ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روي عن النبي أنه نهى عن النوم قبلها والحديث بعدها(1).
المذهب الثاني: أنه يكون قضاء بعد انقضاء ثلث الليل أو نصفه وهذا هو المحكي عن الشافعي، قال: وإذا ذهب ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة.
والحجة على هذا: هو أنا قد قررنا أن وقتها للإختيار هو النصف والثلث، فإذا ذهبا فقد فات وقتها فلا جرم كانت قضاء بعد الوقت الذي ذكرناه.
والمختار: ما ذكرناه من كونه أداء إلى طلوع الفجر لأنا قد أوضحنا أن وقت الجواز إلى طلوع الفجر فإذا كانت مؤداة في وقت هي جائزة تأديتها فيه فلا وجه لكونها قضاء. وما قاله الشافعي من كونها قضاء بعد مضي الثلث والنصف فلا وجه له لأن وقت أدائها آخره طلوع الفجر فبطل القضاء.
الفرع الثاني عشر: وأول وقت الصبح فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق المنتشر عرضاً وسمي صادقاً لأنه صدقك بمعرفة الفجر، وأما الفجر الأول المستدق المتنفس صعداء كذنب السرحان وهو الذئب، ويقال له: الفجر الكاذب لأنه يضيء ثم يسودّ بعد ذلك، ويقال له الخيط الأسود، ولا يتعلق به شيء من الأحكام. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين الحنفية والشافعية.
__________
(1) وفي هذا الباب ما جاء عن ابن مسعود قال: جذب لنا النبي السمر بعد العشاء، رواه ابن ماجة، وقال: جذب يعني زجرنا عنه، ورجاله رجال الصحيح، وأحاديث أخر منها: ((لا سمر بعد العشاء إلا لأحد رجلين، مصلٍ أو مسافر)) أخرجه أحمد عن ابن مسعود، وفي حديث عن عائشة بلفظ: ((لا سمر إلا لثلاثة: مصلٍ أو مسافر أو عروس)) أخرجه الضياء المقدسي في الأحكام. ا ه‍فتح 1/114.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((الفجر فجران فأما الذي هو كذنب السرحان فلا يحل الصلاة " ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم، وأما المستطير في الأفق فإنه يحرم الطعام والشراب على الصائم ويحل الصلاة))(1).
المذهب الثاني: أن أول وقت الفجر هو إذا كانت النجوم مشتبكة، وهذا هو المحكي عن مالك، وهذا الخلاف ليس ورآءه كثير فائدة لأنه إن أراد بالإشتباك للنجوم قبل طلوع الفجر فهو باطل لا وجه له، وإن إراد بالإشتباك بعد طلوع الفجر فلا معنى لإشتباكها بعد طلوعه، فإذن لا وجه على الإعتماد على ما ذكره من الإشتباك.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وعلماء الأمة، ويدل على ذلك ما روى سمرة بن جندب عن رسول اللّه أنه قال: ((لا يمنعنكم)) وفي حديث آخر: ((لا يهيدنكم أذان بلال عن السحور " ولكن الفجر المستطير في الأفق))(2). وكلام مالك فقد بطل بما أوردناه.
الفرع الثالث عشر: وآخر وقت الفجر هو أن يبقى قدر ركعة قبل طلوع الشمس للإختيار عند أئمة العترة.
__________
(1) نسبه في التلخيص إلى الحاكم من رواية جابر بلفظه، لكنه قال: ((.. وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام)) ونسب نحوه للدارقطني من طريق آخر، انتهى ما قاله في الجواهر، وجاء نحوه فيما رواه ابن خزيمة والحاكم عن ابن عباس وصححاه.اه‍.
(2) جاء الحديث بشيء من الإختلاف في اللفظ بين كلمتي: ((الفجر المستطير، والفجر المستطيل)) وفي رواية عن ابن مسعود: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم))، رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي رواية لأحمد والترمذي: ((لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق)) ا ه‍الترمذي ج3 ص86، ومسند أحمد ج5 ص13.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر " قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)) (1). وعند الشافعي إلى الإسفار لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل الفجر في اليوم الأول حين طلع الفجر " وصلى بي في اليوم الثاني حين أسفر، وقال فيما بين هذين الوقتين وقت)). ثم يذهب عنده وقت الإختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس.
وجملة الأمر أن لصلاة الفجر ثلاثة أوقات: وقت الفضيلة وهو مقدار الفريضة ونافلتها، ووقت الإختيار وهو ما بعد ذلك، ووقت الجواز وهو قبل طلوع الشمس بركعة.
واعلم أن الغوارب ثلاثة: كوكب الشمس، ثم حمرتها وهو الشفق الأحمر، ثم البياض.
والطوالع ثلاثة: الفجر الأول وهو ذنب السرحان، والفجر الثاني وهو الصادق، ثم كوكب الشمس.
ثم إذا أسفر الفجر فهل تكون الصلاة بعده قضاء أو أداء؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها أداء وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن رسول اللّه أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها " )) فكيف إذا كان مدركاً لها على الكمال.
المذهب الثاني: أنه يكون قاضياً لها بعد الإسفار وهو رأي الأصطخري من أصحاب الشافعي.
وحجته على هذا: هو أن وقت الأداء إنما هو الإسفار فما بعده يكون قضاء كما لو كان الأداء بعد طلوع الشمس، وهذا لا وجه له فإن وقت الإجزاء باقٍ فلا وجه بعده في القضاء بعد بقائه.
ويكره أن تسمى صلاة الصبح صلاة الغداة لأن الرسول سماها صلاة الصبح في قوله: ((وصلى بي جبريل صلاة الصبح)) وسماها اللّه تعالى صلاة الفجر في قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}.
الفرع الرابع عشر: ذهب أئمة العترة وفقهاء الأمة إلى أن صلاة الصبح من صلاة النهار، وزعم قوم لا عبرة بأقوالهم، أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار.
__________
(1) تقدم في رواية عن أبي هريرة، رواه الجماعة.

والحجة على ما قلناه قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ " }[هود:114] وقد قال أهل التفسير: أراد به الصبح والعصر، وفي هذا دلالة على أنها من صلاة النهار، ويدل على بطلان قول من قال: إن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار، قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ " }[الحج:61] فلم يثبت واسطة بين الليل والنهار.
ومن أين يكون حد الليل؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن حد الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة، وعلى هذا تكون صلاة الصبح من صلاة النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم بطلوع الفجر.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ " }[البقرة: 187]. وأراد بالخيط الأبيض بياض الفجر، وبالخيط الأسود سواد الليل.
المذهب الثاني: أن حد الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، وهذا هو المحكي عن حذيفة(1)
__________
(1) الذي يظهر من السياق أن هذا ليس حذيفة بن أسيد أو حذيفة بن اليمان الصحابيين؛ لأن المؤلف أطلق الاسم مجرداً وهناك من التابعين وتابعيهم من رجال الحديث المترجم لهم أكثر من واحد بهذا الاسم، ومنهم حذيفة بن أبي حذيفة وحذيفة البارقي الأزديان، قال في (تهذيب التهذيب) عن الأول: روى عن صفوان بن عسال، وعنه الوليد بن عقبة، روى له أبو داؤد حديثاً واحداً في الطهارة، قلت: وذكره ابن حبن في (الثقات) وقال: روى عنه أهل الكوفة. ا ه‍2/192.
وعن حذيفة البارقي جاء في (تهذيب التهذيب): روى عن جنادة الأزدي، روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، روى له النسائي حديثاً واحداً في صوم يوم الجمعة، وفي سنده اختلاف. ا ه‍ص193.

والأعمش " (1)،
وعلى هذا تكون صلاة الصبح من صلاة الليل ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم إلا بطلوع الشمس.
والحجة على هذا: ما رووا عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عجماء " ))(2)
ولا شك أن صلاة الصبح مما يجهر فدل ذلك على أنها من صلاة الليل.
والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: أن الإجماع منعقد على تحريم الطعام والشراب على الصائم بطلوع الفجر وخلافهم هذا مسبوق بالإجماع على خلافه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: صلاة النهار عجماء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن هذا من كلام الرسول فعلى ناقله التصحيح.
وأما ثانياً: فلو سلمنا أنه من كلام الرسول فالمراد معظم صلاة النهار عجما ولهذا فإن الجمعة والعيدين من صلاة النهار وهو يجهر بها فبطل ما قالوه.
__________
(1) واسمه: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي المعروف بالأعمش، يقال: أصله من طبرستان، وولد بالكوفة، روى عن أنس وابن أبي أوفى وزيد بن وهب، وغيرهم كثير، وروى عنه الحكم بن عتيبة وزبيد اليامي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم كثير.
ونقل العسقلاني في (تهذيب التهذيب) عن ابن معين [قوله]: كلما روى الأعمش عن أنس مرسل، وعن العجلي: كان ثقة ثبتاً في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأساً في القرآن( ...) عالماً بالفرائض، لا يلحن حرفاً، وكان فيه تشيع، ويقال: إنه ولد يوم قتل الحسين وذلك يوم عاشوراء سنة 61 ه‍، ومات سنة 147 ه‍، وقيل: 148 ه‍في ربيع الأول وهو ابن ثمان وثمانين سنة. 4/195.
(2) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ج2 ص337، وابن أبي شيبة في مصنفه ج1 ص 320وعبد الرزاق في المصنف ج2/ ص 493.

الفرع الخامس عشر: و إن كان في السماء غيم راعى المصلي ظهور الشمس من فرج السحاب فإن ظهرت عمل على ما يدله على الوقت منها، وإن استدام الغيم استدل على الوقت بما كان يعتاده من قراءة أو درس أو تدريس أو عمل مباح، فإذا غلب على ظنه دخول الوقت عمل عليه بتلك الأمارة. وإنما جاز له أن يصلي بغلبة الظن لأن السماء لو كانت مصحية وغلب على ظنه دخول الوقت من غير أن يراعي أحوال الشمس جاز له أن يصلي، فبأن يجوز أن يصلي في يوم الغيم أحق وأولى، ولأن غلبات الظنون معتمد عليها في أكثر العبادات والعادات والمعاملات فإذا صلى بالاجتهاد وبان له أنه صلى في الوقت أو بعده أجزأه، و إن بان له أنه صلى قبل الوقت لم يجزه كالحاكم إذا حكم باجتهاده ثم وجد النص بخلافه.
الفرع السادس عشر: وأما الأعمى والمحبوس في ظلمة إذا اخبرهما غيرهما عن الوقت نظرت فإن كان أخبرهما عن مشاهدة وكان مصدقاً في قوله لزمهما قبول قوله كما يلزم المجتهد قبول الخبر عن الرسول والعمل عليه، وإذا أخبرهما عن اجتهاد نظرت فإن كان لهما طريق إلى الاجتهاد في إدراك الوقت بورد من الأوراد من قراءة أو درس أو تدريس أو عمل مباح لم يجز لهما العمل بقول من يجتهد لهما كما لا يجوز للحاكم أن يحكم باجتهاد غيره، وإن لم يكن لهما طريق إلى الاجتهاد في الوقت، فهل يجوز لهما تقليد من يجتهد لهما أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز ذلك؛ لأن في أمارات الوقت وعلاماته ما يدرك بالنظر فيعمل على نظره وفيها ما يدرك بالعمل في حصول غالب الظن فإذا تعذر عليه الأمران لم يبق إلا الرجوع إلى إجتهاد غيره فيعمل عليه. فإن صلى الأعمى والمحبوس في ظلمة أو البصير من غير إعمال في تحصيل غلبة الظن فوافقوا الوقت أعادوا الصلاة لأنهم صلوا من غير خبر ولا غلبة ظن.

والمؤذن إذا أذن للصلاة جاز الرجوع إلى قوله للبصير والأعمى إذا كان ثقة عارفاً بالأوقات في حال الصحو؛ لأن لا يؤذن في الصحو إلا بعد العلم بدخول الوقت من طريق المشاهدة فيكون ذلك خبراً ويعمل على خبره، وإن كان غيماً جاز للأعمى تقليده إذا كان لا يغلب على ظنه دخول الوقت لأن ظن نفسه أولى من ظن غيره، ولا يجوز للبصير لأنه يحتمل أن يكون تأذينه بالاجتهاد، والبصير من أهل الاجتهاد، وإذا كان المؤذن منجماً عارفاً بسير الفلك ومجاري الشمس والقمر في منازلهما، فهل يقبل قوله في الوقت أو في شهر رمضان بانفصال القمر عن الشمس أولا يقبل منه؟
والمختار: أنه إذا غلب على ظنه دخول الوقت بمعرفة في سيرهما وإدراك في إنفصال القمر جاز له العمل بغالب ظنه لنفسه فأما لغيره فلا يجوز له العمل عليه لأن ذلك ليس أمارة شرعية فلا يلتفت إليه بحال.
الفرع السابع عشر: ويجب المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها وخشوعها لقوله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " }[البقرة:238] ولم يفصل في ذلك، فدل على المحافظة عليها في كل أحوالها {وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فقد خصها بالذكر من بينهن لفضلها. واحتلف في تعيينها على مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنها الظهر، وهذا هو المحكي عن علي في رواية، وهو رأي الإمامين القاسم والهادي وأبي طالب وأبي العباس، وهو قول عائشة وزيد بن ثابت وأسامه بن زيد.
والحجة على هذا: هو أن صلاة الليل صلاتان من غير واسطة، وصلاة النهار ثلاث صلوات وواسطهن الظهر فيجب أن تكون هي الوسطى.
الحجة الثانية: هو أنها تصلى وسط النهار وليس شيء من الصلوات تصلى وسط النهار إلا هذه، فيجب أن تكون هي الوسطى.
المذهب الثاني: أنها هي العصر وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة، ورواية ثانية عن علي ، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وأبي أيوب.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه شغل في قتال أهل الشرك عن صلاة العصر، فقال : ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ اللّه قبورهم ناراً " ))(1) ومن وجه آخر وهو أنها متوسطة بين صلاة الليل وصلاة النهار فصلاة النهار الفجر والظهر وصلاة الليل المغرب والعشاء.
المذهب الثالث: أنها هي الصبح وهذا قول الشافعي ورواه مالك عن علي ، وهو محكي عن ابن عباس وابن عمر وجابر.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ " }[البقرة: 238]. قال الشافعي فقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. دلالة على أنها هي الفجر لأن في سياق الآية ذكر القنوت وليس القنوت مشروعاً من الصلاة إلا في صلاة الفجر.
الحجة الثانية: روي عن أبي يونس(2)
__________
(1) قال ابن بهران: عن علي ، أن النبي قال يوم الأحزاب، وفي رواية يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) وفي رواية: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) أخرجه الستة إلا الموطأ، واللفظ للصحيحين، ا ه‍جواهر ج1 ص 159، وفيه روايات عن ابن مسعود وسمرة بن جندب.
(2) مولى عائشة، جاء في (المقنى) 2/164 أبو يونس التيمي، روى عن مولاته عائشة، وكتب لها مصحفاً. ا ه‍، روى عنه زيد بن أسلم وأبو طوالة الأنصاري والقعقاع بن حكيم ومحمد بن أبي عتيق، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في (الثقات). له في صحيح مسلم وفي السنن حديثان عن عائشة، وروى له البخاري في (الأدب) آخر. إ ه‍. (تهذيب التهذيب) 12/310، قال: وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين.

مولى لعائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب مصحفاً لها وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها أذنتها فأملت عليَّ: {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر والصلاة الوسطى}(1)
ثم قالت: سمعتها من رسول اللّه . ولأن صلاة الفجر يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالذكر كي لا يتغافل الناس عنها.
المذهب الرابع: يحكى عن قبيصة بن ذؤيب " (2)
أنها هي المغرب.
__________
(1) لعل في الرواية تقديماً وتأخيراً، إذ المروي أنها أملت عليه: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) أخرجه الستة إلا البخاري، كما في (جواهر الأخبار)، ثم لا يظهر أن إيراد هذا الحديث في موضع الإستدلال، لأن البحث في صلاة الفجر لا العصر، وهناك اختلاف في الروايات بين عمر بن رافع أنه كان يكتب مصحفاً لحفصة وبين أبي يونس هذا أن عائشة أمرته أنه يكتب لها مصحفاً ...إلخ، والأول أخرجه الموطأ بينما الأخير أخرجه الستة إلا البخاري، ومع أن الحديثين واردان كل منهما مستقل عن الآخر بوصفهما حديثين اثنين لا حديثاً واحداً بلفظين وروايتين، فإنه قد يصعب على الباحث القبول بكونهما أكثر من حديث واحد اختلف الرواة فيه ما بين حفصة وعائشة، والله أعلم، المحقق.
(2) قبيصة بن أبي ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، أبو سعيد المدني، ولد عام الفتح، روى عن عمر بن الخطاب، وعن بلال وعثمان وحذيفة وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وأبي الدرداء، وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة وغيرهم، وروى عنه ابنه إسحاق والزهري، ورجاء بن حيوة، وعثمان بن إسحاق وابن أبي مريم، ومكحول وغيرهم.
قال ابن سعد عنه: كان ثقة مأموناً كثير الحديث، وذكره أبو الزناد في الفقهاء، وقال محمد بن راشد عن مكحول: ما رأيت أحداً أعلم منه، توفي سنة 86ه‍، وقيل: 87 ه‍، وقيل: 88ه‍، وقيل: 89ه‍، وقيل: 96ه‍في الشام. ا ه‍، ملخصاً من (تهذيب التهذيب) 8/311.

والحجة على هذا: هو أن صلاة المغرب من أضيق الصلوات وقتاً ولهذا فإن جبريل صلاها في اليوم الثاني في الوقت الذي صلاها [فيه] في اليوم الأول، وما ذاك إلا من أجل ضيق وقتها فلأجل ذلك كانت المواضبة عليها أحق من غيرها من الصلوات، وسميت وسطى لفضلها من جهة أن وسط الشيء خياره وأفضله، قال اللّه تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " }[البقرة:143].
المذهب الخامس: أنها هي العشاء الآخرة وهذا شيء يحكى عن الإمامية.
والحجة لهم على ذلك: هو أن العشاء صارت متوسطة بين صلاة الليل وهي المغرب وبين صلاة النهار وهي الفجر فلهذا كانت وسطى مع ما فيها من الصعوبة ومكابدة النوم ومشقة أدائها. فهذه مذاهب العلماء في الصلاة الوسطى وهو خلاف غريب ولم أعرف قائلاً به إلا إياهم ولا أعرف لهم دليلاً شرعياً على ما زعموه، وأغرب من خلافهم هذا قولهم إن الشمس إذا زالت دخل وقت الظهر والعصر جميعاً. وهو وإن كان له وجه في النظر من جهة الخطاب لكن لا قائل به.
والمختار: أنها صلاة العصر كما قاله المؤيد بالله وأبو حنيفة، لما ورد من الترغيب في فعلها والوعيدات الشديدة على تركها، كقوله : ((من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله " وماله))(1). وقيل: إنها هي الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب، ولما روي عن حفصه أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت من رسول اللّه يقرؤها، فأملت عليه: {والصلاة الوسطى صلاة العصر}(2) فهذه الأدلة ظاهرة فيها كما ترى.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد في سننه عن ابن عمر، وهو في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بلفظ: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) ا ه‍.
(2) ينظر في نسبة الحديث إلى حفصة لأنه مروي لعائشة عن مولاها أبي يونس كما سلف.

137 / 279
ع
En
A+
A-