---
المرتبة الخامسة: في بيان حكم تاركها
واعلم أن من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى خرج وقتها فإنه يُسأل عن تركها فيقال له: لم تركتها؟ فإن قال: لأني أعتقد بأنها غير واجبة عليَّ فإنه ينظر في حاله، فإن كان ناشئاً في بلد نائية عن المسلمين بعيدة عن الإختلاط بهم أو أسلم ولم يختلط بأهل الإسلام، فإنه يُقال[له]: إنها واجبة عليك فيجب عليك أداؤها، وإن كان ممن تقدم إسلامه وهو مخالط للمسلمين حكم بكفره لا محالة؛ لأن وجوبها معلوم ضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه، فالمنكر لوجوبها يكون ردَّة ورجوعاً عن الإسلام شكاً في الدين، ويجب قتله لقوله : ((من بدل دينه فاقتلوه ))(1)،
والمرتد مبدل لأنه غير معترف بالوجوب، ويتولى قتله الإمام لأنه أعظم الحدود وهي مفوضة إليه، ويجب استتابته ثلاثة أيام لما روى زيد بن علي، عن علي أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام. ولا يدفن في مقابر المسلمين لكونه كافراً بالردة، ولمن يكون ماله هل يكون فيئاً لبيت المال، أو يكون لورثته؟ فيه تردد نذكره في الحدود بمعونة اللّه. وإن قال التارك للصلاة: نسيتها، قيل له: فاقضها؛ لأن قضاءها واجب؛ لقوله :((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها ))(2)
__________
(1) هذا من الأحاديث المشهورة، رواه البخاري في صحيحه، وابن حبان والترمذي والبيهقي والدار قطني، وابن ماجة وأحمد وغيرهم كثير.
(2) هذا الحديث مروي من طرق وبألفاظ شتَّى منها: ما جاء عن أنس بن مالك عن النبي قال: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) متفق عليه، ولمسلم: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول: {أقم الصلاة لذكري} ا ه، (فتح الغفار) ج1 ص 245، وفيه روايات للنسائي والترمذي وأبي داؤد وغيرهم عن أبي هريرة وأبي قتادة وغيرهما.
فإن قال: لا أستطيع، قيل له: صل كيف ما استطعت لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ماستطعتم ))(1)
وهل يكون قضاءها على الفور أو على التراخي؟ فيه تردد نذكره في قضاء الفوائت.
وإن قال: أنا أعتقد وجوبها ولكني لا أصلي تكاسلاً وتمرداً عن أدائها وميلاً إلى الراحة والدَّعة، فهل يحكم بكفره أم لا؟ وإذا لم يحكم بكفره فهل يقتل أم لا؟ وإذا لم يقتل فهل يحكم بفسقه أم لا؟ فهذه مسائل ثلاث نذكر ما يتعلق بكل واحدة منها بمشيئة اللّه تعالى.
المسألة الأولى: هل يحكم بكفره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تارك الصلاة ليس كافراً، ولا يحكم عليه بالكفر. وهذا هو رأي أئمة العترة وجماهير المعتزلة البغدادية والبصرية، ومحكي عن جلَّة الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه وهو رأي مالك.
والحجة على هذا: هو أن إطلاق إسم الكفر والحكم عليه بالكفر لا بد فيه من دلالة شرعية لأنه لا مستند للإكفار إلا من جهة الشرع لأن العقل لا مجال له في الإكفار بحالٍ ولا دلالة من جهة الكتاب ولا من جهة السنة المتواترة على إكفار الفاسق فيجب القضاء بفساده.
المذهب الثاني: أنه محكوم عليه بالكفر وهذا هو رأي الخوارج، ومحكي عن أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث.
والحجة على هذا قوله : ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ))(2)
وفي حديث آخر: ((تارك الصلاة ثلاثة أيام لا حظ له في الإسلام ))(3).
__________
(1) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). جواهر 1/39.
(2) أخرجه أبو داؤد والترمذي من رواية جابر، وللترمذي في رواية أخرى: ((بين الكفر والإيمان ترك الصلاة)) وفي رواية مسلم عن جابر: ((بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة)) ا هجواهر 1/151.
(3) سبق بمعناه في روايات الحديث السابق.
والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن وافقهم من علماء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو قوله : ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده وروسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج إلى بيت اللّه))(1)
ولا شك أن الفاسق قائل بهذه الأمور كلها فيجب القضاء بإسلامه، وإذا كان مسلماً بطل إكفاره.
الانتصار لما ذكرناه: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: قد صرح الرسول بإكفار تارك الصلاة فيما رويناه من الحديث.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن الخبرين محمولان على أنه إنما تركها استحلالاً لتركها، وما هذا حاله فلا مقال في كفره وردته، كما أوضحناه من قبل.
وأما ثانياً: فلأن هذين الخبرين من أخبار الآحاد وهما لا يرشدان إلا إلى الظن، والإكفار فإنما طريقه القطع بالأدلة الشرعية دون الأمور المظنونة.
المسألة الثانية: إذا بطل إكفار تارك الصلاة بما ذكرناه، فهل يجب قتله أم لا إذا لم يتب؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مستحق للقتل بترك الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، والمزني من أصحاب الشافعي.
الانتصار: والحجة على هذا: قوله : ((لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إسلام، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق))(2).
وقتل تارك الصلاة ليس بواحد من هذه، فيجب القضاء ببطلانه.
المختار: المذهب الثاني: أنه يقتل، وهذا هو المحكي عن الهادي وأولاده، وهو رأي الشافعي، ولهم على هذا حجج.
__________
(1) تقدم في أول الباب.
(2) أخرجه الترمذي النسائي، وفي تخريج أحاديث البحر: وعن ابن مسعود أن رسول الله قال: ((لا يحل دم امرءٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) أخرجه الستة إلا الموطأ، ونحوه عن عائشة، أخرجه أبو داؤد والنسائي. ا هج1 ص 151.
الحجة الأولى: قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ }[التوبة: 5].
ووجه الحجة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر بالكف عن قتلهم بالتزام التوبة وإقامة الصلاة فمن قال: إنه إذا تاب ولم يقم الصلاة سقط عنه القتل فقد ترك أحد الشرطين المذكورين في القرآن.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة ))(1)
وفي هذا دلالة على إباحة دمه.
وروي عن النبي أنه قال: ((نهيت عن قتل المصلين ))(2)
فدل مفهومه على أنه لم ينه عن قتل غير المصلين.
الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن الصلاة عبادة محضة تجب لا بقوله، لا تدخلها النيابة ببدل ولا مال فوجب أن يقتل تاركها كالشهادتين.
فقولنا: عبادة محضه. نحترز بها عن العدة، فإن تركها لا يوجب القتل لما كانت غير محضة، ولهذا فإنها لا تفتقر إلى النية.
وقولنا: تجب لا بقوله. نحترز به عن الصلاة المنذورة.
وقولنا: لا تدخلها النيابة ببدل، نحترز به عن الحج، فإنها تجوز فيه النيابة ببدل المال في الإجارة عنه.
__________
(1) أورده في المعجم الكبير ج20 ص 117 وأورده ابن بهران في الجواهر1/151، وعقب عليه بجملة: حكاه في الانتصار..
(2) رواه عدد من الرواة، وورد بشيء من الاختلاف في لفظه، في كثير من الصحاح والسنن والمسندات، ومنها: مجمع الزوائد 1/296، 6/227، وسنن البيهقي 8/224، وسنن أبي داؤد 4/282، وجاء في الصحاح ما رواه أبو هريرة في قصة الحديث، أن النبي أُتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحنا. فقال النبي : ((ما بال هذا؟)) فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: ((إني نُهيت عن قتل المصلين)).
قال أبو أسامة: والنقيع: ناحية عن المدينة وليس بالبقيع، وجاءت بنون مفتوحة فقاف فيا مثناة تحتية فغين مهملة، ا ه.
وقولنا: ولا بمال: نحترز به عن الزكاة، فإنها تؤخذ من مالكها كرهاً، ونحترز به من الصوم أيضاً، فإن الشيخ الهِمَّ إذا عجز عنه أفطر وفدى. فتقرر بما ذكرناه وجوب قتله.
فإذا تقرر فمتى يقتل؟ وهل يستتاب أم لا؟ وعلى أي حالة يكون قتله؟ فهذه أحكام ثلاثة:
الحكم الأول: في أي وقت يكون قتله. وللشافعي في ذلك أقوال ثلاثة:
أولها: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الرابعة لا بما مضى؛ لأنه إذا ترك ثلاث صلوات علم تهاونه بها وإذا ترك دونها جاز أن يكون ذلك لعذر أو تأويل، وهذا هو رأي الأصطخرى(1)
من أصحابه.
وثانيها: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو قول الشيخ أبي حامد؛ لأن الأولى مختلف في جواز تأخيرها فإذا ترك الثانية عُلِم أنه قد عزم على الترك مداومة عليه.
وثالثها: أنه يقتل إذا خرج وقت الأولى، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، والقولان الأولان مخرجان على مذهبه.
الحكم الثاني: أنها تجب استتابته كالمرتد، وإذا قلنا بوجوب الإستتابة، فهل تكون ثلاثة أيام أو في الحال؟ فيه تردد. وإذا قلنا بوجوب الإستتابة في الثلاث فقتله قاتل في الثلاث فقد أساء ولا ضمان عليه من دية ولا قصاص لأن دمه هدر لمن قتله، وقتله إلى الإمام لأنه حد من الحدود بل هو أعظمها.
__________
(1) قال في (سير أعلام النبلاء) 15/250 في ترجمته: الإمام القدوة العلامة شيخ الإسلام أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الاضطخري الشافعي، فقيه العراق ورفيق ابن سريج، سمع سعدان بن نصر وحفص بن عمرو الربالي وأحمد بن منصور الرمادي، وروى عنه محمد بن المظفر والدار قطني، وابن شاهين وغيرهم، وقال الخطيب: ولي قضاء قم وحسبة بغداد، له تصانيف منها: كتاب أدب القضاء. وقد استقضاه المقتدر على سجستان. مات في جمادى الآخرة سنة 328 هعن نيف وثمانين سنة، وفي (الأعلام) 2/179: ذكر الزركلي عن ابن النديم أن للأصطخري من الكتب: (الفرايض الكبير) وكتاب الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات.
الحكم الثالث: في كيفية قتله، واختلفوا في ذلك فالمنصوص للشافعي أنها تحز رقبته، ومنهم من قال يضرب بالخشب حتى يصلي أو يموت، ومنهم من قال يسوى عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبراً عقوبة له. وإذا وجب قتله فإن قتله يكون حداً كما يقتل الزاني المحصن فيدفن في مقابر الإسلام، وترثه ورثته من المسلمين. فهذا تقرير مذهبهم في قتل تارك الصلاة.
والمختار: عندنا ما قاله المؤيد بالله ومن وافقه من علماء الأمة.
والحجة لهم: قد حكيناها عنهم ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))(1).
فظاهر الخبر دال على عصمة الدماء بالشهادتين واحرازهما إلا ما قامت عليه دلالة ظاهرة، وتارك الصلاة لم تدل دلالة على إهدار دمه، ولأن تارك الصلاة مقر بالله تعالى وبرسوله وبالشريعة مصدق بالقرآن خلا أنه ترك الصلاة تمرداً وتكاسلاً من غير تكذيب ولا استحلال واستخفاف بموجبها، ولا إنكار لوجوبها ومثل هذا لا يوجب إهدار دمه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: الآية دالة على وجوب قتله.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أن ظاهر الآية متروك لأن ظاهرها دال على وجوب قتل مانعي الزكاة وهو غير جائز لأن للإمام أن يأخذها منهم كرهاً فلا وجه لقتلهم عليها.
__________
(1) رواه أبو هريرة بلفظ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإاذ فعلوا...إلخ))، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وفي رواية عن ابن عمر: ((أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك ....إلخ)) متفق عليه. ا ه، فتح الغفار 1/102
الجواب الثاني: أن كل من لم يصل في زمن الرسول ويؤتِ الزكاة فهو كافر لا محالة باق على الشرك، فلهذا قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا} عن تكذيب الرسول، ورد ما جاء به من الشر يعة {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ }[التوبة:5] لأن من هذه حاله فهو مؤمن بالله مصدق بالرسول في كل ما جاء به، وفي أول الإسلام لم يكن الفسق ظاهراً، وما كان إلا كفر أو إسلام لا غير، بخلاف حال تارك الصلاة فإنه مقر بما جاء به الرسول وما عليه إلا أنه ترك الصلاة لعارض الكسل.
الجواب الثالث: هو أن ما ذكرتموه معارض بما أوردناه من الأدلة على عصمة دمه فأدنى أحوالها أنها تورث الشك والوقف فلا يمكن أهدار دمه وهو معصوم بالشك.
قالوا: ورد عن الرسول : ((تارك الصلاة)) أو ((من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة )).
قلنا عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الخبر من جملة أخبار الآحاد وليس دالاً على القطع فيما تناوله، وطريق الإكفار وإهدار الدماء إنما هو القطع.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على أنه تركها استحلالاً وتهاوناً بحقها، ومثل هذا لا شك يوجب الإكفار والردة.
وأما ثالثاً: فلأن قوله: برئت منه الذمة، إنما أراد خذلانه بترك الألطاف الخفيه لما أعرض وعصى اللّه بترك الصلاة.
قالوا: روي عنه أنه قال: ((نهيت عن قتل المصلين )). فمفهومه أن كل من لا يصلي جاز قتله.
قلنا: هذا فاسد فإن كل من كان في زمن الرسول ليس مصلياً فهو كافر، فنحن نقول بموجب الخبر ومفهومه. ومن وجه آخر وهو أن هذا من مفهوم الصفة فإذا قلت: أكرمت العلماء فليس فيه دلالة على أنك لم تكرم الفقهاء بل إكرام العلماء حاصل ونفي الإكرام عن الفقهاء موقوف على الدلالة لا يؤخذ من المفهوم.
قالوا: الصلاة عبادة محضة لا تدخلها النيابة، فيجب أن يكفر تاركها كالشهادتين.
قلنا: عن هذا جوابان: أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل أنهما أصلان في حقن الدماء وعصمة الأموال كما دل الخبر على ذلك بخلاف الصلاة فإن الدماء معصومة بتركها كالزكاة.
وأما ثانياً: فلأن هذا القياس معارض بمثله، فإنا نقول: عبادة واجبة على الأعيان فلا يقتل بتركها كالزكاة، أو نقول: شخص مقر بالله تعالى وكتبه ورسله وناكح على القرآن ومعترف بالشريعة، فلا يجوز استحلال دمه كالمسلم. فقد وضح لك بما ذكرناه بطلان قتل تارك الصلاة بما ذكرناه من الأدلة وبما أجبنا عما أوردوه دلالة لهم.
فإذا لم يتوجه عليه القتل فأي شيء يفعل [به]؟ فحكي عن الإمام المؤيد بالله أنه يكره على فعل الصلاة ولا يمنع الإكراه صحة الصلاة لأن الإكراه فعل المكره وهو لا ينافي الإرادة، وإنما ينافي الكراهة فيحبس ويضيق عليه ويؤدب ولا يقتل، ومنهم من قال: لا يعترض له لأنها أمانة في رقبته. وصاحب هذه المقالة يلزمه ترك النكير على ترك الواجبات وهو باطل قطعاً ويقيناً.
والمختار عندنا: تعزيره بأنواع التعزيرات بالضرب والحبس والإستخفاف والإهانة والطرد والإبعاد على حد ما يراه الإمام من المصلحة في ردعه وزجره؛ لأنه مستحق لذلك وأهل لما أصابه من النكال والتعزير.
المسألة الثالثة: إذا بطل كفره بما ذكرناه فهل يحكم عليه بالفسق أم لا؟ وهل يستحق العذاب من اللّه تعالى أم لا فهذان تقريران:
التقرير الأول: في أنه هل يحكم عليه بالفسق أم لا؟ اعلم أن الإجماع منعقد على أن من ترك خمس صلوات من اليوم والليلة فإن تركه لذلك يكون كبيرة في حقه ثم اختلف العلماء فيما يطلق عليه من الأسماء لأجل ملابسته لهذه الكبيرة على مذاهب أربعة:
أولها: أنه يسمى فاسقاً مجرماً ملعوناً منهمكاً ولا يجوز تسميته كافراً ولا مؤمناً، وعلى هذا يكون له اسم بين الإسمين وحكم بين الحكمين، وهذا هو مذهب أئمة العترة والجماهير من الزيدية والمعتزلة.
وثانيها: أنه يسمى كافراً ولا يجوز تسميته مؤمناً، وهو شيء يحكى عن الخوارج.
وثالثها: أنه يسمى مؤمناً ولا يجوز تسميته كافراً، وهذا هو رأي المرجئة فإنهم زعموا أنه مؤمن بالله مصدق برسله.
ورابعها: أنه يسمى منافقاً، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من الزيدية والمعتزلة، والأدلة لهذه المذاهب وذكر المختار بأدلته والانتصار لما اخترناه. مذكور في الكتب الكلامية فإنه أليق بالمسائل والمباحث العقلية. واللائق هاهنا ما يتوجه بالمباحث الفقهيه والأسرار الشرعية والله الموفق.
التقرير الثاني: هل يستحق العذاب من اللّه تعالى على إرتكاب الكبيرة أم لا؟ فنقول: اختلف أهل القبلة في من مات مصراً على كبيرة ليست كفراً، على مذاهب أربعة:
أولها:أن اللّه يعذبه بالنار مهما مات مصراً على الكبيرة من غير توبة، وهذا هو رأي أئمة العترة والمعتزلة والزيدية.
وثانيها: أن اللّه تعالى لا يعذبه بالنار لأجل إيمانه، وهذا هو مذهب المرجئة الخالصه.
وثالثها: مذهب من قال بأنا نقطع على أن اللّه يعذبه ويعفو عنه، ولكن لا ندري على أي كبيرة[يعذبه] ولا على أي كبيرة يعفو عنه، وهذا هو المحكي عن الأشعريه.
ورابعها: مذهب الواقفيه، فإنهم قالوا: نتوقف في فساق أهل القبلة فلا ندري يعذبهم اللّه أو يعفو عنهم أو يخلدهم أو لا يخلدهم، فهذه مذاهب أهل القبلة فيمن فعل كبيرة ومات مصراً عليها. وذكر المختار والانتصار له قد بيناه في الكتب العقلية فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكره هاهنا، وانجر بنا الكلام في إسمه وحكمه لما ذكرنا حكم تركه للصلاة وهل يجب قتله أم لا؟. وقد نجز غرضنا في ذكر من تجب عليه الصلاة ونذكر الآن فضل الصلاة والله الموفق.
---
المبحث الخامس: في بيان فضل الصلاة
والحث على فعلها والوعيد الشديد على من تركها
أما من جهة الكتاب: فقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}[البقرة: 238]. وقال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}[العنبكوت: 45]. وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:1-2]. وقال تعالى: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}[البقرة:2،3]. وقال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ}[إبراهيم:31]. وقال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}[الماعون: 4،5] أي تاركون لها. فهذه الآي كلها دالة على فضلها فأما الآي الدالة على وجوبها فقد تقدم ذكرها.
وأما من جهة السنة: فقوله : ((الصلاة عماد الدين فمن هدمها فقد هدم الدين))(1).
وقوله : ((الصلاة من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد))(2).
وقوله :((الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر ))(3).
__________
(1) جاء الحديث بلفظه وبألفاظ أخر منها: ((الصلاة عماد الدين، والجهاد سنام الإسلام)) كما في الفردوس ج2 ص 404.
(2) جاء في تخريج أحاديث البحر: عن ابن عمر قال: قال رسول الله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد)) رواه الطبراني، وفي البحر: ((الصلاة من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)). ا هج1/152.
(3) عن أبي أمامة قال: كان رسول الله في المسجد فأقبل أبو ذر فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا أبا ذر هل صليت اليوم))؟ ققال: لا، قال: ((قم فصل الصلاة خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر)) رواه أحمد في مسنده بلفظه، وهو من حديث طويل بألفاظ مختلفة.