قلنا: الوضوء طهارة أصلية، وطهارة التراب طهارة بدلية يقصد بها التخفيف، والتخليل ينافي التخفيف والتفرقة بينهما ظاهرة، على أن هذا الذي ذكرتموه قياس والأقيسة في العبادات منسدة لا تعقل معانيها لأنها أمور غيبية استأثر اللّه بأسرارها ودقائقها فتتعذر الأقيسة في تقرير أحكامها، فأما إيصال التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين وأشعار أهداب العينين فلا أعلم قائلاً بوجوبه. أعني: أن يقصد المسح بالتراب، بل يكفي مسح الوجه العام، أما إيصال التراب إلى بادي العذارين والعنفقة والشارب، فالظاهر من كلام الهادي والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ذكرناه، فأما إيصال التراب إلى باطن العذارين والعنفقة والشارب فالظاهر من كلام الهادي والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ذكرناه في تخليل اللحية، وأما كلام الناصر وأبي حنيفة وعلى المختار الذي ذكرناه فلا يجب ذلك وهو القوي من قول الشافعي وله قول آخر بوجوبه، والمعتمد لنا ما ذكرناه من أن التيمم رخصة موضوعها التخفيف فلا يجب فيها ما فيه حرج ومشقة لأنه ينافي موضوعها.
مسألة: ويجب مسح اليدين لقوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}. ولا خلاف في وجوب مسحهما وإنما الخلاف في مقدار المسح من اليدين وفيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أن مقدار مسح اليدين إلى المرفقين، والمرفقان قد فسرناهما في أعضاء الوضوء فلا نعيده، وهذا هو رأي الهادي ورواه عن جده القاسم ورأي الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ " }[المائدة:6] فالآية مجملة في مقدار اليد لكنها مبينة بخبر جابر وابن عمر وابن عباس وأبي أمامة أنه قال: ((التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين " إلى المرفقين))(1)
ويجوز بيان مجمل الكتاب بالسنة الواضحة لأن ظواهر الآي والأخبار كلها مرشدة إلى غلبات الظنون في الأحكام الشرعية كلها.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها طهارة بدلية يؤتى بها في محل مبدلها فكان حده فيهما واحداً كحد الوجه.
المذهب الثاني: أن مقداره في اليدين إلى الزندين، وهذا هو المحكي عن الصادق والناصر ومروي عن علي وعطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
والحجة على ذلك: هو أن اسم اليد في عرف اللغة موضوع على الزند لأن ما قبله يقال فيه الكف وما بعده يقال الذراع والعضد، فيجب حمل الآية عليه، والزندان هما العظمان المتصلان بمفصل الكف ويقال له الرسغ أيضاً، والكوع هو العظم الشاخص تحت الإبهام، والكرسوع هو العظم المقابل للكوع تحت البنصر(2).
الحجة الثانية: ما روي أن عماراً سأل رسول اللّه كيف يتيمم، فأمره بأن يمسح وجهه وكفيه(3)
وهو المقدار الذي ذكرناه فيجب الإعتماد عليه، والكفان حدهما الزندان فلا جرم كان التحديد بالزندين.
المذهب الثالث: أن حد التيمم في اليدين: المنكبان وهما العظمان اللذان تتصل بهما الترقوتان، وهذا هو المحكي عن الزهري ولم يحك عن غيره.
__________
(1) جاء في (الجواهر-تخريج أحاديث البحر): قال في (الشفاء): روى ابن عباس وابن عمر وجابر وأبو أمامة وأسلع بن شريك، أن النبي قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)) ونحوه في (التلخيص) 1/147.
(2) لعل الصواب: تحت الخنصر، وهي أولى الأصابع وأصغرها وتحتها يقع العظم المقابل للكوع، والبنصر بكسر الباء والصاد التي بين الوسطى والخنصر كما في اللسان، اه‍.
(3) تقدم في كيفية التيمم.

والحجة على ذلك: هو أن الآية دالة على مسح اليدين مطلقاً واليدان مقولتان في اللغة على الكف والذراع والعضد إلى المنكب فوجب حمل اليد على ما ذكرناه.
المذهب الرابع: أن المسح يكون إلى الذراعين وهذا هو المحكي عن ابن سيرين وابن المسيب.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول فرغ من قضاء حاجته فمر به رجل فسلم عليه فلم يسلم، ثم ضرب بيديه على الجدار ومسح كفيه وذراعيه ثم رد .
المذهب الخامس: حكاه بعض أصحابنا في شرحه ولم أعلم قائله؛ أن الواجب من مسح اليدين أربع أصابع.
والحجة على ذلك: هو أن الآية واردة بمطلق المسح فيجب حملها على أقل ما يطلق عليه المسح ومطلقه إنما يكون بالأنامل الأربع دون الإبهامين لأن مسح الأشياء إنما يكون بما ذكرناه، فلا جرم اكتفى بأقل ما يطلق عليه عملاً بالمتحقق من المفهوم من المسح كما يقال: مسحت ناصيته، ومسحت على رأسه وعلى وجهه، فهذه أقاويل العلماء في مقدار المسح من اليدين.
والمختار عندنا: ما قاله الهادي في الأحكام ومن تابعه، وهو محكي عن علي في إحدى الروايتين وعن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم كابن عمر وجابر وعن جماعة من التابعين كالحسن البصري والشعبي وسفيان الثوري.
والحجة عليه: ما أسلفناه آنفاً ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن علي أنه قال في تعليم التيمم ((الوجه واليدان إلى المرفقين " ))(1)
وهذا لا يقوله عن رأي واجتهاد و إنما ينقله عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه لأن الباب باب عبادة.
__________
(1) هو في (شرح التجريد) و (الاعتصام) عن الهادي يحيى بن الحسين عن أبيه عن جده القاسم بسنده إلى علي أنه قال: أعضاء التيمم الوجه واليدان إلى المرفقين. وهو في (أصول الأحكام). اه‍(اعتصام) 1/261، والحديث رواه الإمام زيد في مجموعه عن أبيه عن جده عن علي بلفظه.
قال في (الروض): ذكره السيوطي في (جمع الجوامع) من مسند علي وقال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. اه‍1/460.

الحجة الثانية: أن التيمم طهارة عن حدث فيجب فيها استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حججاً على مخالفة ما اخترناه، أما من زعم أن مقداره إلى الزند فقد قالوا: الآية دالة على ما قلناه لأن عرف اللغة موضوع على الزند.
قلنا: عما أوردوه أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلا نسلم أن اليد موضوعة على الزند وإنما هي موضوعة إلى المنكب على جهة الحقيقة وإن استعملت في الزند فإنما هو على جهة المجاز وعلى المرفق مجاز لكنا حملناها على مجاز المرافق لدلالة قامت وحجة وضحت فلهذا كان مجازنا أحق من حملها على مجازكم.
وأما ثانياً: فلأنه لامستروح لكم في الآية لإجمالها وإنما المعتمد على ما أوضحها من الأخبار التي ذكرناها فيجب حملها عليه.
وأما ثالثاً: فلأن اسم اليد باق وإن قطعت من الكوع ولا يبقى اسم اليد إذا قطعت من المرفق وفي هذا دلالة على أن إطلاق إسم اليد على المرفق أصدق من إطلاق اسم اليد على الكوع والزند فبطل ما قالوه.
قالوا:روي أن عماراً أمره [الرسول] أن يمسح وجهه وكفيه.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه قد روي أنه أمر عماراً بأن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان أحق بالقبول من خبركم الذي ليس فيه زيادة.
وأما ثانياً: فلأن عماراً لما تمرغ بالتراب حين نزلت أية التيمم أمره بما يقتضي التخفيف لما حمل نفسه المشاق بالتمرغ على جهة الاستحباب ثم أمره ثانياً بالقدر الواجب وهو المرفقان.
وأما من زعم أن القدر في اليدين هو المنكبان فقد قالوا: الآية موضوعة على اليد، واليد إلى المنكب فيجب حملها عليه.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:

أما أولاً: فلأنه لا قائل بهذه المقالة قبل الزهري، من الصحابة رضي اللّه عنهم ولا من جهة التابعين بعدهم وما هذا حاله يبطل لأن الصحابة والتابعين هم الغواصون في علوم الشريعة والمتبحرون في البحث عن أسرارها ولم يعهد عن أحد منهم هذه المقالة فلا جرم حكمنا ببطلانها.
وأما ثانياً: فلأن الطهارة بالتراب طهارة ضرورية شرعت على جهة التخفيف وإيجابها إلى المناكب يخالف مقصودها في التخفيف فلا جرم قضينا ببطلان هذه المقالة.
وأما من زعم أن مقدار المسح في الكف والذراعين فقد زعموا أن ابن عباس روى أن الرسول فرغ من قضاء حاجته ومسح كفيه وذراعيه.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه إنما كان على جهة الاستحباب في التيمم لرد السلام وكلامنا إنما هو على جهة الوجوب لتأدية الصلاة المفروضة، فأحدهما بمعزل عن الآخر.
وأما ثانياً: فلأنه أطلق مسح الذراع ولم يقدره بالنصف والربع والثلث، فظاهره التعميم إلى المرفق، وهذا هو مقصودنا، فإذاً لا فرح لهم فيما أوردوه لمطابقته لما قلناه.
وأما من زعم أن مقدار المسح من اليدين أربع أصابع فقد قالوا: إن الآية واردة بمطلق المسح فيجب حمله على أقل ما يطلق عليه المسح وأقله بالأنامل الأربع.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه إذا كان المقصود هو الاقتصار على الأقل فالأصبع الواحدة كافية في المسح فلا حاجة إلى التقدير بالأربع فتقديره بالأربع تحكم لا مستند له من جهة الشرع.
وأما ثانياً: فلأن هذه المقالة لم تُحكَ عن أحد من الصحابة والتابعين، فلا جرم حكمنا ببطلانها لمخالفتها لأقاويل العلماء من غير أن تكون عليها دلالة شرعية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لو لطخ على وجهه ويديه بالطين المبلول لم يجزه؛ لأنه لا يقع عليه اسم التراب كما مر.

والحجة على ذلك: ما رواه عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل في طين لا يمكنه الخروج منه، فقال: يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فيتركه حتى يجف فإذا جف تيمم به، ولا يعرف له مخالف.
وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه كان بمنزلة من لم يجد ماء ولا تراباً، فهل يصلي على هذه الحالة أم لا؟ فيه تردد.
فحكي عن أبي حنيفة أنه تحرم عليه الصلاة ويقضي، وعن الشافعي أنه يصلي على هذه الحالة ويقضي، وعن مالك لا يصلي ولا يقضي.
والمختار عندنا: أنه يصلي ولا يقضي.
والحجة على ما قلناه: خبر أسيد بن حضير أنه أمره رسول اللّه في طلب قلادة لعائشة فحضرت الصلاة ولا ماء معهم فصلوا بغير طهارة فأتوا الرسول فسألوه عن ذلك فنزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم ولا أمرهم بالقضاء، ويحتمل وجوب الإعادة لان ما هذا حاله نادر وإنما لم يأمرهم الرسول بالإعادة لأن الإعادة على التراخي ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقد تقدم في الفرع الحادي عشر من مسألة ما يستباح بالتيمم وهي آخر الفصل الثاني في فصول التيمم.
الفرع الثاني: وإن ألصق رجل على يديه ووجهه لصوقاً فإن كان نزع اللصوق يضره وأراد التيمم فإنه يمسح على اللصوق بالتراب وإن كان لا يضره نَزَعَهَا وتيمم، وهكذا الحكم في العصابة والجبيرة.
والحجة على ذلك:هو أن إزالة اللصوق فيه حرج ومشقة كما ذكرناه فلهذا سقط حكمه لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
وهل تجب عليه الإعادة إذا برأ؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا تجب عليه الإعادة وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنها تجب.
والحجة على ما قلناه: قوله : ((لا ظهران في يوم)) ولأنه قد أدَّى الفرض على حكم الخطاب فلا تلزمه الإعادة كما لو كان صحيحاً.

الفرع الثالث: وإن قُطعت يده من الكوع وجب مسح الذراع إلى المرفق لأن الباقي موضع للفرض فلا يسقط بزوال الكف، وهكذا إذا قطع من وسط الذراع يجب مسح الباقي لما ذكرناه، وإن قطع من المرفق هل يتوجه مسح الباقي أم لا؟ فيه تردد، وظاهر مذهب أصحابنا وجوب مسحه إذا تيمم وهو محكي عن أكثر الحنفية.
والمختار: أنه لا يجب مسحه لأن مسحه إنما كان بإدخال الحد في المحدود، وهذا إنما يكون مع الإيصال للمحدود بالحد فأما مع القطع فلا وجه، وهو محكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة، ولأن المرفق اسم لطرف الذراع مما يلي العضد فإذا قطع بطل المرفق فلا وجه لمسح طرف العضد من غير دلالة.
الفرع الرابع:اليد الشلاء التي لا حراك بها سواء كان فيها حياة أو لم تكن، يجب غسلها في الوضوء ومسحها في التيمم للآية والخبر فإنهما جميعاً متناولان لها ولا أعرف قائلاً بخلاف ذلك، ولأنها كاملة في الخلقة وإن نقصت الحياة والقدرة فيجب مسحها كاليد الصحيحة، والأصبع السادسة يجب مسحها لأنها من جملة أصابع اليد لما ذكرناه من الأدلة الشرعية.
مسألة: والترتيب مشروع في عضوي التيمم للآية والفعل، أما الآية فقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " }[المائدة: 6]. وأما الفعل فلما روي عنه أنه مسح وجهه ويديه، فظاهر الآية والفعل يدلان على أنه مشروع كما أشرنا إليه، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب واجب فيبدأ بالوجه ثم يردفه باليدين وهذا هو المحكي عن أئمة العترة ومروي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وقتادة وأبي ثور وأبي عبيدة.

والحجة على ذلك: هو أنه تعالى قال عقيب قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ " }[المائدة:6]. فأوجب البداية بمسح الوجه لأن الفاء موضوعة للترتيب والتعقيب جميعاً عند أئمة الآدب من النحاة وأهل اللغة، وإذا وجبت البداية بالوجه دل على ما قلناه من وجوب الترتيب.
الحجة الثانية: فعله ، فإنه بيان لما أجملته الآية في المقدار فإنه بدأ بمسح وجهه وثنى بمسح يديه، والبيان يجب أن يكون مطابقاً للمبين فإذا كان الترتيب مرعياً بالوجوب في المبين وجب في بيانه أن يكون كذلك من غير تفرقة بينهما.
المذهب الثاني:أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة ومروي عن مالك والثوري والأوزاعي.
والحجة على ذلك: هو أن نظام الآية مسوق بالواو، والواو موضوعة للجمع من غير ترتيب، وهو محكي عن سيبويه وغيره من النحاة كالمبرد والمازني.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وغيرهم من فقهاء العامة، والبرهان عليه ما حكيناه عنهم من الدلالة ونزيد هاهنا، وهو أن الطهارات أمور غيبية استأثر اللّه بأسرارها وقد بدأ رسول اللّه بمسح وجهه وثنى بمسح ذراعيه، وما فعله فلا يجوز تغييره خاصة في أسرار الطهارات فلا يجوز العدول عنه من غير دلالة.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم.
قالوا: الواو موضوعة بالحقيقة للعطف من غير ترتيب فلا يجوز العدول عن الحقيقة من غير دلالة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه قد نقل أنها حقيقة في الترتيب عن جماعة من أهل الأدب والنحاة فهو يعارض ما ذكرتموه.
وثانيهما: أنا لو سلمنا كونها مجازاً في الترتيب فإنما عدلنا إلى المجاز لما ذكرناه من الدلالة فلهذا عدلنا إلى القول بمجازها توفقة بين الأدلة، والمجازات في كتاب اللّه تعالى أكثر من أن تحصى واستعمال المجازات في القرآن أكثر من استعمال الحقائق فإذا حملنا الواو على مجازها في عدم الترتيب لم يكن بدعاً.

مسألة: والترتيب مشروع أيضاً بين اليمنى واليسرى لما قررناه من الأدلة الشرعية من الأقوال والأفعال فلا وجه لتكريره. وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة لا يختلفون فيه وهو رأي الإمامية.
والحجة على ذلك: هو ما دل على وجوب الترتيب بين الوجه واليدين فهو بعينه دال على وجوب الترتيب بين اليمنى واليسرى، وقد أسلفناه فلا وجه لتكريره.
المذهب الثاني: أنه مستحب وليس وا جباً، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه فأما أبو حنيفة فإنه مخالف لوجوب الترتيب في الطهارتين جميعاً بين الأعضاء كلها.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " }[المائدة:6] ولم يفصل في المسح بين اليمنى واليسرى.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه مسح يده اليمنى قبل اليسرى فيجب التأسي بفعله لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ}[الأعراف:158] وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " }[الأحزاب:21]. ولن يكون التأسي إلا بأن يفعل مثل فعله على الوجه الذي فعله لأنه فعله، فعلى هذا يكون التأسي به، وقد قدم اليمنى على اليسرى في تيممه فلهذا وجب اتباعه فيه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا:الآية دالة على بطلان الترتيب بين اليمنى واليسرى لقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ " }[المائدة: 6]. ولم يفصل في مسحهما.
قلنا: الآية مجملة في مقدار المسح وكيفيته، والفعل يكون بيانا للخطابات المجملة كالبيان بالخطاب فإنهما سيان في البيان، وقد أوضح التيمم بفعله بتقديم اليمنى على اليسرى فوجب الإنقياد لفعله كالإنقياد لأمره من غير فرق، فهذه جملة الفروض في التيمم قد ذكرناها بأدلتها وتفاصيلها وجملتها أمور سبعة:
أولها: إحضار التراب المطلق.
وثانيها: القصد إلى الصعيد.
وثالثها: نقل التراب إلى أعضاء التيمم.

ورابعها: النية للصلاة التي استباح بها.
وخامسها: مسح الوجه.
وسادسها: مسح اليدين.
وسابعها: الترتيب.

116 / 279
ع
En
A+
A-