الحجة الثالثة: لو كانت ممن تحيض لوجب انقطاع عدتها بالأقراء كالحائل فلما اتفقنا على أن انقضاء عدتها بالوضع ثبت أنها لا تحيض أصلاً، ويؤيد ما ذكرناه من هذه الأدلة أنها تعتد من الطلاق بغير الحيض وهو الوضع، فوجب أن لا مساغ للحيض فيها كالآيسة ولأن المعهود في مطرد العادة أنها لا تحيض وأن الدم منقطع عنها في أغلب أحوالها مع السلامة فوجب الحكم بأنها لا تحيض في تلك الحالة كالصغيرة والكبيرة ولأن المعهود من عادات النساء في أغلب أحوالهن أن ذات العادة إذا تأخر حيضها عن وجوده وحصوله يومين أو ثلاثاً فإنه يغلب على ظنها وقوع الحمل بتأخر الحيض عنها، فلو كان الحيض جائزاً وقوعه لم تكن هذه أمارة قوية بحصول الحمل في بطنها.
الانتصار لما قلناه: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: حديث بنت أبي حبيش يدل على ما قلناه.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما أورده تعريفاً للمستحاضة الحائل في التفرقة بين الدمين لأجل الصلاة ولم يخطر بباله الحبلى عند صدور هذا الكلام.
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على الحائل ليطابق ما ذكرناه من الأدلة السابقة.
قالوا: حديث عائشة دال على جواز الحمل في غُبَّر الحيض وهي البقايا وفيه دلالة على ما قلناه من اجتماعهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالغُبَّر: الآثار بعد إنقضاء الحيض وانقطاعه لأن الغالب العلوق بعد تقضي الحيض وانقطاعه بخلو الرحم وفراغها، ويؤيد ما ذكرناه ما قاله تعليماً لمن طهرت من الحيض: ((خذي فرصة من مسك فاستدخليها وتتبعي بها آثار الدم
)) ( ( ) تقدم في الغسل. ). وفي هذا دلالة على أن الآثار تكون بعد إنقضاء الحيض وانصرامه.
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على المستحاضة التي تقضى حيضها واتصل الدم فكان استحاضة ووطأها زوجها فحملت على أثر الحيض، فأين هذا عما ذكروه من اجتماع الحيض والحبل؟ وإنما حملناه على ذلك توفقة بين الأدلة حذراً من تناقضها.

قالوا: إذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض على الحمل.
قلنا: عما أوردوه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مجازفة وقياس من أمر جامع بينهما وما هذا حاله فلا يكون طريقاً إلى تحصيل الأحكام الشرعية ولا مثمراً لثبوتها، وهل هذا إلا بمنزلة من يقول: إذا ثبت في حق الصغيرة أنها تبول ثبت أنها تحيض، فكما ان مثل هذا لا يعول عليه في الأقيسة فهكذا ما قالوه، ولولا أن صاحب (البيان) احتج به لما أوردناه لضعفه تنزيهاً لكتابنا هذا عن إيراد الأقيسة الركيكة.
وأما ثانياً: فلأن التفرقة بينهما حاصلة، فلأنه إنما جاز حمل الحائض لخلو الرحم عن الحوائل وتطهيرها عن جميع الشواغل التي تمنع وقوع النطفة في قرارها التي استأثر اللّه بعلمها ولهذا فإن عدم الحيض قد جعله اللّه تعالى مظنة لحصول العلوق بالولد كما ذكرناه بخلاف الحامل فإنها قد صارت رحمها مشغولة بالولد فلا وجه لاتصال الحيض بها فبطل ما توهموه.
الفرع الرابع: دم الحيض ينقطع لأجل الإياس لا خلاف فيه لقوله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكّسْهُ فِي الْخَلْقِ }[يس:68]. فإذا كانت في حال صغرها حيضها منقطع فهكذا ينقطع حيضها في حال كبرها تصديقاً للآية في نكس الخلقة بالكبر والشيخوخة في كل الأحوال ولأنها بالكبر والشيخوخة تبطل الرطوبات وينحل الجسم وتذهب الماوية وذلك يكون سبباً لانقطاع الحيض. ولكن التردد والخلاف في وقته، وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن حد الإياس: بلوغ المرأة ستين سنة وهذا هو رأي القاسمية نص عليه في (الأحكام)، واختيار السيدين الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ولم يحك عن الناصر في حال الإياس شيء.

والحجة على ذلك: هو أن من العلماء من لم يقدره بتقدير، ومنهم من قدره فبعضهم قال هو خمسون سنة وبعضهم خمس وخمسون، ولم يحك عن أحد الزيادة على الستين فأخذنا بأكثر ما قيل لأنه قد روي أن كثيراً من النساء حضن بعد خمسين سنة ولم يعلم في الغالب من العادة أن واحدة منهن حاضت فوق الستين، فلهذا قضينا بأن الستين أصدق المقادير.
المذهب الثاني: أن حد الإياس خمسون سنة وهو المحكي عن زيد بن علي، وهو محكي عن محمد من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن هذه التقديرات لا مجال للإجتهاد فيها وإنما هو على حسب الإعتياد من حال النساء وقد اطردت العادة على هذا القدر من غير زيادة فلهذا وجب التعويل عليه والله اعلم.
المذهب الثالث: أن حد الإياس: خمس وخمسون وهذا هو رأي الحنفية غير محمد.
والحجة لهم على هذا: أن هذا هو الأغلب من عادة النساء خاصة الروميات فإنهن أرق طبعاً، فذكروا أنهن لا يزدن على هذا القدر وأن المرأة لا تزيد على الخمسين إلا أن تكون قرشية لصلابة أبدانهن وشدة لحومهن.
المذهب الرابع: أنه لا تقدير في حد الإياس وإنما يرجع به إلى عادة النساء وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة له: أن هذه المقدرات لا يجري فيها شيء من الأقيسة لانسداد مسالك القياس فيها، وإنما يرجع فيها إلى ما كان من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله، فإذا لم يكن من اللّه فيها شيء ولا من جهة الرسول فالمرجوع فيها إلى عادة النساء لأن هذا أمر يختص النساء ويعرف من جهتهن فلهذا كان التعويل فيه على عادتهن في القلة والكثرة لأنهن به أخص وبه أعرف.
والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام.

والحجة لهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا وهو أن الإجماع منعقد على المنع من الزيادة على ما قلناه فالأخذ بالأكثر هو الأولى والأحوط ولأنه لا مانع منه إلا بدلالة شرعية ولا دلالة هناك، ويؤيد هذا أنهم اختلفوا في مقدار الجذعة فقال بعضهم: ما تمت لها ستة أشهر، وعن بعضهم: ثمانية، وقال بعضهم: أكثر الحول. وقلنا: ما تمت لها سنة لأنه متفق بهذا القدر على كونها جذعة وفيما دونها الخلاف فأخذنا بما اتفقوا عليه، وهكذا هاهنا فإنهم اتفقوا على أن حد الإياس الستون واختلفوا فيما دونه، وكما قلنا إن أكثر الحمل أربع سنين وفيما دونها وقع الخلاف فالأخذ بالأكثر يكون إجماعاً على أن لا زيادة على ذلك المقدار بحال.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
اعلم أن الحاجة ماسة إلى تقدير حد الإياس في المطلَّقة حتى تنتقل إلى العدة بالأشهر بعد أن كانت معتدة بالأقراء ليصح حلها للأزواج، فأما من زعم تقديرها بالخمسين والخمسة والخمسين فهو تحكم لا مستند له من جهة الكتاب ولا من جهة السنة وقد أوضحنا أن هذه المقدرات لا مدخل للإجتهاد فيها وإنما حكمنا لها بالستين من جهة أن الإجماع منعقد على عدم الزيادة عليها، وفائدة تقديرها بالستين هو انتقالها من عدة الأقراء إلى عدة الأشهر كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ " إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ}[الطلاق:4]. فصارت عدة الآيسات لصغر أو كبر ثلاثة أشهر بالنص.

نعم لو اعتدت بالأشهر للإياس ثم حاضت قبل انقضائها فإنها تنتقل إلى الإعتداد بالحيض كما سنوضحه بمشيئة اللّه تعالى، فأما من زعم الرجوع في ذلك إلى عادة النساء كما هو محكي عن الشافعي فهو ردٌّ إلى عماية؛ لأنه لا عادة هناك فيردها إليها، ولأن العادة إنما تستقر بدليل شرعي ولا دلالة هناك ثم لو قدرنا أن هناك دلالة شرعية على تقدير العادة فقد علمت بالشرع فلا حاجة إلى تحكيم العادة مع الدلالة الشرعية.
الفرع الخامس: الدم إذا عبر على العشر، فهل تكون التفرقة بين الحيض والاستحاضة هي الرجوع إلى صفة الدم في السواد والحمرة أو يكون التعويل على الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وإلى عادة نسائها في المبتدأة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التعويل إنما هو إلى الرجوع إلى العادة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والمؤيد بالله ومن وافقهم فإن عندهم أنه لا تعريج في التفرقة على صفة الدم.
والحجة على ذلك: هو قوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). وقوله : ((تحيضي في علم اللّه كما تحيض النساء " )) ولم يذكر صفة الدم.
المذهب الثاني: أن الاعتبار في ذلك بصفة الدم، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " وإذا رأيت الأحمر فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق)).
والمختار: ما ذكره الإمام الناصر ورآه الشافعي، والحجة له: ما رويناه من خبر بنت أبي حبيش فإنه نص في الرجوع في الميز إلى صفة الدم.
نزيد هاهنا وهو أن الدم إذا كان أسود فهو أمارة قوية في كونه حيضاً وإن تغير عن صفة السواد فهو أمارة قوية في كونه استحاضة ولأنه أخص وأقوى من الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وعادة نسائها في المبتدأة، ومن جهة أن التعويل في الحيض والاستحاضة إنما هو على الأمارات.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((اعتدي بالأقراء " )) وقوله: ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالخبرين: اعتدي بالدم الحاصل في الأقراء ويكون على حذف مضاف كأنه قال: بدم الأقراء كما قال تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ " }[يوسف:82]. أي أهلها، وحذف المضاف إليه كثير في كلام اللّه تعالى وكلام رسوله .
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على أن المراد: اعتدي بالدم الذي يكون مقدراً بالأقراء، وإذا كان الأمر كما قلناه لم تكن فيما أوردوه حجة على عدم الاعتبار بصفة الدم. فهذه الفروع الخمسة نشأت عن ماهية الحيض أثرناها وحركناها، وكما ذكرنا ما هيته فلنذكر على أثره أحكام الحيض.

---
الفصل الثاني
في بيان الأحكام المتعلقة بالحيض
اعلم أن المرأة إذا ورد عليها الحيض تعلقت بها أحكام شرعية وجملتها أربعة عشر حكماً:
الحكم الأول: أنه تحرم عليها الصلاة والدخول فيها والتلبس بها لقوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). وقوله : ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " وإذا رأيت الدم الأحمر فتوضئي وصلي)). ولا خلاف في هذا الحكم بين الأئمة وعلماء الأمة، وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: ((الحائض تقضي الصوم دون الصلاة " ))(1).
وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة عليها لأنها لو وجبت عليها وفات الوقت وجب قضاؤها، ومثل هذا لا يطلقه الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول إذ لا مجرى للإجتهاد في العبادات الشرعية.
الحكم الثاني:سقوط وجوبها، لما روت عائشة قالت كنا نحيض عند رسول اللّه فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بقضائها(2)
وهذا أيضاً مما لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء العامة، ولما رويناه من خبر زيد بن علي.
الحكم الثالث: أنه يحرم عليها الصوم والدخول فيه والتلبس به والتشبه بالصائمين، لما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: ((إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم " ))(3)
ولا يسقط وجوبه عليها فإذا طهرت وجب عليها القضاء لما روت عائشة أنها قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة(4).
__________
(1) رواه الإمام زيد في مجموعه.
(2) أخرجه النسائي، و للباقين إلا الموطأ نحوه. وهو مروي عن معاذة أنها سألت عائشة، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد بلفظه. إه‍. (جواهر) 1/135.
(3) تضمنه الحديث السابق.
(4) تقدم.

ولما روينا من حديث زيد بن علي، والظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم بين الأئمة وفقهاء الأمة، ولأن إيجاب قضاء الصلاة فيه حرج ومشقة لتكرره في كل شهر بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر في السنة إلا مرة واحدة، وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185]. ولا عسر أعظم من إيجاب العبادات المتكررة في الأوقات، وقد ذكرنا من قبل أن الإجماع منعقد على سقوط قضاء الصلاة وإيجاب قضاء الصيام مجمع عليه، وقد حكي الخلاف في إيجاب قضائهما جميعاً عن الخوارج.
ويحكى أن امرأة دخلت على عائشة فقالت لها: نقضي الصلاة والصوم؟ فقالت: يا هذه أحرورية أنت؟ إن فعلتها فإن هذا مذهب الخوارج. وحرورا قرية الخوارج بالحاء المهملة والراء [المضمومة والراء] المفتوحة المهملة بألف تأنيث مقصورة(1)
وخلافهم هذا خلاف ساقط لا يعتد به والإجماع السابق من الصدر الأول والتابعين على فساد ما قالوه فهم خارقون للإجماع فلا يلتفت إليه بحال.
الحكم الرابع: وهل يجوز لها قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز لها قراءة القرآن ويحرم عليها النطق به وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن))(2).
المذهب الثاني: أنه يجوز لها قراءة القرآن وهذا هو المحكي عن مالك وقول قديم للشافعي.
__________
(1) قال ياقوت في معجم البلدان: حروراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة، إلى أن قال: قيل: هي قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نسبت إليها الحرورية من الخوارج، اه‍ج2 ص245، وفي لسان العرب: قال الجوهري: حروراء اسم قرية يمد ويقصر. اه‍. ج4 ص 185.
(2) أخرجه الترمذي موقوفاً على ابن عمر، وقد تقدم في الغسل.

والحجة على ذلك: هو أنها إذا لم تقرأ القرآن أدَّى ذلك إلى نسيانها للقرآن.
والمختار: ما عول عليه الأئمة ومن وافقهم من علماء الأمة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ " }[الواقعة:79]. فإذا كان المس ممنوعاً بظاهر الآية فالقراءة ممنوعة أحق وأولى بكل حال.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه(1).
وهو قول قديم حكاه المسعودي عن الشافعي وهو غير معمول عليه عند أصحابه، ويدل على بطلان هذه الحجة، هو أنا نقول: إنها تقرأ القرآن بقلبها وتتذكره دون التلفظ بلسانها وفيه حصول الغرض من عدم النسيان كما قالوه.
الحكم الخامس: يحرم عليها الطواف لقوله : ((الطواف بالبيت صلاة))(2).
وقد دللنا على أنها ممنوعة من الصلاة فهكذا حال الطواف، ولقوله لعائشة، لما حاضت: ((اصنعي ما يصنع الحاج " غير أنك لا تطوفين بالبيت)) ولأن الطواف لا بد[له] من دخول المسجد وهي ممنوعة منه، ولا خلاف في تحريم الطواف عليها بين الأئمة وفقهاء الأمة.
الحكم السادس: ويحرم عليها مس المصحف وحمله لقوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ " }[الواقعة:79]. ويجوز لها حمل المصحف بعلاَّقته لأنها ليست مباشرة له ويجوز لها مس الجلد أيضاً ويجوز لها مس حواشيه. وهل يجوز لها أن تقرب أوراق القرآن بقلم أو عود؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجوار. لأنها غير حاملة ولا ماسة.
وثانيهما: المنع لأن ما كان بيدها من عود أو غيره فالفعل منسوب إليها.
وإن حملت متاعاً فيه القرآن فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجواز لأن المقصود إنما هو المتاع دون القرآن.
وثانيهما: المنع لأنها حاملة للقرآن، ويجوز لها حمل كتب التفسير وإن كان فيها القرآن لأن الإطلاق عليها أنها من كتب التفاسير دون القرآن.
__________
(1) من القول بأنها إذا لم تقرأ القرآن أدَّى ذلك إلى نسيانها للقرآن.
(2) سيأتي في الحج.

الحكم السابع: يحرم عليها اللبث في المسجد لقوله : ((لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " ))(1).
وأما العبور في ساحة المسجد فهو ممنوع عندنا لظاهر الحديث الذي رويناه، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر بجوازه، لحديث عائشة لما قال لها الرسول : ((ناوليني الخمرة " )).فقالت له: إني حائض. فقال: ((حيضتك ليست في يدك))(2)
والخمرة: حصير صغير. وهذا الخلاف في العبور في المسجد إذا كانت مستوثقة بالشد فأما إذا لم توثق بالشد فإنه يحرم العبور لأنه لا يؤمن فيها أن تلوث المسجد بالنجاسة.
الحكم الثامن: والحيض يمنع من صحة الإعتكاف لأنه إذا حرم عليها اللبث في المسجد من غير عبادة كما أوضحناه فلأن يحرم عليها ذلك مع نية العبادة والتلبس بها[أولى]، ومن جهة أن الإعتكاف يفتقر إلى الصوم وهو مستحيل في حق الحائض فلهذا بطل الإعتكاف منها.
الحكم التاسع: وجوب الغسل عليها عند انقطاع الدم، وهل يجب الغسل عليها برؤية الدم أو بانقطاعه؟
والمختار: أنه لا يجب عليها الغسل إلا بانقطاع الدم وهو القول الجديد للشافعي، وله قول آخر قديم [أنه] يجب برؤية الدم، وعلى هذا إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت قبل أن تغتسل فلا غسل عليها للجنابة من جهة أن الدم غير منقطع ولأن ما أوجب الطهارة فهو مانع من صحتها كالبول.
الحكم العاشر: الحكم ببلوغ المرأة عند حيضها ولا خلاف في كونه أمارة للبلوغ في حق النساء، بين الأئمة وفقهاء الأمة.
الحكم الحادي عشر: أنها إذا حاضت ثم طلقت امتنع اعتدادها بالشهور لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ " }[البقرة:228] ولا خلاف في ذوات الحيض أن العدة في حقهن بالأقراء.
__________
(1) تقدم في الغسل، أخرجه أبو داؤد عن عائشة.
(2) أخرجه الستة إلا البخاري عن عائشة، بلفظ: ((ناوليني الخمرة من المسجد))اه‍، جواهر ج1ص126.

121 / 279
ع
En
A+
A-