الفرع العاشر: فأما ما روي عن الهادي في (المنتخب) من أن المرأة إذا رأت يومين دماً ويومين نقاءً أو يوماً دماً ويوماً نقاء فإنها تترك الصلاة إذا رأت الدم وتصلي إذا رأت النقاء، فإنه محمول على ما تدل عليه العاقبة، فإن كمل الطهر فاليومان ليسا حيضاً وإنما استحاضة وتغير، وإن لم يكمل الطهر عشراً فكله حيض، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه أصوله ونصوصه، وأما ما حكي عن القاسم من أن المرأة إذا رأت يومين أو أربعاً أو خمساً دماً ومثلها نقاء صلت في أيام النقاء وليس له في قليل الحيض نص وإنما نصه في مقدار كثيره، فإنه قال لا يزيد كثيره على عشر، فيحتمل أن يقال بأنها تصلي في مقدار النقاء إذا كمل طهراً فإذا لم يكمل الطهر كان النقاء مضافاً إلى الحيض، وأما أيام الدم فظاهرها أنها حيض لأن فيها أمارة الحيض على ما تدل عليه العاقبة في إكمالها من الطهر إذا نقص عن كمال الطهر أو يكون حيضاً برأسه سواء نقص عن الثلاث أو زاد عليها لأنه لم ينص على قليله فلهذا احتمل ما ذكرناه، وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثالث في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض.
---
الفصل الرابع
في حكم المرأة إذا ورد عليها الدم
اعلم أن المرأة إذا رأت الدم في سن الحيض التي يجوز أن تحيض فيها فإنها تمسك عما تمسك الحائض لأن الظاهر أنه حيض لأنه أذى حصل في وقت إمكانه فوجب الحكم بكونه حيضاً حتى تدل العاقبة على خلافه، فإن انقطع دون ثلاث عُلم أنه دم فساد ولم تأثم بخروج وقت الصلاة عنها لأنها معذورة في تركها لأن الشرع قد أمرها بالترك ويجب عليها قضاؤها لأنا بينا أنه لم يكن حيضاً هذا كله إذا كان بلوغها بغير الحيض من الإنبات والسنين فعند هذا يتحقق وجوب القضاء وإن كان بلوغها بالحيض فلا وجه للقضاء على من ليست بالغة، وإن انقطع للثلاث أو لما دون العشر أو للعشر وكان أسود أو أحمر أو كان صفرة أو كدرة فهو حيض لقوله تعالى: { قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " }[البقرة:222]. ولم يفصل بين أذى وأذى كما مر تفصيله، وإن رأت الدم قد عبر على العشر فقد أختلط الحيض بالاستحاضة لأنا حكمنا بأن أكثر الدم حيض ولا يزيد أكثر الحيض على عشرة أيام فيجوز أن تكون الاستحاضة واردة على الحيض ويجوز أن يكون الحيض وارداً على الاستحاضة لأن الحيض جبلَّةٌ في النساء وعادة وصحة ولا ينقطع إلا من علة ومرض أو كبر، والاستحاضة مرض وسقم وتغير والمرض يطرأ على الصحة والصحة تطرأ على المرض فهكذا الحيض يطرأ على الاستحاضة والاستحاضة تطرأ على الحيض فلابد من التمييز بينهما عند الاختلاط، فإذا تقررت هذه القاعدة فلنذكر من المستحاضات ثلاثاً مبتدأة وذات عادة ومميزة، وقد ورد فيهن ثلاثة أحاديث نجعلها أصلاً للكلام فيهن ونذكر في كل واحدة منهن ما يخصها من الكلام بمعونة اللّه ونرتبها على ثلاث مراتب:
---
المرتبة الأولى: في المستحاضة المبتدأة
وصفتها أن ترى المرأة أول ما طرقها الحيض دماً بصفةٍ واحدة عبر على العشر، والمستند فيها الخبر الذي روته حمنة بنت جحش، وقيل أختها أم حبيبة بنت جحش(1)
قالت: كنت أحيض حيضة كثيرة شديدة. فقد قيل إنها استحيضت سبع سنين، قالت: فأتيت الرسول فوجدته في بيت اختي زينب فقلت: يارسول اللّه إن لي حاجة وإنه لحديث لابد منه وإني لأستحي، فقال الرسول :((ما هو ياهناه ))(2).
فقالت: إني أحيض حيضة كثيرة شديدة وقد منعتني الصلاة والصوم فما ترى؟ فقال : ((أنعت لك الكرسف وهو القطن فإنه يذهب الدم فاحتشي به)). فقالت: هو أشد من ذلك: فقال لها: ((تلجمي)) قالت: هو أشد من ذلك. فقال لها: ((اتخذي ثوباً)) فقالت: هو أشد من ذلك إنما أثج ثجاً، فقال لها الرسول :((إنها ركضة من ركضات الشيطان تحيضي في علم اللّه ستاً أو سبعاً ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت وفي بعض الروايات واستنقأت فالأول من اليقين والثاني من النقاء فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين وأيامها وصومي فإن ذلك يجزئك وهكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن))(3).
واعلم أن هذا الحديث قد اشتمل على حكم وآداب وأحكام شرعية نفصلها ونضمنها فوائد عشرين:
__________
(1) أم حبيبة بنت جحش هي حمنة بنت جحش الأسدية أخت زينب زوج النبي ، كانت تحت مصعب بن عمير فقتل عنها يوم أحد، وخلف عليها طلحة بن عبيد الله، وهي التي كانت تستحاض، وهناك خلاف حول كون أم حبيبة هي حمنة كما هو قول الأكثر من الرواة، وجاء في (تهذيب التهذيب) قوله: وأما الواقدي فزعم أن المستحاضة أم حبيبة بنت جحش أخت حمنة، قال: ومن زعم أنها حمنة فقد غلط، وعلق في (التهذيب) على قول الواقدي بأنه لا وجه لرد الأقوال الصحيحة لقوله وحده، اه. ملخصاً 14/440.
(2) يا هناه، للنداء، راجع (لسان العرب).
(3) تقدم.
الفائدة الأولى: أن السؤال عن أحكام الشريعة وأنواع التكاليف واجب على المكلفين في أحكام الحيض وفي غيرها من أمور الدين ولهذا فإن الرسول أقبل على تعليمها وعرفها ما تصنع في أمور استحاضتها وحيضتها على جهة البيان وشرح الأحكام لأن أحكام الشريعة مأخوذة من جهته ولا تعرف إلا منه قولاً وفعلاً.
الفائدة الثانية: أنه يستحب التداوي ولهذا فإنه وصف لها الكرسف وهو القطن وأمرها باستعماله وفي هذا دلالة على استحباب الأدوية واستعمالها.
الفائدة الثالثة: هو أن القطن يقطع الدم ولهذا قال : ((فإنه يذهب بالدم )) فنبه على هذه الخاصية في القطن فيستعمل في الجراحات كما نبه على استعماله في الاستحاضة لأنها جرح وفتق في العروق.
الفائدة الرابعة: أنه يستحب التلجم إذا غلب الدم وكثر على المرأة كما أشار إليه لما قالت له: إنه غالب وكثير فقال لها: ((تلجمي)) والتلجم أن تأخذ المرأة خرقة مشقوقة بنصفين من أعلاها وأسفلها فيكون وسط الخرقة في فم الفرج والطرف الأعلى يخرج طرفه إلى الخاصرة اليمنى وطرفه إلى الخاصرة اليسرى والطرف الأسفل يخرج بين الإليتين إلى ناحية الظهر ثم يلتقي الطرفان في الخاصرتين وتوثق ربطاً لتكون حابساً للدم عن الظهور والخروج، وهو مأخوذ من لجام الفرس لأنه يقحم في فم الفرج كما يقحم اللجام في فم الفرس فيدخل فيه.
الفائدة الخامسة: يستحب اتخاذ الثوب وقاية من كثرة الدم، لقوله : ((اتخذي ثوباً)) فيحتمل أن يكون اتخاذ الثوب على جهة الإستثفار كما أشار إليه في حديث المرأة(1)
__________
(1) ولفظه في (الجواهر): عن أم سلمة أن امرأة كانت تهرق الدماء في عهد رسول الله فاستفتت لها أم سلمة رسول الله فقال: ((لتنظر إلى عدد الأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل)) أخرجه الموطأ وأبو داؤد والنسائي 1/139.
التي استفتت لها أم سلمة، واستوضحت الاستثفار هناك، ويحتمل أن يكون اتخاذ الثوب على وجه الوقاية للدم عن التلوث منه.
الفائدة السادسة: أنه لما أمرها بالتلجم واتخاذ الثوب قالت: إنه أكبر من ذلك، قال: ((هذه ركضة من ركضات الشيطان)) وفيها احتمالان:
الاحتمال الأول: أن تكون الركضة على جهة الحقيقة مضافة إلى الشيطان، وأن الله تعالى مكنه من الركض في الرحم وتغييرها كما مكنه من الإغواء للخلق بالوسوسة والدعاء، ويؤيد هذا الاحتمال قوله تعالى: {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}[البقرة:275] فأضاف التخبط إلى الشيطان.
والاحتمال الثاني: أن تكون إضافة الركضة إلى الشيطان على جهة المجاز، والله تعالى هو الفاعل لها كسائر أمراض الفروج، لكنه أضافها إلى الشيطان لما كانت بسبب عقوبة دعا إليها الشيطان وسول فيها، فلا جرم أضيفت إلى الشيطان.
الفائدة السابعة: قوله : ((تحيضي))،أمرها عند رؤية الدم والتباس الحيض بالاستحاضة بأن تفعل ما تفعله الحائض؛ لأن الظاهر أنه حيض، كما يقال: تَصَبَّر وتَحَلَّم، أي افعل فعل أهل الصبر والحلم.
الفائدة الثامنة: قوله : ((في علم الله)) ليس الغرض فيما استأثر الله بعلمه من أمر الحيض، فإن الله تعالى لا يتعبدنا بعلمه؛ لأن علمه مطوي عنَّا، فلا يمكنا الإحاطة به، وإنما الغرض منه أمران:
أحدهما: فيما علمكِ الله تعالى به من أمر الحيض، وجاء على لسان صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
وثانيهما: في علم الله، أي فيما علمَّ ودل عليه من الأمارات من الحيض والاستحاضة.
الفائدة التاسعة: قوله : ((ستاً أو سبعاً)) وإنما خص هذين العددين؛ لأنهما هما الغالب من عادات النساء في الحيض، فلهذا أمرها بكف الصلاة والصيام في هذه الأيام لما كانت هي المطردة في العادة للنساء في الحيض.
الفائدة العاشرة: اعلم أنه لما أمرها بأن تتحيض ستاً أو سبعاً اتجه في حال حمنة وجهان:
أحدهما: أن تكون ذات عادة، فردها في الست والسبع إلى عادتها.
وثانيهما: أن تكون مبتدأة وهذا هو الأقوى؛ لأنه لم يسألها عن عادتها، ولو كانت معتادة لسألها عن عادتها وردها إليها، وعلى هذا يكون لها أربعة أحوال: حيض يقين وهو الثلاث فما دونها، وطهر بيقين وهو ما فوق العشر، وحيض مشكوك فيه وهو ما زاد على الثلاث إلى الست والسبع، وطهر مشكوك فيه وهو ما زاد على الست والسبع إلى تمام العشر وهو أقل الطهر.
الفائدة الحادية عشرة: أن الرسول إنما خيرها بين الست والسبع لأمرين:
أحدهما: أنه إنما خيرها في ذلك من جهة أن الست والسبع غالبة في النساء، ويؤيد ما ذكرناه أنه قد روي أنه قد قال لها: ((أيهما قعدت فلا حرج لأنك لم تخرجي عن عادة النساء)).
وثانيهما: أنه شك في العادة الغالبة فردها إلى اجتهاد نفسها في ذلك.
الفائدة الثانية عشرة: إذا قضينا بكون حمنة مبتدأة على القول الذي اخترناه، فهل لها في التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. فإن كانت تميز بينهما على الصفة التي ذكرناها فيه، فإن ميزت بينهما كان الرجوع إلى التمييز قبل الرجوع إلى عادة النساء؛ لأن التمييز بينهما أقوى أمارة وأخص حكماً بها، فلهذا رددناها إليه لما فيه من القوة والاختصاص، فإن عبر الدم على العشر وكان كله أسود فالعشر كلها حيض، وإن اسودَّ الدم خمساً وكان أحمر خمساً كان الأسود حيضاً والباقي استحاضة مع العبور إلى العشر.
وإن كانت غير مميزة بين الدمين فإنها ترجع إلى عادة نساءها من قبل أبيها لما لها من الاختصاص بهن، فتأخذ بإحداهن مع الاستواء، وإن اختلفت عادتهن اخذت بأكثرهن عادة لما في ذلك من الاحتياط.
الفائدة الثالثة عشرة: قوله : ((حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت )) أراد أن الاغتسال إنما يقع بالتحقيق للبرائة من الحيض وليس ذلك إلا بالعمل على من قال بالتمييز أو بالرجوع ولم يذكر التمييز بين الدمين في حديث حمنة وإنما ذكره في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وسنقرره هنا بمعونة اللّه تعالى، فلهذا كان قوله: ((حتى إذا رأيت أنك قد طهرت )). معناه بوصول غاية التطهير من الحيض بالعلامات التي ذكر لها. واستيقنت، أراد حصل اليقين بزوال الحيض، وفي حديث آخر: ((استنقأت)) أراد حصل النقاء عن دم الحيض ببلوغ غايته وقصاراه، وفي هذا دلالة على الاجتهاد في بلوغ الغاية في التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة بالأمارات القوية التي تغلب على الظن صحتها وقوتها.
الفائدة الرابعة عشرة: قوله : ((فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها )). وإنما خيَّر في الصلاة هاهنا كما خيَّر في الحيض هناك، فإذا كان تربصها في الحيض ستاً كانت صلاتها بالطهارة أربعة وعشرين وإن كان تربصها في الحيض سبعاً كانت صلاتها ثلاثاً وعشرين وأيامها؛ لأن الاعتبار بالليالي والأيام جميعاً ليكمل الحيض.
الفائدة الخامسة عشرة: أمرها بالصوم في هذه الأيام التي حصلت فيها الصلاة لأن الصلاة والصوم سيان في افتقارهما إلى الطهارة من الحيض فحيث جازت جاز الصوم من غير فرق بينهما، فلهذا قال: ((وصومي)) ثم قال: ((فإنها تجزئك)) أراد فإن الصلاة والصيام تجزي في هذه العدة من الأيام لما فيها من يقين الطهارة عن الحيض وتميز الحيض عن الاستحاضة كما أوضحناه.
الفائدة السادسة عشرة: قوله : ((وكذلك فافعلي في كل شهر )) أراد إذا كانت الاستحاضة متصلة والدم جارياً غير منقطع كما وصفنا حالها، فمهما عبر الدم على العشر وكانت مبتدأة فهكذا تفعل بالتمييز بين الدمين أو بالرجوع إلى عادة النساء إن فقدت التمييز فإذا فعلت ذلك كان ذلك المقدار حيضاً والباقي استحاضة يحكم عليها بالتطهير فيها والصلاة والصوم لأن هذا هو منتهى النظر في حقها بتعريف صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه.
الفائدة السابعة عشرة: قوله: ((كما تحيض النساء )) فيحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الظاهر، والغرض نساء العالم فإن الغالب من عادتهن ما ذكره من الست والسبع، ويحتمل أن تكون اللام للعهد والغرض نساء أهلها أو أقاربها من قبل آبائها من جهة أن وشائج القرابات وتقارب الأنساب تدل على تماثل الجبلات والطبائع.
الفائدة الثامنة عشرة: قوله: ((ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن )). فأشار في كلامه هذا إلى الإعتماد على ما ذكرناه من عادة نسائها والعمل عليها في ميقات الحيض والطهارة من غير مخالفة لأن هذا هو الممكن في حقها في التمييز بين الحيض والاستحاضة ولا مزيد على ما ذكره من البيان بحال هذه المستحاضة.
الفائدة التاسعة عشرة: إذا رددنا المبتدأة إلى عادة النساء فإذا كانت عادتهن دون الست وفوق السبع، فهل ترد إلى الست والسبع أو تتبع النساء في العادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى هذين العددين لأن الرسول عينهما في حقها فلا تغير تعيينه بحال.
وثانيهما: أن الغرض اتباع العادة كما أشار إليه بقوله: ((تحيضي في علم اللّه كما تحيض النساء )).
والمختار: هو الأول لأن التخيير لم يجرِ وفاقاً وإنما جرى على جهة التعيين لما تعلم من حالهن في العادة فلا تعدل عن تخييره لغير موجب شرعي.
الفائدة العشرون:في بيان حال هذه المستحاضة، واعلم أنا نأمرها في الشهر الأول بالإمساك عن الصلاة والصوم من حين رأت الدم فإذا جاوز العشر فإنا نأمرها بالاغتسال وبالصوم والصلاة وتقضي ما تركت من الصلاة مما زاد على الست والسبع إلى العشر؛ لأنا بينا أن ما زاد على الست والسبع ليس حيضاً وأما الشهر الثاني فإنا نأمرها بالاغتسال والصوم والصلاة عند انقضاء الأيام الست أو السبع؛ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالشهر الأول فإنا نقطع دمها في هذا الشهر لدون عشرة أيام أو للعشر فما دونها علمنا أنها إنما كانت مستحاضة في الشهر الأول دون الثاني وعلى هذا لا يلزمها إعادة ما صلت وصامت ولا إثم عليها بفعل الصلاة والصوم والوطءِ فيما زاد على الست والسبع لأنا قد حكمنا لها بالطهر، فإذا انقطع الدم لدون العشر تيقنا أنه كان حيضاً وإن زاد الدم في هذا الشهر على العشر فإنها لا تقضي ما أتت به من الصلاة والوصوم بعد العشر لأنه طهر بيقين. فهذا ما أردنا ذكره في المبتدأة التي ليست لها عادة ولا لها قوة في التمييز بين الدمين وهي محتملة لأكثر مما ذكرنا ولكن فيما قررناه مقنع وكفاية في المقصود بمعونة اللّه.
---
المرتبة الثانية: في المستحاضة المعتادة
وصفتها أن يثبت لها حيض صحيح ثم عبر الدم على عادتها وعلى العشر، وحكمها أنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم على عادتها إذا كانت عادتها دون العشر لجواز أن ينقطع للعشر فإذا جاوز الدم العشر علمنا أنها مستحاضة فتغتسل عند ذلك وتقضي ما زاد على أيام عادتها، وأما الشهر الثاني فتغتسل عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون حيضها أيام عادتها، والأصل في هذه ما روي أن أمراة كانت تهراق الدماء على عهد رسول اللّه فاستفتت لها أم سلمة الرسول فقال : ((لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل وتستثفر بثوب تصلي)).
واعلم أن هذه المستحاضة قد اشتملت على أحكام نفصلها بمعونة اللّه وجملتها عشرة:
الحكم الأول: أنه أمرها بالرجوع إلى عادتها وجعلها أصلاً للفصل بين الحيض والاستحاضة وهي أمارة قوية في حقها عند اختلاط الحيض بالاستحاضة فلهذا قال: ((لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما أصابها)) فردها إليها لأنها أقرب أمارة في حقها.
الحكم الثاني: أنه أمرها بترك الصلاة في هذه الأيام والليالي لما كانت حيضاً في حقها والحيض قاطع لسائر العبادات وهكذا حال الصوم أيضاً مثلها، ودخول المسجد وقراءة القرآن.
الحكم الثالث: قوله: ((فإذا خلفت ذلك فلتغتسل )). أراد فإذا خرجت عن أيام العادة مع إتصال الدم وعبوره على العشر فلتغتسل لأن الحيض قد انقضت أيامه، فالواجب عليها الغسل والتطهر للصلاة والصوم والوطء وسائر العبادات لأن الحيض مانع من هذه وبعد الغسل صار الحيض مرتفعاً.
الحكم الرابع:أنه ندبها إلى الإستثفار وهو ثوب يجعل من تحت الفرج يقي [من] الدم عن التلوث به مأخوذ من ثفر الدابة وهو حبل يجعل من تحت الذيل.