أنها قالت: سألت رسول اللّه عن أختي حمنة وقد استحيضت فقال: ((لتجلس أيام أقرائها " ثم تغتسل وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر)).
خامسها: حديث عدي بن ثابت " (1)
عن الرسول أنه قال: ((تدع المستحاضة الصلاة أيام حيضها " وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم))(2).
فهذه الأحاديث كلها دالة على وجوب الاغتسال للمستحاضة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة وجماهير فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده علي أن الرسول لما أمر المستحاضة بالاغتسال للظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما فارقته ولت وهي تبكي وتقول: يا رسول اللّه لا أطيق ذلك، فرق لها رسول اللّه ثم قال: ((اغتسلي لكل طهر كما كنت تفعلين " واجعليه بمنزلة الجرح في جسدك كلما حدث دم أحدثت طهوراً))، فهذا الخبر دال على أنه إنما أمرها بالغسل من الحيض، والوضوء من دم الاستحاضة وهو مقصودنا ويؤيد هذا من جهة القياس: وهو أنه حدث خارج من أحد السبيلين فلا يجب فيه إلا الوضوء كالبول.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
فنقول: أما الأحاديث التي رووها في إيجاب الغسل على المستحاضة فلا ننكرها، ولها تأويلات ثلاثة:
__________
(1) عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، روى عن أبيه وعن البراء بن عازب وابن أبي أوفى وغيرهم، وعنه: أبو إسحاق السبيعي، والأعمش وحجاج بن أرطأة وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الطبري: ممن يجب التثبت في نقله، وقال ابن معين: شيعي مفرط، راجع (تهذيب التهذيب) 7/149، مولده في الكوفة وتوفي سنة 116هه. (أعلام) 4/219.
(2) جاء هذا الحديث في (الاعتصام) عن (شرح التجريد) عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي بلفظ: ((المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وتصوم)). وهذا في (الشفاء) عن علي موقوفاً. اه.
التأويل الأول: أن إيجاب الرسول عليها الغسل إنما كان من أجل الحيض وليس من جهة الاستحاضة من جهة أن الاستحاضة إنما تتحقق إذا جاوز دمها العشر فأما إذا استقر على العشر فهي حيض لا محالة فإذا عبر الدم على العشر تحققنا الاستحاضة لاتصالها بدم الحيض ووجب عليها الغسل لأجل تقدم الحيض في أيامه ولا يتوجه عليها الغسل بعد تحقق الاستحاضة.
التأويل الثاني: أن هذه الأخبار محمولة على من لها عادة فنسيتها فصارت إلى حال يجوز عندها في كل وقت أن تكون حائضة وخارجة من الحيض إلى الطهر فعليها أن تغتسل في كل وقت لكل صلاة وذلك يتحقق بعد خروجها من أقل الحيض لأنها بعد خروجها من أقل الحيض المتحقق يجوز أنه حيض وأنه أول الطهر فلهذا وجب عليها ما ذكرناه، والغسل واجب عليها لكل صلاة لدليل خاص دل على ذلك، فمن أين يلزم الغسل لكل صلاة في كل مستحاضة كما زعموه؟.
التأويل الثالث: أن كلما أوردوه من الأحاديث فإنها محمولة على الاستحباب للطهارة والنظافة لأن الغالب من حالها هو التلوث بالدم في كل أحوالها فلهذا استحب لها الغسل لإزالة عفونة الدم.
فأما من حمل هذه الأخبار على أنها منسوخة فيضعف لأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأن النسخ في الأخبار وفي غيرها من الأدلة النقلية لابد عليه من حجة واضحة وبرهان قائم يرفع حكمه ويزيل أمره فأما بمجرد الدعوى فلا يلتفت إليه.
وأما ثانياً: فلأنه لابد من إقامة البرهان على تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ حتى يكون رافعاً له وهذا أمر يجب اعتماده فيما نسخ من القرآن والسنة.
وأما ثالثاً: فلأن هذه الأحاديث معتمدة في غير موضع فكيف يقال بأنها منسوخة؟ ويرجع إليها في أحكام المبتدأة وذات العادة وذات التمييز بين الدمين فبطل تأويل نسخها بما ذكرناه، ثم هاهنا مقام آخر جد لي: وهو أن الأصل براءة الذمة عن الوجوب فلا يمكن شغلها إلا بدليل شرعي يدل على الوجوب عليها في الاغتسال: وما ذكروه من الأحاديث فهي غير دالة، لما ذكرناه من الاحتمالات والتأويلات التي أوردناها عليها، ثم إنها معارضة بما ذكرناه من الأحاديث الدالة على عدم الاغتسال، ثم إنها راجحة على أحاديثهم لمطابقتها للبراءة الأصلية فلهذا وجب التعويل عليها.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين علي وابن عباس وابن الزبير أنهم كانوا يرون وجوب الاغتسال على المستحاضة.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن الإعتماد إنما هو على قول صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه في الأمور العملية والتعبدات الشرعية.
وأما ثانياً: فلأن المأثور عنهم إنما هو الاجتهاد وليس هذا من مواطن الاجتهاد وإنما تتلقى أحكامه من جهة الكتاب والسنة وليس من مضطربات الاجتهاد في ورد ولا صدر. فتنخل من مجموع ما ذكرناه بطلان كلام الإمامية.
الحكم الثالث: أنا إذا قلنا بأن الواجب عليها هو الوضوء لا غير فهل تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد أو يلزمها الوضوء لكل صلاة فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها يجوز لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد وهذا هو رأي أئمة العترة من القاسمية والناصرية وهو رأي الحنفية وغيرهم من فقهاء الأمة.
والحجة على ما قالوه: حديث سهلة بنت سُهيل أن رسول اللّه أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد. وحديث زينب بنت جحش قالت: سألت رسول اللّه عن مستحاضة فقال: ((لتجلس أيام أقرائها ثم تغتسل " وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل وتصلي وتغتسل للفجر)).
ووجه الدلالة من هذين الخبرين هو أنه أمرها بأن تؤدي فرضين بطهارة واحدة وقد بطل وجوب الغسل بما قررناه من قبل وبقي الوضوء على الوجوب والغسل صار مستحباً في حقها وفي هذا حصول مقصودنا.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز لها أن تؤدي بضوء واحد إلا فريضة واحدة وما شاءت من النوافل وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة له على ذلك: حديث بنت أبي حبيش فإنه قال: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وتوضائي لوقت كل صلاة)).
الثانية: قولهم: إن طهارتها طهارة ضرورية لأنها منعقدة تؤدى بها الصلاة مع جري الحدث في كل ساعة منها فلو جوزنا لها أن تصلي فرضين بطهارة واحدة كنا قد ألحقنا حكمها بحكم من كانت طهارته في حال الرفاهية وذلك ممنوع من جهة الشرع.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما أوردناه، ونزيد هاهنا حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: إني استحاض فلا أطهر فقال لها الرسول : ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وتوضائي لوقت كلا صلاة)). وهذا تصريح بما قلناه فإنه يدل على أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، ومن مذهبنا أن وقتاً واحداً يجمع الصلاتين كما سنقرره في الأوقات بمعونة اللّه فيكون وقتاً لهما وفي ذلك حصول غرضنا.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم، أما حديث فاطمة فعنه جوابان:
أما أولاً: فإنما أراد الأفضلية بالوضوء لكل صلاة، وأما الإجزاء فهو حاصل بوضوء واحد لصلاتين.
وأما ثانياً: فلأنه إذا جاز تأدية النفل مع الفرض بوضوء جاز تأدية الفرض مع الفرض بوضوء واحد، لأن كل واحد منهما يشترط فيه الطهارة، فلما جاز أن يكون مجزياً في حق النفل جاز إجزاؤه في حق الفرض من غير فرق بينهما.
قالوا: طهارة المستحاضة طهارة ضرورية فلا تؤدي بوضوئها إلا فرض واحد.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن كونها ضرورية لا تمنع من الجمع بين الفرضين كما لا تمنع من الجمع بين الفرض والنفل.
وأما ثانياً: فلأنا لا نريد بكونها ضرورية إلا أنها منعقدة تؤدى بها الصلاة مع جري الحدث وهذا غير مانع من تأدية الفرضين بوضوء واحد.
الحكم الرابع: إذا سوغنا لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. فهل يجوز لها أن تجمع بين فرضي الوقت بوضوء واحد أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، والأوزاعي والفقهاء.
والحجة على هذا: ما في حديث زينب بنت جحش، وسهلة بنت سُهيل بن عمرو فإن الرسول أمرها بتأخير الظهر وتعجيل العصر وأن تجمع بينهما بطهارة واحدة وهكذا المغرب والعشاء، وهذا نص فيما ذهنبا إليه.
الحجة الثانية: هو أنها طهارة أصلية فجاز أن تؤدي بها فرضا الوقت كالسليمة.
وقولنا: طهارة أصلية. نحترز بها عن الطهارة البدلية وهي التيمم فإنه لا يؤدى بها إلا فريضة واحدة على رأي القاسمية، وأما على ما اخترناه فإنه يجوز أن تؤدى بها الفرائض والنوافل.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن تؤدي به من فروض الوقت إلا فريضة واحدة ويجوز أن تجمع به بين فريضة الوقت وما شاءت من الفوائت وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا ما روى أبو حنيفة عن الرسول أنه قال لبنت أبي حبيش: ((توضأي لكل صلاة " )). فظاهر هذا الحديث يدل على إحداث الوضوء لكل صلاة، فعمومه دال على إدخال الفوائت مع فرض [الوقت]، لأنه لم يفصل بخلاف فرض الوقت فإنه لم يتناول إلا فريضة واحدة لأن المعنى توضائي لكل صلاة واحدة من فروض الوقت.
والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم من جواز تأدية فرضي الوقت بوضوء واحد.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: أتت الرسول امرأة فزعمت أنها تستفرغ الدم فقال : ((هذه ركضة من الشيطان في رحمك " فلا تدعي الصلاة إلى أن قال لها ثم أخري الظهر إلى أول وقت العصر واغتسلي واستدخلي الكرسف ثم صلي المغرب وقد دخل وقت العشاء ثم صلي الفجر)). فهذا نص صريح فيما قلناه من جواز تأدية فرضي الوقت بوضوء واحد.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: حديث فاطمة يدل على ما قلناه.
قلنا: ظاهره حجة لنا لأنه قال: ((توضائي لكل صلاة " )). فظاهره يقضي بجواز تأدية كل صلاة من فروض الوقت ومن الفوائت والنوافل فلا وجه لإبطال عمومه من غير دلالة.
الحكم الخامس: إذا كانت طهارة المستحاضة منعقدة لتأدية الصلوات كما شرحناه فهل تنتقض طهارتها بدخول الوقت أو بخروجه أو بمجموعهما؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن طهارتها تنتقض بدخول الوقت لا بخروجه، وهذا هو قول الإمامين الهادي والناصر ونصره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن الأوزاعي وزفر.
والحجة على هذا: قوله للمستحاضة: ((توضائي لوقت كل صلاة " )). ومفهوم هذا الحديث يقتضي وجوب التوضي عند دخول وقت كل صلاة وفيه دلالة على أن طهارتها تنتقض بدخوله ولولا أن طهارتها تنتقض بدخول الوقت لما أمرها بتأخير الظهر إلى وقت العصر وتأخير المغرب إلى دخول وقت العشاء ولم يأمرها بتقديم العصر إلى وقت الظهر لأنه ليس وقتاً للعصر ولا وقت المغرب وقتاً للعشاء، فلما أمرها بالتأخير دل ذلك على أن وقت العصر يدخل مع بقاء وقت الظهر وكذلك وقت العتمة يدخل مع بقاء وقت المغرب وأنه وقت واحد يجمعهما، فدل ذلك على أن المفسد لطهارتها هو دخول الوقت.
المذهب الثاني: أن المفسد لطهارتها هو خروج الوقت وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه والصحيح من قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن تعليق بطلان الطهارة بخروج الوقت في حق المستحاضة أولى من تعليقه بدخول الوقت لأن الوقت أصل في توجه الخطاب بتأدية العبادات المؤقتة بالأوقات فإذا كان دخول وقت العبادة مبطلاً لطهارتها كان خروجه في إبطال الطهارة أحق وأولى، ويؤيد هذا أن خروج الأوقات في حق العبادات المؤقتة مبطل لها لكون الوقت شرطاً في صحة تأديتها فإذا كان مبطلاً لها كان مبطلاً لشرطها من جهة الأولى.
المذهب الثالث: أن طهارتها تبطل بدخول الوقت وخروجه وهذا هو المحكي عن أبي يوسف.
والحجة له على هذا:هو أن كل ما أوردناه نصرة للمذهبين في بطلان الطهارة بدخول الوقت وخروجه فهو حجة له لكونه قائلاً بهما فلا وجه لإيراد حجة له على انفرادها.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وتقريره هو أن هذه الطهارات ثبوت أصولها وتقرير شروطها ونواقضها إنما هي أسرار غيبية وتعبدات دينية وأمور مصلحية لا تؤخذ أدلتها إلا من جهة الآي القرآنية والأخبار النبوية لكونها غيوباً استأثر اللّه بعلمها ووكل بيانها على لسان نبيه ، والأخبار كلها ليس فيها إشارة إلى نقض الطهارة بخروج الوقت ولا بدخوله ولكنها مشيرة إلى الفراغ من العبادة، ولهذا قال :((توضائي لكل صلاة " )). من غير إشارة منه إلى بطلان طهارتها بخروج وقت ولا بدخوله، وإذا كان الأمر كما قررنا كان تعليق نقض الطهارة بالفراغ من العبادة أولى وأحق كما هو المفهوم من ظاهر الأخبار الواردة في حق المستحاضة من غير حاجة إلى تكلف أمر لم يدل عليه شيء من الأدلة النقلية.
لا يقال: هذا قول يخالف أقوال الأمة فإن أحداً لم يذهب إلى هذه المقالة من علماء العترة وفقهاء الأمة، وما هذا حاله فلا يعتمد عليه بحال.
لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنهم لم ينصوا على فساد ما زاد على أقوالهم فيقضي ببطلانه فإذا كان الأمر هكذا جاز إحداث قول يخالف أقوالهم.
وأما ثانياً: فلأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لا يزال الإستنباط منها للأحكام الشرعية غضاً طرياً على مر الدهور والأزمان وتكرر الحوادث فأي حرج على من استنبط حكماً من دلالة شرعية وأيده بالدلالات النقلية، فما هذا حاله يجب التعويل عليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه ، فنقول: إن تعويلهم في نقض الطهارة بدخول الوقت وخروجه إنما هو على ما يفهم من ظاهر الأخبار في حق المستحاضة، ونحن لا نسلم أن شيئاً من الأخبار دال على تعليق نقض الطهارة بالدخول ولا بالخروج وإنما ظاهرها دال على نقضها بالفراغ من العبادة كما أوضحناه، فقد استقر بما ذكرناه حكم المسألة واتضح بيانها والحمد لله، فإذا توضأت للظهر في آخر وقته وفرغت من تأديته توضأت للعصر في أول وقته وهكذا تفعل في المغرب والعشاء والفجر أنها تتوضأ لكل صلاة بعد الفراغ من الأولى من غير حاجة إلى التعليق في نقض الطهارة بخروج الوقت ولا دخوله.
نعم، يظهر الخلاف بين القائلين بنقض الطهارة في حق المستحاضة بدخول الوقت وخروجه في مسألتين:
الأولى منهما: إذا توضأت بعد طلوع الفجر فلها أن تصلي، عند القائلين بانتقاضه بالدخول، إلى أن تزول الشمس، وعند القائلين بالخروج، إلى أن تطلع الشمس.
والثانية: إذا توضأت بعد طلوع الشمس فلها أن تصلي، عند القائلين بانتقاضه بالدخول، إلى وقت الزوال، وعند القائلين بالخروج، إلى دخول وقت المثل، وأما على ما اخترناه فإنما يكون نقضها بالفراغ منها لا غير.
تنبيه: اعلم أنا حيث سوغنا لها الجمع بين الصلاتين فيما مر وتأدية فرضي الوقت بوضوء واحد واخترناه، فإنما كان قبل الإنتهاء إلى هذه المسألة فيما تنتقض به طهارتها وتحقيق النظر فيها، فإذا فرغت من صلاة فإنها تجدد الوضوء للصلاة الثانية سواء كانت تلك الصلاة مؤداة أو مقضية وعلى هذا إذا أدّت الظهر في آخر وقتها فإنها تستأنف وضوءاً لصلاة العصر وهكذا تفعل في صلاة المغرب والعشاء والفجر وصلاة القضاء وصلاة الجنازة والطواف، بخلاف النوافل فإنه لا يحتاج إلى استئناف الوضوء لتأديتها لما كانت متسعاً في حالها ولهذا فإنه يجوز تأديتها على الراحلة مع التمكن من القرار ويجوز تأديتها من قعود مع القدرة على القيام.
الحكم السادس: ويجب على المستحاضة إذا أرادت أن تصلي أن تغسل فرجها وتحتشي بالقطن لترد به الدم فإن كان يسيراً فإنها تدخل قطنة أو خرقة تحبسه عن الخروج بفعل ذلك فإن لم ينقطع وكان كثيراً غزيراً تلجمت وقد قدمنا صفة التلجم فأغنى عن الإعادة وهو الإستثفار أيضاً، ولا يجب على المستحاضة إلا غسل واحد عند أن يحكم بانقطاع الحيض وإنما يجب عليها الوضوء لكل صلاة كما دل عليه ظاهر الخبر، وإن استوثقت المستحاضة بالشد على ما وصفنا وتوضأت ثم خرج منها الدم قبل الدخول في الصلاة أو في حال الصلاة فإن كان لرخاوة الشد وجب عليها إعادة الشد وإعادة الطهارة، وإن كان ذلك لغلبة الدم وقوته لم تجب عليها إعادة الشد والطهارة لأنه لا تقصير من جهتها.
الحكم السابع في إنقطاع الدم عن المستحاضة: واعلم أن لإنقطاعه عنها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون انقطاعه قبل الدخول في الصلاة فإذا كان منقطعاً قبل دخولها في الصلاة نظرت فإن كان انقطاعه غير معتاد بأن يكون أول ما استحيضت فتوضأت ودمها سائل ثم انقطع فإنه يجب عليها إعادة الوضوء إذا أرادت أن تصلي لأن هذا الإنقطاع يجوز أن يكون كزوال الاستحاضة فيبطل ذلك طهارتها ويجوز أن يكون ليعود فلا يبطل خلا أن الظاهر أنه لا يعود فإن خالفت ودخلت في الصلاة من غير تجديد طهارة فإن اتصل الطهر لم تصح صلاتها، وإن عاودها الدم نظرت فإن كان بين معاودة الدم وانقطاعه مدة يمكن فيها فعل الصلاة لم تصح صلاتها لأنها قد أمكنها فعل الصلاة من غير نجاسة وإن [كان] بينهما مدة لا يمكن فيها فعل الصلاة فإنها لا تجب عليها الإعادة لأنا تيقنا بعود الدم أن الإنقطاع لا حكم له، وإن كان إنقطاع الدم معتاداً قبل أن تستمر عادتها بأن ينقطع دمها ساعة ثم يعود ثم ينقطع فإن كانت مدة الإنقطاع في عادتها مما يمكن فيها فعل الطهارة والصلاة فعليها أن تعيد الصلاة والطهارة لأنها قد أمكنها فعل الطهارة والصلاة من غير نجاسة وإن كانت مدة الإنقطاع يسيرة بحيث لا تتمكن فيها من فعل الطهارة والصلاة فهو كما لو كان الدم متصلاً فلا تلزمها الإعادة لهما.
الحالة الثانية: أن يكون انقطاع الدم بعد دخولها في الصلاة فينظر في ذلك، فإن كان قد جرت عادتها بأن دمها ينقطع ثم يعود وبين وقت انقطاعه وعودته مدة لا تتمكن فيها من فعل الطهارة والصلاة أو كان هذا الإنقطاع لم تجر لها به عادة فالظاهر أنه لا يعود فلا تبطل صلاتها فهي كالمسافر إذا عدم الماء ثم تيمم ثم وجد الماء بعد الدخول في الصلاة.
الحالة الثالثة: أن يكون إنقطاع الدم بعد خروجها من الصلاة، فإنه لا يلزمها شيء لأنها قدفعلت الصلاة على الوجه المأمور به فلا يلزمها سواء عاد الدم أو لم يعد وقد قال : ((لا ظهران في يوم)).