وقال :((تدرون ما مثل هذه الصلوات مثلها كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتمس فيه كل يوم خمس مرات ما عسى أن يبقى عليه من الدرن))(1).
وقال : ((الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى))(2).
وقال :((مثل من لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت(3)
فلا هي ذات حمل ولا هي ذات ولد))(4).
وقال : ((إذا ترك الرجل صلاة الفجر نادى منادٍ من السماء يا فاسق، وإذا ترك صلاة الظهر نادى منادٍ من السماء يا فاجر، وإذا ترك صلاة العصر نادى منادٍ من السماء يا خاسر، وإذا ترك صلاة المغرب نادى منادٍ من السماء يا كافر، وإذا ترك صلاة العشاء الآخرة نادى منادٍ من السماء أطلب لك رباً فلست لك برب)).
وقال :((من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله، وماله))(5)
أراد: نقص.
وقال : ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " ))(6).
__________
(1) جاء في فتح الغفار عن أبي هريرة أن النبي قال: ((لو أن نهراً بباب أحدكم فيغتسل فيه كل يوم خمس مرات ما تقولون في ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا)) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ا ه‍ج1/104، وأورده في الجواهر عن أبي هريرة بلفظه بزيادة: ((أرأيتم...) في أوله، أخرجه الستة إلا الموطأ وأبا داؤد، وجاء بألفاظ مختلفة في مصادر أخرى، منها صحيح ابن حبان ج5 ص 14،13، بلفظ: ((المكتوبات كمثل نهر...إلخ)) وفي سنن البيهقي ومسند أحمد: ((الصلوات الخمس كمثل ...إلخ)).
(2) أورده في مصنف ابن أبي شيبة ج1 ص 259.
(3) أملصت المرأة والناقة فهي مملص، رمت ولدها لغير تمام.. أي أسقطت، ا ه‍لسان ج7 ص94.
(4) أورده في مجمع الزوائد ج2 ص 142.
(5) أخرجه أبو داؤد عن ابن عمر.
(6) أخرجه أبو داؤد والترمذي من رواية جابر بلفظه، وفي رواية مسلم عن جابر: ((بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة)) ا ه‍جواهر 1/150.

وقال : ((صلاة العشاء الآخرة في جماعة تعدل قيام نصف ليلة وصلاة الفجر في جماعة تعدل قيام ليلة))(1).
وقال : ((لا خير في دين لا صلاة فيه))(2).
فهذه الأخبار كلها دالة على فضلها وعلى الحث على فعلها وعلى بيان الوعيد الشديد على تركها.وبتمامه يتم الكلام على هذه المقدمة التي أردنا تقديمها ونشرع الآن في شرح أسرار الصلاة وبيان معانيها. ويحصل مقصودنا بأن نرسم فيها عشرة أبواب تحيط بالغرض المقصود وبالله التوفيق.
__________
(1) جاء في الروض النضير عن(التخريج) وابن بهران في المعتمد عن عثمان قال: سمعت رسول الله يقول: ((من صلى صلاة العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى صلاة الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله)) أخرجه مسلم، وفي رواية الترمذي وأبي داؤد: ((من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة)).
(2) جاء الحديث في سنن أبي داؤد ومسند أحمد عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف سألوه ألا يُحشَّروا ولا يُعشَّروا وأن يسقط عنهم الصلاة فقال لهم: ((لكم ألاَّ تُحشَّروا ولا تُعشَّروا ولا يُستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين ليس فيه ركوع)) انفرد به أحمد، وفي سنن أبي داؤد جاء الحديث برقم (2631).

---
الباب الأول
في بيان الأوقات المضروبة للصلاة
[توقيت] الصلاة بأوقات مخصوصة لتأديتها لا خلاف فيه، والدلالة على ما قلناه من التوقيت قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103] أي: موقتاً. وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}[الروم:17-18]. قال إبن عباس رضي اللّه عنه: المراد بالتسبيح هاهنا هو الصلاة، والمراد بقوله: حين تمسون، المغرب والعشاء، وحين تصبحون، الفجر، وعشياً، العصر، وحين تظهرون، الظهر.
وقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}[الإسراء:78] فالدلوك الزوال،والغسق الظلام، فتضمن ذلك: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقرآن الفجر أراد به الصبح.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة " في أن الوقت المضروب للظهر والعصر من زوال الشمس إلى غروبها، وأن الوقت المضروب للمغرب والعشاء هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وأن الوقت المضروب للفجر هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ " }[هود:114] فالطرف الأول صلاة الفجر، والطرف الثاني صلاة العصر، والظهر صار متوسطاً فيمكن إدخاله في الطرف الأول ويمكن إدخاله في الطرف الثاني وزلفاً من الليل أراد به المغرب والعشاء. والزلف جمع زلفة وهي عبارة عن الوقت الواحد، ولكن الخلاف في متعلق الوجوب هل يكون معلقاً بأوله أو بآخره. وفيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أن متعلق الوجوب هو أول الوقت على جهة التوسيع وآخره على جهة التضييق. فأول الوقت هو وقت الفضيلة وآخر الوقت هو وقت الجواز. وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان للمذهب لأن الهادي والقاسم ليس لهما نص صريح في متعلق الوجوب من الوقت، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء: 78].
ووجه الحجة: هو أن اللّه تعالى أمره بإقامة الصلاة من أول الوقت إلى آخره، وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة على خلافه، وفي هذا دلالة على أن الوقت متعلق الوجوب بالتوسعة من أوله والتضييق من آخره، ويؤيد ما قلناه ويوضحه، أن دلالة الوجوب هو لفظ الأمر وقد اقتضى فعله في أول الوقت كما اقتضى فعله في آخره، فكما أن آخر الوقت وقت للوجوب فهكذا يكون أوله من غير فرق بينهما فصار أوله كآخره في الإجزاء من غير حاجة إلى بدل.
المذهب الثاني: أن متعلق الوجوب هو آخر الوقت، وهذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وإنما ضرب أول الوقت لجواز فعل الصلاة فيه ثم اختلفوا في وقت الوجوب من آخر الوقت، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف و محمد: إن الصلاة إنما تجب إذا بقي من آخر الوقت قدر تكبيرة، وذهب زفر إلى أنها إنما تجب إذا بقي مقدار ما يصلي فيه صلاة الوقت ثم اختلفوا إذا صلى في أول الوقت، فذهب أكثرهم إلى أنه موقوف مراعى فإن جاء آخر الوقت وهو من أهل الصلاة في آخر الوقت تبين أنها كانت فرضاً فإن خرج عن أن يكون من أهل الصلاة في آخر الوقت تبين أنها كانت نفلاً، فأما الكرخي منهم فعنه ثلاث روايات:
الأولى: أن يكون في أول الوقت واجبا موسعاً.
الثانية: أن وقت الظهر كله وقت لأداء الفرض، والوجوب فيه بأحد المعنيين إما بفعل الصلاة من أول الوقت إلى آخره، وإما بمجيء آخر الوقت.

الثالثة: أنه موقوف مراعى إلى أخر الوقت فإن كان بصفة المكلفين فهي فرض، وإن خرج عن صفة المكلفين فهي نفل كما حكيناه من قبل عن غيره.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان مخيراً بين فعلها وبين تركها لا إلى بدل لزم أن لا تكون واجبة كالنفل، ومن وجه آخر، وهو أن كلما جاز للإنسان تركه من غير عذر ولا بدل لم يكن واجباً. وفي هذا دلالة على أن الوجوب غير متعلق بأول الوقت.
المذهب الثالث: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت موسع فيه، وبآخره مضيق. وهذا هو المحكي عن الشيخين أبي علي وأبي هاشم من المعتزلة، قالا: والمصلي في أول الوقت مخير بين فعل الصلاة وتركها إلى آخر الوقت فإذا لم يؤدها في أول الوقت فلا بد من العزم ليكون بدلاً عنها.
والحجة على هذا: هو أن المكلف إذا لم يكن مؤدياً للصلاة في أول الوقت وأخر فعلها ولم يعزم على تأديتها كان إلحاقاً لها بالنفل لأنه قد تخلى عن الأداء وعن العزم فلا يفترق الحال بين الفعل الموسع إذا لم يفعل في أول الوقت إلا بالعزم؛ لأن النفل يجوز تركه من غير بدل، فالواجب الموسع لا يجوز تركه إلا مع البدل. وظاهر كلام الحنفيه أنهم لا يوجبون العزم بدلاً من جهة أن الوجوب متعلق بآخر الوقت بكل حال، وإنما يوجب العزم بدلاً من قال بأن الوجوب متعلق بأول الوقت موسعاً، فأما الشيخان فقد صرحا بوجوب العزم بدلاً عن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت.
والمختار: ما عول عليه السيدان الأخوان ومن وافقهما من العلماء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا حجتين:

الحجة الأولى: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص، عن الرسول أنه قال: ((إن للصلاة أولاً وآخراً وأول وقت الظهر حين زوال الشمس وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر))(1).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: أنه أثبت للصلاة وقتاً لأولها ولا يعني بوجوب التوسيع إلا أن لها أولاً وآخراً فإن أداها في أوله فهو وقت للوجوب وإن أداها في آخره فهو وقت للوجوب أيضاً.
الحجة الثانية: قوله في آخر حديث جابر: ((أمني جبريل عند باب البيت )) إلى أن قال: ((الوقت ما بين هذين هذا وقت الأنبياء قبلك ))(2).
ووجه الحجة من هذا الخبر: أنه % أثبت للظهر في اليوم الأول وقتاً، وأثبت لها في اليوم الثاني وقتاً، ثم قال: ((وقتها فيما بين هذين الوقتين " ))، وهكذا سائر الصلوات، ولا نعني بالتوسيع إلا هذا، وفي هذا دلالة على أن تعليق الوجوب إنما هو بأول الوقت كما قررناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: لو جاز تأخير الصلاة عن أول الوقت لكانت نفلاً.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أورده في الجواهر لابن بهران بلفظ مقارب من رواية أبي هريرة، وتمامه: ((... وإن وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين منتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس)) أخرجه الترمذي. ا ه‍1/152.
(2) هذا الحديث مشهور، وورد من عدة طرق، وفي مختلف الصحاح والسنن، ومنها ما أورده المؤلف عن جابر، أخرجه النسائي بتمامه، كما أورده ابن بهران في الجواهر ج1 ص153، ورواه أحمد والنسائي والترمذي بنحوه، وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت، وأخرجه الدار قطني، وابن حبان، والحاكم، وللترمذي في رواية عن ابن عباس بنحوه، اه‍. فتح الغفار 1/107.

أحدهما: أنا نقول: إن النفل ما جاز تركه على الإطلاق. والصلاة في أول الوقت فإنا لا نجوِّز تأخيرها على الإطلاق ولكن نجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأوله وآخره وقتان للوجوب كما شرحناه من قبل.
وثانيهما: أنا نوجب فعل العزم في أول الوقت بخلاف النفل، فإنا لا نوجب بتركه العزم، وإيجابنا العزم في أول الوقت ليس لكونه بدلاً عن الصلاة في أول وقتها فإنه لو كان بدلاً عنها وقائماً مقام المصلحة لها لم يكن لإيجاب الصلاة في آخر وقتها وجه لأن البدل قائم مقام المبدل كسائر الأبدال والمبدلات، والعزم لا يقوم مقام الصلاة بحال فبطل كونه بدلاً وإنما نوجب فعله لئلا يكون معرضاً عن خطاب الشرع ولا مستهيناً به بل إذا كان تاركاً لتأدية الصلاة في أول وقتها انقض نفسه بتجديد العزم في كل وقت.
قالوا: كل ما جاز تركه من غير بدل ولا عذر فليس واجباً.
قلنا: الواجب إنما يبطل وجوبه إذا جاز تركه على الإطلاق، فأما إذا جاز تركه على بعض الوجوه لم يبطل وجوبه، والصلاة لا يبطل وجوبها إذا أُخرت إلى آخر الوقت مع توجه وجوبها في أوله.
وأما ما زعمه الشيخان من إيجاب العزم بدلاً عن ترك الصلاة في أول الوقت، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن العزم لو كان بدلاً عن الصلاة في أول الوقت لبطل وجوبها وفعلها في آخر الوقت من جهة أن البدل يقوم مقام المبدل في كل أحواله كالتراب مع عدم الماء فإنه يقوم مقامه في تأدية الصلاة حتى يجد الماء، وهكذا القول في الأبدال كلها.
وأما ثانياً: فلأنه كان يلزم فيمن دخل عليه وقت الزوال وهو نائم أن يجب إيقاظه لفعل العزم مخافة أن يخلو عن الصلاة وبدلها، والإجماع منعقد على بطلان ذلك. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنا وإن أوجبنا العزم فإنا لا نوجبه لكونه بدلاً ولكن للوجه الذي أشرنا إليه.

الفرع الثاني:اعلم أن الزوال عبارة عن زوال الشمس من الإرتفاع إلى الإنحطاط لأن السماء مثل القبة وسطها عال وأطرافها نازلة والشمس تطلع من أطرافها فيكون ظل الشمس عند الطلوع طويلاً إلى قدام الشخص لدنو الشمس من الأرض، وكلما ارتعفت الشمس تناقص ظل الشخص ودار حتى إذا حصلت الشمس في كبد السماء تناهى نقصانه، فيُعلَّم حينئذٍ على ظل الشخص بعلامة فإذا أخذت الشمس في الإنحطاط زاد الظل، فذلك هو الزوال. وظل الشخص الذي يكون عند الزوال يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، فأما الأزمان فإنه يكون في الصيف قليلاً وفي الشتاء أكثر منه لأن الشمس في الصيف سيرها يكون في وسط السماء حتى تقابل ماء البئر فإذا حصلت في وسط الفلك لم يبق للشخص إلا ظل قليل، ثم تسير في الشتاء في جانب الفلك وعرض السماء ولا تبلغ إلى وسطها لميلها إلى الجانب اليماني فلهذا كانت أقرب إلى الأرض فيطول الظل بذلك قبل الزوال. وأما اختلاف ذلك بالبلدان فإذا كانت بلد قريبة من المشرق أو من المغرب فإنها تبعد عن وسط الفلك فيكون ظل الشخص عند الزوال أكثر منه في البلاد التي تحت وسط الفلك، وربما ينتهي الشخص إلى أن لا يكون [له] عند الزوال ظل أصلاً، وهذا إنما يكون عند حلول الشمس في الجوزاء(1).
الفرع الثالث: والدلوك علامة لأوقات الصلاة كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ }[الإسراء: 78] وهل يكون الدلوك هو الزوال أو الغروب؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الدلوك هو الزوال وهذا هو رأي القاسمية واختاره السيدان الأخوان وهو قول الشافعي، ومحكي عن ابن عمر، وابن عباس وعائشة.
__________
(1) ما ورد في هذا البحث حول السماء وأنها كالقبة وأن الشمس تطلع من أطرافها إلى آخره.. هو كما هو مفهوم تجوَّز وافتراض، الغرض منه تحديد حركة الظل كعلامة على الوقت للصلاة، وليس الغرض الحقائق العلمية الفلكية.

و الحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل الظهر حين دلكت الشمس )).
المذهب الثاني: أن الدلوك هو الغروب وهذا هو رأي علي % وابن مسعود وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه يقال: دلكت الشمس إذا مالت للغروب.
والمختار: هو الأول من جهة أن الشمس إذا توسطت في الفلك ومالت للزوال وطلع(1)
إليها الرائي فإنه يدلك عينه لشدة ضوءها وحرارتها عند زوالها فلهذا سمي دلوكاً(2)،
وإذا كان الدلوك هو الزوال فإنا نستفيد منه وقتاً لأربع صلوات، وإذا كان هو الغروب فإنما نستفيد وقتاً لصلاتين، فلهذا كان الزوال أحق. ولنقتصر على هذا القدر ونرجع إلى المقصود من بيان مواقيت الصلاة، فنذكر أوقات الفضيلة ثم نذكر أوقات الكراهة ثم نردفه بذكر أهل الأعذار. فهذه فصول ثلاثة.
__________
(1) هكذا في الأصل، والمعنى: نظر إليها.
(2) دلكت: أي مالت للزوال.. حتى كاد الناظر يحتاج إذا تبصرها أن يكسر الشعاع عن بصره براحته. ا ه‍لسان ج10 ص 427.

---
الفصل الأول
في بيان أوقات الفضيلة للصلوات الخمس
والأصل فيه ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((أمني جبريل عند باب البيت فصلى بي الظهر حين زالت الشمس " وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين ذهب الشفق الأحمر وصلى بي الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه وصلى بي المغرب كصلاته بالأمس وصلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل وصلي بي الصبح حين كاد حاجب الشمس يطلع، ثم قال: يامحمد الوقت ما بين هذين))(1) وهكذا خبر جابر وخبر أبي مسعود البدري(2)
فإنها متفقة على بيان ما ذكرناه من هذه الأوقات.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: أول وقت الظهر يدخل بالزوال، وإنما بدأنا بها تأسياً بجبريل وهي أول ما فُرض على الرسول من الصلوات.
والزوال: عبارة عن ظهور زيادة الظل في ناحية المشرق بعد تراخيه من ناحية المغرب، ولا يجوز افتتاحها قبل الزوال عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا يعرف فيه خلاف بينهم.
__________
(1) تقدم في الحديث السابق.
(2) جاء في حاشية الأصل عن البدري: منسوب إليها لأنه ممن شهدها، أي بدر، ا ه‍. واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صاحب النبي وروى عنه، شهد العقبة، روى عنه ابنه بشير وعبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو وائل وعلقمة وقيس بن أبي حازم، وغيرهم، قال ابن سعد: شهد أحداً وما بعدها ولم يشهد بدراً، وقال شعبة عن الحكم: كان أبو مسعود بدرياً، وهكذا قال أكثر الرواة: قال المدائني: مات سنة 40ه‍. وقيل غير ذلك. ا ه‍. (تهذيب التهذيب) 7/220.

134 / 279
ع
En
A+
A-