والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من شرطها تمام صحتها في الإبتداء والعاقبة فلما علم بوجود الماء كان مبطلاً لتيممه فلهذا توجهت عليه الإعادة في الوقت والقضاء بعده ويؤيده قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " } [المائدة:6]. وهذا واجد لكنه غير ذاكر.
المذهب الثالث: أنه لا يعيد في الوقت ولا يقضي بعده، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة و محمد وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). فظاهر الخبر دال على رفع الإعادة عنه في الوقت ورفع القضاء عنه بعد زواله وتقضيه.
والمختار: في الناسي ما قاله الإمامان الهادي والناصر من وجوب الإعادة في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد زواله.
والحجة لهما: ما ذكرناه من قبل ونزيد هاهنا، وهو أنه إنما وجبت عليه الإعادة مع بقاء الوقت فلأن تيممه مع علمه بالماء وقع على فساد لكونه واجداً للماء في الوقت فلا بد من خروجه عن عهدة الأمر بالعبادة، فلهذا وجبت عليه الإعادة في الوقت، وأما أنه لا يجب عليه القضاء بعد تقضي الوقت فلأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ومع تقضي الوقت فلا دلالة تدل على وجوب القضاء في حقه مع كونه قد أدى العبادة بالشروط المعتبرة فيها.
الانتصار: يكون بإبطال ما عداه، أما من زعم أن القضاء متوجه عليه بعد مضي الوقت فقد قالوا إن علمه بوجود الماء مبطل لتيممه فلهذا توجه القضاء.
قلنا: إن تيممه قد انعقد على الصحة فلابد من دليل خاص يدل على القضاء بعد إنقضاء الوقت.
وأما من زعم أنه لا تجب عليه الإعادة في الوقت كما هو رأي أبي حنيفة وغيره فقد احتجوا بظاهر الخبر.
قلنا: ظاهر الخبر غير معمول عليه لأن الغرامات المالية خارجة عنه، فإن من أتلف مالاً لغيره وجب عليه غرامته ولا يسقط بالنسيان فلابد من تأويله. فنقول: الخبر محمول على ما إذا كان الوقت باقياً فأما مع تقضيه فلا.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا كان في رحله ماء فحال العدو بينه وبين رحله أو حال بينهما سبع أو لصوص حتى لا يمكنه الوصول إليه ثم تيمم وصلى فهذا لا إعادة عليه ولا قضاء فإنه في حكم العادم للماء.
الفرع الثاني: إن كان في رحله ماء فضلَّ عنه ولم يجده فحضرت الصلاة وطلبه ولم يجده ثم تيمم وصلى فإنه لا تجب عليه الإعادة والقضاء لأنه غير منسوب إلى التفريط في طلب الماء.
الفرع الثالث: وإن ضل عن القافلة أو عن الماء فلم يجده بعد الطلب وتيمم وصلى فلا إعادة عليه ولا قضاء.
الحكم الخامس: في المريض إذا كان به قروح ولها غور عظيم ويخاف إذا مسها الماء أن يكون فيها تلف النفس أو تلف عضو، وجملة الأمر أن المرض يقع على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أن لا يخاف من استعمال الماء تلف نفس ولا فساد عضو ولا حدوث مرض مخوف ولا إبطاء برء العلة وهذا نحو صداع الرأس ووجع الضرس والدمل والحمى الخفيفة، فما هذا حاله فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم، وهذا هو قول أئمة العترة وأكثر فقهاء العامة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل اللّه صلاة امرء حتى يضع الوضوء مواضعه)).
المذهب الثاني: أنه يجوز له، وهذا هو المحكي عن داؤد وبعض أصحاب مالك.
والحجة على ما قالوه: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ " } إلى أن قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[المائدة: 6]. فظاهر الآية يقضي بجواز التيمم للمريض من غير فصل بين مرض [ومرض].
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة لهم: ما قررناه من قبل ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله: ((مفتاح الصلاة الطهور " ))(1).
__________
(1) تمامه: ((...وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). أخرجه أبو داؤد والترمذي من رواية علي وأخرجه الترمذي أيضاً مع الزيادة من رواية أبي سعيد. اهبلفظه من (الجواهر) حاشية البحر 1/96.
الحجة الثانية: قوله : ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)). وروي ((فأطفئوها بالماء)) فندب إلى إطفاء حرها بالماء فلا يجوز أن تكون سبباً يزيل استعمال الماء ولأن هذا واجد للماء لا يخاف من استعماله تلف نفس ولا تلف عضو فلا يجوز له التيمم كالصحيح.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة.
قالوا: الآية دالة على جواز التيمم للمريض.
قلنا: الآية محمولة على مرض يخاف منه تلف النفس أو تلف عضو وإنما وجب تأويلها حذراً من تعارض الأدلة وتناقضها.
الوجه الثاني من الأمراض: هو أن يخاف منه تلف النفس أو يخاف منه حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو تلف عضو أو يخاف منه استمرار علة تؤدي إلى التلف لما ذكرنا أو إبطاء البرءُ الذي يخشى منه التلف فما هذا حاله، هل يجوز له التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم في هذا المرض، وهذا هو رأي أئمة العترة والأكثر من فقهاء العامة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على ما قلناه: ما روي أن عمرو بن العاص تيمم مع وجود الماء لخوف التلف فعلم به الرسول فقال له: ((يا عمرو صيلت بأصحابك وأنت جنب " ؟)). فقال: يارسول اللّه إني سمعت اللّه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[النساء:29] فعذره الرسول ولم ينكر عليه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا شيء يحكى عن الحسن البصري وعطاء.
والحجة لهما على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ " } إلى أن قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[المائدة: 6]. فأباح التيمم عند عدم الماء وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم.
والمختار: ما عول عليه الأئمة وفقهاء العامة.
والحجة: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو ما روي أن رجلاً أصابته شجة في رأسه في بعض العزوات فاجتنب فسأل الناس فقالوا: لا بد من الغسل فاغتسل فمات فبلغ ذلك الرسول فقال: ((قتلوه قتلهم اللّه " هل لا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر بدنه)). وهذا نص لا تجوز مخالفته.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه دلالة لهم.
قالوا: الآية دالة على ما قلناه.
قلنا: الآية فيها حذف والتقدير فيها، وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على استعمال الماء، أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا، ثم ولو سلمنا أنه لا حذف في الآية فالمراد منها المرض الذي يخشى منه تلف النفس أو تلف الأعضاء من استعمال الماء بدليل ما رويناه وإنما وجب هذا التأويل حذراً من تعارض الأدلة الشرعية.
الوجه الثالث من الأمراض: وهو الذي لا يخاف منه تلف نفس ولا عضو من الأعضاء ولكن يخاف منه إبطاء البرء أو زيادة الألم لا غير، فهل يجوز له التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم، وهذا هو قول أئمة العترة والمروي عن أبي حنيفة ومالك وهو أحد قولي الشافعي والأصح منهما.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ " } إلى أن قال: {فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6].
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعطاء وأحمد بن حنبل وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[المائدة:6]. وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم.
والمختار: ما عول عليه الأئمة، واختاره ابن الصباغ الذي ذكره في الإملاء والبويطي(1).
والحجة: هو أنه يستضر باستعمال الماء فأشبه ما إذا خشي التلف.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
__________
(1) الإملاء) من مؤلفات الشافعي، و(البويطي) تأليف يوسف بن يحيى البويطي صاحب الشافعي.
قالوا: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[المائدة: 6]. وهذا واجد للماء فلا يجوز له أن يتيمم.
قلنا: ليس لكم في الآية حجة؛ لأن المعنى: وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على استعمال الماء أو كنتم على سفر فتيمموا، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل تعلقهم بالآية.
وقد نجز غرضنا من كتاب التيمم وربما وقع تكرار في شيء من مسائله من أجل تراخي المدة بين تعليق أوله وآخره قدر اثنتي عشرة سنة لاشتغالنا في هذه المدة بأمر الجهاد للظلمة وإشادة معالم الدين ثم عاودنا إتمامه بعد هذه المدة. والرجوى في اللّه عز سلطانه أن يعيننا على ما نرومه من إيضاح مسألة أو إرشاد متعلم أو جهاد في سبيله أو إتيان شيء من القربات الموصلة إلى ثوابه وإحراز كرمه ورضوانه.
---
الباب التاسع في الحيض
والحيض مصدر من قولهم: حاضت المرأة تحيض حيضاً، مثل: ضرب يضرب ضرباً، وأما المحيض فهو مَفْعِل بكسر العين كالمسير والمقيل، هذا لفظه، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: أنه للمكان كالمبيت، والغرض به مكان الحيض وهو الفرج.
والقول الثاني: أنه زمان الحيض كما يقال: منتج الناقة أي زمان نتاجها.
والقول الثالث: أنه مصدر كلفظ الحيض والعبارة في كتاب اللّه تعالى بلفظ: المحيض، والعبارة في السنة بلفظ: الحيض، وهما عبارتان تقعان على معنى واحد، هذا معناه اللغوي، وهل يكون باقياً على أصل اللغة أو يكون منقولاً بالشرع، فيه تردد.
والمختار: أنه قد صار مفيداً لمعان شرعية دلالة على أحكام البلوغ في حق المرأة وعلة في أحكام نحو تحريم الوطئ وتحريم العبادات الشرعية فصار في وضع لفظه كوضع لفظ الصلاة والزكاة في كونها شرعية.
والمختار: أنه إسم مشترك بين زمان الحيض ومكان الحيض وإسم الحيض لأنه مفيد لهذه المعاني على جهة الإشتراك مستعمل فيها أجمع على جهة البدلية كسائر الأسماء المشتركة. والأصل في تقرير قاعدة الحيض الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً \s " \c 1 فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}[البقرة:222].
وأما السنة: فقوله ÷ لعائشة وقد خرجت تريد الحج معه ÷، فلما كانت بسرف(1) حاضت فدخل رسول اللّه ÷ وهي تبكي فقال لها: ((مالك أنفست \s " \c 2؟)) فقالت: نعم. فقال: ((إن هذا أمر كتبه اللّه تعالى على بنات آدم فأقضي ما يقضي الحاج غير أنك لا تطوفين بالبيت))(2).
وأما الإجماع: فمنعقد على تحريم الوطء وسائر العبادات، وسنقرر تفاصيل أحكامه بمعونة اللّه تعالى.
فإذا تقررت هذه القاعدة، فاعلم أن مقصودنا من هذا الباب يحصل بأن نرسم فيه فصولاً خمسة بها نحصل الغرض من حصر مسآئله ونحن نوضحها بلطف اللّه تعالى ومنه.
__________
(1) سرف بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء. قال ياقوت في معجم البلدان: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة وتسعة واثني عشر. اه. 3/212.
(2) أخرجه مسلم والبخاري عن عائشة، ورواية عن أم سلمة.
---
الفصل الأول
في ماهية الحيض وبيان معناه
اعلم أن الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم، وما في حكمه، في زمان الإمكان.
فقولنا: هو الدم الذي ترخيه الرحم، نحترز به عن دم البكارة ودم الجرح فإنها دماء لا ترخيها الرحم وإنما هي جروح تلحق الرحم ولهذا يلحقها الألم، ودم الحيض حاصل من جهة اللحم من غير ألم يلحق بخروجه في غالب الأحوال.
وقولنا: وما في حكمه نحترز عن الصفرة والكدرة وعن النقاء المتوسط بين الدمين، فإن هذه الأمور كلها معدودة في الحيض كما سنوضحه فيما بعد بمشيئة اللّه تعالى.
وقولنا: في زمان الإمكان، نحترز به عما يحصل في زمان الصغر والكبر الخارجين عن حدِّ المعتاد فإنه لا يعد من الحيض، ومن أصحابنا من جعل في تتمة الحد: جعل دلالة على أحكام وعلة في أحكام. وهذا لا حاجة إليه لأن الحد قد تم بما ذكرناه فلا حاجة إلى الزيادة بهذه الأمور لأن المعنى مفهوم من دونها كما أشرنا إليه، والتفرقة بين ما يكون دلالة على الحكم وعلة فيه هو أن من حق العلة أن تكون مناسبة للحكم وملائمة له، وهذا نحو تحريم الوطئ وتحريم قراءة القرآن وتحريم دخول المسجد ونحو تحريم الصلاة والطواف إلى غير ذلك، فالحيض جعلناه علة في هذه الأحكام لما كان مناسباً لها وملائماً، فلما كان أذىً كان مانعاً من هذه الأمور، فأما ما جعلناه دلالة على الحكم فلا يحتاج فيه إلى المناسبة والملائمة بحال وهذا نحو جعل الحيض أمارة للبلوغ وعلامة لإنقضاء العدة فلا يحتاج في هذا إلى مناسبة وإنما هو أمارة ودلالة وعلامة، فافترقا بما أشرنا إليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: قال الإمامان الهادي والناصر ×: الحيض هو الدم الخالص الذي تراه المرأة فتصير بالغة عند ابتدائه بها وتعتاده النساء الوقت بعدى الوقت.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً}[البقرة:222]. وقوله: (( إذا أقبلت الحيضة فأمسكي وإذا أدبرت فاغتسلي ))(1).
والإجماع منعقد على ما ذكرناه. ودم الحيض أسود محتدم(2)
بحراني ذو دفقات له رائحة خبيثة تعرف. والمحتدم: بحاء مهملة ودال منقوطة من أسفلها، هو اللذاع للبشرة لحدته وله الرائحة الكريهة. والبحراني: بباء بنقطة من أسفلها وحاء مهملة، هو الناصع في سواده وفيه ثخن وغلظ، والاعتبار في كونه حيضاً بالسواد دون سائر صفاته من الإحتدام والرائحة.
وهل يكون التعويل في علامة الحيض على السواد أو على الوقت؟ فيه مذهبان:
__________
(1) هذا الحديث روي من عدة طرق منها عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله: ((إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي)) وفي رواية صفوان: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج الأولى الموطأ وأبو داؤد والترمذي والنسائي، وفي (الجواهر): كما جاء في (الشفاء) بلفظ: ((إذا رأيتي الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة، وإذ كان الآخر فتوضئي وصلي فإنه دم عرق)) اه1/134، وهذا الحديث أشهر حديث في الحيض والاستحاضة، وهو مروي من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة.
(2) جاء في حاشية الأصل: احتدم الدم اشتدت حمرته حتى يسود، من: احتدمت النار إذا التهبت، والبحر (في بحراني) عمق الرحم ومنه قيل للدم الخالص الحمرة باحر وبحراني، والبحراني الشديد الحمرة، نسب إلى البحر لصفاء لونه بخلاف دم الفساد، وقيل: لأنه يخرج من قعر الرحم كما يخرج الماء من قعر البحر، حكاه البندنجي، وقيل: لأنه يخرج بسعة يتدفق كما البحر، قاله الأسنوي. اه.
المذهب الأول: أن التعويل على اللون دون الوقت وهذا هو المحكي عن الناصر في الكبير(1) ورواية عن مالك وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ "}[البقرة:222].
ويعني بكونه أذى: ما كان جامعاً لتلك الأوصاف التي ذكرناها، ولم يذكر الوقت.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى " وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}[الرعد:8]. فخص معرفته بنفسه ولو كان بالوقت والعدد لعرفناه فلما وكله إلى نفسه دل ذلك إلى ما قلناه من تعلقه بالدم وأوصافه لا غير.
المذهب الثاني: أن التعويل في التمييز [هو] على الوقت والعدد دون لون الدم وصفته، وهذا هو قول الهادي والقاسم وأحد قولي الناصر ذكره في الألفاظ(2) ومحكي عن زيد بن علي وأبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة " (3)
__________
(1) كتاب للناصر.
(2) كتاب (ألفاظ الناصر).
(3) حمنة بنت جحش الأسدية، أخت زوج النبي، كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم احد، فخلف عليها طلحة بن عبيد الله، وهي التي كانت تستحاض في أغلب الروايات.
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب)12/440: وأما الواقدي فزعم أن المستحاضة أم حبيبة بنت جحش أخت حمنة.