وثالثها: أن أقله تسعة عشر يوماً، وهذا شيء يحكى عن يحيى بن أكثم " (1).
ورابعها: أن أقله ثمانية أيام.
وخامسها: أن أقله خمسة أيام، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك الماجشون.
وسادسها: أن أقله ثلاثة أيام، وهذا إنما يحكى عن أحمد بن حنبل.
والحجة لهؤلاء فيما قالوه: هي الإعتماد على ما يحصل من الإستقراء والعادة المألوفة من النساء، فكل واحد من هؤلاء عول فيما ذهب إليه على ما يجده من نساء أهل زمانه وبلده فلا جرم اختلفت مذاهبهم في القلة والكثرة.
__________
(1) يحيى بن أكثم بن قطن بن سمعان الفرماء أبو محمد، وهو مروزي، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما، روى عنه البخاري وأبو حاتم الرازي وإسماعيل ابن إسحاق القاضي وغيرهم. وكان عالماً بالفقه بصيراً بالأحكام. ولاه المأمون قضاء القضاة ببغداد، وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: ذكر يحيى بن أكثم عند أبي فقال: ما عرفت فيه بدعة ((يحيى بن أكثم من أصحاب أحمد)) تولى قضاء البصرة وعمره عشرون سنة، ومات بالربذة منصرفه من الحج يوم الجمعة لخمس عشرة خلت من ذي الحجة سنة 242ه‍وسنه 83 سنه. ا ه‍. بتصرف. (المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد) ج3 ص89.

والمختار: ما عول عليه أئمة العترة، فإنهم قد اجمعوا على ذلك وإجماعهم حجة للآية والخبر(1) وقد نصرناه في الكتب الأصولية وأجبنا عن الأسئلة الواردة عليه، ونزيد هاهنا: وهو أن اللّه تعالى أوجب على المعتدة بالأقراء ثلاث حيض وأوجب على المعتدة الآيسة لصغر أو كبر ثلاثة أشهر فأقامها مقام أكثر الحيض وأقل الطهر، وفي هذا دلالة على أن أقله عشرة أيام كما قلناه ولم نقمه مقام أكثر الطهر لأنه لا حد له والإعتماد عندنا في العدة إنما هو بالحيض دون الأطهار كما سنوضحه في كتاب العدة بمشيئة اللّه تعالى.
فحصل من مجموع ما ذكرناه أن إيجاب العدة بالأشهر قائمة مقام العدة بالأقراء وكما هي دالة على أقل الطهر فهي دالة على أكثر الحيض. فإن قلنا: إن العدة بالأطهار فهي دالة على أقله وإن قلنا: إن العدة بالحيض فهي دالة على أكثره وهي ثلاثون يوماً إما للأقراء بالطهر أو بالحيض.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما حجة الشافعي بالخبر فقد أوضحنا أن المراد به في الخبر شطر دهرها وأنه كما هو دال على ما يقوله فهو دال على ما نذهب إليه، وأما سائر المذاهب التي نقلناها في بيان أقل الطهر فإنها كلها مبنية على الوجود والإستقراء وليس على كل واحد منها دلالة شرعية من كتاب ولا سنة ولكنها مقررة على العرف والعادة ولا مدخل للعرف والعادة في هذه المقدرات والأمور العددية فإن مستندها أمر غيبي وليس فيها إلا ما كان من جهة اللّه أو من جهة رسوله، وأيضاً فإنها متدافعة مضطربة لا تعويل على مقدار فيها بحجة واضحة.
__________
(1) الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}. والخبر: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.)) الحديث.

الفرع الرابع: في مقدار أكثر الطهر، وأكثره لا حد له، لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمة لأن الطهر هو الأصل سواء كان قبل الحيض أو بعده فلا حد له ولا منتهى لقدره، فإذا تمهدت هذه القاعدة من بيان هذه المقادير من أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر وأكثره كما أوضحناه، فإنما تظهر ثمرة هذه المقادير في المستحاضات وعَبر الدم على أكثر الحيض. فما كان من الدم في الثلاث فهو حيض بيقين تتعلق به أحكام الحيض من ترك الصلاة والصوم، وما كان زائداً على العشر فهو طهر بيقين فتلحقه أحكام الطهارة من جواز الصلاة والصوم وما كان فوق الثلاث إلى اليوم العاشر فهو مشكوك في حاله لكونه محتملاً للحيض والاستحاضة، فذات العادة ترد إلى عادتها والمبتدأة ترد إلى عادة نسائها أو إلى صفة الدم ولونه كما سنوضحه بمعونة اللّه تعالى.
الفرع الخامس: في بيان التقسيمات المتعلقة بالحيض وأيامه.
وهو ينقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة ولكنا نشير إلى ما يتعلق بالمقاصد الفقهية والأحكام الشرعية وجملتها تقسيمات أربعة:
التقسيم الأول: باعتبار ماهية الحيض وحقيقته، إلى أسود ثخين محتدم بحراني له رائحة كريهة، وإلى ما يكون أحمر مشرق اللون رقيقاً له رائحة الدم.
فالضرب الأول: هو الذي يعول عليه في الحيض، فالأسود والثخين ظاهران لا يحتاجان إلى تفسير، والمحتدم: الحار الذي يلذع البشرة بحرارته أَخْذاً من قولهم احتدم الماء إذا حُرَّ، وأما البحراني فقد قال ابن عباس: هو شديد الحمرة الذي يضرب إلى سواد ويقال له: القاني، وقيل: البحراني الذي يخرج من قعر الرحم وأعماقها لأنها تخرج من لحمها.
الضرب الثاني: هو دم الاستحاضة وهو دم مشرق اللون رقيق له رائحة الدم وهو من عرق ينفتق، وهل يعول على صفة الدم في كونه حيضاً أو استحاضة؟ فيه تردد نذكره على أثر هذا بمعونة اللّه.

التقسيم الثاني: باعتبار حكمه، إلى ما يكون ممكناً وإلى ما يكون ممتنعاً، فالممكن في الأيام هي التي بين أيام العادة وبين أكثر الحيض إذا كانت عادتها دون أكثر الحيض من الخمس إلى السبع وكذلك الأيام التي تكون بعد مضي أقل الطهر إلى مجيء أيام العادة، فهذه هي الأيام الممكنة ليكون الدم حيضاً وأما الأيام الممتنعة فهي أقل أيام الطهر وأيام الحمل وفي حال الصغر لدون التسع وفي حال الكبر لما بعد الستين كما مر بيانه.
التقسيم الثالث: باعتبار وقت وروده، إلى أيام الإبتداء وإلى أيام العادة، فأما أيام الإبتداء فهي الأيام التي يطرق المرأة الحيض بها في سن الحيض ولم تسبقها لها عادة، وأما أيام العادة فهي عبارة عن الأيام التي تحيض المرأة فيها في كل شهر على الاستمرار، وينقسم إلى: عادة وقت، وإلى عادة عدد، فعادة الوقت من أول الشهر وآخره ووسطه، وعادة العدد من خمس إلى ست إلى سبع إلى عشر. قال الإمام المؤيد بالله: والأيام أربعة، أيام العادة، وأيام الإبتداء، وأيام الإمكان، وأيام الإمتناع، وقد فسرنا هذه الأيام فأغنى عن تكريره.
التقسيم الرابع: باعتبار العلم به، إلى ما يكون حيضاً بيقين، وهو الثلاث. وإلى ما يكون طهراً بيقين، وهو ما زاد على العشر. وإلى ما يكون مشكوكاً، وهو ما فوق الثلاث إلى العشر. ونقتصر على هذا القدر من التقسيمات ففيه مقنع وكفاية لقصدنا.
الفرع السادس: في كيفية انتقال العادة. قال السيد أبو العباس: وانتقال العادة يكون على أوجه ثلاثة:
انتقال العدد دون الوقت، وانتقال الوقت دون العدد، وانتقال الوقت والعدد جميعاً.

فإذا حاضت المرأة في أول الشهر أربعاً وطهرت إحدى عشرة ثم حاضت في النصف الثاني أربعاً وطهرت إحدى عشرة فقد تقرر بها الوقت والعدد جميعاً في الطهر والحيض لأنها رأت عدداً واحداً مرتين واتحد الوقت مرتين أيضاً في الأولية، أول النصف الأول وأول النصف الآخر فصارالوقت والعدد متحدين كما أوضحناه، فإن استحيضت في الشهر الثاني عملت في الحيض والطهر عليهما فيكون حيضها في كل شهر أربعاً وطهرها إحدى عشرة فهكذا يكون استقرار العادة وثبوتها.
ومثال انتقالها عن الوقت والعدد جميعاً، هو أن هذه المرأة من عادتها أنها تطهر في أول الشهر عشراً وتحيض خمساً ثم طهرت بعد ذلك عشراً، وحاضت خمساً فقد تغيرت عادتها فيهما جميعاً، إلى ما ذكرنا، فقد انتقلت عادتها في الوقت والعدد جميعاً لأن عادتها في أول الشهر كان طهراً فصار حيضاً وعدد حيضها كان أربعاً فصار خمساً وكان طهرها عشراً فصار إحدى عشرة.
ومثال انتقال الوقت دون العدد أن تكون العادة واحدة طهراً عشراً وحيضاً سبعاً مرة في أوله ومرة في وسطه.
ومثال انتقال العدد دون الوقت هو أن يكون الوقت واحداً في أول كل شهر لكن العدة مختلفة طهراً خمس عشرة وحيضاً خمساً وسبعاً فقد وضح الإنتقال على هذه الأوجه.
الفرع السابع: في بيان ما تستقر به العادة وتثبت عليه.
اعلم أن الحاجة ماسة إلى بيان ما تثبت به العادة في الحيض لترجع إليه المستحاضة إذ عبر الدم على العشر في حقها وفي حق نسائها لأنها ترجع إلى العادتين جميعاً، فإذا تكررت العادة الأخيرة من غير زيادة ولا نقصان فلا يقع خلاف بين الفقهاء في وجوب الرجوع إليها وإنما الخلاف فيما تثبت به العادة مع الإختلاف وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن العادة تثبت بقرأين عند تغيرها وهذا هو الظاهر من مذهب أصحابنا وحصله أبو العباس لمذهب الهادي، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ((أقعدي عن الصلاة أيام أقرائك " )) فعلق الحكم بالأقراء وليست الأقراء عبارة عن قرء واحد لا حقيقة ولا مجازاً والثلاثة غير معتبرة بالإجماع فوجب أن يكون المراد قرئين.
المذهب الثاني: أن المعتبر في تقرير العادة قرء واحد، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). والأقراء: جمع قرء. و لا خلاف أن أقل الجمع ثلاثة ولا قائل بالثلاثة فيجب حمله على الواحد لأنه هو المستيقن وما عداه لا دلالة عليه.
والمختار: ما قاله أصحابنا.
والحجة لهم ما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أنه لا فرق بين النادر والمعتاد إلا أن النادر يكون بالمرة الواحدة والمعتاد يكون بالتكرر ولا يعقل أقل التكرر إلا مرتين فلهذا قلنا بأن العادة لا يمكن تحققها إلا بقرأين.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: الأقراء تحمل على الواحد دون الإثنين والثلاثة.
قلنا: هذا فاسد فإن الأقراء جمع فلا يجوز حملها على الواحد حقيقة ولا مجازاً وحملها على الإثنين أحق لأن حقيقة الجمع وهو الضم، حاصلة فيهما، ولأن من العلماء من قال: أقل الجمع اثنان، فلا جرم كان حمل الأقراء على الإثنين هو المعتمد.
الفرع الثامن: الدم إذا كان أسود ثخيناً أو كان أحمر رقيقاً فهل يعول على الأسود الثخين في كونه حيضاً أو على الأحمر الرقيق في كونه استحاضة أو لا يعول إلا على الوقت والقدر؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يعول على صفة الدم في الحيض والاستحاضة وإنما التعويل على وقته وقدره.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة بنت جحش: ((تحيضي في علم اللّه ستاً أو سبعاً " كما تحيض النساء في كل شهر)). فأحالها على قدره بالوقت دون الصفة.

الحجة الثانية: ما روى أنس بن مالك عن رسول اللّه أنه قال: ((الحيض ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر " وما زاد فهو استحاضة)). فوقته دون الصفة.
الحجة الثالثة: ما روى أسامة عن الرسول أنه قال: ((أقل ما يكون الحيض للبكر ثلاثة أيام وأكثره عشرة " ))(1).
الحجة الرابعة: ما روي عن الرسول أنه قال: ((تقعد المستحاضة أيام أقرائها لا تصلي ولا تصوم " ))(2). فهذه الأخبار كلها دالة على توقيته بالوقت والقدر دون الصفة. وهذا هو رأي القاسم والهادي وأحد قولي الناصر والقول المشهور عن أبي حنيفة.
المذهب الثاني: أن التعويل في الحيض على الصفة التي ذكرناها وهذا هو قول الناصر الثاني(3) والقول الصحيح عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة " (4): ((إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فامسكي عن الصلاة " ، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي)). فذكر الصفة ولم يعرج على الوقت والقدر في كونه حيضاً.
الحجة الثانية: وروي عنه أنه قال: ((للحيض أمارات وعلامات " فدم الحيض محتدم أسود بحراني ثخين)). ولم يقدر ولا فصل بين يوم وبين ثلاثة ايام وإنما عول على صفته لا غير.
__________
(1) تقدم.
(2) أخرجه أبو داؤد والترمذي، وقد شمله حديث بنت أبي حبيش الذي تقدم.
(3) يعني: القول الثاني للناصر.
(4) فاطمة بنت أبي حبيش كما تقدم.

والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو أن صفة الدم أمارة قوة يعتمد عليها في أحكام الحيض ويجب الرجوع إليها في أحكام المستحاضات، فكما جاز رد المستحاضة إلى عادتها في حق ذات العادة وردها إلى عادة نسائها في حق المبتدأة فهكذا يجب ردها إلى التمييز بين الدمين وهو أقوى من ردها إلى العادتين لما فيه من الإختصاص ومزيد القوة، ولا بد فيه من اعتبار الوقت والعدد فإن أراد الناصر انفراده عن الوقت والعدد في كونه أمارة للحيض فهذا يضعف لأن الوقت والعدد في حق الحيض لا بد من اعتبارهما لما قررناه من الأدلة في بيان أقله وأكثره وإن كان مراده أن صفة الدم معتبرة مضمومة إلى الوقت والعدد فهذا جيد لا غبار عليه في كونه أمارة قوية في الميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة كما سنقرر ثمرته في حكم ورود الدم على المرأة.
ويدل على ما اخترناه من مراعاة صفة الدم حديث فاطمة وما روينا من الحديث الدال على اعتبار صفات الدم، ونزيد هاهنا وهو أن الأحكام الشرعية معلقة بخروج الدم في وقت إمكانه فإذا كان التعويل على خروجه فصفته تابعة له في التمييز وجري الأحكام فالصفة بالذات أخص وبها أمس من جهة أن الصفة تابعة للذات، ويؤيد ما ذكرناه أن التعويل في وجوب الغسل بخروج المني ويعتمد على صفاته التي تختص به فهكذا حال الحيض كما يجب التعويل على خروج الدم فيجب التعويل على صفته وهو المقصود.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: الأحاديث التي رويناها، حديث فاطمة وحديث أنس وحديث أسامة كلها دالة على الوقت والعدد دون صفة الحيض.

قلنا: الجواب عنها بحرف واحد، وهو أن أخبارنا دالة على اعتبار الصفة وأخباركم دالة على اعتبار الوقت والعدد فيجب الجمع بين الأخبار في الدلالة فيجب القضاء باعتبار الأمور الثلاثة الصفة والوقت والعدد وتكون هذه طريقة قوية على مراعاة الجمع بين الأخبار في الدلالة، وهي(1) إنما تتناول إبطال قول من قال باعتبار الصفة مجردة من الوقت والعدد فأما إذا قلنا باعتبارهما أجمع فهي موافقة في الدلالة لأخبارنا، والله اعلم بالصواب.
الفرع السابع: في حكم النقاء المتوسط بين الدمين.
ومثاله أن ترى المرأة يوماً دماً وثماني نقاءً ويوماً دماً، فهل يكون هذا النقاء حيضاً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن النقاء إذا لم يبلغ طهراً كاملاً وأقله عشرة أيام فهو حيض كله، وهكذا حالها إذا رأت يوماً دماً وخمسة أيام نقاء ويومين دماً فهو كله حيض، وهكذا في جميع الصور التي لا يبلغ النقاء كمال أقل الطهر. وهذا هو المحصل للمذهب تفريعاً على ما قررناه من قبل في أقل الطهر وأقل الحيض، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأحد قولي الشافعي وهو الذي قرره أبو العباس وحصله لمذهب الهادي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " }[البقرة:222] وقد حصل الأذى محفوفاً بطرفي أقل الطهر فوجب القضاء بكونه حيضاً لما لم تكمل فيه مدة الطهر سواء كملت مدة أقل الحيض أو لم تكمل.
المذهب الثاني: أن كل دمين تخلل بينهما طهر أقل منهما في العدد أو مثلهما في العدد أو كان الطهر بينهما أقل من ثلاثة أيام فحكمه حكم الدم وهو كالدم المتصل. وإن تخلل بين الدمين طهر أكبر منهما في العدد لم يكن ذلك الطهر في حكم الدم وكان في حكم الطهر، وهذا شيء يحكى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.
__________
(1) الأخبار الدالة على الوقت والعدد.

والحجة على ذلك: هي أن الطهر إذا كان أقل منهما في العدد أو مثلهما فهو مغلوب بالأذى فلهذا كان حيضاً كله اعتماداً على الإعتزال في الأذى، وإن كان أكثر منهما في العدد كان غالباً لهما فلهذا كان طهراً.
المذهب الثالث: أن النقاء كله طهر من غير حاجة إلى هذا التفصيل الذي حكيناه عن محمد بن الحسن، وهذا محكي عن مالك وهو الصحيح من قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هي أنه ليس هناك ما يدل على وجود الحيض إلا الدم ولا ما يدل على وجود الطهر إلا النقاء فلا جرم كان التعويل على وجود الطهر في هذا النقاء لبطلان أمارة الحيض فيه.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا تحصيلاً للمذهب من كون الطهر محكوماً عليه بالحيض إذا لم يكمل.
والحجة: ما قررناه من قبل ونزيد هاهنا، وهو أن الطهر إنما يحكم عليه بالنقاء إذا كاملاً في العدة فأما إذا قصر عن العدة كان لاحقاً باليوم الأول واليوم الآخر في كونه حيضاً.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
أما ما قاله محمد من التفصيل فهو تعويل منه على الغلبة وليس عليه دلالة شرعية خاصة في الطهارات والأمور التقديريه فإن مستندها الشرع وكلام صاحب الشريعة فأما المقاييس فلا تعويل عليها في إثباتها.
وأما ما قاله مالك وأحد قولي الشافعي فهو تعويل على أنه ليس هناك دلالة شرعية على كون النقاء حيضاً فلا نسلمه بل قد قررنا من قبل أن أقل الطهر عشر فإذا لم يكمل عشراً كان محكوماً عليه بكونه حيضاً.

124 / 279
ع
En
A+
A-