: ((تحيضي في علم اللّه تعالى ستاً أو سبعاً " كما تحيض النساء في كل شهر)) (1) وفي حديث أنس بن مالك عن النبي أنه قال: ((الحيض ثلاث أربع خمس ست " سبع ثمان تسع عشر وما زاد فهو استحاضة)) (2).
والمختار: أن الحيض متميز باللون والوقت جميعاً والعدد، وأن الأدلة الشرعية مشيرة في تمييزه إلى ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد في حديث طويل عن حمنة بنت جحش أنها كانت تستحاض حيضة شديدة فمنعتها من الصلاة والصوم، فشكت حالها إلى رسول الله فقال: ((أبعث لك الكرسف فإنه يذهب الدم)) قالت: هو أكثر من ذلك قال: ((فاتخذي ثوباً)) قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، فقال: ((سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك، وإن قويت عليهما فأنت أعلم)) قال لها: ((إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء)) إلى آخر الحديث كما ورد في (جواهر الأخبار-هامش البحر) 1/130.
(2) جاء الحديث في (جواهر الأخبار) أنه من كلام أنس وليس من كلام النبي كما نقله عن (الشفاء)بأن أنساً لم يقل ذلك إلا توقيفاً؛ لأنه ليس بمجتهد إلى آخر ما ذكره، ولم يرفع الحديث إلى النبي كما في الكتاب (الشفاء) وفي (الانتصار) اه. 1/130.
والحجة على ما قلناه من تميزه باللون: ما روي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها استحيضت فسألت الرسول فقال لها: ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " وإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق)) وقوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " ))(1) وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}[البقرة:222]. وقال اللّه تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ " }[البقرة:228]. فجميع الآي القرآنية والأخبار النبوية كلها دالة على ما ذكرناه من [اعتبار] اللون والوقت والعدد وأن الحيض متميز بما ذكرناه، وهذه طريقة مرضية أعني: الجمع بين الأدلة الشرعية والعمل بها أجمع فما كان دالاً على اللون من الأحاديث عملنا به وما كان يدل على العدد والوقت من الأحاديث وجب العمل عليه ولا معنى لتمييز الحيض بواحد من هذه الأمور الثلاثة دون سائرها.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما من زعم أنه متميز باللون[وحده] فلا وجه[له]، كما حكي عن الناصر ومن وافقه.
قلنا: الآية دالة على مطلق الأذى ولم يذكر لوناً، والأحاديث دالة على اللون والوقت والعدد.
وما حكي عن الهادي والقاسم أنه لا اعتماد على اللون فإنما يريدان أنه لا يعتد به وحده وإنما يقع التمييز بما ذكرناه من الأمور الثلاثة ولهذا فإن الوقت إذا بطل كأن يكون في وقت الإمتناع بطل كونه حيضاً، وإن بطل العدد كأن ينقطع في يوم واحد بطل كونه حيضاً، وهكذا فإنه لو بطل اللون في أول الحيض بطل كونه حيضاً، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أنه لابد مما أشرنا إليه من اعتبار الوقت والعدد واللون في كونه حيضاً شرعياً.
__________
(1) هذا من حديث فاطمة بنت أبي حبيش وقد تقدم.
نعم إذا وقعت الاستحاضة واتصل الدم وعبر على العشر فإنه يجب مراعاة صفة الدم في المبتدأة، وذات العادة فإن كان أسود في عشر المبتدأة فكله حيض، وإن كان أسود في الزائد على العادة في ذات العادة فكله حيض، فأما دم الاستحاضة فإنه رقيق أحمر مشرق له رائحة الدم لا غير بخلاف دم الحيض كما أوضحنا أوصافه، وعلى هذا يكون التميز بين الدمين يظهر عند الاستحاضة، ويؤيد ما ذكرناه من اعتبار حال الدم الأسود في الاستحاضة أنها كما ترجع عادة النساء في المبتدأة فهكذا ترجع إلى عاداتها في ذات العادة والباقي يكون استحاضة، فهكذا يرجع قبل عادة النساء وقبل عادتها إلى حال الدم في سواده فيكون حيضاً وإلى إشراقه فيكون دم استحاضة، كما أشار إليه صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه حيث قال: ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " فإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق)). وهذا هو رأي الشافعي في أحد قوليه قد اخترناه وأوضحناه بالدلالة كما مر بيانه.
الفرع الثاني: في حكم الصفرة والحمرة والكدرة والغبرة.
اعلم أن هذه الأمور من جملة الأذى وقد قال تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " }[البقرة:222]. ولا خلاف بين علماء الأمة أن الأذى الحاصل في رحم المرأة كالبول والمني والودي والمذي والمصل والمدة والقيح ليست حيضاً ولا تتعلق بها أحكام الحيض، وإنما الخلاف في الصفرة والكدرة والغبرة، ولا خلاف أيضاً في أن هذه الأمور لا تكون حيضاً إذا كانت حاصلة في أيام الإمتناع وإنما الخلاف إذا حصلت في أيام الإمكان وفيها مذهبان:
المذهب الأول: القائلون بالتعميم، وهو إذا حصلت في أيام الإمكان فهي حيض سواء حصلت في المبتدأة وفي ذات العادة أو كانت حاصلة في أول الحيض أو في آخره أو بين الدفقات، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والهادي ورأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد ومالك والليث وعبدالله بن الحسن.
والحجة على ذلك، قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ " }[البقرة: 222]. ولم يفصل في الآية بين أذى وأذى وهذه الأمور كلها من جملة الأذى.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ " }[البقرة: 222] وظاهر الآية دال على تحريم القرب إلا بعد الطهارة من كل ما يتعلق بالأذى، وهذه الأمور من جملة الأذى.
الحجة الثالثة: قوله لحمنة بنت جحش لما استفتته: ((إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي " )) فدل كلامه هذا على أن حكم الحيض لا يرتفع بيقين ما دامت ترى شيئاً من هذه الأمور.
المذهب الثاني: القائلون بالتفصيل ولهم أقوال أربعة:
فالقول الأول: محكي عن القاسم وعنه روايتان:
الرواية الأولى: ما حكاه عنه ولده الهادي، ورواية: محمد بن منصور عنه في كتاب الطهارة أنهما(1)
في أيام الإمكان حيض بكل حال وفي أيام الإمتناع ليسا حيضاً(2)
وهو رأي الهادي وغيره.
والحجة فيه: ما حكيناه حجة للهادي فلا فائدة في تكريره.
الرواية الثانية: أنه قال إن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة والكدرة ابتداء وتغتسل إذا رأت الدم الأسود وإن بقيت الصفرة فظاهر هذه الرواية أنهما لا تكونان حيضاً إذا توسط بينهما الدم الأسود.
والحجة على هذه الرواية: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا رأيتي الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " فإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق)). فاعتباره دم الحيض بأنه أسود دال على أنهما ليسا من الحيض.
والحجة الثانية: ما روي عن أم عطية الأنصارية أنها قالت: ما كنا نعد الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئاً(3). ومثل هذا القول لا يصدر إلا عن توقيف من صاحب الشريعة إذ لا مدخل للإجتهاد فيه.
القول الثاني:محكي عن الناصر وعنه روايتان:
__________
(1) الصفرة والكدرة.
(2) الأحكام 1/76.
(3) أخرجه أبو داؤد والنسائي.
الرواية الأولى: ما قاله في (الكبير) وحصله الشيخ أبو جعفر لمذهبه أنهما إذا كانا في أيام الإمكان فهما حيض بعد الدم وقبله، وإذا كانا في أيام الإمتناع فليسا حيضاً مثل ما حكيناه عن الهادي.
والحجة على هذه الرواية: ما حكيناه حجة للهادي فلا نعيده.
الرواية الثانية: أنهما إذا حصلا قبل مجيء الدم الأسود فليسا حيضاً، وإن كانا بعده فهما حيض إلى العشر فإن زاد فهما استحاضة.
والحجة على هذه الرواية: ما حكيناه عن فاطمة بنت أبي حبيش من أن دم الحيض أسود يخالف دم الاستحاضة فإذا حصلا قبل السواد فليسا من آثاره وإذا حصلا بعد السواد فهما من جملة آثاره فلا جرم حصلت التفرقة بين الحالين.
القول الثالث: محكي عن الشافعي وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنهما حيض في الأزمنة الممكنة وليسا حيضاً في الأزمنة المستحيلة مثل ما حكيناه عن الهادي.
والحجة له: ما حكيناه حجة للهادي من دون فرق.
الرواية الثانية:أنهما إذا حصلتا قبل مجيء الدم الأسود فليستا حيضاً وإن كانتا بعده فهما حيض.
والحجة له على هذه الرواية: هو أن الاعتبار عنده بصفة الدم وهو السواد فما ليس بسواد فلا يكونان حيضاً خلا أنهما إذا وقعتا بعده فهما من آثاره.
القول الرابع: محكي عن أبي يوسف وقد قال: ما كان منهما قبل الدم فحكمه حكم الطهر فلا يكون حيضاً وما كان منهما بعد الدم فهو حيض، ولم يعتبر ما اعتبره القاسم في الرواية الثانية من توسط الدم بينهما في أنهما لا يكونان حيضاً.
والحجة له على ذلك: هو أن التعويل في دم الحيض على صفته وسواده كما أشار الرسول في حديث بنت أبي حبيش فإذا تقدمه الطهر فليستا حيضاً لأنهما لاحقتان به وإن تأخرتا بعد الحيض فهما لاحقتان به في كونهما حيضاً. فهذه جملة الأقاويل في الكدرة والصفرة قد فصلناها كما ترى.
والمختار منها: ما قاله الإمامان زيد بن علي والهادي واختاره الإمامان الأخوان، وهو قول الأكثر من علماء الأمة.
وحجتهم: ما أشرنا إليه ونزيد هاهنا حججا ثلاثاً:
الحجة الأولى: قوله لعائشة: ((لا تصلي حتى تري القَصَّة البيضاء " ))(1) والقصة فيها روايتان:
الرواية الأولى: بالقاف والصاد المهملة ولها معنيان:
أحدهما: أنه يريد بها الخرقة من القطن تستدخلها المرأة في رحمها فإذا رأتها نقية من الكدرة والصفرة فقد حصل الطهر فوجب الاغتسال.
والثاني: أنه يريد بالقصة تراباً شديد البياض يُستخرج من معادنه وأراد أنها لا تغتسل حتى ترى النقاء مثل القصة في البياض، وكلا المعنيين لا غبار عليه وهما جميعاً يفيدان تنقية الرحم من الحيض والمبالغة في ذلك.
الرواية الثانية:بالفاء والضاد بنقطة من أعلاها، والغرض أنها لا تغتسل حتى ترى النقاء مثل بياض الفضة في الصفاء والتنقية.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضاً(2) وظاهر هذا التوقيف من صاحب الشريعة؛ لأن الطهارات وسائر المقادير لا مدخل للإجتهاد فيها.
__________
(1) في (الجواهر) ما جاء في (الجامع الكافي) عن مولاة عائشة واسمها مرجانة قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك: الطهر من الحيضة، أخرجه الموطأ، وأخرجه البخاري، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، هي الجص بكسر الجيم لا يجوز فيها غير ذلك، اه. 1/132.
(2) حكي في (الشافي) عن عائشة بلفظه: قال في (الجواهر): ولفظه في (التلخيص) كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً، ثم قال النووي في شرح المهذب: ولا أعلم من رواه بهذا اللفظ. اه1/132.
الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله من الصفرة والكدرة أذى يرخيه الرحم في زمان الحيض فلا جرم عددناه من جملة الحيض كالدم الأسود، أو نقول: صفرة أو كدرة خارجة من الرحم في أوقات الحيض فوجب الحكم عليهما بكونهما حيضاً كالصفرة والكدرة بين دفقات الدم، أو نقول: إن الأصل في الكدرة والصفرة أنهما دمان خالصان لكن شابهما شائب غَيَّرَ لونهما، فحصول الشوب فيهما لا يخرجهما عن كونهما حيضاً، فحصل بما حققناه أنهما حيض في أزمنة الحيض.
فأما ما حكي عن أبي العباس من التلفيق والجمع بين مذهب الهادي والقاسم وبجعل قولهما واحداً، وزعم أن مراد الهادي بأن الصفرة والكدرة حيض إذا كانتا بين دفقات الدم ليكون موافقاً لكلام القاسم، وهذا فيه تعد من ثلاثة أوجه:
أولها: أن الهادي صرح بكونهما حيضاً إذا حصلتا في أزمنة الإمكان ولم يفصل بين حالة وحالة ولا بوقت دون وقت، والقاسم إنما قال بكونهما حيضاً إذا كانتا بين دفقات الدم في أحدى الروايتين وهاذان القولان لا يمكن الجمع بينهما لما فيهما من البعد والتفاوت.
وثانيها: أن كل واحد من الإمامين قد حاز منصب الاجتهاد وأحرز علومه فكل ما أفتى به وذهب إليه فهو حق وصواب فلا معنى لجمع القولين قولاً واحداً، فأقاويل المجتهدين ومذاهبهم في المسائل الفقهية لاخطأ فيها فلا معنى للتلفيق حذراً من الخطأ إذ لا خطأ، وأظن أن ما حمله على ذلك هو أن مذهبه أن المسائل الاجتهادية فيها حق معين وليس الأمر كما زعم وإنما هي صواب كلها وقد قررناه في الكتب الأصولية.
وثالثها: أنهما مختلفان في غير هذه المسائل الاجتهادية، فإذا كان لا تلفيق هناك فهكذا لا حاجة إلى التلفيق هاهنا.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. فأما ما احتج به الناصر من حديث بنت أبي حبيش في التفرقة بين حصولهما قبل الدم الأسود فلا يكونان حيضاً وبعده يكونان حيضاً، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن التفرقة التي ذكروها بين الدم الأسود وبعده تحكم لا مستند له من جهة الشرع.
وأما ثانياً: فلأن حاله بعد الدم كحاله قبله، فإذا كان حيضاً قبله فهكذا يكون حيضاً بعده.
وأما ما حكي عن القاسم من أن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة والكدرة وتغتسل إذا انقطع الدم الأسود وإن بقيت الصفرة لما روي من حديث بنت أبي حبيش، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن الخبر محمول على الدم الذي عبر على العشر فإنه إذا كان مجاوزاً للعشر فهو استحاضة.
وأما ثانياً: فإنه معارض بما ذكرناه من الأدلة من الآي والأخبار فإنها دالة على كونهما حيضاً.
وأما ما حكيناه عن الشافعي في الرواية الثانية من أن التعويل على صفة الدم في الحيض فإذا وقعت قبله لم تعد من الحيض وإذا وقعت بعده فهي حيض فالجواب عنه مثل ما أوردناه على كلام الناصر من غير فرق بينهما وبمثل هذا يبطل ما حكيناه عن أبي يوسف فقد حصل تقرير الإختيار بما أوردناه من الأدلة الشرعية وبما أوردناه من الإعتراضات على ما يخالفه والحمد لله.
الفرع الثالث: الدم الذي تراه الحبلى هل يكون حيضاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما لا يجتمعان(1) وهذا هو المحكي عن زيد بن علي وهو رأي الهادي والناصر وأحمد بن عيسى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعبدالله بن الحسن(2).
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ " }[الطلاق:4]. فجعل عدتها بالوضع فلو كانت من ذوات الأقراء لكانت عدتها منقضية بها لا بالوضع كالحامل(3).
__________
(1) الحيض والحبل.
(2) العنبري.
(3) كلمة (كالحامل) هنا ليس لها داع لأنها حامل، وهي موضوع البحث.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال في سبايا أوطاس(1): ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع " ولا حائل حتى تُستبرأ بحيضة))(2) فجعل الحيض علامة لبراءة الرحم من الحبل. فلو كان يجامعه الحبل لكان لا يجوز أن يجعل وجوده علماً لانتفاء الحبل.
الحجة الثالثة: ما روي عن علي % أنه قال: رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقاً للولد(3).
الحجة الرابعة: روي عن عائشة أنها قالت: الحامل لا تحيض(4). وما هذا حاله فإنه لا يجوز صدوره من جهة الصحابي إلاَّ عن توقيف من جهة الرسول لأن هذه أمور غيبية لا يمكن علمها إلا من جهة الوحي لأنه لا مدخل للاجتهاد فيها.
المذهب الثاني: جواز اجتماعهما وهذا هو الأصح من قولي الشافعي، وله قول آخر مثل قولنا، ومحكي عن مالك والليث.
والحجة على ما قالوه: ما روي عن الرسول أنه قال لبنت أبي حبيش: ((إذا كان دم الحيض أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة " وإن كان الأحمر فاغتسلي وصلي)). ولم يفصل بين أن تكون حاملاً أو حائلاً.
__________
(1) أوطاس: وادٍ في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبي ببني هوازن، اهملخصاً من (معجم البلدان) للحموي. 1/281.
(2) أخرج نحوه النسائي عن أبي سعيد، وأورده في (الاعتصام) عن أمالي أحمد بن عيسى بسنده عن أبي سعيد في أن قوله تعالى: {وَالْمُحصَناتُ مِنْ النِّسَاء} نزلت في سبايا أوطاس، وأورده في (الروض) بلفظ قوله في سبايا أوطاس: ((ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة)). اه/518.
(3) أورده في (الروض) بلفظه: وقال: أخرجه أبو العباس الحسني بإسناده إلى أمير المؤمنين موقوفاً. اه1/518.
(4) جاء في سنن الدارقطني 1/219 وفي الميزان 6/223 والكامل 6/185 والأوسط2/239.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول اللّه يخصف نعله وأسارير وجهه تبرق فقلت يا رسول اللّه أنت أحق بما قاله أبو كبير الهذلي(1) " :
ومبرأ من كل غبر حيضة
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... وفساد مرضعة وداء معيل
برقت كبرق العارض المتهلل
فقال ÷: ((وأنت مبرأة من أن تكون أمك حملت بك في غبر الحيض " )) والغبر بغين بنقطة من أعلاها وباء بنقطة من أسفلها مضاعفة، هي البقايا.
الحجة الثالثة: قالوا: وإذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض على الحمل.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر والمؤيد بالله ومن وافقهم من علماء الأمة.
والحجة عليه: ما قررناه ونزيد هاهنا أدلة:
الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال لابن عمر لما أراد أن يطلق امرأته للسنة: ((طلقها طاهراً أو حاملاً " )) (2). فجعل الحمل وقتاً لإيقاع الطلاق للسنة فلو كانت ممن تحيض لم تكن مدة الحمل كمدة الطهر وفي هذا دلالة على أنهما لا يجتمعان.
الحجة الثانية: هو أن الزوج لو طلقها وهي حامل جاز له أن يطلقها عقيب الوطئ فلو كانت ممن تحيض لوجب أن يفصل بين وطئها وطلاقها بحيضة كالحائل التي لا حمل معها.
__________
(1) أبو كبير هو عامر بن الحليس، قال في الأعلام (ج3ص250): شاعر فحل من شعراء الحماسة، قيل أدرك الإسلام وأسلم، وله خبر مع النبي ، له ديوان شعر مطبوع...إلخ.
(2) جاء نحوه عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ذلك للنبي، فقال: ((مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تعتد بتطليقة ولا تعتد بحيضة))) وهو مروي بعدة طرق وألفاظ.