---
القول في بيان السنن الواردة في التيمم
وجملتها عشر.
السنة الأولى: التسمية وهي مشروعة قبل الشروع في هذه الطهارة وهي مستحبة في سائر الأمور المباحة للتبرك وهي في العبادات أحق وأولى لما فيها من مزيد القربة فَذِكْرُ اللّه فيها يكون أحق وأولى، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة وهو رأي السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تستباح بها الصلاة فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء.
المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا هو الظاهر من مذهب الأئمة الهادي والناصر والمؤيد بالله ورأي الفريقين الشافعية والحنفية، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك:هو أن المقصود من التسمية التبرك وتزكية الأعمال ولم تدل على الوجوب دلالة فلا جرم قضينا بالاستحباب لقوله : ((أفضل الأعمال ذكر الله ))(1)
كما قال تعالى:{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ }[العنبكوت:45].
والمختار: ما عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء من كونها مستحبة.
والحجة على ذلك:هو أن الأصل براءة الذمة عن الملزوم بالإيجاب فلا يمكن شغل الذمة بالوجوب إلا بدلالة واضحة.
الانتصار: يكون بإبطال ما جُعِلَ عمدة لهم في الوجوب.
قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فكانت [التسمية فيها] واجبة كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) يدخل هذا الحديث في معنى الحديث المروي عن عبد الله بن عمر أن رجلاً أتى النبي فسأله عن أفضل الأعمال. فقال رسول الله : ((الصلاة)) قال: ثم مه؟ قال : ((ثم الصلاة)) قال: ثم مه؟ قال : ((ثم الصلاة)) ثلاث مرات، قال: ثم مه؟ قال : ((ثم الجهاد في سبيل الله)) رواه أحمد وابن حبان. ا ه‍. جواهر 1/152.

أما أولاً: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات؛ لأنها أمور لا تعقل معانيها ولا تفهم أسرارها، وحيث أوردنا شيئاً من الأقيسة في العبادات فليس على جهة الإعتماد عليها وإنما هو على جهة المعارضة لمن خالفنا في تلك المسألة أو على جهة الإستظهار مع إيراد المعتمد من الأدلة الشرعية.
وأما ثانياً: فإنا نقلب عليهم هذا القياس ونقول: طهارة تُستباح بها الصلاة فلا تكون التسمية فيها واجبة كالطهارة من النجس. ولا شك إن قلب العلة وتعليق علتها بنقيض الحكم مفسد للقياس.
السنة الثانية:تجديد النية واستصحابها عند مسح كل عضو من أعضاء التيمم وصورتها: أن ينوي عند مسح الوجه استباحة الصلاة وينوي عند مسح اليد اليمنى استباحة الصلاة وهكذا عند مسح اليد اليسرى ولا خلاف في استحباب تجديدها.
والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى )). وفي حديث آخر: ((نية المؤمن خير من عمله )). وإنما كانت خيراً لأن الأعمال تزكو بها وتحصل بها مضاعفة الأجر والثواب.
السنة الثالثة: تفريق النية والتفرقة بين التجديد في النية والتفريق لها، هو أن التجديد أن ينوي في كل عضو ما ينوي في جملة أعضاء التيمم ويكررها حتى يفرغ من مسح الأعضاء، بخلاف التفريق فإنه يفرق النية على الأعضاء على الخصوص فينوي عند مسح الوجه للصلاة وينوي عند مسح اليد اليمنى للصلاة وهكذا يفعل عند مسح اليد اليسرى. فإذا فرقها على الأعضاء على الخصوص فهل تكون مجزية أم لا؟ فيه وجهان عن أصحاب الشافعي ذكرناهما في الوضوء عند تفريق النية، فمنهم من قال إن التفريق يفسدها، ومنهم من قال بأنها تجزيه مع التفريق.

والمختار: هو الإجزاء مع التفريق لأن التفريق إعمالها في كل عضو مع الخصوص، ومثل هذا لا يطرق خللاً فيها لاتصالها بالعبادة وتخصصها بكل عضو وهذا يزيدها تأكيداً في مضاعفة الثواب وزيادة في الفضل، وليس تفريقها واجباً ولكنه إن فعل هذا لم يكن مفسداً لها، وهذا كان السبب في إيرادها في السنن لكونه خليقا بها، والله أعلم.
السنة الرابعة:الموالاة في مسح أعضاء التيمم من غير تفريق بينها، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها غير واجبة وإنما هي مستحبة.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه}[المائدة:6]. والواو للجمع من غير تفريق فإن فرق حتى زال غبار التراب من الوجه كان مكروهاً ولم يدخل زواله بهبوب الرياح خللاً في الإجزاء وقد رمزنا إلى ما في التفريق في أعضاء الوضوء من الخلاف ونصرنا القوي من ذلك بمعونة اللّه تعالى.
السنة الخامسة: المستحب أن يضرب بيديه على التراب سواء كان التراب ناعماً أو غير ناعم لما في حديث عمار قال: أصابتني جنابة فتمرغت على الأرض فأتيت رسول اللّه فذكرت له ذلك فقال: ((يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه على الأرض )). وحكي عن الشافعي في أحد أقواله أنه إن كان التراب ناعماً فلا ضرب وإن كان غير ناعم ضرب.
والحجة عليه: ما رويناه من حديث عمار وأسلع ولأن فيه مبالغة في إتصال غبار التراب باليدين فلهذا كان مستحباً.
السنة السادسة: نفخ التراب عن اليدين فإنه مستحب لما في حديث عمار وأسلع؛ لأنه % رفع يديه من الأرض ثم نفخهما لتقليل التراب لأن كثير الغبار غير محتاج إليه في مقصود العبادة فلهذا خففهما بالنفخ.

السنة السابعة: تفريق الأصابع وتفريجها، والمستحب أن لا يفرج أصابعه في الضربة الأولى مخافة أن يحصل التراب بين أصابعه فيكون ماسحاً لها قبل الوجه وفي ذلك مسح جزء من أجزاء اليد قبل مسحه لوجهه، فيبطل الترتيب وهو واجب، والمستحب أن يفرج أصابعه في الضربة الثانية لأنها مشروعة في اليدين ولا ترتيب في مسحهما.
السنة الثامنة: ويستحب نزع الخاتم من الخنصر قبل الضربة الثانية باليدين لئلا يمنع من وصول التراب إلى ما تحته، فإن ترك نزعه وكان واسعاً كره وأجزأه المسح.
السنة التاسعة: ويستحب صف اليدين في الضرب للوجه وفي الضربة الثانية لليدين.
والحجة على ذلك: هو أن الظاهر من حديث عمار وحديث أسلع أنه ضرب بيديه على الأرض على جهة الإستواء في حالهما من غير مخالفة فإن خالف فيهما كره وأجزأه.
السنة العاشرة: الضربة الثالثة وهي سنة وهي محكية عن القاسم ومروية عن ابن المسيب وابن سيرين وأصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الضربتين للوجه واليدين قد تقرر وجوبهما بما ذكرناه من الأدلة بالأحاديث التي رويناها، والضربة الثالثة مستحبة بالقياس على غسلات الوضوء في الوجه واليدين بجامع كونهما طهارة مقصودة للصلاة فلهذا كانت الثالثة مستحبة لما ذكرناه.
تنبيه: اعلم أن المذاهب في عدد الضربات أربعة:
المذهب الأول: أن الواجب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وهذا هو المحكي عن الإمامين الهادي والناصر ورأي السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ومروي عن فقهاء الأمصار الشافعي وأصحابه وأبي حنيفة ومالك.
والحجة لهم على ذلك: ما رويناه عن عمار بن ياسر وحديث أسلع وقد قدمناه فلا نعيده، وهو المختار عندنا وقد مضى تقريره بأدلته الواضحة.
المذهب الثاني: أن الواجب ضربة واحدة للوجه واليدين، وهذا هو قول الصادق والإمامية، ومحكي عن الأوزاعي وأحمد بن حنبل.

والحجة على ما قالوه: ما رواه البخاري في صحيحه عن عمار أنه قال: إجتنبت فتمرغت كما تتمرغ الدابة فأتيت الرسول فقال: ((يكفيك هكذا وضرب ضربة بيديه ومسح وجهه وكفيه واحدة))(1).
المذهب الثالث: أن الواجب ضربتان كل واحدة من الضربتين تستعمل في العضوين جميعاً وهذا هو المحكي عن ابن أبي ليلى.
والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((التيمم ضربتان)). ولما في حديث عمار وأسلع فقد تقرر وجوب الضربتين من جهة الرسول قولاً وفعلاً، والآية ظاهرها دال على مسح العضوين فأخذنا من الأخبار العدد ومن الآية مسح العضوين بالضربتين جمعاً بين الأدلة وتوفقة بينها، ولن يكون الجمع بين الآية والأخبار إلا بما ذكرناه.
المذهب الرابع: أن الواجب ثلاث ضربات ضربة بالكفين للوجه وضربة بالكفين لليد اليمنى وضربة بالكفين لليد اليسرى، فضربتان واجبتان والثالثة سنة، وهو الذي حكيناه عن القاسم وابن المسيب وابن سيرين، وظاهر كلامهما وجوب الثلاث، ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين فأما القاسم فقد صرح بأن الثالثة سنة.
وحجته: ما ذكرناه من قياسه على الغسلة الثالثة في الوضوء.
والمختار: ما حققناه من قبل في العدد والكيفية، فالعدد: ضربتان، والكيفية: أن واحدة للوجه وواحدة لليدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما من زعم أن الواجب ضربة واحدة محتجاً بما روى البخاري عن الرسول في خبر عمار فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما رواه عمار من الضربتين راجح لحديث أسلع وغيره من الأحاديث فإنها مطابقة له فلهذا كان أرجح من رواية البخاري.
وأما ثانياً: فلأنها مشتملة على الزيادة والزيادة مقبولة من الراوي لما فيها من الفائدة دون غيرها، وأما من زعم أن الواجب ضربتان مستعملتان في العضوين توفقة بين الأخبار والآية كما حكيناه عنهم، فعنه أجوبة ثلاثة:
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم، وفيه رواية لأبي داؤد.

أما أولاً: فلأن الآية مجملة والأخبار صريحة فيما تناولته وكل واحد على حياله دال على ما يدل عليه فلا وجه للجمع بينهما فيما لا يتفقان فيه.
وأما ثانياً: فلأن ما دل من الأخبار على وجوب الضربتين فهو بعينه دال على استعمال كل واحدة فيهما في كل عضو على انفراده.
وأما ثالثاً:فلأنا إذا استعملنا كل واحدة من الضربتين في عضو على انفراده كان أدخل في الفائدة وأزيد في المعنى، فوجهه أن ما ذكروه تكرار لا فائدة فيه، وما قلناه ليس فيه تكرار فلهذا كان أحق بالقبول وأدخل في المقصود مما قالوه، فأما ما حكيناه عن الإمام القاسم بن إبراهيم من أن الواجب ضربتان والثالثة سنة ففيه نظر، من جهة أن الطهارات كلها لا تجري فيها الأقيسة وإنما هي أمور غيبية استأثر اللّه بأسرارها فلا جريان للمعاني فيها وجري الأشباه فيها عسير، وقياسه على الوضوء فيه بعد من جهة أن تكرار الغسلات فيه زيادة للتطهير فلهذا شرع فيه الفرض والسنة، بخلاف الطهارة بالتراب فإن زيادة الثالثة فيه تكثير للتعفير بالتراب فإذا حصل الفرق بطل القياس، ووجه ثالث: وهو أن صاحب الشريعة قد أشار إلى السر الذي ذكرناه في طهارة التراب ولم يذكر السنة في الثالثة وهو في محل التعليم، فظهر بما حققناه أن تحكيم الآراء النظرية في العبادات يضيق مسلكه ويدق مجراه فيجب الإقتصار فيها على الآي القرآنية والأخبار النبوية وتكون الأقيسة بمعزل.

---
خاتمة لمفروض التيمم ومسنونه
اعلم أن جميع ما اشتملت عليه أعمال الطهارة بالتراب فهي منقسمة إلى مفروضات ومسنونات وهيئات فهذه أقسام ثلاثة:
القسم الأول: المفروضات، ونعني: ما لا تكون الطهارة والصلاة مجزيتين إلا بفعله وهذا نحو النية ونقل التراب ومسح الوجه واليدين إلى المرفقين وغير ذلك فهذه الأمور كلها لا تتم الطهارة وإجزاء الصلاة إلا بها.
القسم الثاني: المسنونات، وهو كل ما كان ليس شرطاً في الطهارة وتكون الصلاة مجزية من دونه، وهذا نحو تجديد النية والموالاة في مسح الأعضاء والضرب باليدين وغير ذلك من السنن التي حصرناها.
القسم الثالث: الهيئات، وهذا نحو الصف في اليدين ونفخهما من التراب وتفريق الأصابع وضمها وغير ذلك من المستحبات.
وتنقسم الأعمال قسمة أخرى إلى ما يكون مجمعاً على كونه فرضاً، وإلى ما يكون مجمعاً على كونه سنة، وإلى ما وقع فيه الخلاف والتردد في كونه فرضاً أو سنة، فهذه ضروب ثلاثة:
فالضرب الأول: وقع الإجماع على كونه فرضاً وهو ما تضمنته الآية من مسح الوجه واليدين ولا خلاف في هذا.
الضرب الثاني: ما وقع الإجماع على كونه سنة وهذا نحو صف اليدين ونفخهما وتفريق الأصابع وضمها.
الضرب الثالث: ما وقع فيه التردد والخلاف، وهذا نحو النية واعتبار التراب وطهارته والترتيب.
وقد تم غرضنا من بيان المفروض والمسنون من طهارة التراب.

---
الفصل الخامس في بيان أحكام التيمم
اعلم أنا قد اسلفنا نبذاً في أحكامه فيما قدمناه في الفصول السابقة ونحن الآن نذكر ما لم نذكره من قبل، وجملة ما نذكره من ذلك أحكام خمسة:
الحكم الأول: المأثور من كلام الأئمة وإطلاقات علماء الأمة أن الطهارة بالتراب طهارة ضرورية فيستخرج من هذا قواعد عشر:
أولها: أن الطهارات كلها إنما تقصد لإزالة الأحداث الموجبة للغسل نحو الجنابة والحيض والنفاس أو الأحداث الموجبة للوضوء كالبول والغائط فإنها رافعة لها، بخلاف الطهارة بالتراب فإنها غير رافعة لهذه الأحداث وإنما هي مبيحة لما كان محظوراً.
وثانيها: أنها إنما تكون عند عدم الماء وتعذر استعماله، ولا يجوز فعلها مع وجود الماء والتمكن من استعماله كما مر بيانه.
وثالثها: أنها إنما تفعل في آخر الوقت لأنها طهارة بدلية وإنما يجوز فعلها عند الإياس من المبدل.
ورابعها: أنها مقصورة على عضوين بخلاف طهارة الغسل فإنها موضوعة لطهارة البدن كله والوضوء موضوع للأعضاء.
وخامسها: أن المقصود منها هو مسح العضوين بالتراب بخلاف الطهارة بالماء فإن المقصود منها هو الغسل، والمسح يفارق الغسل في حقيقته وحكمه.
وسادسها: أن موضوعها وإن كان المسح فليس المقصود منه الإستيعاب فلا يلزم فيه إدخاله تحت الشعور كالحاجبين وأهداب العينين بل يمسح فيصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ.
وسابعها: أنه مقصور على أداء الفريضة الواحدة مع نافلتها بخلاف الوضوء فإنه يؤدى به كل فريضة ونافلة.
وثامنها: أن الطهارة بالتراب تنتقض برؤية الماء لما كانت بدلية بخلاف الطهارات بالماء فإنها إنما تنتقض بالأحداث الشرعية لا غير.
وتاسعها: أن كل ما أُدّيَ من العبادات بالطهارة المائية فإنه لا يعاد سواء كان الوقت باقياً أو زائلاً بخلاف ما أُدّيَ بالطهارة بالتراب من العبادات فإنه يعاد إذا كان الوقت باقياً وما ذاك إلا لنقصانها وكونها ضرورية.

وعاشرها: أن الطهارة كلها بالماء مشروعة للتطهير والتنظيف وإزالة العفونات من الفم والأنف والعين وسائر الأعضاء وتنحية الغبرات عنها، ولهذا جعل وظيفة الرأس المسح لما كان الغالب ستره بالعمامة والقلنسوة، بخلاف الطهارة بالتراب فإنها مشروعة لتعفير أعضائه بالتراب وإلصاق الغبرات به. وفيه فوائد غير ما ذكرناه وأشرنا إليه لا تخفى على من له خوض وممارسة لعلم الفقه، وفيما أوردناه عينة وكفاية في التنبيه على مقاصد العلماء في كون هذه الطهارة ضرورية.
الحكم الثاني: أجمع العلماء واتفق الفضلاء من أئمة العترة وفقهاء الأمة على أن الطهارة بالتراب إنما تراد لتأدية الأمور التي تشترط فيها الطهارة وذلك أنواع ثلاثة:
أولها: تأدية الصلوات المفروضة نحو [الصلوات] الخمس وصلاة الجنازة.
وثانيها: القُرَب المندوبة، وهذا نحو صلاة النافلة ودخول المسجد وقراءة القرآن.
وثالثها: الأمور المباحة، نحو الوطء بعد انقضاء النفاس والحيض، فالطهارة بالتراب تراد لهذه الأمور الثلاثة عند عدم الماء وتعذر استعماله.
وهل يزال حكم النجاسة بالتراب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التراب لا يقوم مقام الماء في إزالة النجاسة، وهذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أن امرأة سألت رسول اللّه ، هل يجزي المرأة أن تستنجي بشيء غير الماء؟ فقال: ((لا إلا أن لاتجد الماء " )) (1).
فنص على أن النجاسة من موضع الإستنجاء لا تزول إلا بالماء، ولم يفصل أحد بين ذلك الموضع وبين سائر المواضع من الأجسام والثياب.
__________
(1) حكاه في (أصول الأحكام). وهو هنا مروي عن زيد بن علي في مجموعه.

والحجة الثانية: ما روي عن الرسول أن أعرابياً بال في المسجد فقال: ((صبوا عليه ذنوباً من ماء " )). فلو كان شيء يقوم مقام الماء في إزالة النجاسة لذكره أو لخيَّر بينه وبين الماء فلما لم يذكره وهو في محل التعليم للشريعة دل على بطلانه.
المذهب الثاني: محكي عن أحمد بن حنبل، أن التراب يقوم مقام الماء عند عدمه في إزالة النجاسة ولم أعرف أحداً قال بهذه المقالة قبله ولا بعده.
والحجة له على ما قاله: هو أن إزالة النجاسة طهارة يتوصل بها إلى إصلاح الصلاة وصحتها فقام التراب فيها مقام الماء كالوضوء والغسل ولا أعرف له دلالة على ما ذكر سوى القياس لا غير.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ويدل عليه ما ذكرناه ونزيد حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا " }[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ " }[الأنفال:11] ووجه الإستدلال من هاتين الآيتين هو أن الله تعالى امتن علينا بأن جعل الماء لنا طهوراً ومطهراً وخص التطهير به، فلو قلنا: إن غير الماء يقوم مقامه ويشاركه لبطل الإمتنان بالتخصيص.

117 / 279
ع
En
A+
A-