلى أن يستوي سلطانها بالإرتفاع. وقيل: حتى تبيض ويصفو لونها، وقيل: ارتفاعها ثلاثة أرماح. وأما الإستواء فهو عبارة عن وقت وقوف الظل قبل ظهور الزيادة وأما الغروب فتدخل الكراهة باصفرار الشمس إلى تمام الغروب.
والأصل في هذه الأوقات خبر عقبه بن عامر قال: ((ثلاثة أوقات نهانا رسول اللّه أن نصلي فيهن " أو ندفن فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب))(1).
وروي أنه سئل فقيل يا رسول اللّه هل في الليل والنهار ساعة نهي عن الصلاة فيها؟ فقال: ((أما الليل فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض فإذا ابيضت فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تنتصف فإذا مالت فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تضيف للغروب))(2).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة أنه لا يجوز تأدية شيء من النوافل المبتدأة في هذه الأوقات الثلاثة، ولا صلاة جنازة، ولا دفن الموتى، ولا صلاة كسوف ولا يسجد فيها سجدة التلاوة ولا سجدة شكر، وعمدتنا في ذلك ما ذكرناه من حديث عقبه بن عامر فإنه دال على المنع من هذه الأمور في هذه الأوقات؟ وهل تقضى فيها الصلوات أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز تأدية القضاء في هذه الأوقات الثلاثة لما فات من الصلوات المكتوبة، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي والناصر، ومحكي عن الشافعي ومالك.
__________
(1) أورده ابن بهران في (الجواهر)1/165 بلفظه وقال: أخرجه الستة إلا البخاري والموطأ، وقال في فتح الغفار: رواه الجماعة إلا البخاري. ا ه1/140.
(2) جاء في لسان العرب: وضافت الشمس تضيف وضيَّفَت وتَضَيَّفَتْ: دنت للغروب. ا هج9 ص210.