والحجة على هذا: قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }[الأنفال:38] وهذا عام في جميع الكفار. وهذا يقتضي أنه بعد الإنتهاء لا تبعة عليه فلو أوجبنا عليه القضاء لكان بمجرد إنتهائه عن الكفر غير مغفور له لأنه يكون مستحقاً للعقوبة بترك القضاء، والظاهر يمنع منه.
المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه القضاء وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على ما قالوه: هو أنه قد التزم العبادة بالإسلام فيجب أن لا يسقط عنه بالردة، دليله حقوق الآدميين ولأنه تركها بعد التزام وجوبها فصار كالمسلم.
والمختار: ما قاله السيدان الأخوان تحصيلاً للمذهب. ويدل عليه ما قررناه ونزيد هاهنا وهو قوله لعمرو بن العاص: ((الإسلام يجب ما قبله ))، وهذا يقتضي أن الإسلام قاطع لما قبله من التبعات إلا لدلالة قائمة على خلافه، ولأنه أرتكب معصية توجب إحباط العمل على وجه الجحود فوجب ألا يلزمه القضاء كالكافر الأصلي، ولأنه ترك الصلاة في حال الكفر فوجب ألا يتوجه عليه قضاؤها كالحربي، ولأنه بالردة قد حبطت جميع أعماله لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }[الزمر:65]. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ }[المائدة:5]. فوجب أن لا يتوجه عليه القضاء كسائر الكفار من أهل الشرك.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا:إنه قد التزم العبادةفيجب أن لا تسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً:فلأن المعنى في الأصل:كونه حقاً لآدمي،والعبادة حق لله تعالى.
وأما ثانياً: فلأن اللّه تعالى أغنى الأغنياء عن كل حق يجب له، والخلق فهم فقراء إلى حقوقهم. فلا جرم كان حق الآدميين آكد من حق اللّه لما ذكرناه، ولهذا سقط حق اللّه لأجل إحباطه بالكفر دون حق الآدمي كالدين والوصية.
قالوا: ولأنه تركها بعد التزامها فصار كالمسلم.
قلنا: المعنى في الأصل أنه لم يعرض ما يسقط العبادة في حقه فلهذا وجب عليه قضاؤها بخلاف المرتد فإنه عرض في حقه ما يبطل العبادة وهي الردة فافترقا.
---
المرتبة الثانية: الصبا
ووجوب الصلاة إنما يتعلق بالبلوغ بأحد الأمارات إما بالاحتلام أو الإنبات أو بلوغ خمس عشرة سنة، فأما قبل ذلك فهل تجب عليه الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والقول الصحيح للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))(1).
المذهب الثاني: أن الصلاة واجبة على الصبي وإن لم يبلغ بأحد تلك العلامات الثلاث. وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، وحكي عن الطبري أنه وجده في بعض كتب الشافعي، وأنكره أكثر أصحابه.
والحجة له على ما قاله: قوله : ((مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر))(2).
فظاهر الأمر للوجوب.
والمختار: ما عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو أن الصبا فيه نقصان العقل فلم يجز أن يخاطب الصبي بالصلاة كالمجنون.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. وما أوردوه من الخبر فإنه محمول على الاستحباب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا صلى الصبي في حال صباه فهل تكون صلاته شرعية أو غير شرعية؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته ليست شرعية، وهذا هو المحكي عن أئمة العترة وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) جاء في فتح الغفار ج1 ص105 عن عائشة عن النبي قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) رواه أحمد والنسائي وأبو داؤد وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وأخرجه أبو داؤد والترمذي من حديث علي ، وقال: حديث حسن...إلخ. اه.
(2) تقدم، رواه أحمد وأبو داؤد والحاكم والترمذي وابن خزيمة بألفاظ متقاربة، ا ه.
والحجة على ذلك: هو أن الصلاة الشرعية إنما تكون شرعية إذا تناولها الخطاب، ولا شك أن الخطاب غير متناول للصبي في حال صباه لأنه غير كامل العقل فأشبه المجنون فلهذا قضينا بأن صلاته غير شرعية.
المذهب الثاني: أنها شرعية، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر)). فلولا أنها صلاة شرعية في حقهم وأن ما فعلوه عبادة وإلا لما أمر بضربهم، ولأنها عبادة يرجع إلى شرطها العذر فجاز أن يتعبد بها في حال الصغر كالطهارة.
والمختار: ما قاله الأئمة ومن وافقهم من الفقهاء، ويدل عليه ما رويناه من الخبر، ونزيد هاهنا وهو أنها لو كانت شرعية لاستحق عليها ثواباً ولكان مستحقاً للعقاب على تركها، ولو مات في حال صغره من غير صلاة لكان مستحقاً للعقاب. والإجماع على خلاف ذلك.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة.
قالوا: لولا أنها شرعية لما أمر بها وأمر بالضرب عليها.
قلنا: إنه لم يأمرهم بها وإنما أمر الأولياء على جهة التمرين والإرهاص بفعلها ليخف عليهم الإتيان بها عند البلوغ.
قالوا: ولأنها عبادة ترجع إلى شرطها في حال العذر كالطهارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الطهارة تصح منه لأن الطهارة عبادة فلا تصح منه لافتقارها إلى النية وليس الصبي من أهل النية.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل أنها وصلة وليست مقصودة كالصلاة ويغتفر في الشروط ما لا يغتفر في الأمور المعتمدة.
الفرع الثاني: إسلام الصبي هل يكون صحيحاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: إسلامه غير صحيح، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما رويناه من الخبر: ((رفع القلم عن ثلاثة )). وقد قدمناه فلا وجه لتكريره.
المذهب الثاني: أن إسلامه صحيح، وهذا هو رأي السيد أبي العباس، وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه مأمور بالعبادات من الصلاة والصوم والحج وأن يكون إماماً للجماعة والجمعة وهذه لا يصح شيء منها إلا مع سبق الإسلام منه فلهذا قضينا بكونه مسلماً.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن الشرع قد دل على أنه غير مأخوذ بفعل شيء من العبادات كالصلاة والصيام والحج لكونه غير مكلف بها حتى يبلغ بأحد تلك الأمارات الثلاث، فإذا بلغ واحدة منها فإنه يؤخذ بجميع العبادات كلها. فأما من جهة الدين فلا يمتنع من جهة الدين والعقل(1)
أن يكون هاهنا صبي له كياسة وفطنة وجودة في الذكاء يكون عمره ثماني أو تسعاً أو عشراً من السنين يكمل اللّه له عقله فينظر في ذات اللّه تعالى وصفاته وحكمته وتصديق الرسول في كل ما جاء به، فما هذا حاله غير مانع من وجوده.
فإن نظر وحصلت له هذه المعارف الدينية كان مؤمناً عند اللّه تعالى، وإن أعرض عن النظر وتركه كان كافراً عند اللّه تعالى، فأما الأمور الشرعية والعبادات البدنية فلا نؤاخذه بتركها لأن الشرع قد عذره عن تأديتها إذ من المستبعد أن يكون كمال عقله عند بروز الفطنة أو بلوغ خمس عشرة أو إنبات الشعر.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: هو مأمور بالعبادات كما قررناه من قبل.
قلنا: إن كان الغرض الحكم بإسلامه عند الله لما كمل عقله في الصورة التي ذكرناها فهذا جيد لا غبار عليه، وإن كان غرضكم أنه مكلف بالأمور الشرعية ولم يبلغ أحد هذه الحالات التي هي أمارة في بلوغه فلا نسلم ذلك، فإن الشرع قد منع من تكليفه كما شرحناه.
الفرع الثالث: وإذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره فهل يلزمه الإعادة لما صلى أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الإعادة لازمة له وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة.
__________
(1) يبدوا أن في العبارة تكرار، والقصد أن الصبي لا يمتنع من جهة العقل أن يكون كيساً فطناً ...إلخ.
والحجة على ذلك:هو أنا قد قررنا أن العبادات لا تصح من جهة الصبي إلا بعد بلوغه فإذا أدَّاها قبل بلوغه لم تكن واجبة(1)
فلهذا توجهت عليه الإعادة مع بقاء الوقت وسيأتي لهذا مزيد تقرير في الأعذار إذا زالت، وهذا هو أحد قولي الشافعي.
المذهب الثاني: أنه لا إعادة عليه وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلهذا لزمه إتمامها كمن دخل في صوم تطوعاً ثم نذر إتمامه، وحكي عن الشافعي أنه قال: تستحب له الإعادة، واستحاب الإعادة دال من كلامه على أن عدم الإعادة معلوم لا محالة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة على هذا: هو أن العبادات وجوبها ساقط عن الصبي فإذا فعل الصلاة قبل بلوغه لم يكن مؤدياً لها بنية الوجوب فلهذا توجهت الإعادة عليه.
الانتصار: قالوا: صلاته صحيحة.
قلنا: قد قررنا فيما سبق أن الصبي غير مخاطب بالعبادات، وأوضحنا الدلالة عليه من قبل.
الفرع الرابع: قد قررنا من قبل أن تأديتها من جهته غير صحيحة وهل تصح عقوده في المعاوضات من البيع والإجارة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن عقوده صحيحة بإذن وليه وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، فأما من غير إذن وليه فلا يجوز.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ }[البقرة:275] ولم يفصل بين صغير وكبير، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }[النساء:29]. وهذا صادر على جهة التراضي فيجب القضاء بجوازه.
المذهب الثاني: أن عقوده غير جائزة، سواء كانت صادرة عن إذن وليه أو من غير إذنه، وهذا هو قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه غير كامل العقل فأشبه المجنون، أو نقول شخص لا تصح منه العبادات فلا تصح عقوده كالمجنون.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
__________
(1) أي: صحيحة.
والحجة لهم: ما أوردناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}[النساء:6] والآية فيها دلالة على ما قلناه من وجهين:
أحدهما: أن الإبتلاء هو الإمتحان والإختبار وهما مترتبان على البيع والشراء ومتوقفان عليه فلا يحصلان إلا بعد حصولهما.
وثانيهما: أنهما علامتان للإبتلاء والإختبار، ليعرف حاله في الرشد. فإذاً الآية دالة على ما قلناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: هو غير كامل العقل فأشبه المجنون.
قلنا: نقصان العقل في المجنون إنما هو فساد وتغير، وزوال العقل في الصغير ليس فساداً وإنما نقصان فيكمل تصرفه بإذن الولي.
قالوا: شخص لا تصح عباداته فلا تصح عقوده.
قلنا: المقصود من العقود إنما هي المعاوضات وليس المحذور منها إلا الغبن وهذا يرتفع بإذن الولي، بخلاف العبادات فإن المقصود منها القربة والصبي ليس من أهل القربة فافترقا، فلا يلزم من بطلان عباداته بطلان عقوده.
الفرع الخامس: ينبغي لولي الصبي أن يأمره بفعل الطهارة والصلاة إذا صار ابن سبع وكان مميزاً ويضربه على ترك ذلك إذا كان ابن عشر، لما روي عن الرسول أنه قال: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع))(1).
والخطاب بالأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو للآباء ويجب عليهم ذلك لظاهر الأمر ويأثمون بتركه كما يأثمون بترك المنع لهم عن شرب المسكر وسائر المنكرات، والأمر لهم بالطهارة والصلاة إنما هو على جهة التعويد والتمرين، حتى إذا بلغوا خف عليهم ذلك، وليس المقصود أن تأدية الصلاة منهم على جهة النفل إذاً لكانوا مثابين عليها وهو ممنوع، و إنما الغرض ما ذكرناه.
__________
(1) تقدم.
---
المرتبة الثالثة: العقل
فإنه يشترط في صحة تأدية الصلاة، فمن زال عقله بجنون أو إغماء أو شرب دواء يزيل العقل، فإن الصلاة غير واجبة عليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: أن كل من زال عقله بالجنون لم يجب عليه فعل الصلاة لقوله :((وعن المجنون حتى يفيق)) فإن كان الجنون مستولياً على فساد [العقل] وتغييره سقط عنه وجوب الصلاة في كل الأحوال؛ لأن من هذه حاله فلا يرجى في حقه زوال ولا إقلاع، وإن كان يصرع أحياناً ويفيق أحياناً لم يسقط عنه فرض الصلاة عند إفاقته، لأن الجنون مرض فكما جاز في حق المريض أن تعتريه القوة والضعف، فهكذا في حق المجنون يعتريه الصرع والإفاقة.
الفرع الثاني: ومن زال عقله بشرب داوء ولم يكن الغالب منه ذهاب العقل ثم زال عقله فإنه لا يجب عليه فرض الصلاة لأنه زال عقله بسبب مباح فهو كما لو زال بالجنون، وإن تناول دواء فيه سم نظرت، فإن كان الغالب فيه أن يسلم منه جاز له تناوله، و إن لم يكن الغالب من حاله السلامة فإنه يحرم عليه تناوله. وأقل زوال العقل أن يزول أحياناً ويثوب أحياناً، وأكثره ما كان مستولياً على إفساد العقل وتغيره.
الفرع الثالث: وإن شرب مسكراً أو دواء لا حاجة له إليه فزال عقله، فإن فرض الصلاة بالخطاب متوجه عليه لأنه مفرط فيما فعل لكن لا يصح منه فعل الصلاة لأنه لا يمكنه فعلها في حال سكره لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}[النساء: 43]. فإذا أفاق لزمه قضاء ما فاته في حال السكر لأنه غير معذور بزوال عقله، وأقل السكر أن يغلب عليه الخمر فيذهب عنه بعض ما كان لا يذهب عنه في حال صحوه. وأكثر السكر أن يصير متخبطاً ثرثاراً وقحاً، لا يفهم أكثر أحواله. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في طلاق السكران.
الفرع الرابع: ومن سكر ثم جُنَّ في حال سكره ثم أفاق وجب عليه قضاء ما فاته في حال السكر، وإن سكرت المرأة ثم حاضت ثم طهرت فإنه لا يجب عليها قضاء ما فاتها في حال حيضها. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن سقوط الصلاة عن المجنون إنما كان من أجل التخفيف. والسكران ليس من أهل التخفيف بخلاف الحائض فإن سقوط الصلاة عنها عزيمة واجبة، والسكران من أهل العزائم فافترقا. وكم العدد الذي يجب قضاؤه على المجنون في حال سكره من الصلوات إذا أفاق، فيه وجهان:
أحدهما: قدر ما يدوم به السكر ويستمر به لأنه السابق.
وثانيهما: ما فاته في حال جنونه لأن الجنون مرض وتغير وفساد في العقل ربما زال وربما استمر بخلاف السكر فإنما هو تغطية العقل وعن قريب يزول، فلهذا كان القضاء قدر جنونه لكونه مرضا، والمريض من أهل العزائم والوجوب. والأول هو الوجه.
الفرع الخامس: اعلم أن العقل ملاك التكليف ومستند الأحكام العقلية من الحسن والقبح والوجوب وغيرها من الأحكام، وهو أصل التكرمة التي خص اللّه بها بني آدم حيث قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}[الإسراء: 70] وبه يستحق الثواب والعقاب من جهة اللّه تعالى، وفي زواله وتغيره بطلان التكاليف. لكن زواله يختلف فتارة يكون بفساد وتغير من غير مرض كالجنون، وتارة يكون بمرض كالإغماء، وتارة يكون بالتغطية والستر كما في الخمر فإنه يطفح على العقل ويغطيه، ومرة يكون بعدم تحديد علومه كما نقوله في النوم، فإن الإنسان إذا نام ذهبت عنه علوم العقل بترك تحديد اللّه تعالى لها، فإذا انتبه عاد تحديدها فصار عاقلاً، وإذا أفاق المجنون المغمى عليه أو من زال عقله لم يجب عليهم قضاء ما فاتهم من الصلوات في حال زوال العقل.
وحكي عن أبي حنيفة أنه إ ذا أغمي عليه يوماً وليلة وجب عليه قضاؤها، وسيأتي تفصيل الخلاف في قضاء الفوائت بمعونة اللّه تعالى.
---
المرتبة الرابعة: الطهارة
ولابد من اشتراطها في وجوب الصلاة فلا تجب الصلاة على الحائض والنفساء لعدم الطهارة كما مر بيانه في باب الحيض والنفاس، وحدثهما يخالف حدث الجنب، وإن كان الغسل واجباً على الكل لكن حدث الجنب يزول بالاغتسال وحدثهما إنما يزول بالطهر لميقاته، ولا يذهب بالغسل قبل إنقضائه. فهذه الأمور الأربعة كلها شرط في وجوب الصلاة.