الحكم الخامس: أنه قد مر أن العادة تثبت بقرئين وقد دللنا عليه وحكينا فيه الخلاف ونصرناه وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عنه قول آخر، أنه يثبت بقرء واحد واحتج بما روي عن النبي أنه قال: ((لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها))(1).
فأمرها بالرجوع إلى عادتها ولم يفصل بين الحيض مرة أو مرتين.
والجواب أن العادة مأخوذة من العود والتكرر وذلك لا يستعمل في أقل من مرتين وهي عادة معروفة ولهذا لم يسألها لظهور الحال فيها فإذا رأت الدم في خمسة أيام من شهر مرتين ثم استحيضت في الشهر الثالث فإنها ترد إلى الخمس لا محالة، وإن رأت الدم خمسة أيام مرة، وأربعة أيام مرة، كانت عادتها أربعة أيام؛ لأن الأربع قد تكررت مرتين مرة وقفت عليها ومرة جاوزتها إلى الخمسة فصارت العادة لها أربعة أيام.
الحكم السادس: في المستحاضة الذاكرة لوقتها وعددها ثم عبر الدم على عادتها وعلى العشر فإنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم عادتها إذا كانت عادتها دون العشر لجواز أن ينقطع الدم للعشر، فإذا جاوز الدم العشر وعبرها علمنا أنها مستحاضة فتغتسل عند ذلك وتقضي صلاة ما زاد على أيام عادتها، وفي الشهر الثاني تغتسل عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون حيضها أيام عادتها.
الحكم السابع: وكما ثبتت العادة في ذات العادة والمبتدأة بانقطاع[الدم] فإنها تثبت بالتمييز بين الدمين فإن كانت عادتها أن ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعاً أو خمساً من أول الشهر وهو الأسود وترى باقي الشهر الدم الأحمر ويستمر ذلك شهوراً كثيرة فلما كان في بعض الشهور رأت دماً واستبهم عليها أمره في السواد والحمرة وعبر العشر فإنه يجعل حيضاً أيام السواد.
ووجهه أنا قد أوضحنا من قبل أن الدم الأسود أقوى في كونه أمارة للحيض من الوقت والعدد لما له من مزية القوة والإختصاص.
__________
(1) تقدم.
الحكم الثامن: وإن كان هاهنا امرأة معتادة مميزة بين الدمين وكانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول الشهر فلما كان في بعض الشهور رأت من أول الشهر عشرة أيام دماً أسود ثم احْمَرَّ الدم إلى آخر الشهر فهل ترجع إلى عادتها وهي الخمسة الأيام؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الرجوع إلى عادتها أحق فيكون حيضها الخمس الأولى لأنها قد ثبت أنها عادتها فلا تنتقل عنها إلا بحيض صحيح.
وثانيهما: وهو الأقوى، أن التمييز بين الدمين، فيكون حيضها هاهنا العشرة الأولى من جهة أن التمييز كما أشرنا إليه علامة قائمة في شهر الاستحاضة، فلا جرم كان الرد إليها هو الأولى من رده إلى عادة قد نقضت.
الحكم التاسع: هو أن ذات العادة إذا رأت الدم في أيام عادتها كان الدم حيضاً فإن استقر الدم على العشر فهو حيض كله وإن عبر الدم على العشر واتصل بالحادي عشر فما فوقه، فهل ما زاد على عادتها كله استحاضة أو يكون الإعتماد على صفة الدم؟ فيه مذهبان:
أحدهما:أن الزائد على عادتها يكون استحاضة وهذا هو رأي القاسمية.
والحجة على هذا:هو أن التعويل على العادة أمارة قوية في كون الدم حيضاً وقد وقع الدم في أيام العادة فلهذا قضينا بكونه حيضاً، وما زاد عليه يكون استحاضة لخروجه عن العادة واتصاله بالاستحاضة.
وثانيهما: أن التعويل في ذلك على صفة الدم ولونه الأسود فإذا أتى في أيام العادة فهو حيض وما زاد عليه فهو استحاضة، وهذا هو رأي الناصر في أحد قوليه.
والحجة على هذا: هو أن اتصاف الدم بالسواد أمارة قوية يعول عليها في كون الدم حيضاً، فإذا كان الدم خارجاً عن(1)
صفة السواد حكمنا عليه بكونه استحاضة، وهذا يخالف المبتدأة فإن المبتدأة إذا رأت الدم في العشر فما دونها فهو حيض فإذا عبر الدم على العشر فهل يكون الزائد على العشر استحاضة وحده أو يكون الدم كله استحاضة؟ فيه مذهبان:
__________
(1) في الأصل: على.
أحدهما: أن الدم إذا جاوز العشر في المبتدأة فهو حيض كله وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي الناصر.
والحجة على هذا: هو أن المبتدأة ليست لها عادة فترجع إليها في نفسها فلهذا قضينا بأن الدم كله استحاضة.
وثانيهما: أن الزائد على العشر يكون استحاضة لا غير، وهذا هو رأي الإمام أبي طالب.
والحجة على هذا: هو أن الحيض واقع في زمان الإمكان وهو العشر فيصير بمنزلة العادة، إذا عبر على العشر كان الزائد استحاضة كما في ذات لعادة.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله لأنا إنما نعول في كون العشر حيضاً لو لم تتصل بها الاستحاضة فأما مع اتصال الحيض بالاستحاضة لم يتخصص بعضه من بعض فيكون بعضه حيضاً وبعضه استحاضة، فلهذا كان الكل ستحاضة.
الحكم العاشر: في المعتادة التي نسيت عادتها وقتاً وعدداً وهي المتحيرة التي خفي عليها جميع معاني حيضها وطهرها وأطبق عليها الدم فلا تعرف الإبتداء ولا الإنتهاء، وصورة وجود ذلك أن يصيبها الجنون سنين كثيرة ثم أفاقت من جنونها وقد استحيضت فلا تذكر وقتاً ولا عدداً ثم يستوضح أمرها بأن يقال لها: هل تذكرين ابتداء حيضك؟ فإن ذكرته كان ابتداء حيضها من ذلك الوقت. وإن قالت: لا أذكره. قيل لها: فهل تذكرين وقتاً كنت فيه طاهرة؟ فإن ذكرته جعل ابتداء حيضها من ذلك الوقت. وإن قالت: لا أذكره، فالمختار عندنا: فيمن بلغت حالها إلى هذه الحالة واستبهم أمرها هذا الإستبهام أن يرجع بها إلى أصلين:
الأصل الأول: أن يكون حالها كحال الطاهرات في إيجاب العبادات من الصلاة والصوم ويحرم عليها ما يحرم على الحائضات وتؤمر بالإحتياط والأخذ بأسوأ الأحوال في أمور سبعة:
أولها: أنها لا تدخل المسجد ولا تقرأ القرآن ولا تصلي صلاة نافلة.
وثانيها: أنها إذا طلقت فعدتها تكون بثلاثة أشهر ولا تقدر [بالحيض] لتباعد حيضها وتعذره إلى سن اليأس أخذاً بأسوأ الاحتمالات، فإن ما هذا حاله فيه حرج عظيم وتشديد كثير في حقها وإضرار بها في ذهاب شبابها وزوال غضارتها بالتربص إلى ستين سنة في انقضاء عدتها.
وثالثها: أنها تؤدي الصلوات المكتوبات لإحتمال الطهر في أول أوقاتها ولا تقرأ القرآن إلا في الصلوات المفروضة.
ورابعها: أنها تغتسل لكل صلاة لإحتمال انقطاع الدم ولا تغتسل لكل صلاة إلا بعد دخول وقتها.
وخامسها: أنها يجب عليها صوم رمضان جميعه لإحتمال دوام الطهر.
وسادسها: أنه لا يلزمها قضاء الصلاة والصوم لأنها إن كانت طاهرة وقت الصلاة والصوم فقد صحت صلاتها وإن كانت حائضاً فلا صلاة على حائض.
وسابعها: أنها لا يأتيها زوجها لإحتمال الحيض. فهذه الوظائف السبع يحب عليها الأخذ بها والعمل عليها.
الأصل الثاني: أنها ترد إلى المبتدأة في العمل على الطهر والحيض بالرجوع إلى عادة نسائها والأخذ بأكثرهن عادة وتعمل [بذلك]في وظائف العبادات من الصلاة والصوم، وإن كانت تميز بين الدمين عملت على التمييز عند اتصال الاستحاضة والتباسها، فهذان الأصلان يمكن الرجوع إليهما فيمن هذه حالها من النساء، لكن التعويل على الأصل الأول أعجب وأقرب، لأن المبتدأة قد عرف حالها من ابتداء الحيض وهذه لم يعرف حالها في الإبتداء ولا في الإنتهاء فلهذا كان التعويل على ما ذكرناه في حالها من مراعاة الأمور السبعة والله اعلم بالصواب.
وللعلماء الخائضين في تفاصيل الفقه تردد في أحكام حيضها وطهرها وأمرها بالصلاة والصوم والقضاء، وأمرها بالقضاء فيما يتحقق من طهرها على حد ما يغلب على الظن من الطهر والحيض في كل حالاتها، ولنقتصر على هذا القدر في المعتادة.
---
المرتبة الثالثة: في المميزة بين الدمين
فهذه المرأة إذا ابتدأها الحيض وعبر على العشر خلا أن الدم على لونين قوي وضعيف بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخيناً أسود محتدماً قانياً وفي بعضها أحمر مشرقاً رقيقاً، فالقوي هاهنا هو الأسود. والضعيف هو الأحمر والأصفر، فإذا تقرر هذا فإنها لا تغتسل عند تغير صفة الدم لجواز أن لا يعبر على العشر لأنه إذا لم يعبر على العشر كان الدم كله حيضاً على اختلاف أحواله كما مر بيانه في الصفرة والكدرة أنها حيض، فإذا عبر الدم على العشر تحققنا أنها استحاضة فيكون حيضها أيام السواد، وأيام الأحمر يكون استحاضة، والرجوع إلى التمييز في الصفات المتعلقة بالدم هو أحد قولي الناصر والقول الصحيح للشافعي وبه قال مالك.
وأما القاسمية وأحد قولي الناصر وهو قول أبي حنيفة فلا يعرجون على صفة الدم وإنما الاعتبار عندهم بالوقت والعدد في الحيض والاستحاضة، وقد قررنا فيما سبق الحجة للمذهبين وأوضحنا المختار والانتصار له فلا وجه لتكريره.
والأصل في هذه المميزة ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت يارسول اللّه إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال : ((إنما ذلك دم عرق وليس حيضاً إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الأحمر فتوضائي وصلي)). وهذا الخبر قد اشتمل على فوائد ثلاث عشرة:
الفائدة الأولى: أنها لما قالت: أفأدع الصلاة؟ أجابها بأن ذلك دم عرق فأفاد ظاهر الخبر أن دم الحيض يخالف دم الاستحاضة، وأن لكل واحد منهما مخرجاً معروفاً معتاداً فدم الاستحاضة دم عرق ينفتق ويكون جرحاً وقد قيل إن دم الحيض يخرج من قعر الرحم وأنه ينفصل من لحمها.
الفائدة الثانية: قوله ((وليس حيضة)) فأكد بذلك قوله إنه دم عرق ونفى أن يكون من الحيض في شيء فلا تتعلق به أحكام الحيض ولأن أمرها بالصلاة لما كان ليس من الحيض في ورد ولا صدر.
الفائدة الثالثة: قوله : ((إن دم الحيض أسود يعرف )). فكلامه هذا دال على أن صفة دم الحيض هو السواد بصريح كلامه هاهنا وأنه معروف للنساء ولكل واحدة منهن لا لبس فيه على واحدة منهن لكثرة ملابسته وعلاجه فلهذا أضاف معرفته إليهن.
الفائدة الرابعة: قوله : ((فإذا كان ذلك يعني الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة )). فأمْرهَا بالإمساك عند رؤية الدم الأسود فيه دلالة قوية وأمارة شرعية على التعويل على صفة الدم ولونه وأنه أمارة في الحيض يجب الإعتماد عليها وأن عدمه أمارة في الاستحاضة عند مجاوزة الدم لأكثر الحيض لا محالة.
الفائدة الخامسة: قوله ((وإذا كان الأحمر فصلي )) فدل ظاهر كلامه هذا على أن وجود الأحمر أمارة الاستحاضة مع تقدم الأسود ولهذا فإنه أمرها بالصلاة عند رؤيته، فدل ذلك على ما قلناه من اعتبار التمييز بين الدمين من الحيض والاستحاضة وهذا هو مطلوبنا.
الفائدة السادسة: أن المرأة إذا رأت الدم الأسود أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام لم يكن حيضاً لأن الحيض لا ينقص عن ثلاثة أيام ولا يزيد على عشرة أيام، وإنما [هو] تغير وفساد فلا تعريج عليه.
الفائدة السابعة: إذا رأت الدم ثلاثة أيام دماً أسود وثلاثة أيام دماً أحمر وثلاثة أيام صفرة ويوماً كدرة ثم انقطع فالكل حيض لأنه لم يزد على أكثر الحيض فلا جرم حكمنا بكونه حيضاً لما كان حاصلاً في مدة الإمكان ولم يجاوز أكثر الحيض.
الفائدة الثامنة: إذا رأت المرأة يوماً دماً أسود ثم احمرَّ الدم أو اصفرَّ وجاوز العشر مع السواد فإنا نأمرها بالغسل عند انقضاء العشر وبالصلاة والصوم لأنه لا يجوز أن يكون حيضاً مع المجاوزة فأما دون العشر فتعمل على ما تعهد من حالها في المبتدأة وذات العادة.
الفائدة التاسعة: فإذا رأت السواد في الشهر الثاني يوماً وليلة أو ثلاثاً أو أربعاً ثم أحمرَّ الدم أو اصفرَّ فإنا نأمرها بالاغتسال عند تغير الدم وبالصلاة والصوم لأن الظاهر أنها استحاضة في هذا الشهر كالأول مع مجاوزة العشر فإن لم يجاوز الدم العشر في هذا الشهر علمنا أن الكل حيض وأنها إنما استحيضت في الشهر الأول دون الثاني.
الفائدة العاشرة: وإن رأت المرأة خمسة أيام دماً أسود وخمسة أيام طهراً وعشرة أيام دماً أحمر فالأسود مع الطهر يكون حيضاً كله وعشرة الأيام يكون استحاضة لأن الطهر ما لم يستكمل العشر فهو حيض مع ما قبله.
الفائدة الحادية عشرة: وإن رأت نصف يوم دماً أسود ونصف يوم دماً أحمر وكذلك فيما بعده أربعة أيام فلما كان في اليوم الخامس رأت في جميعه دماً أسود ثم احمرَّ الدم وعبر العشر، فالدم الأسود الذي وجد في الخامس يكون حيضاً لا محالة مع ما قبله من الأنصاف الأربعة.
الفائدة الثانية عشرة: وإن رأت ثلاثة أيام دماً أحمر وثلاثة أيام دماً أسود ثم احمر الدم وعبر على العشر فإن حيضها يكون أيام السواد مع ما قبله، وما بعده يكون استحاضة لأن السواد هو صفة الحيض فكان حيضاً كما لو تقدم.
الفائدة الثالثة عشرة: وإن رأت ثلاثة عشر يوماً دماً أسود وثلاثة عشر دماً أحمر فإنه يحكم بحيضها ستاً أو سبعاً والباقي يكون استحاضة لأنه لما أناف على أكثر الحيض كانت هذه الأيام حيضاً والباقي استحاضة، وأما الأحمر فكله استحاضة ولا نحيضها من الأحمر شيئاً لأنها قد بطلت دلالته لما زاد على أكثر الحيض، ونختصر على ما ذكرناه في حال المميزة بين الدمين، ومن عرف ما أوردناه هاهنا هان عليه معرفة ما لم نورده قياساً عليه. فهذا هو الكلام على الأحاديث الثلاثة الواردة في أحكام المستحاضات قد أوردنا ما يتعلق به من الأحكام، فما ورائها من تفاصيل المستحاضات مميز مردود إليها ويؤخذ منها والله أعلم.
---
الفصل الخامس
في ذكر أحكام المستحاضة
اعلم أن المستحاضة مختصة بأحكام ونحن نذكر كل واحد منها نوضح ما فيه بمعونة اللّه تعالى:
الحكم الأول: أن المستحاضة يستحب لها الطهارة لقوله : ((مفتاح الصلاة الطهور " )). وهل تجب عليها الطهارة للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه تلزمها الطهارة للصلاة ويجب عليها الوضوء وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن زيد بن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وهو مذهب الإمامية.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ " }[النساء:43] وهذا صالح لكل ما يخرج من السبيلين وهذا وإن لم يكن فيه صيغة من صيغ العموم لكن المعنى مفهوم فإنه أوجب الوضوء على كل من جاء من الغائط ولم يفصل بين شخص وشخص، وفي هذا دلالة على أن كل ما خرج من السبيلين فإنه موجب للوضوء وهذا هو مطلوبنا.
الحجة الثانية:قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف " فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضائي وصلي فإنما هو دم عرق)).
المذهب الثاني: أنها لا تجب عليها الطهارة للصلاة وهذا هو المحكي عن مالك وربيعة.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة في حقها لا معنى لوجوبها لا لغة ولا شرعاً.
أما لغة: فهي النقاء من سائر الأنجاس وهذا غير حاصل في حقها.
وأما الشرع: فلأن الطهارة شرعاً إنما تنعقد إذا لم يكن هناك حدث فأما إذا كان الحدث متصلاً غير منقطع فلا وجه لطهارتها ولا لإيجابها عليها بحال.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما أوردناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى جعفر بن محمد عن رسول اللّه أنه أمر المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها أن تغتسل وتوضأ وهذا نص فيما ذهبنا إليه، وفي ذلك أخبار كثيرة لا حاجة إلى إيرادها وفيما ذكرناه كفاية.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعله حجة له.
قوله: إيجاب الطهارة عليها إما أن يكون لغة أو شرعاً وكلاهما لا وجه له.
قلنا: إن الطهارات ونواقضها غير معقولة المعاني لا يمكن جري الأقيسة فيها لانسداد المعاني وأنها أمور غيبية استأثر اللّه بالإحاطة بعلمها وإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا معنى لقول مالك إن طهارتها غير متعقلة لغة ولا شرعاً فإن صاحب الشريعة لما أمرها بالوضوء علمنا أن حدثها غير ناقض لطهارتها وأنها منعقدة في حقها مع جري الحدث منها.
الحكم الثاني: المستحاضة التي قد تحقق كونها مستحاضة بعبور دمها على أكثر الحيض يستحب لها الطهارة بالغسل لدلالة أكثر الأحاديث على ذلك وهي محمولة على الاستحباب، وهل يجب عليها الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الغسل عليها غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو قول الفرق الثلاث الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: حديث فاطمة بنت أبي حبيش حين قال لها الرسول : ((إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف " فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الأحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق)). فأمرها بالوضوء لا غير ولم يأمرها بالاغتسال.
الحجة الثانية: هو أنه دم عرق سائل فلا يكون فيه إلا الوضوء كالفصد والحجامة.
المذهب الثاني: أن الغسل واجب عليها وهذا شيء يحكى عن الإمامية.
والحجة لهم على ما قالوه: الأحاديث الواردة فإنها دالة على وجوب الغسل عليها.
أولها: حديث علي أنه قال للمستحاضة: ((تدع الصلاة أيام حيضها " ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة))(1).
__________
(1) هذا الحديث تضمنه حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي تقدم، وأخرج ابن حبان في صحيحه بإسناده عن أبي عوانة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله سئل عن المستحاضة فقال: ((تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل غسلاً واحداً ثم تتوضأ عند كل صلاة)) إ.ه..1/487.
وثانيها: حديث عائشة أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبدالرحمن بن عوف " (1)
فاستحيضت حتى لا تطهر فذكر شأنها للرسول فقال: ((إنها ليست بالحيضة لكنها ركضة في الرحم " لتنظر قدر قرئها التي تحيض فلتترك الصلاة ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي))(2).
وثالثها: حديث عائشة أن سهلة بنت سُهيل "(3)
استحيضت على عهد رسول اللّه فأمرها رسول اللّه بالغسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها بأن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد وتغتسل للصبح(4).
ورابعها: حديث زينب بنت جحش " (5)
__________
(1) عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد الزهري القرشي، صحابي من أكابرهم وهو أحد العشرة المبشرين، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم.. اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد عمرو، وسماه رسول الله عبد الرحمن. ولد بعد الفيل بعشر سنين، وتوفي بالمدينة سنة 32ه-652م، اهراجع (الأعلام) 3/321.
(2) هذه إحدى روايات النسائي.
(3) سهلة بنت سهيل بن عمرو، صحابية هاجرت إلى الحبشة مع زوجها أبي حليفة بن عتبة بن ربيعة، قرشية عامرية، روت عن النبي الرخصة في رضاع الكبير، روى عنها القاسم بن محمد [بن أبي بكر]. (الثقات) 3/184، (الإكمال) للحسيني 1/624.
(4) قال في (الجواهر): هذه إحدى روايات أبي داؤد، وفي رواية النسائي أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله قيل لها: ((إنه عرق عاند)) وأُمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً، اه1/143.
(5) زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، أم المؤمنين، كانت زوجة زيد بن حارثة واسمها برة، فطلقها وتزوجها النبي وسماها زينب. روت أحد عشر حديثاً، وتوفيت سنة 20هم، (أعلام) 3/66.