الحكم الثامن: وإذا توضأت المستحاضة بعد دخول الوقت فالأولى أن تصلي عقيب الطهارة، فإن أخرت الصلاة إلى آخر الوقت أو وسطه فإن كان ذلك لمصلحة الصلاة كانتظار ستر العورة جاز ذلك وإن كان التأخير لغير ذلك جاز مع الكراهة، وإن خرج الوقت قبل أن تصلي الفرض بتلك الطهارة كان لها أن تصليه لأن طهارتها لا تبطل بخروج الوقت كما مضى تقريره، وإذا توضأت المستحاضة ارتفع حدثها السابق لأنه لو انقطع الدم أجزأها الوضوء لتأدية الصلاة وأما حدثها الموجود حال الطهارة والطارئ فلا يرتفع ولكن يعفى عنه لأنه لا يمكن الإحتراز منه. وهل يرتفع حدثها بالطهارة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يرتفع، وإذا قلنا بأنه لا يرتفع فكيف تكون نية الطهارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تنوي استباحة الصلاة ولا تنوي رفع الحدث لأنه لا يرتفع.
وثانيهما: أن تجمع بينهما فتنوي رفع الحدث واستباحة الصلاة.
الحكم التاسع: هل يجوز لزوج المستحاضة أن يأتيها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الجواز، وهذا هو قول أئمة العترة والحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: قوله تعال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " }[البقرة:222]. ولم يفصل بين حالة وحالة، ولما روي عن الرسول أنه قال: ((إنه دم عرق)). وفي حديث آخر في دم الاستحاضة: ((إنها ليست بحيضة " )). لأن حكمها حكم الطاهرة في دخول المسجد وقراءة القرآن وغير ذلك من الأحكام.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن عائشة وابن سيرين والحكم والنخعي وأحمد بن حنبل.
والحجة على ما قالوه: قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " }[البقرة:222]. فأمر بالإعتزال لأجل ملابسة الأذى والتلوث به في حال الحيض، والمستحاضة مثل الحائض في ملابسة النجاسة والأذى فلهذا وجب الإمتناع منه.
والمختار: ما عليه الأكثر من العلماء من الأئمة وفقهاء الأمة.
وحجتهم: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن حمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن عبيدالله(1)،
وأم حبيبة كانت تحت عبدالرحمن بن عوف وكانتا مستحاضتين وكانا يجامعانهما والظاهر أن مثل ذلك لا يخفى على الرسول لأنه قد بين أحكامها ولم يذكر الوطءَ فدل على جوازه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: هو أذى فاعتزلوا النساء.
قلنا: النهي إنما ورد في الحيض وزمانه، وما هذا حاله فليس حيضاً ولهذا يجوز لها ما يجوز للطاهرة من النساء من الصلوات وقراءة القرآن.
__________
(1) جاءت ترجماته في معظم معاجم وأعلام الصحابة ورواة الحديث مثل: (الكنى والأسماء) و(التاريخ الكبير) و(تهذيب التهذيب) وغيرها وهو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، ينتهي نسبه إلى تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب عند وفاته، شهد مع رسول الله كل المشاهد إلا بدراً، ولكن رسول الله ضرب له يوم بدر بسهمه وأجره كمن حضر، فقد كان بالشام بعثه رسول الله هو وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة يوم وقعة بدر، وجاء في (تهذيب التهذيب) قال محمد بن عمر بن علي: آخى النبي بمكة بين طلحة والزبير، وبالمدينة بين طلحة وأبي أيوب خالد بن زيد. ج5 ص 19، بينما جاء في (الإستيعاب) ج2/ ص 764: أن طلحة لما قدم المدينة آخى النبي بينه وبين كعب بن مالك، ويتفق عدد من المراجع على أنه روى 38 حديثاً، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 36هوهو ابن 74 سنة، كما جاء في (التعديل والتجريح) 2/601، وفي (صحيح البخاري): وهو ابن 64 سنة.
الحكم العاشر: وحكم من به سلسل البول والمذي واتصال الودي حكم المستحاضة في التحشي والوضوء لكل صلاة لأن ذلك من نواقض الوضوء فهو كالاستحاضة، وأما من به جرح لا ينقطع منه الدم والقيح فإنه بمنزلة المستحاضة في وجوب غسله لكل صلاة وشده بالعصابة، فأما نقض الوضوء فهل يكون ناقضاً للطهارة أم لا؟ فيه تردد قد ذكرناه من قبل وذكرنا المختار فأغنى عن تكريره.
الحكم الحادي عشر: قال الإمام المؤيد بالله: والمستحاضة إذا خرج منها حدث آخر غير دم الاستحاضة فإنه يكون ناقضاً لطهارتها ويجب عليها تجديد الوضوء لأنه يمكنها أن تصلي رافعة لذلك الحدث فلا تصح صلاتها معه كما لو لم تكن مستحاضة.
الحكم الثاني عشر: ويجب على المستحاضة التوقي عن سائر النجاسات غير دم الاستحاضة فإنها معذورة فيه فأما غيره من سائر النجاسات فيلزمها التحرز منه ولا تجزيها الصلاة مع ملابسته، وهكذا حال من به سلس البول وسيلان الجرح فإنه يلزمه التوقي عن سائر النجاسات لأنه غير معذور في ذلك. فهذا ما أردنا ذكره في أحكام المستحاضة. وبتمامه يتم الكلام في باب الحيض وقد أعرضنا عن أكثر مسائل المستحاضات لأمرين:
أما أولاً: فلأنا قد اكتفينا بإيراد الأخبار التي هي أصل في قاعدة الحيض وتتفرع عليها مسائله.
وأما ثانياً: فلأنه ليس ورائها كثير فائدة ومن عرف الأصول التي أوردناها في باب الحيض هان عليه تنزيل تلك المسائل والإحاطة بتفاصيلها.
.
---
الباب العاشر
في النفاس وهو آخر أبواب الطهارة
والنفاس مصدر نفست(1) المرأة نفاساً
وفعله مبني لما لم يسم فاعله كقوله: جُنَّ وحُمّ. ولا يجوز بناؤه لما سمي فاعله، وإنما سمي نفاساً لتنفس المرأة بالولد والدم، والحيض يقال له نفاساً لتنفسها بدم الحيض، ويقال للنفاس حيضاً لما روي أن صفية بنت ملحان استأذنت الرسول في الخروج للجهاد تداوي الجرحى وتسقي الماء فأذن لها وأردفها خلفه على ناقته فحاضت وهي خلفه فجمعت عليها ثيابها فقال لها الرسول لما شعر بحالها: ((مالك نفست))؟ يعني حضت فقالت: نعم يا رسول اللّه فسماه نفاساً فقال لها: ((إنزلي وأصلحي حالك واغسلي ما أصاب الحقيبة بماء فيه ملح وعودي لمركبك))(2).
والنفاس اسم شرعي وهو عبارة عن الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة فيكون دلالة على انقضاء العدة وعلة في تحريم الوطءِ ودخول المساجد وقراءة القرآن، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }[الطلاق:4]. فجعل انقضاء العدة بوضع الحمل.
وأما السنة: فما روي عن النبي أنه قال: ((تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك))(3).
وأما الإجماع: فلا خلاف على أن المرأة تكون نفسآء بخروج الدم بعد الولادة.
هذا تمهيد الباب وينحصر المقصود بأن نرسم فيه فصولاً ثلاثة هي وافية بالغرض المطلوب من مسائله والله الموفق.
__________
(1) في حاشية الأصل: نُفِست المرأة بضم النون وكسر الفاء (إذا وضعت). وبفتح النون وكسر الفاء (لما سمي فاعله) إذا حاضت. اه.
(2) تقدم.
(3) عن أنس قال: قال رسول الله : ((تقعد النفساء أربعين يوماً إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك)) أورده في أمالي أحمد بن عيسى، وفي (الاعتصام) وفي (الأحكام) للهادي، إ.ه(اعتصام) 1/272.
---
الفصل الأول
في بيان أقل النفاس وأكثره وأقل الطهر منه وأكثره
اعلم أن دم النفاس يحرم ما يحرم الحيض من الوطء والصلاة والطواف، ويسقط ما يسقطه الحيض من العدة وغير ذلك. وهو دم الحيض يجتمع لأجل الحمل فإذا ولدت المرأة وخرج منها دم بعد الولادة فلا خلاف في كونها نفساء.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان أكثره وفيه مذاهب [أربعة]:
المذهب الأول: أن أكثره أربعون يوماً وهذا هو رأي القاسمية والناصرية من أئمة العترة وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة في رواية عنه، ومحكي عن الثوري والمزني وأحمد بن حنبل، وقد قال الشافعي: إن الغالب من حاله في الكثرة أربعون يوماً. وهو قول عطاء ومالك والشعبي وداود.
والحجة على ما قلناه ما روى ابن عمر قال قال رسول اللّه ÷: ((تنتظر النفساء أربعين ليلة \s " \c 2 مالم تر الطهر قبل ذلك وإن جاوزت الأربعين فهو بمنزلة الاستحاضة تغتسل وتصلي فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة)) (1).
الحجة الثانية: ما روت أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول اللّه ÷ أربعين يوماً وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف(2). ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فلا يصدر إلا عن توقيف لأنه لا مجال للأقيسة فيه لأنه أمر مقدر لا يصدر إلا عن الرسول ÷.
الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك عن رسول اللّه ÷ أنه قال: ((تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)) (3). فهذه الأخبار كلها دالة على صحة تقدير أكثره بالأربعين وهو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب.
المذهب الثاني: أن أكثره سبعون يوماً وهذا شيء حكي عن بعض الناس.
والحجة على هذا: إنما هو الوجود فإنهم زعموا أنه قد وجد من النساء من تقعد سبعين يوماً نفاساً. ولا أعرف أحداً قال بما فوق هذه العدة من العلماء.
__________
(1) أورده في (الجواهر) 1/146.
(2) أخرجه أبو داؤد والترمذي مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(3) تقدم.
المذهب الثالث: أن أكثره ستون يوماً وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه ومروي عن مالك ثم رجع عنه إلى عادة النساء فيسألن عنه، ومحكي عن عبدالله بن الحسن. وحكاه الشيخ أبو جعفر عن الإمامين إسماعيل بن جعفر \s " \c 3(1) وموسى بن جعفر \s " \c 3(2)
__________
(1) إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، قال في (الأعلام): جد الخلفاء الفاطميين وإليه نسبة (الإسماعيلية) و هي من فرق الشيعة في الأصل، وتميزت عن (الإثني عشرية) بأنها قالت بإمامته بعد أبيه، صحب إسماعيل أباه، وروى عنه ومات في حياته ولم يدع الإمامة. وقال ابن خلدون: توفي قبل أبيه، وكان أبو جعفر المنصور طلبه فشهد له عامل المدينة بانه مات، وقال صاحب تهذيب الكمال: إسماعيل إمام مات وهو صغير، ولم يرد عنه شيء من الحديث، ونقل ناشر فرق الشيعة أنه مات بالعريض ودفن بالبقيع سنة 133 ه، انتهى (أعلام) 1/311.
(2) موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بالكاظم، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه علي [الرضى] ا ه(الجرح والتعديل) 8/139، وفي (لسان الميزان): هو أبو الحسن الملقب بالكاظم المدني الهاشمي، روى عن أبيه وعنه ابنه على الرضى وأخواه علي ومحمد ابنا جعفر بن محمد وطائفة، قال أبو حاتم: ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين، مات سنة 133هرحمه الله. ج7/402، وفي (تهذيب التهذيب): روى عن أبيه وعبد الله بن دينار، وعبد الملك بن قدامة الجمحي، وعنه: اخواه علي ومحمد، وأولاده إبراهيم وحسين وإسماعيل وعلي الرضى وصالح بن يزيد ومحمد بن صدقة العنبري. ثم ساق ما قاله أبو حاتم عنه بأنه ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين، وزاد: قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسى بن جعفر يدعى: العبد الصالح من عبادته واجتهاده، وقال الخطيب: يقال أنه ولد بالمدية في سنة 128ه، وأقدمه المهدي إلى بغداد، ثم رده إلى المدينة وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفاً من عمرة رمضان سنة 179، فحمله معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه، وقال محمد بن صدقة العنبري: توفي سنة 183ه، ومناقبه كثيرة.
قلت: إن ثبت أن مولده سنة 128 فروايته عن عبد الله بن دينار منقطعة؛ لأن عبد الله بن دينار توفي سنة 127 ه.
ويلحظ القارئ أن هناك بعض الأخطاء في تأريخ ميلاده ووفاته الواردة في بعض المراجع السابقة وهو سهو كما يبدو، والراجح ما جاء في (تهذيب التهذيب) تؤكده مراجع أخرى منها (الأعلام) 7/321 من أنه عاش ما بين 128 إلى 183 ه= 745 إلى 799م.
.
والحجة لهم على ذلك: هو تعويلهم على الوجود فإنه قد وجد في النساء من يكون نفاسها ستين يوماً.
المذهب الرابع: أن أكثره خمسون يوماً، وهذا هو المروي عن الحسن البصري، وعن الإمامية أن أكثره نيف وعشرون يوماً.
والمختار: ما قاله الأكثر من أئمة العترة وهو اختيار الإمام زيد بن علي.
وحجتهم ما نقلناه من الأخبار ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي % عن امرأة من بني أسد قالت: قلت لأم سلمة: هل كنتم سألتم رسول اللّه ÷ عن النفساء كم تجلس في نفاسها؟ قالت: نعم. سألنا رسول اللّه عن ذلك فقال: ((تجلس أربعين ليلة إلا أن ترى الطهر قبل ذلك \s " \c 2)).
الحجة الثانية: ما روى عثمان بن أبي العاص \s " \c 3(1) وأم سلمة قالا وقَّت رسول اللّه ÷ أربعين يوماً [للنفساء](2).
__________
(1) عثمان بن أبي العاص بن بشر، الثقفي، أبو عبد الله، أسلم بوفد ثقيف فاستعمله النبي ÷ على الطائف، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها ستة 50هوقيل: 51ه. وكان هو الذي منع ثقيفاً عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلاماً فلا تكونو أولهم ارتداداً.
قال في (الاصابة): وجاء عنه أنه شهد آمنة لما ولدت النبي ÷ وهي قصة أخرجها البيهقي في (الدلائل) والطبراني من طريق محمد بن أبي سويد الثقفي عنه قال: حدثتني أمي. فعلى هذا يكون عاش نحواً من مائة وعشرين سنة، روى عن النبي ÷ أحاديث في صحيح مسلم وفي السنن. وروى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم ومولاه أبو الحكم وسعيد بن المسيب وموسى بن طلحة وآخرون. ا ه4/451.
(2) تمام الحديث: فإن جاوزت أربعين اغتسلت وصلت وكانت بمنزلة المستحاضة تصلي وتصوم ويأتيها زوجها، اه، أورده في (الاعتصام) عن علي % بلفظه.
الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما أوردوه حجة، أما من قال بأن أكثره سبعون يوماً وستون وخمسون ونيف وعشرون، فكله اعتماد منهم على الوجود وليس لهم فيه حجة شرعية معتمدة، ويدل على بطلان هذه التحكمات أن هذه الأمور التقديرية والأحكام العددية إنما تثبت من جهة الشارع لا مجال للعقل والأقيسة[فيها] بحال، وما جعلناه حجة لنا فإنما مستنده من جهة الشارع فلهذا وجب التعويل عليه. ومن وجه آخر وهو أن هذه المذاهب كلها متدافعة فليس بعضها أولى من بعض لأنهم لم يسندوها إلى توقيف من جهة الشارع فيجب اطراحها والإعتماد على ما أثر من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه.
الفرع الثاني: في بيان أقله وفيه مذاهب ثلاثة نفصلها:
المذهب الأول: أن أقله لا حد له وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن وهو رأي السيدين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ÷ أنه قال: ((تنتظر المرأة أربعين يوماً \s " \c 2 فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر)).
ووجه الحجة من هذا الحديث: هو أ نه ÷ أطلق بأنها إذا رأت الطهر قبل ذلك ولم يفصل بين وقت ووقت، وفي هذا دلالة على أنها إذا رأته بعد الولادة فهي طاهرة محكوم عليها بإنقضاء النفاس بلا مرية، وفي هذا دلالة على أنه لا حد له. وقد روي أن امرأة ولدت ولم تر دماً عقيب الولادة فكانت تسمى ذات الجفاف(1).
المذهب الثاني: أن أقله ثلاثة قروء فإن كانت عادتها ستاً فثمانية عشر يوماً، وإن كانت عادتها سبعاً فأحد وعشرون يوماً، وإن كانت عادتها عشراً فثلاثون يوماً،وهذا هو المحكي عن زيد بن علي.
__________
(1) لم نعثر على شيء يدل على صاحبة اللقب هذا في ما أتيح من المراجع، ومنها: كتب الكنى والأسماء، وتراجم النساء، وبعض آخر من كتب الأعلام والمعاجم والأوائل.
والحجة على ذلك: أنه قد تقرر أن عدة الحامل بالوضع وعدة الحائل بثلاثة قروء فجعل الشرع الوضع بمنزلة الأقراء، فلهذا قلنا بأن أقله يكون معتبراً بالأقراء على اختلاف أحوالها في عدد الأقراء.
المذهب الثالث: أن أقله أحد عشر يوماً وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وحكي عن الثوري: أن أقله ثلاثة أيام.
والحجة على ما قالوه: هو التعويل على الوجود على ما يعهد في أزمنتهم فكل واحد منهم يعتمد على ما جرى في زمنه من التقدير بهذه الأعداد.
والمختار: ما عليه علماء العترة من أن أقله لا حد له.
والحجة لهم: ما قررناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو أمامة عن الرسول ÷ أنه قال: ((إذا طهرت المرأة حين تضع صلت \s " \c 2))(1) فهذا نص صريح في أنه لا حد لأقله، ولهذا قال الإمام(2) في (التحرير)، والاعتبار في زواله بحصول النقاء ولو ساعة واحدة. وأراد بهذا أن الاعتبار بزوال النفاس إنما يكون بحصول النقاء من الدم ولو ساعة واحدة فإذا طهرت ساعة واحدة فقد زال النفاس على ما تدل عليه العاقبة في إستمرار النقاء وبطلانه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم، فأما ما حكي عن زيد بن علي من جعله الوضع بمنزلة الأقراء واعتباره بها، فكل واحد منهما أصل برأسه في العدة وبراءة الرحم فالحائل لها ثلاثة أقراء والحامل عدتها بالوضع فلا وجه لقياس أحدهما على الآخر فإن كل واحد منهما منصوص عليه في كتاب اللّه فلا وجه للرد والمقايسة بينهما.
__________
(1) أورده في (الروض) 1/513 وفي (الجواهر -البحر) 1/145 عن (الانتصار).
(2) أبو طالب.
وأما من زعم أن أقله أحد عشر يوماً و[من قال]ثلاثة أيام فكله تحكم لا مستند له من جهة الشارع فلا تعويل عليه إذ ليس هذا العدد أحق من غيره من الزيادة والنقصان، فأما الإمام زيد بن علي فلم يخالف في أكثره أنه أربعون ولهذا قال: ولا يكون النفاس أكثر من أربعين يوماً(1)، وهو المأثور عن عدة من الصحابة رضي اللّه عنهم، أمير المؤمنين وعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وعائشة وأم سلمة.
الفرع الثالث: أقل الطهر من النفاس، وفيه مذهبان:
أحدهما: أن أقله مثل أقل الطهر من الحيض وهو عشرة أيام وهذا هو رأي أئمة العترة.
وثانيهما: أن أقله خمسة عشر يوماً، وهذا هو المحكي عن الشافعي وقد قدمنا وجه الحجة لكل واحد من المذهبين وذكرنا الإختيار والانتصار له فلا وجه لتكريره. فعلى هذا إذا رأت المرأة الدم في النفاس ثم رأت النقاء فإن استمر النفاس عشرة أيام فهو طهر، وإن رأت الدم بعد ذلك فهو حيض، وإن رأت الدم لدون العشر فهو نفاس من جملة الأربعين.
الفرع الرابع: في بيان أكثر الطهر من النفاس.
وأكثره لا حد له كما مضى تقريره في الحيض.
وإن رأت المرأة الحامل دماً قبل الولادة فهل يكون دم حيض أو دم فساد؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه دم حيض وهو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه.
وثانيهما: أنه دم فساد، وهذا هو رأي أئمة العترة وسواء كان ذلك الدم مقدار أكثر الحيض أو دونه أو فوقه في كونه محكوماً عليه بدم الفساد والتغير. وهذا هو المختار وقد قررنا وجه المذهبين وأوضحنا أن الحبلى لا تحيض فأغنى عن تكريره.
الفرع الخامس: إذا ولدت المرأة ولم تر دماً عقيب الولادة لم تكن نفساء لأمرين:
أما أولاً: فلأن النفاس دم مسقط للصلاة فصار كدم الحيض والحائض إذا لم ترى دماً لم يحكم لها بالحيض.
__________
(1) راجع (الروض) 1/512 ومسنده الإمام زيد ص 91.