والحجة لنا على ذلك: هو أن كل ما ورد به الشرع مؤقتاً فالإعتماد فيه على التوقيت، وما ورد مطلقاً فلا بد من تقديره، و[إن] لم يكن لتقديره أصل في الشرع ولا في اللغة فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة، وهذا كما نقول في قبض المقبوضات في البياعات، والحرز في السرقة، والأيمان فإن هذه الأمور كلها التعويل فيها على مجرى العادة والعرف.
قال الشافعي في الأم: أعجل من سمعت في الحيض من النساء نساء تهامة يحضن لتسع سنين، وقال: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وقال أصحابه: يجيء على أصله أن تكون جدة لها تسع عشرة سنة لأنها تحمل لتسع سنين وتضع لستة أشهر ثم تحمل ابنتها لتسع سنين وتضع لستة اشهر فذلك يكون تسع عشرة سنة وهذا كله يأتي على مذهبنا.
---
الفصل الثالث
في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض
اعلم أن الذي عليه الأكثر من أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة هو تقدير أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر دون أكثره، وخالف الناصر في هذه القاعدة وقال: إنه لا تقدير فيه وهو محكي عن مالك، فهذان مذهبان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله:
المذهب الأول: قال الإمام الناصر في كتابه (الكبير)، لا وقت للحيض عن اللّه ولا عن رسوله لا لقليله ولا لكثيره لأنه يزيد وينقص وإنما الاعتبار في ذلك بلون دم الحيض ودم الاستحاضة دون وقتها وعادتها لا غير.
والحجة له على ما قاله: قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ " وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}[الرعد:8].
ووجه الدلالة من هذه الآية، هو أن اللّه تعالى أورد هذه الآية على جهة التمدح بأنه مختص بالعلم بهذه الأمور فلو علمنا قليله وكثيره وزيادته ونقصانه لبطل تمدحه باختصاصه وانفراده به.
الحجة الثانية: قوله تعالى:{وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ " } [البقرة:228].
ووجه الحجة من هذه الآية:هو أن اللّه تعالى نهاهن عن كتمان ما خلق في أرحامهن من الحيض فلو كان الحيض مقدراً بالوقت والعدد لكان ظاهراً مكشوفاً لا يمكن كتمانه فلما نهاهن عن الكتمان دل ذلك على أن الغرض ما يعلمه اللّه تعالى من الولد والحيض دون الوقت والعدد فإنهما معلومان.
الحجة الثالثة: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي " وإذا أدبرت فتوضائي وصلي)). وفي هذا دلالة على أن الاعتبار إنما هو باللون دون الوقت والعدد.
الحجة الرابعة: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر باعتزالهن في حال المحيض في قليله وكثيره يدل ذلك على أن الاعتبار باللون دون الوقت والعدد، فهذا جملة ما أوردوه نصرة لمذهبه.
المذهب الثاني: أن الحيض مقدر أقله وأكثره، والطهر مقدر أقله دون أكثره، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة الهادي والقاسم ورأي السيدين الأخوين وهو قول الأكثر من فقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه على اختلافٍ بينهم فيه، وهو القول الآخر للناصر ذكره في (الألفاظ) وفي (المختصر) وفي كتاب (أصول الدين).
والحجة على هذه المقالة:هي أن الأخبار المأثورة من جهة الرسول دالة على هذه المقادير في الطهر والحيض ومصرحة بها تصريحاً لا يمكن دفعه ولا يسع إنكاره، وسنقررها ونوضح دلالتها على ما يذهب إليه كل واحد منهم فيما رآه من المقدار في الطهر والحيض.
والمختار: ما عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة من تعريف الأوقات والمقادير في الطهر والحيض.
والحجة لهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا، وهو أن الإجماع منعقد من جهة العترة وأكابر أهل البيت بعد عودة الناصر إلى مقالتهم، ومن جهة علماء الأمة من يوم نشأ الخلاف في المسائل الفقهية، على أن الحيض مقدر بالوقت والعدد وهذا الاحتجاج إنما نقيمه على مالك فأما الناصر فقد رجع إلى مقالة آبائه في تقديره بوقته وعدده.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، وهو قول الناصر القديم.
قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ " وَمَا تَزْدَادُ}[الرعد:8].
قلنا: المراد به الولد في كونه ذكراً أو أنثى وما ينقص وما يزيد من اللبث في بطن أمه وما يذهب ويصير غيضاً في الأرحام، فهذا هو المراد بالآية وليس فيها ذكر الحيض في قدره ووقته.
وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ " }[البقرة:228].
قلنا: مقداره من الثلاثة إلى العشرة ووقته من التسع إلى ما فوقها فالله تعالى خوَّفهُن أن يكتمن مقداره ووقته لأغراض فاسدة، فتقول: حيضي عشر وهو خمس أو تقول: قد انقطع دمي، ولم ينقطع، إلى غير ذلك مما يتعلق بأغراضهن.
قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فأمسكي " وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)).
قلنا: الغرض أنها في أيام الحيض، والخبر دال على وجوب ترك الصلاة عند الحيض فلابد من تقديرها بالأيام ليعرف الحيض مما يكون استحاضة، وفي ذلك ما نريده.
وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً}[البقرة:222]. ولم يذكر المقدار ولا الوقت.
قلنا: قد أمر باجتناب الأذى في المحيض فلابد من تقدير وقته وعدده ليعرف ما يجتنب وما لا يجتنب، فليس كل أذى يجب اجتنابه وإنما يجب اجتنابه مع العلم بوقته وعدده، فقد ظهر لك بما قررناه ضعف هذه المقالة. فأما التعويل على صفة الدم مع القول بالمقدار والوقت فسنوضحه بمعونة اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: في مقدار أقل الحيض، وللعلماء فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول:أن أقله ثلاثة وهذا هو المروي عن زيد بن علي والصادق وأحمد بن عيسى ونصه الهادي في (الأحكام) واختيار السيد المؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.
والحجة على هذا: ما روى واثلة بن الأسقع " (1) عن الرسول أنه قال: ((أقل الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام " وأكثره عشرة))(2). وروي عن الرسول أنه قال: ((أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر " ))(3) وهذا رواه أبو أمامة ((وما زاد على عشرة أيام فهو استحاضة)). وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((أقل الحيض يكون ثلاثاً إلى خمس " وإلى عشر وما زاد فهو استحاضة)). وروي عنه أيضاً: أنه قال: الحيض ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة " وما زاد فهو استحاضة. ومثل هذا لا مساغ للإجتهاد فيه ولا يقوله الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول ، وروى معاذ عن الرسول أنه قال: ((أقل الحيض ثلاثة أيام " وأكثره عشرة أيام)). فهذه الأخبار كلها دالة بصريحها على أن أقله ثلاث وأكثره عشر فيجب التعويل عليها والله
__________
(1) واثلة بن الأسقع بن كعب، صحابي أسلم قبل تبوك وشهدها، روى عن النبي وعن أبي مرثد الغنوي، وأبي هريرة وأم سلمة، وعنه: ابنته فسيلة وبسر الحضرمي ومكحول وغيرهم، خرج إلى الشام بعد وفاة رسول الله ، وكان يشهد المغازي بدمشق وحمص، ومات بدمشق سنة 83هعن 105سنين. اهملخصاً من (تهذيب التهذيب) 11 89.
(2) جاء الحديث بلفظه عن أبي أمامة، وحديث واثلة (بالثاء المثلثة) بن لأسقع (بالسين المهملة والقاف والعين المهملة) بلفظ: ((أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة)). وجاء في (الجواهر)) عن معاذ أنه قال: ((أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام)) حكى هذه الأخبار جميعها في (الشفاء) اه133، ورواه بلفظه عن معاذ في مسند زيد بن علي قال: سمعت زيد بن علي يقول: ...إلخ. وخرجه السياغي في (الروض) عن أبي أمامة بلفظ: ((أقل ما يكون الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثاً، وأكثر ما يكون الحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة)) اه1 503. وهو بلفظه هذا أشمل إذ لا فرق في مدة الحيض بين البكر والثيب، المحقق.
(3) تقدم في الأحاديث السالفة.
أعلم.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وهو أن أقله يوم وليلة، وحكي عنه يوم واحد. قال الشيخ أبو حامد من أصحابه: والصحيح من قوله أنه يوم وليلة وهو الذي يفرع عليه ويفتي به ويناظر عليه ولا أعرف له ولا أصحابه حجة على ما قالوه إلا الوجود ولم يوردوا كتاباً ولا سنة.
قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها أنها لا تحيض أكثر من يوم واحد وثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، هكذا في (البيان). ونقلوا صوراً عن عدة من النساء من تحيض يوماً ومن تحيض أقل من ثلاثة أيام وما زادوا على النقل من أحوال النساء شيئاً.
المذهب الثالث: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ولا أعرف له حجة يدلي بها في نصرة مذهبه هذا إلا الوجود كما حكيناه عن الشافعي.
المذهب الرابع: محكي عن مالك أنه قال: لا حد لقليله.
وحجته على هذا: ما حكيناه عنه آنفاً من أن الاعتبار بوجود الدم وصفته من غير حاجة إلى تقدير وقته وعدده، وعمدته في هذا خبر بنت أبي حبيش حين قال لها الرسول : ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " وإذا رأيت الدم الأحمر فتوضائي وصلي)). فعول على الصفة ولم يجعل له حداً في القلة.
والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت ومن وافقهم.
وحجتهم:ما قررناه،ونزيد هاهنا:وهو أن اللّه تعالى قال في كتابه الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذئً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222] ولم يقدر في الكتاب قليله وكثيره ولكنه أشار إلى مطلق الأذى وأمر باجتنابه، ثم وجدنا الأخبار من جهة السنة مصرحة بحده ومقداره في قليله وكثيره فقضينا بها جمعاً بين الكتاب والسنة وعملاً بهما، وهذه طريقة مرضية في جمع الأدلة واتفاقها على المقصود من غير معارضة ولا تناقض.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما ما زعمه الشافعي من أن أقله يوم وليلة فتعويله في ذلك على الوجود وهذا مردود، فإن المعتمد في هذه المقدرات ليس على الوجود فإنه معيار مضطرب لا يعول عليه لاختلافه فإنه لا يستقر على قاعدة واحدة وإنما التعويل على ما كان من جهة الشارع لأنها أمور غيبية قد استأثر اللّه بعلمها ووكلها إلى لسان الرسول ، وبهذا يبطل ما حكيناه عن أبي يوسف فإنه عول على الوجود ولم يأت بدلالة شرعية.
وأما ما حكي عن مالك من أنه لا حد لأقله فإنه بنى ذلك على بطلان وقت الحيض ومقدراه وقد أوضحنا فساده بما مر من الأدلة.
وقد حكي عن القاسم أنه لا حد لأقله قال المؤيد بالله: ولا أحفظ له في أقله نصاً وليس مذهبه مثل مذهب مالك في بطلان حده وقدره فإنه قد صرح بأن له وقتاً وعدداً وليس معرجاً على صفة الدم مثل قول مالك ولكنه حدَّ أكثره ولم يحد أقله.
الفرع الثاني: في مقدار أكثره. وفيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أن أكثره عشرة أيام، وهذا هو رأي القاسم والهادي والأكثر من أئمة أهل البيت زيد بن علي والصادق وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله والأقوى من قولي الناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.
والحجة لهم على ذلك: ما قررناه في قليله، فإن الأخبار التي رويناها متصل بها الكثير بالقليل من غير فصل فلا حاجة إلى تكرير الكلام بإعادتها.
المذهب الثاني: أن أكثره خمسة عشر وهذا هو المحكي عن الشافعي ويحكى عن أحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن " )) قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: ((شهادة امرأتين كشهادة رجل ونقصان دينهن أن إحداهن تمكث نصف دهرها فلا تصلي))(1). وفي هذا دلالة على أن من النساء من تكون حائضاً نصف عمرها وذلك يوجب أن يكون حيضها خمسة عشر يوماً.
المذهب الثالث: أن أكثره سبعة عشر يوماً، وهذا هو المحكي عن مكحول والشعبي وطاووس والحسن بن صالح.
والحجة على هذا: الإستقراء والعادة المألوفة في حيض النساء، وأظن أن هؤلاء إنما عولوا على الوجود كما حكيناه عن الشافعي في تعويله على الوجود في مقدار أقله وقد عثروا على بعض النساء تحيض سبعة عشر يوماً فجعلوه أصلاً في مقدار أكثره.
__________
(1) جاء في (الجواهر-تخريج أحاديث البحر) ما جاء في (الجامع الكافي) عن أبي سعيد قال: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقلن: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن)) قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادة المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل))؟ قلن: بلى. قال: ((أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم))؟ قلن: بلى. قال: ((فذلك من نقصان دينها)) أخرجه البخاري ومسلم. ولا دلالة فيه على المطلوب (يعني مدة الحيض).
وفي (التلخيص) لفظه: قوله: روي أنه قال: ((تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي)) لا أصل له بهذا اللفظ، ثم حكى في (الجامع الكافي) عن ابن مندة: أنه لا يثبت بوجه من الوجوه.
وقال البيهقي: هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا وقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ثم حكى في (التلخيص) نحو كلامهما عن ابن الجوزي وأبي إسحاق، والنووي والمنذري. اه1 133. وأورده في (فتح الغفار) ملخصاً، وقال: مختصر من البخاري ومسلم،اه99.
المذهب الرابع: وروي عن سعيد بن جبير أن أكثره ثلاثة عشر يوماً.
والحجة على هذا: هو التعويل على الوجود فإنه روى أن بعض النساء تحيض هذه المدة فلا جرم عول عليها.
المذهب الخامس: حكي عن مالك ثلاث روايات:
أولاها: يوم وليله.
وثانيتها:سبعة عشر يوماً.
والثالثة:لا حد لأكثره.
والحجة على هذا: أما يوم وليلة فحجته حجة الشافعي، وأما سبعة عشر يوماً فمقالته مقالة الشعبي وتعويله على الوجود والإستقراء، وأما أنه لا حد لأكثره فقد قررنا وجهها فيما سبق فأغنى عن الإعادة.
والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت من أن أكثره عشرة أيام وهي محكية عن علي .
والحجة على ذلك: ما رويناه من تلك الأخبار فإنها نصوص في مقدار أقله وأكثره فلا وجه لتكريرها.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما أورده الشافعي من الاحتجاج بالخبر فعنه جوابان:
أما أولاً: فإنا نقول بموجب الخبر مع الإستمرار على الخلاف لأن عندنا أن أقل الطهر عشر وأكثر الحيض عشر وإذا كان طهرها عشراً وحيضها عشراً فقد مكثت نصف عمرها لا تصوم ولا تصلي.
وأما ثانياً: فلأن قوله نصف دهرها، ليس ثابتاً في الأخبار وإنما الثابت في الرواية شطر دهرها، والشطر عبارة عن بعض الشيء لأنه يقال: جعلت لك شطر مالي أي بعضه. وقال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144،149،150] أي بعضه. ولا شك أنها تقعد بعض عمرها لا تصوم ولا تصلي، فأما ما يحكى عن الشعبي والحسن بن صالح أنه سبعة عشر، ويحكى عن سعيد بن جبير أنه ثلاثة عشر، وعن مالك أنه سبعة عشر أو يوم وليلة، فكله تعويل على الإستقراء والعادة المألوفة والوجود وما هذا حاله فليس معولاً عليه في هذه الأمور العددية والأحكام المقدرة فإنه لا تعويل فيها على العادات واستقراء الوجود لكونها غير مستقرة وتضطرب أحوالها ولا تطرد مجاريها ولم يلتفت إليها الشرع، وإنما يعول على ما كان من جهة الرسول في كل ما تكلم به ونطق، فأما رواية مالك أنه لا حد لأكثره فقد أوضحنا الكلام عليه.
الفرع الثالث: في مقدار أقل الطهر.
وقد اختلف العلماء في مقدار أقله ولهم في ذلك مذاهب ستة:
المذهب الأول: أن أقل ما يكون الطهر في الحائضات من النساء عشرة أيام وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه.
والحجة على ذلك: قوله : ((النساء ناقصات الحظوظ ناقصات العقول ناقصات الأديان " ، فأما نقصان حظوظهن فلهن نصف ما للذكر من الميرات كما قال تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنثَيَيْنِ " }[النساء:11]، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد، وأما نقصان دينهن فتمكث إحداهن نصف دهرها لا تصلي)) وفي هذا دلالة على أن أقل طهرها عشر وأكثر حيضها عشر وهو المقصود.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأقله عنده خمسة عشرة يوماً.
والحجة له على ما قاله: ما روي عن الرسول أنه قال في النساء: ((ناقصات الأديان)). وأوضح بقوله: ((إن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي)).