عن رسول اللّه أنه قال: صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه المغرب فقال: ((إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها " فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين ولا صلاة حتى يطلع الشهاب)) وفي رواية أخرى: ((حتى يطلع الشاهد))(1).
الحجة الثانية: قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً " }[الأنعام:76] فجعل علامة دخول الليل هو رؤية الكوكب وما كان علامة للشيء فلا يجوز تأخيره عنه.
والمختار: ما قاله الإمامان زيد بن علي والناصر ومن تابعهما.
والحجة لهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا حجتين:
__________
(1) لفظه: عن أبي بصرة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله بالمخمص صلاة العصر فقال: ((إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد)) والشاهد: النجم، وفي رواية أخرى: قال أبو بصرة : ((ولا يصلي حتى يطلع الشاهد)) أخرجه مسلم والنسائي، ولعل قوله: الشهاب، في بعض روايات الحديث والله أعلم، هذا لفظ ما جاء في الجواهر تخريج أحاديث البحر ج1 ص154 ذيله بحاشية لفظها: بصرة..بالباء الموحدة المفتوحة والصاد المهملة الساكنة، والمخمص.. بضم الميم الأولى وفتح الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية وتشديدها ثم صاد مهملة، وقيل: بفتح الميم الأولى وسكون الخاء وكسر الميم الثانية مخففة ثم صاد مهملة، وهو اسم طريق معروف، ا ه.
ويلحظ المطلع اختلافاً قليلاً بين متني الروايتين، فالمؤلف لم يذكر المخمص من ناحية وأن الصلاة هي المغرب من ناحية ثانية، بينما جاء في لفظ الحديث الوارد في الجواهر أنها العصر، وعبارة: حتى يطلع الشاهد،ولعل الأرجح أنها المغرب إذا كان لفظ الحديث: ولا صلاة حتى يطلع...إلخ، بدون كلمة: بعدها، وأنها العصر مع وجود كلمة: بعدها، أي: ولا صلاة بعدها. ا ه المحقق.
الحجة الأولى: روي عن رسول اللّه ، أنه صلى المغرب حين غابت الشمس بالحجب وكنا نصلي معه على ذلك حتى فارق الدنيا(1).
الحجة الثانية: روي عن الرسول أنه صلى المغرب حين أفطر الصائم وحين سقط حاجب الشمس(2). .
فهذه الأخبار كلها ليس فيها شيء من مراعاة الكوكب.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن رسول اللّه أنه قال: ((لا تصلوا حتى يطلع الشاهد " )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر ما قالوه متروك لأنه يفيد جواز الصلاة عند رؤية الكواكب النهارية وهم لا يقولون به، فإن تأولوه وحملوه على رؤية الكواكب الليلية تأولناه وحملناه على رؤية الكواكب بعد مغيب الشمس.
وأما ثانياً: فلأن رؤية الشاهد لا تكون إلا بعد غيبوبة الشمس فإذا غابت ظهرت الكواكب، فلاجل هذا كان مغيب الشمس سابقاً على رؤية الشاهد وهو المطلوب.
قالوا: قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً " }[الأنعام:76] فجعل علامة دخول الليل رؤية الكوكب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه أخبر بأن الليل قد جن عليه ثم رأى بعد ذلك كوكباً، فظاهره دال على سبق اجتنان الليل على رؤية الكواكب، وفي ذلك حصول غرضنا.
__________
(1) وجاء الحديث بألفاظ مختلفة منها في رواية للنسائي عن بريدة بلفظ: ثم أمره حين وقع حاجب الشمس فأقام المغرب، وفي رواية عن ابن عباس: ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ا هجواهر ج1 ص 155، وفي فتح الغفار ما لفظه: عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، رواه الجماعة إلا النسائي، ولأبي داؤد: كان النبي يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حجابها، ا هج1/ ص 111.
(2) سبق مضمونه في الأحاديث السالفة، وفي حديث جبريل وقد تقدم.
وأما ثانياً: فلأنه لا يجوز أن يحصل غروب الشمس وظهور الكواكب معاً لأن الحكم معلق بغروبها لا بظهور الكواكب كما أن الفجر إذا طلع فإن الحكم معلق به لا بما يرى عنده من الكواكب.
وهذه الصلاة في لسان الشرع تسمى المغرب، ويكره تسميتها بالعشاء لما روى البخاري في صحيحه عن الرسول أنه قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنها المغرب " ))(1) والعرب يسمونها العشاء.
الفرع الثامن: إذا تقرر أن أول وقت المغرب هو ذهاب كوكب الشمس كما قررناه فهل يمتد ويكون له آخر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه ليس لها إلا وقت واحد، فإذا غابت الشمس وأخذ المصلي في الأهبة بالتطهر وستر العورة وأذن وأقام ودخل في الصلاة فهو مؤدٍ للمغرب، وإن تراخا عما ذكرناه أثم وكان قاضياً لها. وهذا هو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن الأوزاعي، وحكي عنه قول آخر، أن آخرها ذهاب الشفق الأحمر، وأنكره أبو حامد من أصحابه، وقال إن هذا لا يعرف قولاً للشافعي، وقال: إن عبارة أصحابنا أن للمغرب وقتاً واحداً ولسائر الصلوات وقتين خطأ بل الصلوات كلها لها وقت واحد، وإنما سائر الصلوات أوقاتها ممتدة وتطول بخلاف وقت المغرب فإنه قصير غير ممتد.
__________
(1) في هذا لحديث اختلاف في اللفظ بين ما أورده المؤلف بأنها صلاة المغرب وليست العشاء كما يسميها الأعراب، وبين ما ورد في روايات أخر بأنها العشاء، وليست العتمة، فيما أخرجه مسلم وأبو داؤد والنسائي عن ابن عمر: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل)).
قال ابن بهران: وفي رواية: ((... على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل)) ا هجواهر ج1/ ص 158، وهو في (فتح الغفار) بلفظه السابق. رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والنسائي، ا هج1/ ص 115.
والحجة على هذا: ما في حديث ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول قال: ((صلى بي جبريل المغرب في المرة الثانية لوقتها الأول " )) من غير مخالفة وفي هذا دلالة على أنه ليس لها إلا وقت واحد.
المذهب الثاني: أن آخر وقتها هو سقوط الشفق الأحمر، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، ومحكي عن داؤد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن للصلاة أولاً وآخراً " وإن أول المغرب حين تغيب الشمس وآخره حين يغيب الشفق))(1).
الحجة الثانية: ما روى عبدالله بن عمر عن الرسول أنه قال: ((إن وقت الظهر ما لم يحضر العصر " ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط الشفق))(2).
الحجة الثالثة: ما في حديث جابر عن رسول الله أنه قال: ((صلى بي جبريل في الليلة الثانية قبل غيبوبة الشفق " )) فهذه الأخبار كلها دالة على أن آخر المغرب هو ذهاب الشفق الأحمر.
المذهب الثالث: أن وقتها ممتد إلى طلوع الفجر وهو أحد قولي الناصر، ومحكي عن أبي حنيفة، ومالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه سئل فقيل يا رسول اللّه هل في الليل ساعة ينهى عن الصلاة فيها؟ فقال: ((صلاة الليل مقبولة مشهودة " ))(3) ولا شك أن صلاة المغرب من صلاة الليل فيجب أن تكون مقبولة.
والمختار: ما قررناه أولاً من أن لها ثلاثة أوقات، الفضيله وهو مقدار ثلاث ركعات ونافلتها بعد غروب الشمس، ووقت الإختيار وهو إلى ذهاب الشفق الأحمر، ووقت الجواز وهو من ذهاب الشفق إلى طلوع الفجر.
__________
(1) تقدم.
(2) هذا الحديث جزء من سابقه في رواية أبي هريرة، وأخرجه الترمذي، وقد تقدم.
(3) لفظ الحديث عن عمرو بن عبسة أنه قال: قلت يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح)).كما جاء في رواية أبي داؤد، ا هجواهر ج1 ص 155.
والحجة على هذا هو أن الأخبار كلها متفقة على الدلالة على تأديتها في هذه الأوقات ومشيرة إليها، فتارة تدل على الفضيلة وهو تأديتها عند غروب الشمس ومرة تدل على تأديتها قبل غروب الشفق الأحمر، وأخرى تدل على جواز تأديتها قبل طلوع الفجر، فلأجل هذا قضينا بأن لها هذه الأوقات الثلاثة.
الانتصار: اعلم أنه لا وجه لإبطال شيء من هذه المذاهب بل نقول بها أجمع ونحمل كل خبر من هذه الأخبار على موافقة أوقاتها التي أشرنا إليها، والله أعلم.
الفرع التاسع: وإذا دخل المصلي في وقت صلاة المغرب فكم القدر الذي يجوز له استدامتها. فيه احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأول: أنه يجوز استدامتها إلى غيبوبة الشفق لما روي عن الرسول من قراءة سورة الأعراف في صلاة المغرب(1). وهو لا يفرغ منها إلا بعد غيبوبة الشفق.
الاحتمال الثاني: أنه يجوز له أن يستديمها قدر ثلاث ركعات لا طويلة ولا قصيرة لأن الرسول صلاَّها ثلاث ركعات على الحد المعتاد من غير تكثير في قرائتها.
الاحتمال الثالث: أن يستديمها بمقدار أول الوقت من سائر الصلوات وذلك ما لا يبلغ مقدار نصف وقتها كما في غيرها من سائر الصلوات.
__________
(1) جاء في جواهر الأخبار: عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت رسول الله يقرأ فيها بطول الطولتين، هذه رواية البخاري، وزاد أبو داؤد، قال: قلت: وما طول الطولتين؟ قال: الأعراف، وللنسائي نحوه.
قال ابن بهران: هكذا وقعت الرواية، يقرأ بطول الطولتين، والقياس: طولى الطولتين كما ورد في آخر رواية أبي داؤد، ا هج 1 ص 155.
والمختار: أن الأمر في ذلك إلى المصلي فتارة يطول القراءة، وتارة يقصِّرها، ومرة يتوسط في القراءة، وكأن يقرأ في المغرب بسورة[من] المفصل(1)
وهي مختلفة في الطول والقصر، وفي هذا دلالة على أن استدامة القراءة فيها غير مقدرة. ويكره تأخير المغرب حتى تشتبك النجوم لما روي عن الرسول أنه قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم تؤخر صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم " ))(2)، ويستحب تعجيلها لما روي عن الرسول أنه قال: ((بادروا صلاة المغرب قبل طلوع النجم " ))(3).
__________
(1) والمفصل هو جملة ما جاء من السور في ترتيب المصحف قبل قصار السور، وقد أولى السيوطي رحمه الله في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) موضوع جمع وترتيب المصحف اهتماماً كبيراً، فذكر تقسيم المصحف ضمن ترتيب سوره ابتداء من (السبع الطوال) ثم (المئون) فـ(المثاني) ويليها (المفصل) فقال: والمفصل ما ولي المثاني من قصار السور سمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضاً كما روى البخاري عن سعيد بن جبير، قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة الناس بلا نزاع، هكذا عرف السيوطي المفصل وذكر آخره، لكنه قال: إن أوله اختلف فيه على اثني عشر قولاً، ثم أوردها كاملة، راجع: الاتقان ج1 ص 57-طبعة عالم الكتب- بيروت 1951م.
(2) رواه أحمد وأبو داؤد والحاكم، وأخرجه ابن ماجة والحاكم وابن خزيمة في صحيحه من حديث العباس بلفظ: ((لا تزال أمتي على الفطرة...إلخ)) ا ه، فتح 1/112.
(3) أورده في الجواهر وقال: هكذا في الشفاء ا ه1/156.
الفرع العاشر: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق لا خلاف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل العشاء حين غاب الشفق " )). وروى أبو هريرة أن الرسول قال: ((أول وقت العشاء إذا غاب الشفق " ))(1).
وهل يكون الشفق الحمرة أو البياض؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه الحمرة وهذا هو قول ابن عمر، وابن عباس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت من الصحابة، ومن أئمة العترة: زيد بن علي والهادي والقاسم والناصر والأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ومن الفقهاء: مالك والشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري وأبو يوسف، ومحمد.
والحجة على هذا: ما روى جابر أن رجلاً سأل الرسول عن مواقيت الصلاة فقال له: ((لو صليت معنا " ))(2)
ثم ساق الحديث، ثم إنه صلى المغرب معلماً له حتى غابت الشمس، وصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ولا يجوز أن يريد به الأحمر(3)
لأن ذلك ليس وقتاً بالإجماع فثبت أنه أراد الأبيض.
__________
(1) تقدم في حديث أبي هريرة: ((إن للصلاة أولاً وآخراً... إلخ)) أخرجه الترمذي.
(2) جاء الحديث عن جابر بلفظ: أن رجلاً سأل النبي عن مواقيت الصلاة، فقال : ((صل معي)) فصلى الظهر حين زاغت الشمس، والعصر حين كان فيء كل شيء مثله والمغرب حين غابت الشمس، والعشاء حين غاب الشفق... إلخ. أورده في الشفاء وفي الجواهر 1/156.
(3) والأحمر هنا غير الحمرة؛ لأن الحمرة جاءت في حديث ابن عمر أن الشفق الحمرة، ثم إن الحمرة هي المقابلة للبياض موضع الخلاف بين المذهبين، بينما الأحمر ليس وقتاً بالإجماع، والفرق بينهما كما يظهر من الخلاف، أن الحمرة حمرة الشفق لا الضوء الأحمر الذي يظهر من وقت الغروب، والمقصود باختصار: هو وصف الشفق سواء بلفظ الحمرة أو الأحمر، والله أعلم.
الحجة الثانية: روى النعمان بن بشير أن النبي كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة الشهر(1).
وهذا إنما يكون قبل غيبوبة الشفق الأبيض.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه إن كان في الصحاري فحين يغيب الأحمر وإن كان في البنيان فحين يغيب الأبيض.
المذهب الثاني: أنه البياض وهذا هو المحكي عن الباقر، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء:78]. والدلوك عبارة عن الزوال والغروب، فاقتضى ظاهر الآية أن له أن يصلى المغرب والعشاء إلى غسق الليل وهو اجتماع الظلمة، واجتماعها لا يكون إلا بعد سقوط البياض.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والأكثر من الفقهاء، وهو أن المراد بالشفق الحمرة.
والحجة: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى ابن عمر عن رسول اللّه أنه قال: ((الشفق الحمرة " ، فإذا غابت وجبت الصلاة))(2).
وهذا نص صريح فيما قلناه.
__________
(1) وحكي في الشفاء عن نافع عن ابن عمر أن النبي قال: ((إذا سقط الهلال قبل الشفق فهو لليلة، فإذا سقط بعد الشفق فهو لليلتين)).
(2) وفي (الاعتصام) نقلاً عن (بلوغ المرام) جاء الحديث بلفظه عن ابن عمر، وقال: رواه الدارقطني.
وفي صحاح الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب العتمة، وفي السياق نفسه من (الاعتصام) ما ملخصه: قال الخليل: الشفق: الحمرة، وقال الفراء: سمعت بعض العرب تقول: عليه ثوب كأنه الشفق، أي أحمر، وفي (القاموس): الشفق.. محركة.. الحمرة في الأفق، ا هاعتصام ج1 ص 324، وهذا ما أورده المؤلف مع بعض الإختلاف في المصادر واللفظ، وجاء في لسان العرب: أبو عمرو: الشفق: الثوب المصبوغ بالحمرة ا.ه.ج10 ص 180.
الحجة الثانية: ما روي عن أئمة اللغة أن الشفق هو الحمرة، قال الخليل في كتاب العين: الشفق هو الحمرة التي هي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وعن الفراء أنه قال: سمعت بعض العرب تقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، من أجل حمرته، قال الشاعر:
كالشمس غابت في حمرة الشفق
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: الآية دالة على جواز الصلاة في غسق الليل وهو اجتماع الظلمة وهذا إنما يكون بعد سقوط البياض.
قلنا: قد تحصل الظلمة من غير سقوط البياض لأن بقاء البياض لا يمنع من اجتماع الظلمة و البياض كما أن ضوء الكواكب لا يمنع من اجتماعها. فأما ما حكي عن أحمد بن حنبل من الفرق بين البنيان والصحاري فهو تحكم لا مستند له، وقد قررنا من قبل أن المراد هو الشفق الأحمر سواء كان في عمران أو صحارى.
الفرع الحادي عشر: وآخر وقت العشاء فيه مذهبان:
المذهب الأول: آخر وقتها هو ذهاب ثلث الليل وهذا هو رأي الهادي والقاسم والشافعي، ومحكي عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وعمر بن عبدالعزيز.
والحجة على هذا: ما في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((ثم صلى بي العشاء الآخرة في الليلة الثانية حين ذهب ثلث الليل " )).
المذهب الثاني: أن آخره هو ذهاب نصف الليل وهذا هو قول الشافعي في القديم و(الإملاء).
والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن الرسول أنه قال: ((وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل " )) (1).
والمختار: أن لها ثلاثة أوقات، وقت الفضيلة وهو بعد الشفق الأحمر بمقدار أربع ركعات مع نافلتها، ووقت الإختيار وهو ما بعد ذلك إلى ثلث الليل، ووقت الجواز وهو ما بعد ثلث الليل إلى طلوع الفجر.
__________
(1) أورده في البحر بلفظ: ((... وأول العشاء ما بينك وبين نصف الليل)) وقال عنه ابن بهران في الجواهر: لم أقف على هذا اللفظ في كتب الحديث. ا هالبحر الزخار ج1/157.
وإذا قلنا: بأن وقتها للإختيار إلى ثلث الليل فهل تكون بعده قضاء أو أداء؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تكون أداء بعد النصف والثلث إلى طلوع الفجر وهذا هو رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري قال: أعتم رسول اللّه ذات ليلة حين ابهارَّ الليل(1).
أي: تهور وذهب، وعن بعض الصحابة أنه قال: إنتظرنا رسول اللّه ذات ليلة حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح(2).
وأراد بالفلاح: السحور. ويكره أن تسمى صلاة العشاء العتمه لما روى ابن عمر رضي اللّه عنه أن النبي قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على صلاتكم هي العشاء " )) لأنهم كان يعتمون بالإبل أي يؤخرون حلب الإبل إلى أن يعتم الليل ويسمون الحلبة العتمة.
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى أن رسول الله أعتم بالصلاة، يعني: صلاة العشاء، حين ابهارَّ الليل. وتتمة الحديث: ثم خرج رسول الله فصلى بهم فلما قضى صلاته قال لمن حضر: ((على رسلكم أعلمكم وأبشركم أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الصلاة هذه الساعة غيركم، أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم)) الحديث، اهجواهر 1/157، وجاء الحديث في مصادر أخرى عن عائشة بشيء من الإختلاف في اللفظ. وقال الرباعي في الفتح: رواه النسائي برجال الصحيح ... إلخ. ا ه 1/113.
(2) جاء الحديث عن أبي ذر، أخرجه أبو داؤد والنسائي، وسيأتي في موضعه في قيام شهر رمضان، وقد أخرجه أبو داؤد مع بعض الإختلاف في اللفظ، وأخرجه النسائي عن النعمان بن بشير.