وأما ثانياً: فلأن النفاس اسم لما تنفس به المرأة من الدم عند الولادة فإذا لم يوجد بطل نفاسها. وهل يجب عليها الغسل لخروج الولد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب بخروج الولد وإن لم يكن معه دم لأنه بمنزلة الإيلاج من غير إنزال ولأن الولد منعقد من ماء الرجل وماء المرأة وهما موجبان للغسل فهكذا ما ينعقد منهما.
وثانيهما: أن الغسل غير واجب بخروج الولد من غير دم لأن الموجب للغسل إنما هو التنفس بالدم وهاهنا لا دم فلا وجه لإيجابه.
والمختار: أن الغسل غير واجب عليها لما روى أبو أمامة عن الرسول ÷ أنه قال: ((إذا طهرت المرأة حين تضع صلت \s " \c 2)). فأوجب الصلاة عليها بالوضع ولم يوجب عليها غسلاً ولو كان واجباً لذكره لأن هذا موضع الحاجة والتعليم. وهل يجب عليها الوضوء أم لا؟ فيه التردد الذي ذكرناه في نواقض الوضوء فإن كان فيه بلل فهو ناقض وإن لم يكن هناك بلل لخروجه من فرج المرأة فهو لاحق بخروج الدود والحصاة والنواة في كونه ناقضاً أو غير ناقض، وقد ذكرنا الخلاف فيه وذكرنا المختار والانتصار له فلا حاجة بنا إلى تكريره.
الفرع السادس: وإذا ولدت المرأة توأمين(1) فإن لم يكن بينهما دم وكان خروج الدم عند ولادة الثاني فهو نفاس واحد بإتفاق لأن التنفس إنما حصل بوضع الثاني فصار النفاس متحققاً بوضعه كما لو كان الولد واحداً، وإن كان الدم خارجاً بوضع الأول ففيه مذاهب ثلاثة نوضحها بمعونة اللّه تعالى:
المذهب الأول: أنه لا يحكم عليها بحكم النفاس إلا بوضع جميع ما في بطنها سواء كانا ولدين أو أكثر وعلى هذا يعتبر أول النفاس وآخره بوضع الثاني، وهذا هو الذي حصله السيدان أبو العباس وأبو طالب للمذهب.
ووجهه: أن الولدين في حكم الولد الواحد فلهذا لم ينقطع النفاس إلا بوضعهما جميعاً.
__________
(1) التوأم: أحد المولودين الإثنين فما فوق اللذين يولدان في مخاض واحد.

المذهب الثاني: أنه يعتبر أول النفاس وآخره بوضع الأول وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وهو أحد أقوال الشافعي.
ووجهه: أن اسم النفاس يقع بوضع الولد الأول فأشبه ما إذا كان وحده.
المذهب الثالث: أنه يعتبر ابتداء مدة النفاس من الأول ثم تستأنف المدة من الثاني.
ووجهه: هو أن كل واحد منهما سبب في تقرير حكم النفاس واثباته إذا انفرد فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منهما نفاس وتداخلا فيما اجتمعا فيه، وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي.
والمختار: ما قاله أصحابنا وهو الأصح من أقوال الشافعي ويؤيد ما ذكرناه من كونهما في حكم الولد الواحد هو أن الزوج لا يملك نفي أحدهما دون الآخر وإذا أقرَّ بأحدهما لزمه الآخر وأيضاً فإن العدة لا تنتقض إلا بوضعهما جميعاً فلهذا كان نفاسهما واحداً.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما من زعم أنه ينقضي النفاس بوضع الأول لأن اسم النفاس يقع عليه فلا نسلم بل يجب أن يضاف حكم النفاس إلى جميع الخارج كما يضاف نقض الوضوء إلى جميع أجزاء البول عند خروجه.
وأما من زعم أنه ثبت لكل واحد منهما حكم النفاس ثم يتداخلان فيما اجتمعا فيه.
قلنا: إن[الأخذ] بإعتبار التداخل في المدة الموضوعة لحكم النفاس فيه دلالة على أن النفاس واحد فلولا أنه واحد لما وجب التداخل وإلا لوجب أن يكون لكل واحد كمال مدة النفاس وأنتم لا تقولون به.
نعم، الذي اخترناه صالحاً للمذهب وهو أن يكون النفاس بولادة التوأمين إنما هو بشرط أن لا ترى المرأة الدم عند الولادة أو تراه لكنه أقصر دون الأربعين فعلى هذا يكون النفاس واحداً ويتم بولادة الثاني، فأما إذا كان بين الولدين أكثر مدة النفاس والدم متصل بولادة الثاني فهما نفاسان لا محالة وينفصل الأول بالولادة ثم تستأنف نفاساً ثانياً بولادة الثاني.

الفرع السابع: والسقط إذا تنفست به المرأة فحالها كحال الولادة للتمام في كونها نفاساً إذا تبين فيه أثر الخلقة والتخطيط(1) فإن لم يكن كذلك لم يكن نفاساً.
واعلم أن ما تلقيه المرأة من رحمها فله حالات أربع:
الحالة الأولى: أن يكون الخارج نطفة إما منياً خالصاً أو منياً مختلطاً بماء المرأة تعلوه صفرة، وإما منياً مختلطاً بدم الحيض تعلوه حمرة، فما هذا حاله لا تكون به المرأة نفساء وهو أول أطوار خلقة الإنسان في الرحم كما أشار اللّه تعالى إليه في غير آية من كتابه، ولا خلاف في أنها لا يتعلق بها حكم النفاس.
الحالة الثانية: العلقة، وهي الطور الثاني من خلقة الإنسان في الرحم كما أشار اللّه تعالى بقوله: {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ}[الحج:5]. وهل تكون المرأة بإلقاء العلقة نفساء أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنها لا تكون به نفساء وهذا هو رأي أئمة العترة وقول أكثر الفقهاء.
ووجهه: أنه أمر لم يتبين فيه أثر خلقة الإنسان فأشبه ما إذا كان نطفة.
وثانيهما: أنها تكون بإلقائها نفساء وهو أحد قولي الشافعي.
ووجهه: أنها صورة ناقصة تتكون منها خلقة الإنسان فأشبهت ما ظهر فيه صورة الخلقة.
والمختار: ما قاله أصحابنا؛ لأن إطلاق إسم النفاس إنما يكون على ما ظهر فيه التخطيط والتشكيل في خلقة الآدمي.
الحالة الثالثة: المضغة، وهي الطور الثالث من خلقة الآدمي كما أشار إليه تعالى بقوله: {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً \s " \c 1}[المؤمنون14]. وهل تكون المرأة بإلقائها نفساء أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكون بإلقائها نفساء وهو الذي يأتي على قول الشافعي في أحد قوليه لأنه إذا قال: تكون نفساء بإلقاء العلقة فبإلقاء المضغة أحق وأولى.
وثانيهما: أنها لا تكون بإلقائها نفساء وهذا هو الظاهر من مذهب العترة؛ لأن المضغة قطعة من اللحم لا يظهر فيها شيء من التخطيط والتشكيل اللذين يظهران في خلقة الآدمي.
__________
(1) يقصد: تكون الأعضاء كاملة.

الحالة الرابعة: وهي الطور الرابع الذي أشار اللّه تعالى إليه بقوله: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا \s " \c 1}[المؤمنون:14] ولا شك أن تخلق العظام واللحم قد تظهر فيه صورة خلقة الآدمي فإذا ألقت المرأة ما هذا حاله فإنها تكون به نفساء كالخلقة التامة فصارت الرحم مشتملة على ما ذكرناه، فما تيقنا فيه خلقة الآدمي حكمنا عليها بالنفاس ولحقها أحكامه. وما شككنا فيه في كونه آدمياً لم يثبت لها حكم النفاس لأن الظاهر لزوم الصلاة والصيام وسائر أحكام العبادات عليها فلا نسقطها عنها إلا بيقين.
.

---
الفصل الثاني
في حكم المرأة عند الولادة
واعلم أن المرأة إذا تنفست بالولد فلا يخلو حالها إما أن ترى الدم أو لا تراه، فإن لم تر دماً لم يكن نفاساً وكان حكمها حكم الطاهرة في التلبس بالعبادات كلها من الصلاة والطهارة والصيام والإعتكاف والطواف وسائر العبادات. وإن رأت الدم فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينقطع دون الأربعين، فإما أن يتلوه طهر صحيح أم لا، والطهر الصحيح عشرة أيام فإن تبعه طهر صحيح كان ما قبله من الدم نفاساً وما بعده حيضاً إذا عاود الدم فالأول يتبعه حكم النفاس والثاني يتبعه حكم الحيض، وإن لم يتبعه طهر صحيح فهو نفاس إلى الأربعين لأنه زمان إمكان النفاس وحدّه ومقداره الشرعي كما قررناه من قبل.
الحالة الثانية: أن يستقر الدم على رأس الأربعين من غير زيادة وما هذا حاله فهو نفاس كله لأنه أكثر النفاس كما قلناه في الدم إذا استقر على العشر من غير زيادة فهو حيض لأنه زمان إمكان الحيض فلا وجه لخروجه عن حكم الحيض.
الحالة الثالثة: أن يعبر الدم على الأربعين فإذا كان كذلك فهو استحاضة وخرج عن حد النفاس.
التفريع على هذه القاعدة وتتصل بها فروع:

الفرع الأول: الدم إذا جاوز الأربعين في النفاس فليس يخلو حال المرأة إما أن تكون متبدأة أو ذات عادة فإن كانت مبتدأة بأن يكون هذا أول نفاس طرقها فالواجب عليها الرجوع إلى عادة نسائها فإن اختلفت عاداتهن في النفاس رجعت إلى أكثرهن عادة لأن الظاهر من الدم أنه نفاس لأنه في زمان الإمكان وإن لم يمكن الرجوع إلى عادة نسائها من قبل أبيها فإنها ترجع إلى أكثر النفاس وهو الأربع، فإذا اتصل دم النفاس بدم الاستحاضة وجاوز الأربعين فهل يكون كله استحاضة أو يكون الزائد على الأربعين استحاضة لا غير، فيه تردد. فذكر المؤيد بالله أن الكل يكون استحاضة لاتصال دم النفاس بدم الاستحاضة وذكر السيد أبو طالب أن الزائد على حد النفاس يكون استحاضة لا غير لأنه في زمان الإمكان. ولا خلاف أن الزائد على الأربعين يكون استحاضة بكل حال لكونه قد جاوز أكثر النفاس، وإن كانت المرأة ذات عادة فعادتها إنما تثبت بولادتين مرة يقف عليها ومرة يزيد عليها، وهذا نحو أن يكون نفاسها مرة عشرين يوماً ثم مرة خمسة وعشرين يوماً فتكون عادتها على هذا عشرين، و إذا كان الأمر فيها هكذا كانت أيام عادتها نفاساً والباقي يكون استحاضة.
الفرع الثاني: إذا انقطع دم النفاس لدون أربعين يوماً فهل يكره وطؤها في هذه المدة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكره، وهذا شيء يحكى عن علي وابن عباس وهو رأي زيد بن علي والإمامين الهادي والناصر ومروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف. قال الهادي: ولا ترتفع الكراهة إلا أن يكمل طهرها عشرة أيام(1).
__________
(1) راجع كتاب (الأحكام) 1/72.

والحجة على هذا: هو أن زمان الأربعين زمان إمكان النفاس فلا يأمن الواطئ أن يعود الدم فيكون قد وطأها في حال النفاس، وقد قال : ((المؤمنون وقافون عند الشبهات " ))(1).
المذهب الثاني: أنه لا يكره وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أنها مأمورة بالصلاة والصيام وإذا جاز لها تأدية الواجبات من العبادات جاز المباح وهو الوطء.
والمختار: أن امتناع وطئها إنما هو على جهة الاستحباب دون الوجوب لأن الظاهر الإباحة بحصول النقاء في هذه الأيام وهو أمارة الإباحة ونحن على شك من عودة الدم فلا نترك اليقين لعروض الشك.
الانتصار: فإن قيل: الزمان زمان الإمكان فلا يأمن الواطئ أن يعود الدم فيقع الواطءُ في زمان النفاس.
قلنا: اليقين حاصل بالنقاء ونحن على شك من عودة الدم والشك لا يعارض اليقين بحال.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: ولو أن امرأة نفست وزاد الدم على الأربعين وكان ما بعدها من الأيام أيام عادتها في الحيض ولم يتخلل بينهما طهر صحيح كان عليها الصلاة بعد انقضاء الأربعين لأن الحيض والنفاس في المعنى واحد فيما يتعلق بالعبادات فكما لابد بين دمي الحيض من طهر صحيح فهكذا بين الحيض والنفاس، وهكذا حال المبتدأة إذا نفست وزاد دمها على الأربعين لأن أكثر النفاس أربعون فالزائد لا يكون نفاساً لا خلاف فيه بين الأئمة.
الفرع الرابع: في المرأة إذا نفست بالولد وخرج منها دم فخروجه يكون على ثلاثة أوجه.
__________
(1) أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن النعمان بن بشير عنه : ((إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإمن لكل ملك حمى ألا وحمى الله محارمه)) (الجواهر 1/139).

أولها: أن يكون خارجاً بعد الولد وما هذا حاله يكون نفاساً باتفاق بين الأئمة وفقهاء الأمة، وهكذا لو كان صفرة أو غبرة أو كدرة فإنه يكون نفاساً كما قلنا إن الصفرة والغبرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فهكذا يكون حالها في أيام النفاس نفاساً من غير فرق، فإن خرج ماء صافٍ فهل يكون نفاساً أم لا؟
والمختار: أن ما هذا حاله يبعد تصوره وأنه لابد فيه من الغبرة والكدرة فيلحق بالنفاس فإن قدرناه صافياً مع بعده، كان فيه الوضوء لا غير.
وثانيها: أن يكون الدم خارجاً مع الولد، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يحكم عليه بكونه نفاساً لأنه دم خرج بخروج الولد فأشبه ما لو خرج بعده.
وثانيهما: أنه لا يكون نفاساً لأنه دم انفصل قبل خروج الولد فأشبه الدم الخارج قبل خروجه.
والمختار: أنه يكون نفاساً لأن المرأة تكون نفساء بخروج الدم بعد الولد فهكذا حال ما يكون متصلاً به من الدم.
وثالثها: أن يكون الدم خارجاً قبل خروج الولد، وهل تكون به نفساء أم لا؟ فظاهر كلام أصحابنا والفقهاء(1)
أنه ليس حيضاً من جهة أن الحبلى لا تحيض وأنه ليس نفاساً لأن النفاس ما كان بعد خروج الولد.
والمختار: أنه يكون نفاساً في تحريم العبادات كالصلاة والصوم لأنه دم حصل في زمان الإمكان فأشبه ما لو كان خارجاً بعد الولد ولأن المرأة قد تنفست به على حد تنفسها بالدم بعد خروج الولد فأما انقضاء العدة وبطلان الرجعة عليها فلا يكونان إلا بعد خروج الولد لقوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}[الطلاق:4]. وقوله في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة " ))(2).
__________
(1) في هامش الأصل (خ-و) ما لفظه: في الحكاية عن الفقهاء نظر لأن الشافعي ومالك يقولان باجتمع الحيض والحبل، اه‍.
(2) تقدم في حديث سبابا أوطاس.

فلو خرج نصف الولد لم تكن عدتها منقضية والرجعة عليها[ممكنة] حتى ينفصل الولد كله بخلاف العبادات فإنها ممنوعة منها حتى يحصل الطهر ولا طهر مع وجود الدم واتصاله.
الفرع الخامس: النقاء المتوسط في زمان الأربعين إذا بلغ أقل الطهر هل يحكم بكونه طهراً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون طهراً شرعياً وهذا هو رأي الهادي واختاره الإمامان الأخوان.
والحجة على ذلك: قوله : ((تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)). فظاهره الحكم بارتفاع النفاس بدون الطهر في الأربعين وهذا هو مطلوبنا.
المذهب الثاني: أنه لا يكون طهراً وهذا هو رأي أبي حنيفة فإنه زعم أن كل دم تراه المرأة في الأربعين فهو دم نفاس وإن رأت بعده فهو طهر صحيح.
والحجة على هذا: هو أن النفاس حيض لقوله لعائشة: ((مالك أنفست " ))؟. فسماه نفاساً. وإذا تقرر كونه حيضاً فكما أن معاودة الدم في مدة أكثر الحيض يكون حيضاً فهكذا يجب أن تكون معاودة الدم في أكثر النفاس يجب أن يكون نفاساً كله.
والمختار: ما نص عليه في (المنتخب)(1)
ويدل عليه ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو خبر الإمرأة الأسدية: ((تجلس النفساء أربعين ليلة " إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)).
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قوله: معاودة الدم في مدة أكثر الحيض تكون حيضاً.
قلنا: هذا فاسد فإن مدة أكثر الحيض لا تسع لأقل من الطهر الشرعي من جهة أن أكثر الحيض عشر وأقل الطهر عشر فلا ينعقد توسط الطهر الشرعي في أكثر مدة الحيض لما ذكرناه، وإذا كان الأمر كما قلناه كان معاودة الدم فيه يكون حيضاً لا محالة فافترقا.
الفرع السادس: في الحيض هل يتعقب النفاس أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الجواز، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وهو أحد قولي الشافعي.
__________
(1) كتاب مطبوع تضمن إجابات الإمام الهادي على أسئلة محمد بن سليمان الكوفي في الفقه.

والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه من حصول الطهر المتوسط في أيام النفاس فإذا كمل كان ما بعده حيضاً كما أشرنا إليه هاهنا.
والمذهب الثاني: المنع وهذا هو المحكي عن أصحاب الشافعي تفريعاً على ما ذهبوا إليه من أنه لا يجوز توسط الطهر في أيام النفاس فإذا عاد الدم في أيام النفاس كان كله نفاساً.
والمختار: ما قاله أصحابنا ويدل عليه حديث الإمرأة الأسدية، وقد قدمناه فلا نعيده.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا:عودة الدم في أيام النفاس تكون نفاساً.
قلنا:لا نسلم ما قلتموه بل إنما يكون نفاساً ما لم يتوسط الطهر الشرعي، فأما إذا كان متوسطاً كان ابتداء حيض سواء كان في حق المبتدأة أو ذات العادة لأنه زمان إمكان في الحيض فلهذا قضينا بكونه حيضاً.
الفرع السابع: قال السيد أبو العباس: وإذا قال الرجل لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فإذا ولدت وادعت انقضاء عدتها ففي أي قدر من الأيام تصدق مقالتها؟ ففي هذا روايات كل واحدة منها مبنية على الأصول المقررة في حد النفاس في أكثره وأقله ونحن نوردها وجملتها أربع:
الرواية الأولى: عن السيد أبي العباس قررها على أصول المذهب، قال: لا تُصَدَّق إلا في تسعة وثلاثين يوماً بعد الولادة لأن هذه المدة وإن لم تكن معتادة فهي ممكنة محتملة وإذا كانت محتملة صدق قولها لإمكانها، وبيانه: أنا نقدر أنها طهرت من النفاس عقيب الولادة وكان طهرها من النفاس عشرة أيام ثم أنها حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ثلاثة أيام فتكون أطهارها ثلاثون يوماً وحيضها تسعة أيام وذلك تسعة وثلاثون يوماً.

129 / 279
ع
En
A+
A-