وحكي عن ابن عباس جواز افتتاحها قبل الزوال وهي رواية ضعيفه لا أعرف لها وجها في الجواز. ويستحب إقامتها عند زوال الشمس لما روي عن الرسول أنه قال: ((وقت الظهر حين تزول الشمس " )) (1)وروي أن جبريل نزل حين زالت الشمس فقال: ((يا محمد قم فصل الظهر " ))(2).
وهل ينتظر بها حتى يصير الفيء قدر الشراك أم لا. فيه تردد.
والمختار: أنه لا يستحب فيها الإنتظار لأن جبريل وقَّتَها للرسول بالزوال لا غير، فأما ما روي عن النبي أنه صلى به جبريل حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك، فله تأويلان:
أحدهما: أنه صلى حين زالت الشمس والفيء كان مثل الشراك، وليس الغرض أنه أخر إلى أن صار الظل مثل الشراك.
وثانيهما: أن ذلك إنما كان لغرض في انتظار الجماعة لا غير، وقد روي عن علي أنه قال للأشتر
(3) لما ولاَّه مصر: صل بهم الظهر حين يصير الظل مثل مَرْبَض العنز لغرض استكمال الجماعة. والشراك من النعل وهما شراكان أحدهما سير مستطيل على ظاهر الكعب إلى الأصابع والآخر سير مستطيل من أسفل العقب يعقدان في وسط الكعب قدر السير.
__________
(1) تقدم في حديث: ((إن للصلاة أولاً وآخراً...إلخ)).
(2) تقدم في حديث جابر بن عبد الله.
(3) مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة، وينتهي إلى مالك بن النخع، النخعي الكوفي المعروف بالأشتر، (والشتر: انقلاب في جفن العين كما في لسان العرب ج4 ص 393) أدرك الجاهلية، وروى عن علي وأبي ذر وعمر، وعنه: ابنه إبراهيم وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس وغيرهم. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، قال: وكان من أصحاب علي، وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وولاه على مصر، فلما كان بالقلزم شرب شربة عسل فمات، وقال العجري: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن يونس عن وفاته: ما سبق حتى بلغ القلزم فمات بها يقال مسموماً في شهر رجب سنة 37ها ه. (تهذيب) بتصرف. 10/10.
وآخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله من عند الزيادة لا من أصل ظل الشخص، وإن لم يكن للشخص ظل عند الزوال فمن أصل الشخص.
الفرع الثاني: الظهر له أربعة أوقات وقت الفضيله وهو مقدار صلاة الظهر ونافلتها من أول الزوال، ووقت الإختيار وهو ما بعد ذلك إلى المثل، ووقت الجواز وهو ما بعد المثل إلى الإصفرار، ووقت الكراهة وهو عند الإصفرار، ويخرج وقت الظهر بدخول المثل. وهل يحتاج في خروجه إلى فاصلة في ذهابه، فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه غير محتاج في ذهابه إلى فاصلة وهذا هو قول القاسمية واختاره الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ومحكي عن مالك والمزني من أصحاب الشافعي، وإبن جرير الطبري، وإحدى الروايات عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال : ((أول وقت الظهر حين تزول الشمس " وآخره حين يدخل وقت العصر))(1)
فظاهر الخبر دال على أن خروج وقت الظهر وذهابه إنما هو دخول المثل لا غير.
المذهب الثاني: أن العصر يدخل بالمثل لكن لا يذهب وقت الظهر إلا بمجاوزة أقل زيادة فيعلم بذلك ذهاب وقت الظهر وتقضيه، وهذا هو قول الشافعي والليث، والأوزاعي.
قال الشافعي في الأم: إذا جاوز في المثل بأقل زيادة فقد خرج وقت الظهر وذلك حين ينفصل وقت الظهر من وقت العصر.
والحجة على هذا: هو أن الأوقات ممزوجة بعضها ببعض فلا بد من فاصلة بين ذهاب الظهر ودخول العصر ولا يتم التمييز بينهما إلا بما ذكرناه من دخول الزيادة ألا ترى أنا أوجبنا غسل جزء من الرأس ليكمل غسل الوجه فهكذا هاهنا لا يتميز خروج الظهر إلا بدخول الزيادة في المثل.
المذهب الثالث: أنه يدخل وقت العصر بالمثل ولا يذهب وقت الظهر بل يمتزج الوقتان إلى غروب الشمس، وهذا هو المحكي عن عطاء وطاووس ومالك.
__________
(1) تقدم في حديث: ((إن للصلاة أولاً وآخراً ...إلخ)).
والحجة على هذا: حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله صلى به جبريل الظهر في اليوم الأول عند الزوال وصلى العصر في المثل ثم صلى الظهر في اليوم الثاني في المثل، فدل ذلك على امتزاجهما في هذا الوقت، ولم يفصل بين وقت ووقت، فدل هذا على امتزاجهما إلى غروب الشمس وصلاحية الوقت لهما إلى غروب الشمس.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو: ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس " وآخره حين يدخل وقت العصر))(1) وفي هذا بطلان هذه الواسطة وأن خروج الظهر بدخول المثل من غير زيادة.
فأما أبو حنيفة فعنه روايات ثلاث:
الأولى: وعليها الإعتماد للحنفيه، أن وقت الظهر باق إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
الثانية: أن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله وهو الذي يأتي على كلام أصحابنا كما مر بيانه.
الثالثة: أن وقت الظهر باق حتى يصير ظل كل شيء دون مثله.
قالوا: ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ويكون ما بينهما فصلاً بين الوقتين.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم، وهو أن ما أوردوه تحكم لا مستند له لأن جميع الأخبار كلها تشهد لما ذكرناه بالصحة وأنه لا واسطة بين الوقتين، ويؤيد ما ذهبنا إليه ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول اللّه أنه قال: ((إن للصلاة أولاً وآخراً " وإن أول وقت الظهر حين زوال الشمس وآخر وقتها حين يدخل العصر))(2) وفي هذا دلالة على بطلان الوسائط والفصول التي ذكروها.
الفرع الثالث: هل يشترك الظهر والعصر في مقدار معلوم، والمغرب والعشاء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما يشتركان في مقدار أربع ركعات من حين يصير ظل كل شيء مثله ثم يصير الوقت بعد ذلك متمحضاً للعصر. وهذا هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم من أتباعهم، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه.
__________
(1) تقدم.
(2) تقدم.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن رسول اللّه أنه قال: ((صلى بي جبريل الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس " ثم صلى بي الظهر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء بقدر ظله وقت العصر بالأمس))(1).
فظاهر الحديث دال على أن وقتاً واحداً مشتركاً يجمعهما.
المذهب الثاني: أنه لا وقت يجمعهما وأن الشركة غير حاصلة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أول وقت الظهر حين تزول الشمس " وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر))(2).
فظاهر هذا الحديث دال على بطلان الشركة بينهما.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من حصول الإشتراك بينهما ويدل على ذلك ما روينا من حديث ابن عباس وجابر وأبي مسعود البدري، فإنها كلها دالة على الإشتراك في مقدار أربع ركعات كما دلت عليه صلاته[مع جبريل] في اليوم الأول والثاني.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة.
قالوا: خبرنا دال على ألاَّ شركة بينهما.
قلنا: ليس في الخبر إلا بيان أول وقت الظهر وآخره بدخول وقت العصر وليس في ظاهره ما يدل على بطلان المشاركة وحديث ابن عباس دال عليها فلهذا كان أحق بالدلالة لتصريحه بالمقصود.
الفرع الرابع: وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون له وقت الزوال، وآخر وقتها حين يصير ظل كل شيء مثليه، فصار العصر له أربعة أوقات: وقت الفضيلة وهو مقدار أربع ركعات من أول الوقت، ووقت الإختيار إلى مصير الظل مثليه، ووقت الجواز بعده إلى الإضطرار، ووقت الكراهة عند الإصفرار.
__________
(1) تقدم الحديث برواية الترمذي قال: هذا حديث حسن، وصححه ابن عبد البر وابن العربي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه ابن خزيمة. ا هفتح الغفار 1/107.
(2) تقدم بلفظه أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.
فالذي عليه أئمة العترة ومن وافقهم أن أول وقت العصر معتبر بالمثل وآخره معتبر بالمثلين. وقد حكي عن الشافعي أن أول العصر لا يعتبر بالمثل بل لابد من أدنا زيادة فيه ليكون أوله متحققاً بالزيادة، وحكي عن أبي حنيفة أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ولم يقع بالمثل الواحد في أوله وآخره إذا كانت الشمس مصفرة، وحكي عن أبي سعيد الأصطخري أنه إذا صار ظل كل شيء مثليه فقد ذهب وقت العصر بالمثلين وكان ما بعده وقت القضاء.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم لما رويناه من حديث أبي هريرة أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخره حين يدخل وقت العصر، فظاهر الخبر دال على خروج وقت الظهر بدخول وقت العصر، وحديث ابن عباس دال على أن دخول وقت العصر بالمثل من غير زيادة، يدل على أنه لا يدخل إلا بأدنا زيادة، وما قاله أبو حنيفة من اعتبار المثلين في دخول وقت العصر فهو محجوج بحديث ابن عباس فإنه لم يعتبر في دخوله إلا المثل لا غير، وفي هذا دلالة على بطلان اعتبار المثلين في دخوله. فأما الأصطخري فقد بطل كلامه من أن ما بعد المثلين وقت للقضاء للعصر، بما روي عن الرسول من قوله: ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر " ))(1) فسماه مدركاً بإدراك ركعة فكيف يقال بأنه قاضٍ لها والوقت متسع بعد المثلين.
والانتصار عليهم بما قررناه فأغنى عن الإعادة.
__________
(1) هذا الخبر مروي عن أبي هريرة بألفاظ مختلفة، منها: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) رواه الجماعة، وفيه عن عائشة: ((من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة، قال في مسلم: والسجدة هنا: الركعة، ا هجواهر 1/154، وفتح الغفار 1/118.
الفرع الخامس: الأوقات ثلاثة: وقت يختص الظهر وهو الزوال إلى المثل اختياراً، ووقت يختص العصر وهو من المثل إلى المثلين اختياراً، ووقت مشترك بينهما اضطراراً وهو ما بعد المثلين إلى قبل غروب الشمس بما يتسع للعصر. فإذا عرفت هذا فنقول: الظهر بعد المثل والعصر بعد المثلين هل يكونان قضاء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما أداء وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء: 78] فظاهر الآية دال على جواز تأدية الفرضين وأنه وقت لهما جميعاً على جهة الإشتراك.
المذهب الثاني: أنه لا اشتراك بينهما في هذا الوقت وإنما يكونان قضاء، وهذا هو المحكي عن الأصطخري من أصحاب الشافعي.
والحجة لهم على هذا: ما روى أبو فزارة(1) عن الرسول أنه قال: ((ليس في النوم تفريط " إنما التفريط في اليقظة وهو أن تؤخر صلاة إلى وقت صلاة أخرى))(2) وظاهر الخبر دال على بطلان الإشتراك وأن الوقت الواحد لا يكون وقتاً لهما.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا ومن وافقهم.
وحجتهم ما ذكرناه ونزيد هاهنا حديث جابر وابن عباس أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس فدل ذلك على أن الوقت صالح لهما جميعاً، وقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها " ))(3). وفي هذا دلالة على ما ذكرناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: حديث أبي فزارة يدل على بطلان الإشتراك.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن خبرنا قوي تلقته الأمة بالقبول وكان معمولاً عليه عند كافة العلماء.
__________
(1) المترجم له بهذه الكنية في (تهذيب التهذيب) 3/196: رشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، والذي يبادر إلى الذهن من سياق المؤلف أنه صحابي، لكن ترجمته هنا تفيد بغير ذلك، وانه من التابعين، إذ قال عنه في المرجع السالف: روى عن أنس ويزيد بن الأصم وأبي زيد مولى عمرو بن حريث، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى. وعنه: ليث بن أبي سليم والثوري، وجرير بن حازم وشريك وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: ثقة كيس.
(2) جاء الحديث في الروض النضير في رواية أبي داؤد من حديث أبي قتادة: ((ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر الصلاة حتى تدخل صلاة أخرى)) قال: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه، ا ه1/602، وجاء الحديث عن أبي قتادة ضمن حديث طويل اخرجه مسلم يروي فيه نومة رسول الله وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وهو حديث مشهور ومنشور في مختلف كتب الحديث. ا هجواهر 1/172.
(3) تقدم.
وأما ثانياً: فلأن المراد تأخير الظهر إلى وقت يختص العصر وهو الإصفرار وهو التفريط المحرم.
الفرع السادس: اعلم أن الترتيب على وجهين:
أحدهما: ترتيب في الوقت وهذا نحو تقديم وقت الظهر على وقت العصر ونحو تقديم وقت المغرب على وقت العشاء.
وثانيهما: تقديم في الفعل وهذا نحو تقديم فعل الظهر على فعل العصر وتقديم فعل المغرب على فعل العشاء. فإذا عرفت هذا فنقول: الترتيب في الصلاة المؤداة يكون على أوجه ثلاثة:
أولها: المسافر إذا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أول الوقت فإنه يجب فيها مراعاة الترتيب في تقديم الظهر على العصر والمغرب على العشاء من جهة أن الوقت ليس صالحاً للعصر ولا للعشاء وإنما هو وقت للظهر والمغرب فلهذا وجب التقديم.
وثانيها: إذا أخر الظهر والعصر بعد تقضي المثلين، وأخر المغرب والعشاء بعد انقضاء الشفق الأحمر فهل يجب الترتيب بينهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسقط الترتيب بينهما لأن الوقت قد صار مستحقاً لهما جميعاً بطريق الجواز.
وثانيهما: أنه يجب الترتيب بينهما كما لو كان في غير حال السفر.
وثالثها: أنه إذا أخر الظهر والعصر حتى لم يبق من الوقت إلا مقدار ثلاث ركعات أو أربع فهل يسقط الترتيب بينهما ويكون مخيراً في الإتيان بأيهما شاء أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مخير في تأدية أيهما شاء، ويكون الترتيب ساقطاً بينهما من جهة أن الوقت صالح لهما جميعاً.
وثانيهما: أن الوقت قد صار مستحقاً للعصر لا غير، لقوله :((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها " )) (1).
فلهذا خص الوقت بتأدية العصر لما ضاق الأمر فيه وعلى هذا لو أدَّى فيه الظهر كان قاضياً لهما جميعاً، ولو أدى فيه العصر كان قاضياً للظهر لا غير فلهذا كان الوقت أحق بتأدية العصر على الخصوص.
__________
(1) تقدم.
الفرع السابع: أول وقت المغرب هو غروب الشمس وآخره ذهاب الشفق الأحمر، فصار المغرب له ثلاثة أوقات، وقت الفضيله وهو مقدار ثلاث ركعات بعد غروب الشمس، ووقت الإختيار وهو بعد الفضيلة إلى غروب الشفق الأحمر، ووقت الجواز وهو ما بعد الشفق الأحمر إلى قبل طلوع الفجر بما يتسع لتأدية العشاء الآخرة. ولا خلاف في تعليق أول وقتها بغروب الشمس لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ((وصلى بي المغرب حين غابت الشمس حين أفطر الصائم " )) وإنما الخلاف في الأمارة التي يعرف بها غروب الشمس وفيها مذهبان:
المذهب الأول: أن علامة غروبها هو إقبال الظلام وانهزام الضوء وسقوطها من الجبال العالية وهذا هو رأي زيد بن علي وأحمد بن عيسى وعبدالله بن موسى بن جعفر " (1)، وأحد قولي الناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
__________
(1) عبد الله بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب، عُرف كآبائه بالعلم والتقى، والزهد والعبادة. راجع ترجمته في (لسان الميزان) 1/104.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقبل الليل من هاهنا " (وأشار إلى المشرق) وأدبر النهار من هاهنا (وأشار إلى المغرب) فقد أفطر الصائم))(1) وأراد انقضاء صومه بدخول الليل سواء أكل أو لم يأكل ولم يذكر رؤية الكوكب.
المذهب الثاني: أن علامة غروبها إنما يكون بظهور الكوكب، وعلامته أن يكون صغيراً يتلألأ. وكواكب النهار هي الكواكب المضيئة التي ترى ضحوة ونهاراً، وهذا هو رأي القاسمية واختاره السيد المؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما روى أبو بصرة الغفاري " (2)
__________
(1) هذا ا لحديث من الأحاديث المشهورة في ادلة الصيام، وأوردها البعض في الأوقات، جاء الحديث بألفاظ وأسانيد عدة نورد منها هاهنا ما جاء في (فتح الغفار) بلفظه: عن ابن عمر قال: سمعت النبي يقول: ((إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم)) متفق عليه، وفي رواية للترمذي: ((...فقد أفطرت)) وقال (يعني الترمذي): حسن صحيح، وفي رواية لأبي داؤد: ((إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا)) زاد في رواية: ((... فقد أفطر الصائم))، وللبخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: ((إذا رأيت الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم))، ولمسلم من حديثه: ((إذا غابت الشمس من هاهنا وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم)). ا هج1/494.
(2) أبو بصرة جميل بن بصرة الغفاري كما جاء في (تجريد أسماء الصحابة) 2/152.