وأما ثانياً: فلأن الأخبار مطلقة والآية وردت مقيدة بالنية، والمطلق من حقه حمله على المقيد؛ لأنا إذا حملناه على المقيد كان فيه عمل بالدليلين جميعاً، وإذا عملنا على أحدهما دون الآخر كان فيه إبطال لأحدهما، فلا جرم حملنا الأخبار مع إطلاقها على كونها دالة على النية بمعناها حملاً لها على الآية لكونها دالة على النية بصريحها جمعاً بينهما.
قالوا: طهارة. فوجب أن لا تعتبر فيها النية كالطهارة من النجاسة والجامع بينهما كونهما طهارتين تقصدان من أجل الصلاة.
قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة بالماء فافترقا.
وأبطل ما يكون لقاعدة القياس الفرق، فإنه مهما كان مبطلاً للجامع بطل القياس ومن أجل ذلك كان العذر لأبي حنيفة في إبطال النية في الوضوء أدخل من عذر هؤلاء في إبطال النية قياساً على طهارة النجس لما كان الوضوء مشاركاً للنجاسة في كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة بالماء، فلهذا كان ما قالوه باطلاً لما بينهما من المخالفة في جنس الطهارة.
قالوا: وصلة إلى الصلاة فلا تعتبر فيها النية كستر العورة.
قلنا: المعنى في الأصل هو أن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، بخلاف التيمم فإنه لا يقصد إلا للعبادة فقط فافترقا، على أن هذا معارض بقياس مثله، وهو أن التيمم عبادة فوجب اعتبار النية فيها كالصلاة والحجّ، وما ذكرناه من الأقيسة فهي راحجة على ما قالوه من جهة أن النية معتبرة في أصل العبادات كلها والتيمم منها وما ذكروه من سقوط النية فيه توجب مخالفته كسائر العبادات. فمن أجل ذلك [كانت] اقيستنا أحق بالقبول، وممن قال بإسقاط النية في التيمم الشيخ أبو علي الجبائي وقد فسد بما أوردناه.
الفرع الثالث: في كيفية النية في التيمم للصلاة، وفيه مذاهب ثلاثة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
المذهب الأول: أن النية تكون فيه من أجل رفع الحدث، وهذا هو الذي حكيناه عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر.

والحجة لهم على ذلك: هو أنها طهارة تقصد من أجل الصلاة فوجب أن تكون رافعة للحدث كالوضوء، وعلى هذا إذا تيمم فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل من غير تقييد ولا تبطل إلا بما يُبطل الوضوء ولا تنتقض برؤية الماء كالطهارة بالماء.
المذهب الثاني: أن النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة وهو أن ينوي بالتيمم الفرض بعينه ولا يجوز أن ينوي به استباحة الصلاة ولا رفع الحدث ولا ينوي به الفرض على الإطلاق، وهذا هو رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ " }[المائدة:6] ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[المائدة:6] وتقرير هذه الدلالة هو أن اللّه تعالى اعتبر غسل هذه الأعضاء التي يكون القصد بها القيام إلى تلك الصلاة المعينة ثم عطف عليها حكم التيمم عند عدم الماء. فدل ظاهر الآية على أن النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة التي قيم إليها على جهة التعيين في الوضوء والتيمم جميعاً وهذا هو المطلوب.
الحجة [الثانية]: ما روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا تصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم تيمم للصلاة الأخرى(1).
وهذا فيه دلالة على أن النية لابد من أن تكون متعلقة بتلك الصلاة وليس ذلك إلا على الوجه الذي لخصناه.
المذهب الثالث: أن تكون النية فيه من أجل استباحة الصلاة، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا ما حكاه الجصاص من أصحابه فإنه قال: يحتاج إلى التعيين للصلاة، مثل مذهب الشافعي.
__________
(1) أورده في (الروض) عن ابن عباس قال: قال علي-يعني: الدارقطني-: الحسن بن عمارة ضعيف. اه‍، 1/470.

والحجة على ما قاله الإمامان ومن وافقهما، هو أن الوضوء طهارة كاملة تفعل في حال الرفاهية، والتيمم طهارة ناقصة تفعل في حال العذر والضرورة، فالوضوء لا محالة رافع للحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع للحدث، فلما كان الأمر فيه كما قلناه وجب أن تكون النية فيه من أجل استباحة ما كان محظوراً قبله ليكون ذلك تفرقة بين الطهارتين، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله والناصر وهو أن النية تكون فيه من أجل استباحة الصلاة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن الوضوء والتيمم واجبان في سياق الآية التي تلوناها، وظاهر الآية دال على كونهما موضوعين لاستباحة الصلاة إذ ليس في ظاهر الآية ما يشعر بكونهما رافعين للحدث، لكن قام البرهان الشرعي على أن الوضوء رافع للحدث وبقيت الآية دالة بظاهرها على ان التيمم موضوع لإستباحة الصلاة، وهكذا حال الأخبار فإن ظاهرها دال على كون التيمم وضع بالشرع للإستباحة، فلا جرم قلنا إنه يجب أن ينوي به الإستباحة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
فأما من زعم أنه رافع للحدث وأنه يجب أن ينوي رفع الحدث لتكون النية مطابقة للمقصود منه فقد أفسدناه من قبل فأغنى عن الإعادة، وأما ما حكي عن الهادي والشافعي من أنه لا بد في النية من اعتبار تلك الصلاة بعينها ولا يجوز أن ينوي رفع الحدث اعتماداً على أن آية الوضوء دالة على أنه لا بد من تعيين تلك الصلاة كما في الوضوء.
فعنه جوابان:
أما أولاً: فلانا لا نسلم أن الصلاة في الآية معينة وإنما المراد جنس الصلاة كأنه قال: إذا قمتم إلى ما يسمى صلاة.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا ما ذكرتموه في الوضوء لظاهر الآية فإنه دال عليه لكن لا نسلمه في التيمم لأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم فافترقا.

قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا فريضة واحدة، وفي هذا دلالة على أن النية في التيمم متعلقة بالصلاة كما قلناه.
قلنا: هذا فاسد، فإن مراد ابن عباس إنما هو كلام فيما تؤدى به وما لا تؤدى وليس في كلامه ما يشعر بأن قصده تعلق النية بالصلاة المعينة، فأين أحدهما عن الآخر؟ على أنه يحتمل أن يكون مذهباً لابن عباس فلا يكون فيه دلالة على ما نحن فيه. فتقرر بما لخصناه أن تعلق النية في التيمم إنما هو استباحة الصلاة والله أعلم.
الفرع الرابع: الذي يأتي على رأي الهادي أنه لا يجزيه التيمم إلا إذا نوى صلاة بعينها فريضة كانت أو نافلة لأنه عنده غير رافع للحدث، ولا يجوز أن تؤدى به أكثر من فريضة واحدة ولم يخرج عن هذا إلا نافلة الصلاة فإنها مندرجة تحت الفريضة سواء تقدمت قبلها أو تأخرت عنها، والوتر في حكم النافلة للعشاء كما مر بيانه، فإن نوى استباحة الصلاة لم يكن التيمم مجزياً له.
والذي يأتي على رأي المؤيد بالله أنه إذا نوى بالتيمم استباحة الصلاة أجزأه ذلك لكنه لا يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ونافلتها لكن نية الإستباحة للصلاة كافية في كونه مجزياً لأي صلاة على الإنفراد أداها.
والذي يأتي على رأي الناصر أنه إذا نوى استباحة الصلاة أجزأه لكنه على رأيه يجوز أن يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ما لم ينتقض بنواقض الوضوء أو برؤية الماء وتجدد طلبه، فرأيه في كيفية النية كرأي المؤيد بالله خلا أنه يخالفه في جواز تأدية الفروض والسنن من الصلاة بتيمم واحد كما مر شرحه، والمؤيد بالله لا يرى ذلك.
فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المختار ما قاله الناصر في المسألتين جميعاً:
إحداهما: جواز تأدية الصلوات الكثيرة بالتيمم الواحد فرضاً كانت أو نفلاً أو غير ذلك من أنواع القرب.
والثانية:أن المجزي من النية هو أن ينوي استباحة الصلاة.

الفرع الخامس: في بيان وقت النية، وإذا كانت النية واجبة فمتى يجب فعلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن وقتها هو عند مسح الوجه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله؛ لأنه أول عضو من أعضاء الوضوء فلأجل ذلك كان محلاً للنية كما قلناه في الوضوء أن وقت النية هو غسل الوجه، فنحرر ونقول: أول عضو من أعضاء الطهارة فوجب أن يكون محلاً للنية كالوضوء. فهذا تقرير كلام الناصر والمؤيد بالله.
وأما الهادي فليس يقيسه على الوضوء لأن أول أعضاء الطهارة عنده في الوضوء هو غسل الفرجين كما مر تفصيله لكنه يأخذه من ظاهر الآية وهو قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا " }[المائدة:6]. فإذا كان ظاهر الآية لابد من اعتبار النية فيه فيجب أن يكون محلها هو مسح الوجه إذ ليس قبله شيء من أعضاء الطهارة فيكون محلاً لها.
وثانيهما: أن يكون محل النية هو عند الضرب باليدين على التراب وهو الذي يأتي على كلام أحمد بن يحيى وأبي العباس؛ لأنهما يوجبان غسل اليدين عند إدخالهما الإناء وعلى هذه يكون محل النية عندهما في التيمم هو عند ضرب اليدين على التراب من جهة أن الضرب بالكفين على التراب بمنزلة غسل الدين قبل غسل الوجه فلهذا اقتضى ذلك على رأيهما.
والمختار: هو الأول لأمرين:
أما أولاً: فلأن مسح الوجه هو أول العبادة فلأجل ذلك كانت النية متعلقة بها.
وأما ثانياً: فلأن وضع اليدين على التراب ليس جزءاً من العبادة ولا بعضاً من أبعاضها وإنما هو وصلة إلى العبادة ينزل منزلة نقل المطهرة ووضعها للوضوء فكما أن ما هذا حاله ليس محلاً للنية فهكذا وضع اليدين على التراب.
الفرع السادس: في تغيير النية وصرفها.
اعلم أنا قد ذكرنا فيما سلف حكم تغيير النية وصرفها في الوضوء. والذي نذكره ههنا هو صرفها وتغييرها في التيمم من جهة أنهما طهارتان تتفقان في أكثر أحكامهما.

فنقول: النية إذا وقعت في أول الفعل المنوي فمن حقها أن تكون جارية على جهة الموافقة من غير مخالفة فإذا نوى عند مسحه لوجهه استباحة الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله والناصر، أو نوى الصلاة المعينة كما هو رأي الهادي والشافعي ثم غير نيته عند مسح اليدين نظرت، فإن كان مسحهما بنية التعفير بطلت لأنه لابد من اعتبار القربة في مسحهما فإذا مسحهما بنية التعفير كان مباحاً وفي ذلك بطلان القربة والواجب عليه أن يعود إلى مسحهما بنية القربة وهو استباحة الصلاة ولا يجب عليه العود إلى مسح الوجه لأنه قد مسحه بنية استباحة الصلاة، وإن كان مسحه لهما بنية قربة أخرى كأن يمسح الوجه بنية استباحة الصلاة ويمسح اليدين بنية استباحة قراءة القرآن أو دخول المسجد أو غير ذلك من القرب أو بنية صلاة أخرى، فعلى رأي الهادي والمؤيد بالله والشافعي أنه يعود إلى الموضع الذي غير فيه النية فيمسحه بالنية المطابقة لنية الوجه من جهة أن التيمم عند هؤلاء لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة بعينها، فلهذا وجب عليه العود إلى موضع التغيير لتكون النية و احدة في جميع أعضاء التيمم لتكون مجزية فيه، ويوضح ذلك أن تغيير النية إذا كان مبطلاً للوضوء مع كونه رافعاً للحدث فلأن يكون تغييرها مبطلاً للتيمم مع أنه غير رافع للحدث أولى وأحق.
وأما على رأي الناصر وهو قول أبي حنيفة، والمختار عندنا: فإنه إذا مسح الوجه بنية استباحة الصلاة ومسح اليدين بنية فرض معين أو مسح الوجه بنية فرض مطلق ومسح اليدين بنية فرض معين ففيه احتمالان:
أحدهما: أنه لا يجزي لنقصان التيمم وكونه طهارة ضرورية فلا بد من أن تكون النية فيه على جهة الإطراد من غير مخالفة؛ لأن الوضوء إذا كانت النية مؤثرة في صحته إذا كانت متغيرة فلأن تكون مؤثرة في صحة التيمم بالزوال والإبطال أحق.

وثانيهما: أنه يكون مجزياً لأن التيمم الواحد يجوز أن تؤدى به أكثر من فريضة واحدة فإذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة كان مجزياً كالوضوء كما مر شرحه فإنه إذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة فإنه يكون مجزياً كما لو غير من فرض إلى فرض أو من فرض إلى نفل. وقلنا: مع استكمال القربة، نحترز به عما لو غيره من فرض إلى مباح فإنه يبطله لعدم القربة في ذلك.
الفرع السابع:في حكم النية في التيمم، ولها بالإضافة إلى الإجزاء أحوال سبعة(1):
الأولى: أن ينوي رفع الحدث فلا يصح التيمم؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ولهذا فإنه يجب الوضوء أو الغسل على المحدث والجنب إذا رأيا الماء، وحكي عن أبي العباس بن سريج من أصحاب الشافعي أنه يرفع الحدث في فريضة واحدة، وقد قررنا دليله فأغنى عن الإعادة.
الثانية: إذا نوى استباحة الصلاة جاز وهو المختار على ما أوضحناه آنفاً، وإن نوى به الإستباحة عن الحدث وهو جنب أو عن الجنابة وهو محدث لم يضره لأنه غلط وذكر ما يستغنى عن ذكره.
الثالثة: أن ينوي بتيممه الفرض والنفل جميعاً على الإطلاق.
فالمختار: صحة تيممه، وقيل: يقتصر على النفل، وهو بعيد.
الرابعة: إذا نوى الفرض مطلقاً جاز له أن يؤدي به النفل على جهة التبعية.
الخامسة: إذا نوى النفل مطلقاً فهل يؤدي به الفرض؟ فيه تردد.
والمختار: جوازه ويجوز تأدية النفل به إذا كان معيناً.
السادسة: إذا نوى النفل المعين جاز له تأدية الفرض به والنفل جميعاً.
السابعة: إذا نوى به تأدية فرضين جاز ذلك على ما اخترناه من جواز تأدية أكثر من فرض واحد بتيمم واحد.
مسألة: ويجب مسح الوجه ولا خلاف فيه لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ}..الآية. ولأنه مسح وجهه، وفِعْلُه بيان لما أجملته الآية لحديث أسلع حين مسح وجهه بيانا له وتعريفاً له كيف يتيمم.
__________
(1) لعل الأقرب إلى الصواب (حالات سبع) لتتناسب مع قوله: الأولى... الثانية...إلخ.

وهل يجب الإستيعاب للوجه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب استيعاب الوجه مسحاً وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن المؤيد بالله وأبي طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ}. وظاهره دال على الإستيعاب، ولأنه صلى الله عليه وآله مسح وجهه بكفيه، وظاهره دال على التعميم، ولأنها طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها تعميم وظيفتها كغسل الوجه.
المذهب الثاني: أنه لا يجب الإستيعاب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة فإنه قال: لو اقتصر على ربع الوجه في المسح جاز وهو ظاهر كلامه فإنه قال: يمسح وجهه أصاب ما أصاب وبقي ما بقي.
والحجة على ذلك: هو أن الخطاب بالمسح وفعله فيهما دلالة على ما قلناه من بطلان التعميم والإستيعاب لأن المسح خفيف الغسل وهو مفارقه إلا أن المسح يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ لأنها طهارة يتوصل بها إلى الصلاة فلا يكون من شرطها التعميم، كالمسح على الرأس.
والمختار عندنا: أن الإستيعاب غير مشروط في مسح الوجه.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية شرعت عند إعواز الماء وعدمه، والمقصود هو الوفاء بالتعبد، فهذه الوظيفة في الخضوع والذلة بالصاق كرائم الوجوه بالتراب فإنها أعز الأعضاء والتراب أوضع ما يكون فلا جرم كان المقصود حاصلاً من غير استيعاب ولا تعميم في العضو كما أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: ظاهر الآية دال على الإستيعاب.
قلنا: لا نسلم بل هي دالة على مطلق المسح من غير إشارة إلى قيد من قيوده وهو حاصل من غير تعميم.
قالوا: إنه مسح وجهه بكفيه وفيه دلالة على الإستيعاب.
قلنا: هذا من الطراز الأول فلعله دال على مطلق المسح وليس فيه دلالة على الإستيعاب كما قلتم.
قالوا: طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها التعميم كغسل الوجه.

قلنا: نحن نقول بموجب قياسكم هذا فإنا لا نسلم الإستيعاب لما أصاب الكف دون مالم يصب وننكر ما قلتموه من وجوب التعميم لجميع الوجه والقول بالموجب يبطل القياس مع الإستمرار على الخلاف.
مسألة: وهل يجب تخليل اللحية وإيصال التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين وأهداب العينين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول:تخليل اللحية بالتراب واجب، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله. والتخليل:هو إ دخال أصابع اليدين في شعر اللحية.
والحجة على ذلك:هو أن ما في أثناء تخليل اللحية من الشعر من الوجه وستره لا يوجب خروجه من الوجه فلهذا وجب إمساسه التراب بالتخليل ولأنها طهارة تقصد للصلاة فكان من شرطها تخليل اللحية كالوضوء.
المذهب الثاني: أن التخليل في اللحية بالتراب غير واجب وهو الذي يشير إليه كلام الناصر وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المشقة حاصلة بتخليل اللحية بالتراب فلهذا لم تكن مشروعة في التيمم، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " }[الحج:78]. وقوله : ((بعثت بالحنفية السمحة " ))(1).
__________
(1) جاء هذا في حديث طويل وبروايات وألفاظ عدة، منها ما رواه الترمذي وأبو داؤد عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله في سرية من سراياه، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما كان حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا، إلى أن قال: فذكرت ذلك لرسول الله فقال له النبي: ((لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكن بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة)) وفيه من رواية عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله يومئذٍ: ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة)). اه‍. مسند احمد رقم الحديث 21460.

والمختار عندنا: ما حكيناه عن الناصر وغيره من أن تخليل اللحية غير واجب بالتراب لما ذكرناه من أن الطهارة بالتراب طهارة بدلية عن الماء قصد بها التخفيف عند عدم الماء وإعوازه وتعذر استعماله، وتخليل اللحية ينافي التخفيف في هذه الوظيفة، فلا جرم لم يكن مشروعاً ولأنه قد ذكرنا من قبل أن الإستيعاب في المسح غير واجب فهكذا تخليل اللحية أدخل في عدم الوجوب لأن عدم التعميم ترك جزء من أجزاء الوجه واليدين، وتخليل اللحية ليس فيه ترك جزء من أجزاء العضوين فلهذا كان أظهر في ترك الوجوب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه دلالة.
قالوا: تخليل اللحية من الوجه.
قلنا: لا نسلم لأن التخليل تفريق الشعر وليس جزءاً من الوجه، ثم إنا لو سلمنا كونه جزءاً فإجراء اليد بالمسح كافٍ عن التخليل فلا حاجة إليه.
قالوا: طهارة يقصد بها الصلاة فكان من شرطها التخليل كالوضوء.

115 / 279
ع
En
A+
A-