واعلم أنهم قد اعتمدوا في بطلان التيمم على أنه ينتقض بخروج الوقت كالمستحاضة وعلى أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة وهذا فاسد، فإن التيمم ليس رافعاً للحدث وإنما هو مقصود للإستباحة فيما كان محظوراً قبله ودخول الوقت لا يبطل هذه الإستباحة بل هي مستمرة على ما كانت عليه والوقت باق بخلاف المستحاضة فإن طهارتها رافعة للحدث فلا جرم انتقض بدخول الوقت لقوله :((توضئي لكل صلاة " ))(1)
فافترقا، وإن بنوه على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة فهذا أصل قد مهدنا فساده وقررنا جوازه(2)
فلا مطمع في إعادته.
فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن التيمم لا يبطل بدخول الوقت وأن الصلاة صحيحة بتأدية بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت كالصلاة بالوضوء، وسيأتي لهذا مزيد تقرير فيمن أدرك ركعة من الصلاة بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السابع: اعلم أن التيمم كما أسلفنا غير رافع للحدث وإنما المقصود به هو استباحة ما كان محظوراً من دونه من العبادات التي اشْتُرِطَ فيها الطهارة، وما ورد عليه من الأمور الناقضة له فليس حدثاً في حقه وإ نما بطل من أجل زوال شرط صحته وذلك[في] أمور خمسة:
أولها: انتقاضه بالحدث الأصغر، وإنما كان ناقضاً له لأن التيمم إنما يراد من أجله فلهذا كان ناقضاً له فإذا تيمم انتقض بخروج الغائط والبول لأنهما لذاتهما مبطلان له لما وجب التيمم من أجلهما.
__________
(1) سيأتي في الحيض.
(2) في الفرع السادس من (مسألة في ما يستباح بالتيمم).
وثانيها: الحدث الأكبر، وهو خروج المني لشهوة فإنه مبطل للتيمم فإنه إذا تيمم ثم أنزل المني فإنه ناقض له كما ذكرناه في الوضوء لأن المني موجب للتيمم عند عدم الماء للصلاة، فإذا طرأ كان موجباً لنقضه وإبطاله، فحصل من هذا أن التيمم من الحدث الأصغر ينتقض بما ينتقض به الوضوء وأن التيمم من الحدث الأكبر ينتقض بالحدث الأكبر والأصغر لكنه إذا انتقض بالحدث الأكبر لم يجز له الصلاة ولا قراءة القرآن ولا دخول المسجد، وإذا انتقض بالحدث الأصغر جاز له قراءة القرآن ودخول المسجد ولا يجوز له الصلاة لأن التيمم من الحدث الأكبر بمنزلة الغسل، فلهذا كان الأمر فيه كما قررناه، والتيمم من الحدث الأصغر بمنزلة الوضوء فلهذا نقضه ينقض الوضوء.
وثالثها: رؤية الماء، يكون مبطلاً للتيمم لأن الشرط في انعقاد التيمم والشرط في كونه مبيحاً لما كان محظوراً إنما هو عدم الماء كما هو من ظاهر الآية في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[النساء:43].
ورابعها: تجدد الطلب(1)
فإن الطلب شرط في إنعقاد التيمم فإذا تيمم من غير طلب لم يكن منعقداً ولم يجز أن يستباح به شيء مما كان محظوراً وإن طلب ثم تيمم ثم طلع عليه ركب قبل الصلاة انتقض تيممه(2)
__________
(1) تجدد الطلب شرط في انعقاد التيمم لا ناقضاً، ولعل المؤلف قصد أن الناقض هنا هو إذا طلع عليه ركب قبل الصلاة.
(2) في حاشية الأصل: إن تبين أن معهم ماء يتمكن من الوضوء به بشراء أو بغيره. اه.
لأنه يجوز أن يكون معهم ماء ولم يطلبه منهم فلهذا كان منتقضاً لما لم يجدد الطلب الذي هو شرط في انعقاده، وإن تيمم ثم دخل في الصلاة المكتوبة ثم رعف فإنه يجب عليه الإنصراف، فإن وجد الماء لزمه أن يغسل ما أصابه من الدم ثم يتوضأ، وإن طلب الماء فلم يجد إلا ما يغسل به الدم عنه، فإنه يبدأ بغسله عنه لأنه لا بدل له ويجب عليه أن يستأنف التيمم لأنه لما لزمه الطلب بطل تيممه الأول فلأجل هذا وجب عليه استئنافه.
وخامسها: فوات وقت الصلاة التي أداها بالتيمم ولم يفرغ منها، فإن ما هذا حاله يبطل تيممه كما تبطل طهارة المستحاضة بدخول الوقت، وهذا [هو]الذي حصله بعض فقهاء المذهب تخريجاً على رأي الهادي وقد أوضحنا القول فيه فلا فائدة في إعادته، فهذه الأمور كلها مبطلة للتيمم على رأي من لا يقول بكونه رافعاً للحدث، فأما على رأي من قال بكونه رافعاً للحدث فإنه لا ينتقض إلا بما كان ينقض الوضوء لا غير كخروج الخارج بولاً كان أو غائطاً أو منياً أو غير ذلك من النواقض التي أسلفنا تحقيقها ولا ينتقض برؤية الماء ولا بتجدد الطلب كما لا ينقض الوضوء.
الفرع الثامن: إذا تحرى وغلب على ظنه عند فعله التيمم، [أن] الوقت يتسع للتيمم وأداء الفريضة ثم لما فرغ من التيمم غلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من ذلك قبل فعله للصلاة، فهل يصح تيممه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن تيممه صحيح ولا يبطل بغلبة الظن بما ذكرناه.
والحجة على ذلك: هو أن التيمم عبادة فُعِلت على جهة التحري فلا تبطل بمخالفة التحري كالصلاة.
وثانيهما: أنه يكون باطلاً.
والحجة على ذلك: هو أن من شرط صحة التيمم أن يكون في آخر الوقت فإذا تحرى وغلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من أداء الفريضة كان التيمم واقعاً على فساد كما لو وقع في أول الوقت.
والمختار: هو الأول لأن فعل التيمم إنما تكون تأديته بالتحري فلو أبطلناه بتحرٍ على مخالفته لكان في ذلك نقض للإجتهاد بمثله وهذا محال إذ ليس أحدهما بأحق بالفساد من الآخر فيجب القضاء بصحة التحري الأول ولا ينقضه انكشافه على مخالفته، وإذا قضينا بصحة التيمم أدى به الصلاة في آخر الوقت وكان عليه التربص حتى يغلب على ظنه تأدية الصلاة في آخر وقتها كما مر بيانه، هذا كله تفريع على رأي من يوجب تأخير التيمم للصلاة، فأما على رأي من يقضي بجواز التيمم للصلاة في أول وقتها فإنه لا يفتقر إلى تحرٍ لآخر الوقت فضلاً عن أن يكون تحريه موافقاً أو غير موافق كما هو المختار، لا يقال: فإذا كان التيمم صحيحاً تفريعاً على رأي من أوجب تأخيره فلِمَ لا يجوز فعل الصلاة ولأي شيء ينتظر بالصلاة مع كونه صحيحا؟ لأنا نقول: التيمم ليس مقصوداً لنفسه وإنما يراد للصلاة والواجب تأخيرها في آخر وقت يغلب على ظنه، فلا جرم قضينا بصحة التيمم ووجوب تأخير الصلاة لما ذكرناه. ويمكن نصرة جانب الإبطال للتيمم بأن يقال: إنه بدل وفعل التيمم لا يكون إلا مع الإياس وبعد الإنكشاف إن في الوقت بقية لا يكون آيساً عن وجود الماء فلأجل هذا قضينا ببطلانه واستئناف تيمم آخرتؤدى به الصلاة.
الفرع التاسع: والجنب والمحدث إذا وجدا الماء وخافا أنهما لو استعملاه في الوضوء والغسل فاتهما وقت الصلاة، أو كان هاهنا جماعة معهم دلوٌ ينزحون به الماء وخاف بعضهم فوت الوقت حتى تنتهي إليه النوبة، أو جماعة معهم حبل يتداولونه للنزح فخاف بعضهم فوت الوقت لو صبر إلى نوبته، فهذه الصور كلها وماشاكلها هل يجب عليه الصبر حتى تأتي نوبته فيصلي بالطهارة بالماء أو يتيمم؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يصبر حتى تأتي نوبته ولا يجوز له التيمم، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيدم بالله. وهو الأصح من قول الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " }[النساء:43] فالإباحة للتيمم إنما هي بشرط عدم الماء ومن هذه حاله فإنه واجد فلا يجوز له التيمم بحال.
المذهب الثاني: أنه إذا خاف فوات الصلاة عند اشتغاله بالوضوء والغسل تيمم، وهذا هو الذي كان يذهب إليه أحمد بن يحيى وهو محكي عن الشافعي في بعض مسائله. قال أحمد بن يحيى: فإن استيقظ قرب طلوع الشمس جُنباً تيمم وصلى وأعادها بعد الغسل.
والحجة على ذلك: هو أن الوضوء والغسل ليسا مقصودين وإنما هما وُصلتان إلى العبادة والمقصود هو الصلاة فإذا كانت الصلاة فائتة عند الإشتغال بالوضوء والغسل وكان المقصود يحصل بالتيمم، لا جرم وجب التيمم لما ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله.
والحجة: ما قالاه، ونزيد ههنا وهو: أن الظواهر الشرعية والأحاديث النبوية كلها مشعرة بأن التيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء فلأجل ذلك قضينا بأنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: المقصود هو العبادة دون الوضوء والغسل وهي حاصلة بالتيمم دون الطهارة بالماء فلهذا وجب التيمم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن المقصود هو العبادة وحدها وإنما المقصود الوضوء مع الصلاة والغسل مع الصلاة فلا وجه لقولكم إن المقصود هو العبادة وحدها.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أن العبادة هي المقصودة وحدها وأن الوضوء والغسل وصلتان إليها لكنا نقول إن الشرع قد دل بظاهره على أن الشرط في استعمال التراب إنما هو عدم الماء فأما مع وجوده فلا وجه له، وفي هذه المسألة الماء موجود فلا وجه لكونه مجزياً معه فبطل ما توهموه.
الفرع العاشر: اعلم أن العلماء متفقون على أن التيمم طهارة ضرورية، وقال الناصر: التيمم وضوء الضرورة، وأراد بكونه ضرورياً مخالفته للطهارة. وذلك يحصل من أوجه خمسة:
أولها: بالإضافة إلى اسمه وتسميته طهارة مجاز لأمرين:
أما أولاً: فمن جهة اللغة، فإن الطهارة هي النقاء عن مواقعة الغبرات والإزالة عن التضمخ بالقاذورات وليس في استعمال التراب والتلوث به طهارة ولا نقاء.
وأما ثانياً: فمن جهة الشرع، وهو عبارة عن غسل هذه الأعضاء تنظيفاً لها وتطهيراً، وهذا المعنى غير موجود في التيمم فلأجل هذا كان تسميته طهارة على جهة المجاز والضرورة.
وثانيها: بالإضافة إلى وقته، فإن وقته ضيق إما بالإضافة إلى أوله فإنه لا يجوز فعله قبل دخول الوقت بخلاف الوضوء، ولا في أوله بعد دخول الوقت على رأي من قال بذلك، وإنما يتعين وقته في آخر الوقت كما قررناه، بخلاف الوضوء فإنه يجوز فعله في كل هذه الأوقات كما مر بيانه، ولا خلاف في جواز فعل الوضوء في هذه الأوقات إلا ما يحكى عن المهدي أحمد بن الحسين " (1) فإنه ذهب إلى أنه لا يجوز فعل
__________
(1) الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم[الرسي] بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. أطلق دعوته إلى الله سنة 646ه. فاستجاب له العلماء والشيعة من كثير من الأقطار، ودخل الحرمان الشريفان ضمن ولايته، وأطاعه كافة بني الحسن والحسين بالحجاز والمدينة، وبلغت دعوته الجيل والديلم، ونواحي العراق واليمن بكل علمائه، وامتثل لإمامته أئمة منهم: المتوكل على الله المطهر بن يحيى وعلي بن الحسين صاحب (اللمع) والمنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وأخوه الأمير الحسين، وذكر السيد العلامة أبو الحسين مجدالدين بن محمد المؤيدي في كتابه: التحف شرح الزلف. تحقيق الأستاذين محمد يحيى سالم عزان وعلي أحمد محمد الرازحي. طبعة أولى سنة 1414ه/1994م ما ملخصه ورود أحاديث ودلالات على مآثر لهذا الإمام تدل على مرتبته في الفضل والعلم والعدل، لا يتسع المقام هنا للخوض في تفاصيلها. ا هص 171.
الوضوء قبل دخول وقت الصلاة ولا يجوز فعله في الأوقات المكروهة وزعم أنه عبادة كالصلاة، ولم أعرف أحداً قال بهذه المقالة قبله.
و عمدته في ذلك قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " }[المائدة:6] ولا فائدة في القيام إلى الصلاة إلا في وقتها إذ لا حاجة في القيام إليها في غير وقتها.
والمختار: جوازه قبل دخول الوقت لقوله لمن علمه الوضوء: ((توض كما أمرك الله " )).ولم يخصه بوقت دون وقت كما خص اللّه الصلاة بالأوقات في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]. وقوله :((صلوا الصلاة لوقتها " فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر)) (1).
فخص الصلاة بالتوقيت دون الوضوء فدل ذلك على جواز ذلك في كل الأوقات، فأما قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ}. فليس الغرض بذلك القيام في وقتها وإنما قصد بذلك إذا نهضتم لتأدية الصلاة وأردتم تحصيلها فاغسلوا وجوهكم.
وثالثها: بالإضافة إلى ما تؤدى به الفريضة الواحدة ونافلتها على رأي من قال به، بخلاف الوضوء فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل.
ورابعها: بالإضافة إلى ما ينقضه، فإن الطهارة الحقيقية إنما تنتقض بخروج الخارج من السبيلين وما شاكله، بخلاف التيمم فإنه ينتقض برؤية الماء وتجدد الطلب فلهذا قضينا بكونه ضرورياً.
وخامسها: بالإضافة إلى كيفية تأثيره، فإنه إنما يراد لإباحة ما كان محظوراً ولا يكون رافعاً للحدث، بخلاف غيره من الطهارات فإنه رافع للحدث. فهذه الأمور الخمسة كلها دالة على كونه ضرورياً في التطهير وقد تم غرضنا فيما يتعلق بوقت التيمم بمعونة اللّه تعالى.
__________
(1) سيأتي.
---
كيفية التيمم
وأما كيفية التيمم: فاعلم أن كل من أراد التيمم فإنه يقصد إلى التراب الطاهر فيضرب بيديه عليه مصفوفتين ويفرج بين أصابعه ثم يرفعهما وينفضهما ثم يمسح بهما وجهه مسحاً غامراً ويدخل إبهاميه تحت غابته(1)
تخليلاً للحية إن كانت، ثم يضرب بهما ضربة أخرى فيمسح يمينه من ظاهرها من عند الأظفار بيده اليسرى فيمرها عليه إلى المرفق وراحته محفوظة لم يمسح بها ثم يقلب راحته على باطنها فيمرها على إبهامه فيمسح جميع ذلك، ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى فيمرها عليها إلى المرفق وراحته محفوظة لم يمسح بها، ثم يقلب راحته على باطنها فيمرها إلى إبهامه ويمسح جميع ذلك.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: إذا بقيت لمعة من الوجه أو من اليدين لم يمر عليها التراب فهل يجزيه التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجزيه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية والهارونية، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تراد للصلاة فيجب فيها إتمام وظيفتها كالوضوء.
المذهب الثاني: أنه إذا مسح أكثر وجهه أجزأه، وهذا هو الذي حكاه الحسن بن زياد (2) عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا مسح أكثر العضو كان مندرجاً تحت قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ }[المائدة: 6]. من جهة أن الباء تقتضي التبعيض فإذا مسح بعض الوجه الأكثر منه كان ماسحاً.
__________
(1) في حاشية الأصل: الغابة باطن اللحية، ويستحب لمن توضأ نضحها ثلاثاً بعد فراغه؛ لأنه لم يكن يتركه، ذكره الصادق جعفر بن محمد الباقر ×. ا ه.
(2) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي، قاض، فقيه، من أصحاب أبي حنيفة، أخذ عنه وسمع منه، وكان عالماً بمذهبه بالرأي، ولي القضاء بالكوفة سنة 194ه، ثم استعفى، من كتبه: (أدب القاضي) و(معاني الإيمان) و(النفقات) و(الخراج) وغيرها، نزل بغداد، وعلماء الحديث يطعنون في روايته. (الأعلام) 2/191.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة والشافعي من وجوب التعميم في المسح في العضوين لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " }[المائدة:6]. والباء للإلصاق، وظاهره دال على وجوب الإلصاق بالتراب في جميع العضو.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده أبو حنيفة وأصحابه.
قالوا: إذا مسح أكثر العضو كان ماسحاً له.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن أكثر العضو لا يقوم مقام جميعه كما قلناه في الوضوء.
وأما ثانياً: فلأن معنى الباء للإلصاق وهذا فيه دلالة على وجوب اتصال كل العضوين جميعاً.
قولهم: الباء للتبعيض.
قلنا: هذا فاسد فإن هذا غير مأثور عن أئمة العربية أعني: كونها للبعضية، وإنما المأثور عنهم كونها للإلصاق ولم ترد للتبعيض مشعرة بالبعضية لا في منظوم ولا منثور، وإنما يؤخذ معنى البعضية من دلالة أخرى كقولهم: مسحت يدي بالمنديل. فإن القرينة دالة على البعضية وهو أن الغرض[وهو] إزالة ما في اليد من الأثر حاصل ببعض المنديل لا بكله فلهذا كان مأخوذاً من القرينة لا غير.
قال أبو الفتح ابن جني: وكون الباء دالة على البعضية فشيء لا يعرفه أهل اللغة. وقد مر الكلام على شيء من استدلاله(1)
بالآية على مسح بعض الرأس فأغنى عن تكريره.
الفرع الثاني: وإذا أمر غيره فيممه ونوى عند ذلك أجزأه عند أئمة العترة وهو المنصوص عن الشافعي، ونقل البغداديون عن ابن القاص من أصحابه: أنه لا يجزيه لأن قوله تعالى: {فَامْسَحُوْا} خطاب للمكلفين بفعل التيمم، وقال المسعودي: إذا يممه غيره فإن كان لعجز صَحَّ ذلك لأجل العذر وإن كان لغير عجز فوجهان.
والحجة على ما قاله علماء العترة، وهو المختار: هو أنه طهارة تقصد للصلاة فجاز فيها دخول النيابة كالوضوء.
__________
(1) أي: استدلال أبي حنيفة.
وإذا تمخر الريح فعمد إلى بعض مهابها فسفت عليه تراباً ناعماً فأمَرَّ يده ونوى به التيمم أجزأه ذلك عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حامد الإسفرائيني من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه قد أتى بصفة التيمم فيجب الحكم بإجزائه كما لو قعد تحت المطر وغسل أعضاءه للوضوء. ونص الشافعي في (الأم) على أنه لا يجزيه، وحمله بعض أصحابه على أن التراب غير واصل إلى جميع أعضاء الوضوء، فإن أدنى بوجهه من الأرض وتمعك في التراب فحصل الغبار في أعضاء التيمم ونوى به التيمم أجزأه ذلك، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجزيه.
والحجة على ذلك: هو أن المقصود من التيمم هو حصول الغبار في وجهه ويديه وهذا حاصل بما ذكرناه فيجب كونه مجزياً.
الفرع الثالث: وهل يضرب بيده على التراب أو يضعهما عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يضرب بيديه على التراب ضرباً رفيقاً، وهذا هو الذي أشار إليه الإمامان الهادي في (الأحكام) والناصر في (الإبانة) لأنهما قالا: ويضرب على التراب بيديه، وهو الذي حكاه المزني عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما في حديث عمار أنه قال: أصابتني جنابة فتمعكت فأتيت رسول اللّه فذكرت ذلك له فقال: ((إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيده الأرض " ))(1).
__________
(1) تمام الحديث: ((ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)) أخرجه البخاري ومسلم، وهو عن عبد الرحمن بن أبزي أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت ولم أجد ماءً، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأصابتنا جنابة فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال رسول الله : الحديث، فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: إتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت، وفيه رواية أخرى لأبي داؤد أوردها في هامش البحر-جواهر- 1/140.