الحجة الثانية: ما روي أن أسماء بنت أبي بكر " (1)
رضي اللّه عنها سألت رسول اللّه عن دم الحيض يصيب الثوب فقال : ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )). وهذا نص فيما اختلفنا فيه، ولأنه أمر بالحت أولاً ثم بالقرص ثانياً ثم بالغسل ثالثاً، فلو كان غير الماء يقوم مقامه في التطهير لذكره وهو في موضع التعليم فدل على بطلانه.
__________
(1) هي أسماء بنت أبي بكر عبد الله بن قحافة، أم عبد الله القرشية التيمية المكية، تزوجت الزبير بن العوام وانجبت منه عبد الله وعروة، روى عنها إبناها وحفيدها عبد الله بن عروة، وابنه عباد بن عبد الله بن عروة وغيرهم مثل: ابن عباس، وأبو واقد الليثي، وابن مليكة، عُمِّرت طويلاً، وهي آخر المهاجرات وفاة، وهي وأبوها وجدها وابنها عبد الله صحابيون، روى شعبة بسنده قال: دخلنا على أم ابن الزبير فإذا هي امرأة ضخمة عمياء نسألها عن متعة الحج فقالت: قد رخص رسول الله فيها، وروى هشام بن عروة بسنده طرفاً من هجرة رسول الله عن أسماء أنه كان في بيت أبي بكر فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي فقال: شقيه باثنين فاربطي بهما، قال: فلذلك سميت ذات النطاقين، مسندها ثمانية وخمسون حديثاً، وجاء في (تهذيب التهذيب) للعسقلاني: قال هشام بن عروة عن أبيه: كانت أسماء قد بلغت مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل، وقال ابن إسحاق: أسلمت قديماً بعد إسلام سبعة عشر إنساناً، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بابنها عبد الله، وماتت بمكة بعد قتله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يوماً، وذلك في جمادى الأولى سنة 73ه‍. ا ه‍14/426.

الحجة الثالثة: هو أن الطهارات أمر شرعي فلا يمكن إثبات ما يتطهر به إلا بالأمور الشرعية والشرع إنما ورد بالماء دون غيره فلهذا لم يجز التطهر إلا به، وقد أعرضنا عن ذكر الأقيسة في الطهارات من جهة كونها أموراً غيبية لا يعلمها إلا اللّه فهو المستأثر بعلمها فلا وجه لإيراد الأقيسة في تقريرها وإبطالها لإنسداد جريانها فيها.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعله حجة من القياس وهو فاسد لأوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأنا قد ذكرنا غير مرة، تعذر جري الأقيسة في الطهارات لإنسداد المعاني والأشباه المثمرة للأحكام فلا مطمع في إعادتها.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل: كونها طهارة بمائع، وما ذكرتموه: طهارة بجامد فلا جرم افترقا والفرق مبطل للقياس.
وأما ثالثاً: فلأنا نعارض قياسه بما يكون مبطلاً له. فنقول: طهارة بجامدٍ فلا تكون من شرط صحة الصلاة كالإستجمار بالأحجار، فبطل ما عول عليه، وصح بما ذكرناه أنه لا مستروح له فيما قاله.
الحكم الثالث: في رؤية المتيمم للماء، واعلم أن المتيمم إذا تيمم وفرغ من تيممه على الصفة المشروعة فله ثلاث حالات(1):
الحالة الأولى: أن تكون رؤيته للماء قبل دخوله في الصلاة وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تيممه يبطل وهذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة الشافعي وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك: قوله : ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء " فإذا وجده فليمسسه بشرته)) (2).
الحجة الثانية: وهو أن التيمم إنما يراد لإستباحة الصلاة، فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود كالحاكم إذا حكم بالاجتهاد ثم وجد النص في الواقعة قبل التنفيذ.
__________
(1) في الأصل: ثلاثة أحوال.
(2) تقدم.

المذهب الثاني: أنه يصلي بتيممه ولا ينتقض، وهذا شيء حكاه العمراني صاحب البيان عن سلمة بن عبدالرحمن(1) من أصحاب الشافعي.
والحجة له على ما قاله: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }[محمد:33]. ولا شك أن التيمم من جملة أعمال العبادات وهو إذا عدل عنه إلى الوضوء فقد أبطله إذا لم يُصلِّ به.
الحجة الثانية: قوله هو أن التيمم قد انعقد على الصحة فلا يبطل برؤية الماء كما لو رآه بعد فراغه من الصلاة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة عليه: ما رويناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[المائدة: 6] وهذا واجد للماء.
الحجة الثانية: قوله : ((التراب كافيك حتى تجد الماء " )) وهذا واجد للماء.
الحجة الثالثة: قوله: ((فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك " )). ولم يفصل بين أن يكون قد فعل الصلاة أو لم يفعل، فهذه الحجج كلها دالة على ما ذكرناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }[محمد:33].
قلنا: هذه الآية مجملة لأحتمالها لمعان، فيحتمل أن يراد بها لا تبطلوا أعمالكم لعدم القصد فيها وجه اللّه تعالى، ويحتمل أن يراد بها لا تبطلوا أعمالكم باقتحام الكبائر المحبطة لثوابها، ويحتمل أن يراد لا تبطلوا أعمالكم بإخلال شروطها، فهذه الآية محتملة لهذه المعاني فلا تحمل على بعضها دون بعض إلا بدلالة ولا دلالة هاهنا.
__________
(1) لم نجد في طبقات الشافعية شخصاً باسم سلمة بن عبد الرحمن، ولكن وجدنا في (تهذيب التهذيب) شخصين: الأولى اسمه: سلمة بن رجاء التميمي أبو عبد الرحمن الكوفي 4/147، والآخر باسم: سلمة بن شبيب النيسابوري، أبو عبد الرحمن الحجري المسمعي 4/149، وإذا كان هذا أحدهما فهذا يعني أن هناك خطأ في نقل الاسم من المخطوطة وجل من لا يسهو. والمعروف أن هناك شخصاً من رواة الحديث.

قوله: هو أن التيمم قد انعقد من أول وهلة على الصحة فلا وجه لإبطاله.
قلنا:هذا فاسد فإنا نقول: ما تريد بكون التيمم قد انعقد على الصحة، تريد مع رؤية الماء أو من غير رؤيته فممنوع مسلم(1)،
فإن صحة انعقاده على الصحة مشروطة بعدم رؤية الماء.
الحالة الثانية: أن تكون رويته للماء بعد دخوله في الصلاة، فهل تبطل صلاته ويلزمه الخروج منها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنها تنتقض طهارته وتبطل صلاته ويلزمه الخروج للوضوء والصلاة، وهذا هو رأي الهادي والناصر واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ومحكي عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، ومحكي عن المزني وابن شريح من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً " }[المائدة:6]. فظاهر الآية دال على فساد التيمم مع وجود الماء ولم يفصل بين حالة وحالة في الفساد.
الحجة الثانية: قوله : ((فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك " )) فأمرنا باستعمال الماء ولم يفصل بين أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها.
المذهب الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يجوز له الخروج عنها وهو رأي مالك، ومحكي عن داؤد من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أنه قد تلبس بصلاة صحيحة فلا يجوز له الخروج عنها كما لو رأى الماء بعد الفراغ منها.
المذهب الثالث: التفصيل، وهو أنه إن كان في الحضر أو في سفر قصير بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة وإن كان في سفر طويل لم تبطل صلاته ولم تجب عليه الإعادة وهذا هو رأي الشافعي.
__________
(1) العبارة المقصودة هي: هل تريد صحة التيمم مع رؤية الماء أو مع عدمها؟ فإن كان الأول فممنوع، وإن كان الثاني فمسلم. والله أعلم.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته " فينفخ بين اليتيه ويقول له: أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) (1).
فمن قال بأنه ينصرف في هذه الحالة وهي رؤية الماء فقد خالف ظاهر هذا الحديث، ثم قال أصحاب الشافعي: فإذا تقرر هذا فهل له الخروج منها أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الأفضل أن يخرج منها كما إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم فالأفضل أن يرجع إلى العتق.
وثانيهما: أنه لا يجوز له الخروج منها لأنها صلاة مفروضة صحيحة فلا ينصرف عنها.
قالوا: والأصح هو الأول وهو الخروج منها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء العامة.
والحجة على ذلك: هو أن الظواهر الشرعية من الآية والأخبار دالة على بطلان التيمم عند رؤية الماء ولم يفصل، ولأنه رأى الماء بعد تلبسه بطهارة التراب فكان مبطلاً لها كما لو رأى الماء قبل دخوله في الصلاة.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. أما من زعم أن صلاته صحيحة وأنه لا يجوز له الخروج منها.
قالوا: صلاة صحيحة قد تلبس بها فلا يجوز له الخروج منها.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنها طهارة بدلية فلا يحكم بصحتها مع وجود مبدلها وهو الماء.
__________
(1) حكاه في (أصول الأحكام) و(الشفاء) وقال: وروي: ((...او يستيقن حدثاً)) قال في (الجواهر): وقد حكاه في (التلخيص) وذكره البيهقي في (الخلافيات). وذكر المزني في (المختصر) عن الشافعي، نحوه بغير اسناد ثم ساقه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد، بمعناه، اه‍. ملخصاً 1/80.

وأما ثانياً: فلأن صحتها مشروطة بعدم رؤية الماء والآن فهو موجود فلهذا حكمنا ببطلانها، فأما ما حكيناه عن الشافعي من التفصيل فقد حكى صاحب البيان أن الأصح من القولين هو بطلان الصلاة ووجوب الإعادة مثل قولنا، فأما احتجاجهم بالخبر فهو حجة لنا عليهم؛ لأنه قال: ((فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)). فظاهره دال على أنه يحكم ببطلان الطهارة عند تحقق الناقض ونحن قد حكمنا ببطلان الطهارة وأوجبنا عليه الإعادة لما تحققننا الناقض لها وهو رؤية الماء فبطلت دلالة الخبر على ما قالوه.
الحالة الثالثة: في المتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة. اعلم أن المتيمم إذا فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء بعد مضي الوقت للعبادة وتقضيه فلا خلاف بين العلماء [في] أنه لا يجب عليه القضاء لما صلى بالتيمم.
والحجة على ذلك: هو أنه قد خرج عن عهدة الأمر بتأدية الصلاة بالتيمم بشرائطه فلا يجب عليه القضاء، ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولا دلالة تدل على وجوب القضاء.
التفريع على هذه القاعدة وجملتها فروع خمسة:
الفرع الأول: إذا فرغ الرجل من صلاته بالتيمم وقد بقي من الوقت ما يسع لتأدية ما صلى بالتيمم على الكمال، فهل تتوجه عليه الإعادة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء ويعيد الصلاة، وهذا هو الذي اختاره السيدان الإمامان(1)
لمذهب الهادي والناصر وهو رأيهما ومحكي عن طاؤوس من الفقهاء.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة بالتراب طهارة بدلية ومهما كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه بتأدية الصلاة بالماء.
المذهب الثاني: أنه لا يلزمه استئناف الوضوء ولا الصلاة بحال لا في الوقت ولا بعده، وهذا هو قول زيد بن علي ورأي أبي حنيفة وأصحابه.
وحجتهم: قوله : ((لا ظهران في يوم)).
المذهب الثالث: أن السفر إذا كان طويلاً لم تجب عليه الإعادة، وإن كان قصيراً وجبت عليه الإعادة وهذا هو رأي الشافعي.
__________
(1) المؤيد بالله وأبو طالب.

والحجة على ذلك: ما روي أن رجلين كانا في سفر فعدما الماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فأتيا الرسول فأخبراه بذلك، فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة " )). وقال للذي أعاد: ((لك أجران)) (1).
والمختار: أن إعادة الصلاة بعد تأديتها بالتيمم غير واجبة وإنما هي مستحبة.
والحجة على ما قلناه: هو أنه قد خرج عن عهدة الأمر بتأدية الصلاة بالتيمم وأسقط الوجوب عن ذمته فلا وجه لتوجه الإعادة.
الحجة الثانية: قوله في خبر الرجلين للذي لم يعد: ((أصبت السنة " )). أي حكم الشريعة. كما قال : ((من رغب عن سنتي فليس مني " )) أراد: شرعي الواجب؛ لأن البراءة منه(2)
لا تكون إلا على الإخلال بما هو واجب على الإنسان، وأما استحباب، الإعادة فدليله خبر الرجلين حين قال للذي أعاد: ((لك أجران)). أراد أجر الوجوب وأجر الاستحباب فأجر الوجوب بالأولى وأجر الاستحباب بالثانية.
الانتصار: يكون بإيراد الإعتراض على ما أوردوه حجة.
قالوا: مهما كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه عليه بالإعادة لما كانت الأولى طهارة بدلية.
قلنا: إن الوجوب قد سقط بتأدية الصلاة بالتيمم فلا وجه لتأدية صلاة غير واجبة عن صلاة واجبة من جهة أن النفل لا يقوم مقام الفرض.
ثم نقول: هذه الصلاة المؤداة بالوضوء، واجبة أو غير واجبة؟ فإن كانت غير واجبة فكيف يقولون بوجوب ما ليس واجباً على المكلف؟ وإن كانت واجبة فقد سقط الفرض بالتيمم فكيف تكون واجبة مع وجوب الأولى؟ وقد قال : ((لا ظهران في يوم)). ((ولا عصران في يوم)). وإن كانت مستحبة فهو المراد وقد سقط الوجوب.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد بلفظ: فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة واجزأتك صلاتك)) وقال للذي اعاد: ((لك الأجر مرتين)) اه‍. (جواهر) 1/149.
(2) بقول الرسول: ((فليس مني)).

ثم نقول: إذا فرغ من الصلاة بالتيمم وفي الوقت بقية يدرك بها الفرضين فهل قد سقط الفرض بالتيمم أو لم يسقط؟ فإن كان قد سقط بالتيمم فلا وجه لإيجاب الإعادة لما ليس واجباً، وإن كان لم يسقط الفرض بالتيمم فكيف أوجبتم ما ليس واجباً، وأما ما حكيناه عن الشافعي من أن السفر إذا كان قصيراً وجبت الإعادة، وإن كان طويلاً فلا إعادة فإنما هو مبني على أن التيمم إنما يجب في السفر دون الحضر، فإذا كان قصيراً فلا سفر فيبطل التيمم وتجب الإعادة، وإن كان طويلاً صح فعل التيمم فلا تجب الإعادة، وقد قررنا فيما سبق الكلام عليه وصحة التيمم في السفر والحضر إذا كان العذر خارجاً، والله اعلم.
الفرع الثاني: إذا فرغ المتيمم من الصلاة وقد بقي من الوقت ما يتسع لركعة فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها لا تلزمه الإعادة وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنه قد أداها على الكمال بالتيمم والخطاب بالإعادة إنما يكون متوجهاً إذا كان المعاد كاملاً فأما مع النقصان فلا.
المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه الإعادة.
والحجة على هذا هو أنه بإدراك ركعة من الفريضة قد أدركها، لما روي عنه أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من الفجر فقد أدركها)) (1)
وإذا كان الأمر هكذا وجبت عليه الإعادة كما لو أدرك الكل من الفريضة في الوقت، وهذا هو رأي السيد أبي طالب.
والمختار: أنه لا تلزمه الإعادة.
والحجة على ذلك: ما قررناه آنفاً، وهو أنه إذا لم تلزمه الإعادة مع إدراك الفريضة كلها في الوقت فلأن لا تلزمه الإعادة مع إدراك الركعة الواحدة[أولى]، فلا وجه لتكريره.
__________
(1) جاء في (الجواهر) عن أبي هريرة بلفظ: إن رسول الله قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) أخرجه الستة. اه‍. ج1 ص154.

والانتصار: على ما ذكره الإمام المؤيد بالله قد أسلفناه فلا نعيده. وأما ما ذكره الإمام أبو طالب فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن في الخبر إجمالاً من جهة أنه يحتمل أن يكون المراد من الخبر أنه إذا أدرك الركعة أو أدرك الصلاة، وإذا كان محتملاً لما ذكرناه كان مجملاً وبطل الاحتجاج به.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: إذا بطلت الإعادة مع إدراكه لكل العبادة في الوقت بالأدلة التي ذكرناها فلأن تبطل مع إدراك بعض العبادة [أولى].
الفرع الثالث: وإن كان معه ماء فأراقه وتيمم فإن كان قد أراقه قبل دخول الوقت لم تلزمه إعادة ما صلى بالتيمم لأنه عادم للماء قبل توجه الخطاب له بالتيمم وإن كان قد أراقه بعد دخول الوقت فهل يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أن الإعادة غير لازمة له لأنه بعد الإراقة عادم للماء وإن كان قد عصى بالإراقة فهو كمن قطع رجله فإنه يعصي بالقطع ولكنه إذا صلى قاعداً أجزأه.
الفرع الرابع: وإن دخل في صلاة نافلة بالتيمم ثم رأى الماء في أثنائها فإن كان قد نوى عدداً من الأربع والإثنتين أتم ما نواه وإن لم ينو عدداً سلم على ركعتين لأنهما هما الأقل من النوافل.
والحجة على ذلك: هو أن الشرع يغتفر في النوافل ما لا يغتفر في الفرائض ولهذا فإنه يجوز أداء النافلة على الراحلة دون الفريضة ويصح تأديتها عن قعود مع القدرة على القيام، فلهذا ساغ ما ذكرناه من إتمام العدد الذي نواه بخلاف الفريضة، والإقتصار على ركعتين.

الفرع الخامس: قد ذكرنا فيما مر أن طلب الماء شرط في صحة انعقاد التيمم فإذا تيمم الرجل لعدم الماء بعد طلبه ثم رأى الماء ودونه حائل من سبع أو عدوٍ أو لصٍ، فإن رأهما معاً فتيممه باقٍ على الصحة وإن رأى الماء أولاً ثم عرف ثانياً أنه محول دونه بالحوائل المانعة عنه فإنه يعيد الطلب ويعيد التيمم لما كان شرطاً فيه، وإن وجد الماء بعد ما تيمم وهو محتاج إليه لعطشه، أو لبهائمه لم يبطل تيممه لأنه لو كان معه قبل تيممه لم يلزمه استعماله للحاجة التي ذكرناها.
الحكم الرابع: في الناسي، واعلم أن الإعادة اسم لما أُدِّيَ من العبادة لضرب من الخلل في المفعول والوقت باقٍ، والقضاء إسم لما أُدِّيَ من العبادات لضرب من الخلل والفساد في المفعول مع زوال الوقت وتقضيه، فمن تيمم وصلى ناسياً للماء في رحله، فهل تلزمه الإعادة في الوقت أو يلزمه القضاء بعد مضي الوقت؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه تلزمه الإعادة في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب لمذهب الإمامين الهادي والناصر وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك:أما أنه لا يلزمه القضاء بعد مضي الوقت فالذي يدل عليه هو أنه قد أدَّى الطهارة بالتراب على الشروط المعتبرة وصلى فلا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت كما لو لم يذكر الماء، وأما أنه يلزمه الإعادة مع بقاء الوقت فالذي يدل عليه هو أن الوقت مهما كان باقياً فالخطاب متوجه عليه في تأدية العبادة، وعلمه بالماء مع بقاء الوقت مبطل للتيمم فلهذا وجبت عليه الإعادة.
المذهب الثاني: أن الإعادة لازمة له في الوقت أو القضاء لازم له بعد تقضي الوقت، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله ومحكي عن أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.

118 / 279
ع
En
A+
A-