الحجة الثالثة: هو ما ورد من الأخبار النبوية في التيمم كقوله : ((التراب طهور المؤمن حتى يجد الماء " )). وقوله : ((الصعيد الطيب وضوء المؤمن ما لم يجد الماء " )). وقوله : ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في التيمم.
ووجه تقرير الدلالة منها: أنها وردت مطلقة في صحة تأدية الصلاة عند عدم الماء بالتراب ولم تفصل بين أول الوقت وآخره، وفي هذا دلالة على جواز التأدية بالتيمم في أول الوقت وآخره، ثم نقول: طهارة تقصد للصلاة، فكان أول الوقت كآخره في جواز فعلها كالوضوء، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أنه لو كان الأمر كما زعموه من أن التيمم طهارة بدلية فلا يجوز الإتيان بها إلا بعد اليأس من المبدل منه لوجب في حق العليل الذي لا يرجو زوال علته أن يتيمم في أول الوقت لأنه حال الإياس(1) فهذا يبطل ما قالوه من تعليل التأخير باليأس فإذا جاز التقديم للآيس من البُرء جاز في العادم للماء، إذ لا قائل بالتفرقة بينهما.
لا يقال: إنما ذكرتموه من جواز تقديم الفرض للعليل الأيس من البُرء يكون مخالفاً لما انعقد عليه الإجماع من العترة على وجوب التأخير لمن هذه حاله فيجب رده.
لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا نص لأئمة العترة فيما ذكرناه فلا يعقل إجماعهم فيما لم يخوضوا فيه لأنه لا ينسب إلى ساكت قول فلا وجه لدعوى الإجماع.
__________
(1) الإياس هنا: من أيس، وهو فعل دخل عليه القلب كما يقول اللغويون، والأصل فيه يئس، بتقديم الياء كما هو في القرآن الكريم {أُولَئكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيْ} وقد أوردها المؤلف في السطر نفسه على الأصل.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا وقوع الإجماع منهم، لكنه منقول بالآحاد فلا يكون قاطعاً. والمسألة لا شك في كونها اجتهادية، وإ نما يجب إخراجها عن الاجتهاد إذا كان الإجماع منقولاً بالتواتر لأنا قد قررنا في الكتب الأصولية كونه قاطعاً بالبراهين الشرعية وإنما يكون محرماً للإجتهاد بهذه الشريطة.
فحصل من مجموع ما ذكرناه: جواز تقديم الفرض في أول وقته بالتيمم في كل أحواله.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالف هذه القاعدة.
قالوا: الآية في الوضوء دالة بظاهرها على وجوب الوضوء وبإيجاب التيمم على جهة البدلية وما كان بدلاً فلن يكون إلا عند الإياس من المبدل منه والإياس لا يتحقق إلا في آخر الوقت.
قلنا: الآية دالة بظاهرها وملفوظها على جواز تقديم الصلاة المفروضة المؤداة بالتيمم في أول وقتها وهي دالة بمفهومها ومعناها على وجوب تأخيرها إلى آخر وقتها، فحاصل الأمر أن ظاهرها ومعناها المقتبس منها متعارضان لكنهما إذا كانا متعارضين فالعمل على ما يحصل من ظاهرها أرجح لأمرين:
أما أولاً: فلأن ظاهر الآية مقبول معمول عليه باتفاق المسلمين بخلاف المعاني القياسية فإنه مختلف في قبولها فمنهم من قبلها ومنهم من ردها، والعمل على ما كان متفقاً عليه أولى مما كان مختلفاً فيه.
وأما ثانياً: فلأن المعاني القياسية يظهر فيها من الاحتمال ما لا يعرض في الظواهر وما كان احتماله قليلاً فهو أرجح بما كان احتماله كثيراً، فلأجل هذا كان العمل على الحاصل من ظاهر الآية، وهو أن جواز التقديم اولى من العمل على ما يحصل من معنى الآية وهو وجوب التأخير.
قالوا: التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل منه، فيجب ألا يجب الإنتقال إلى المبدل منه إلا بعد اليأس من البدل كالإعتداد بالأشهر.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نسلم أن التيمم بدل وأن البدل لا يجوز فعله إلا بعد الإياس من المبدل منه، ولكنا نقول قد حصل الإياس في أول الوقت فإنا لا نعني بالإياس إلا أنه يغلب على الظن تعذر الماء في هذه الساعة وتعذر استعمال الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلا جرم جاز فعله في أول الوقت.
وأما ثانياً: فلأنه إذا حصل الإياس في آخر الوقت، أليس لا بد من فعل الصلاة؟ فلا بد من بلى، وإذا كان الأمر هكذا فما قلتموه في آخر الوقت من حصول الإياس بغلبة الظن فهو مقالتنا في أول الوقت من غير تفرقة بينهما خاصة مع أن الظواهر الشرعية دالة على استحباب تأدية الصلاة في أول وقتها فإنه هو الأفضل والأولى، ولم تفصل تلك الأدلة بين أن تكون الصلاة مؤداة بالوضوء أو بالتيمم.
لا يقال: ولا سواء فإن في آخر الوقت قد حصل الإياس المحقق بحيث لو لم تؤدَّ الصلاة كانت فائتة بخروج وقتها بخلاف أول الوقت فإنه ما من وقت إلا ويمكن بُرء العلة ووجود الماء[فيه] فلهذا لم يجز تأديتها في أول وقتها لما ذكرناه، لأنا نقول هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فما برهانكم على أن الإياس إنما يكون بحيث لو لم تؤدَّ الصلاة وإلا فاتت، ولم لا يجوز أن يكون الإياس هو غلبة الظن على عدم [وجود] الماء في الوقت وتعذر استعماله في الوقت وهذا كاف في جواز استعمال التيمم من غير حاجة إلى ما ذكروه لأنه لم تدل عليه دلالة شرعية.
وأما ثانياً: فكان يلزم علىتعليلكم هذا أنه إذا يئس من برء علته أو كان يعلم أنه لا يجد الماء في آخر الوقت أنه يجوز له التقديم في أول الوقت وأنتم لا تقولون به، فبطل ما قلتموه من التعليل.
قالوا: طهارة فلا يجوز أداؤها إلا في حال الضرورة كطهارة المستحاضة.
قلنا: نقلب هذا القياس عليهم، ونقول: طهارة فيجوز أداؤها في أول الوقت، دليله: طهارة المستحاضة.
ومن وجه آخر: وهو أن طهارة المستحاضة طهارة أصلية وهذه طهارة بدلية على زعمكم فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر.
قالوا: عبادة بدنية أبيحت لأجل الضرورة فلا يجوز فعلها إلا بعد الضرورة كصلاة المريض.
قلنا: وهذا يبطل أيضاً بالقلب المصرح به، فإنا نقول: عبادة بدنية فيجوز أدائها في الأول من أوقاتها، دليله: صلاة المريض، وإنما كان قلبنا هذا قلباً مصرحاً به من جهة أنه تحصيل للمراد من ظاهره وما ذكروه من القياس ليس فيه تصريح بالمراد.
قالوا:عبادة أبيحت للمعذور على وجه الرخصة وما أبيح على وجه الرخصة فلا يجوز فعله إلا عند الضرورة كأكل الميتة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فمن جهة الفرق، وهو أن ما نحن فيه عبادة مؤقتة، وما قالوه ليس من جهة العبادة فضلا عن أن يكون مؤقتاً أو مطلقاً.
وأما ثانياً: فلأنا نقول بموجب ما قالوه ونستمر على الخلاف فإن الضرورة في حق المتيمم هي عدم الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلهذا جاز تأديته في أوله، والضرورة في حق الجائع إنما هو تدارك حشاشة نفسه عن التلف فقد قلنا بموجب قياسكم مع استمرارنا على الخلاف، وهذا يبطل ما قررتموه من القياس.
قالوا: ولأنه تيمم في حال استغنائه عنه فلا يجوز كما إذا تيمم مع وجود الماء.
قلنا: ما تريدون بقولكم: في حال استغنائه عنه؟ هل تعنون به أنه واجد للماء؟ فهذا لا نقول به وهو باطل فإن الإجماع منعقد على فساد التيمم مع وجود الماء، أو تعنون به أنه يمكنه التيمم في آخر الوقت فلا حاجة به إلى إيقاعه في أوله؟ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، فلم منعتم منه وما حملكم على منعه؟ ولو سلمناه لكان أول المسألة، وكيف وفيه إحراز فضيلة الوقت، أو تعنون به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: ((يتلوم الجنب إلى أخر الوقت " ، فإن وجد الماء وإلا تيمم وصلى))(1)
فكلامه هذا دال على إيجاب التأخير على من فرضه التيمم والباب باب عبادة فلا يقوله إلا من جهة التوقيف من جهة الرسول .
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) تقدم.
أما أولاً: فلأنه ليس في كلام أمير المؤمنين ما يدل على إيجاب التأخير فلا يكون لكم في ظاهره دلالة أصلاً.
وأما ثانياً: فلأنا نحمل كلامه على من غلب على ظنه وجود الماء في آخر الوقت فلهذا استحب له التأخير ليكون محرزاً لفضيلة الصلاة بالطهارة بالماء.
ومن وجه آخر: وهو أنه لم يقل ما قاله نقلاً عن الرسول إذ لم يصرح بالنقل عن الرسول فيلزمنا قبوله وإنما ظاهره أنه رأيه، والمسألة اجتهادية، الأراء فيها كلها صائبة فيكون لنفسه ولا يلزم غيره.
قوله: إلا أن يغلب على ظنه وضوح دليله فيتبعه للدليل الشرعي لا من أجل مقالته، ولهم أقيسة غير هذه أعرضنا عنها لقلة جدواها ومن أحاط علماً بما ذكرناه هان عليه الجواب عنها والله الموفق.
الفرع الثالث: وإذا قلنا بجواز التيمم للفريضة في أول الوقت، فهل الأفضل أن يقدم الصلاة بالتيمم أو يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ فيه ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون على يقين من وجود الماء في آخر الوقت، فمن هذه حاله فالأفضل له أن يؤخر الصلاة ليصليها بالوضوء في آخر وقتها.
ووجه ذلك: هو أن الصلاة في أول الوقت فضيلة قد دل عليها الشرع بقوله: ((من أداها في أول وقتها فكأنما أهدى بدنة " ))(1) والطهارة بالماء فريضة لقوله : ((لا صلاة إلا بطهور " )). فلهذا كان مراعاة إحراز الفريضة أحق من مراعاة إحراز الفضيلة.
الحالة الثانية: أن يكون على يأس من وجود الماء بيقين فمن هذه حاله فتقديم الصلاة بالتيمم أفضل من جهة أن الظاهر من حاله أنه لا يجد الماء، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فإنه إذا صلى بالتيمم في أول الوقت كان محرزاً لفضيلة الوقت، وإذا صلاها في آخر وقتها بالتيمم كان قد فاته فضل الوقت وهو في كلتا الحالتين مصلّ بالتيمم كما فرضناه.
الحالة الثالثة: أن يكون راجياً من غير يقين، فمن هذه حاله ففيه وجهان:
__________
(1) سيأتي.
أحدهما: أن التأخير أفضل له من جهة أن مراعاة الفريضة وهي الطهارة بالماء، أحق من مراعاة الفضيلة وهي الصلاة في أول الوقت.
وثانيهما: وهو الأقرب، أن تقديم الصلاة في أول الوقت بالتيمم أفضل، من جهة أنها فضيلة متيقنة فلا يتركها لأمر مشكوك[فيه] وهو إحراز الفريضة بالماء لأنه ليس على يقين من وجوده.
فإن خاف فوات الجماعة لو أسبغ الوضوء، فأيهما أحق بالإيثار؟ والأقرب إن إدراك الجماعة في الصلاة أولى من الإحتباس لإسباغ الوضوء وإكماله لأنهما وإن كانا جميعاً مستحبين لكن فضيلة الجماعة آكد في الاستحباب لا محالة لما ورد فيها من التآكيد. العظيمة.
وإن حضر العشاء والصلاة فالأفضل تقديم الصلاة لأن المباح لا يساوي الأمور الواجبة والمستحبة، ولا شك أن تأدية الصلاة في أول وقتها من الأمور المؤكدة، وما روي عن الرسول من قوله: ((إذا حضر العَشَاء والعِشَاء فابدؤا بالعَشَاء " ))(1)
فإنه محمول على الجوع المشوش للخشوع في الصلاة. فلهذا كان إيثاره أفضل، فأما إذا كان الحال مستقيماً فتقديم الصلاة أفضل لما ذكرناه.
الفرع الرابع: على رأي من أوجب تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر وقتها.
قال الهادي في الأحكام: وقت التيمم إذا كان في ليل لمغربه وعشائه قبل طلوع الفجر أو في النهار فلظهره وعصره قبل غروب الشمس(2).
قال أبو العباس: ليس للصلاة بالتيمم إلا وقت واحد سواء كانت الصلاة مؤداة أو مقضية فمن انتهى في آخر النهار إلى آخر وقت يكون الظهر مستحقاً فيه فإن وقت العصر بالتيمم لا يكون قد دخل. قال الهادي: التيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت. وهذا الكلام له تفسيران:
التفسير الأول منهما: أنه لا يجوز إلا في آخر النهار للظهر والعصر وأنه لا يجوز إلا في آخر الليل للمغرب والعشاء.
التفسير الثاني: أن المراد منه آخر وقت الصلاة لغير المتيمم.
__________
(1) سيأتي.
(2) ملخص من كلام الهادي في (الأحكام) ج1 ص66.
وهذان التفسيران متقاربان يؤديان فائدة واحدة، ومقصودهما أمر واحد وهو أن الصلاة بالتيمم ليست كالصلاة المؤداة بالوضوء، فإن الصلاة بالوضوء لها أول وآخر وفيها التوسيع والتضييق والكراهة والفضيلة كما سنوضحه في الأوقات المشروعة للصلاة بمعونة اللّه تعالى، بخلاف الصلاة المؤداة بالتيمم فإنه ليس لها هذه الأحوال وإنما تكون مؤداة في آخر وقتها بحيث لو أديت قبل ذلك لم تكن مجزية. وهكذا لو كانت مقضية فإنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أن تفعل قبل الصلاة المؤداة، والتفسير الأول أدل على المقصود من التفسير الثاني لأن الأول اعتبار بوقت الصلاة نفسها، والثاني اعتبار بوقت غيرها وهي المؤداة بالوضوء.
قال أبو العباس: إذا توخا آخر الوقت ثم تيمم وصلى فإن صادف فراغه منها بقية من الوقت اجزأه ذلك التيمم ولم تلزمه الإعادة إذا لم يجد الماء وإنما لم تلزم الإعادة لأمرين:
أما أولاً: فلأنه مأمور بطلب آخر الوقت على التحري وغالب الظن دون اليقين إذ لا يكلف ما ليس في طوقه ووسعه.
وأما ثانياً: فلأنا لو أمرناه بالإعادة لم تكن تأدية المعاد إلا بتحرٍّ آخر، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله إذ لا مزية لأحدهما على الآخر وإنما ينقض الاجتهاد بالقطع كالنص إذا صادف الاجتهاد، وكالخبر إذا صادف القياس المظنون، فأما نقض مظنون بمثله مظنون فلا وجه له وهذا الذي قررناه من بطلان لزوم الإعادة إذا صادف المؤدي بالتيمم بقية من الوقت، هو قول الهادي والناصر والمؤيد بالله وغيرهم من أئمة العترة ممن أوجب تأخير الصلاة بالتيمم.
الفرع الخامس:اعلم أن كل ما يؤدى بالتيمم من العبادات فهو ضربان:
فالضرب الأول منهما:عبادات مؤقتة بأوقات وهذا نحو الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ويجب تأديتها به في آخر وقتها كما قررناه من قبل ليلاً كانت أو نهاراً، ونحو صلاة الجمعة إذا كانت مؤداة من جهة الإمام والمؤتمين بالتيمم فإن وقتها في آخر الوقت للظهر في غير الجمعة وهو عند أن يصير ظل كل شيء مثله وهو أول وقت الإختيار للعصر وبعد ذلك فإنه ليس وقتا لها بحال كما سنوضحه في صلاة الجمعة بمعونة اللّه تعالى.
فإن كان الإمام متوضئاً والمؤتمون عادمون للماء فإنهم يتيممون للجمعة مع الإمام لقوله تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " }[الجمعة:9] ولم يفصل بين من كان متيمماً ومن كان متوضئاً. وقوله : ((إن الله فرض عليكم الجمعة " في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا))(1). وهو متناول للمتيمم والمتوضي جميعاً من غير تفرقة بينهما ولا يجوز لهم تأخيرها مخافة أن يفوت عليهم فرضها لأن خشية الفوات لصلاة الجمعة تتيح أداؤها بالتيمم كالمنفرد في آخر الوقت فإنه لما خشي فوات الصلاة أُبيح له التيمم، وهذا يأتي كالناقض لما ذهب إليه الهادي من إيجاب التأخير فيما كان مؤدى من العبادات المؤقتة بالتيمم لأنه قد أوجب تقديم الصلاة للمتيمم في صلاة الجمعة إذا كان الإمام متوضئاً والمؤتمون متيممون.
__________
(1) سيأتي في موضعه.
ولقد كان يمكنه الجري على ما أصَّله من هذه القاعدة بأن يقول ببطلان الجمعة ويأتون بها ظهراً لأن الجمعة بدل منها من غير حاجة إلى نقض هذه القاعدة. كما أن الإمام إذا كان متيمماً وهم متوضئون فلا جمعة للإمام لأنه لا يرى إئتمام المتوضئ بالمتيمم لنقصان حاله ولا جمعة لهم أيضاً على رأيه لأن الإمام شرط في الجمعة كما نوضحه من مذهبه، فهذا ملخص ما ذكره أبو العباس تخريجاً على رأي الهادي، ولعمري إنه تخريج مخالف لنصوصه على هذه القاعدة وقد ذكر أبو العباس في التحرير هذه المسألة، وحاصل كلامه: أنه ليس لهم التيمم في أول الوقت بل تأخيرها حتى يؤدوها ظهراً لأنها بدل من الجمعة وهذا جيد لا عثار عليه جار على منهاج أصول مذهبه وقواعده، وهكذا القول في صلاة العيدين فإنها تؤدى في آخر وقتها بالتيمم فتؤدى في يوم العيدين قبل الزوال بما يتسع لركعتين لأن ذلك هو آخر وقتها في الأداء، هذا كله على رأي من يوجب التأخير في الصلاة المؤداة، فأما من لا يوجب التأخير كما هو المختار عندنا، فإنه يجوز تأدية هذه الصلوات المؤقتة في أول الوقت وآخره كما يؤديها بالماء من غير تفرقة بينهما للدليل الذي لخصناه.
الضرب الثاني: عبادات غير موقتة، وهذا نحو صلاة الجنازة والكسوفين ونحو قراءة القرآن ودخول المسجد وغير ذلك من الأمور التي تفعل بالتيمم عند عدم الماء فإنه لا يراعى في فعلها إلا وجود أسبابها من غير التفات إلى وقت هناك إذ لا وقت من جهة الشرع كما كان للضرب الأول.
الفرع السادس: وإذا تيمم الرجل لفريضة ثم فات وقتها قبل فراغه منها قبل أن يتيمم لصلاة العصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب أو تيمم لصلاة العشاء فلم يفرغ منها حتى طلع الفجر، وهكذا القول في سائر الصلوات فهل يبطل تيممه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تيممه ينتقض وصلاته تبطل بفوات وقتها وهذا هو رأي القاسمية والهارونية من أئمة العترة وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله مبني على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة، وإذا كان الأمر كما قلنا فإنه إذا فات وقت الصلاة بطلت الصلاة لبطلان وقتها وبطل التيمم لأنه إنما عقد للفريضة المؤداة وبعد فوات الوقت لا يجوز أداؤها به لأنها صارت مقضية والتيمم للقضاء مخالف للتيمم للأداء فلأجل هذا وجب ما ذكرناه.
المذهب الثاني: أنه لا ينتقض تيممه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الناصر وأبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن من مذهبهما جواز التأدية بالتيمم أكثر من فريضة واحدة فإذا فات الوقت وهو غير واجد للماء فإنه يجوز أن يؤدي به الفائتة وعلى هذا إذا تيمم للعصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب جاز أن يؤدي به المغرب لأن من مذهبهما أنه لا ينتقض إلا بوجود الماء أو غيره من النواقض، وقد قررنا وجه الحجة لهذا المذهب واخترناه فأغنى عن الإعادة، وهل تبطل تلك الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكون باطلة كما حكيناه من مذهب الهادي خرجه على أصله بعض فقهاء المذهب(1)،
من جهة أن الوقت شرط في آخر الصلاة فلما فات والمصلي لم يفرغ منها لا جرم كانت باطلة لبطلان شرطها كما لو بطلت طهارته وهو في صلاته أو انكشفت عورته فيها.
وثانيهما: أنها لا تبطل وهذا هو رأي المنصور بالله وعلي بن الخليل.
والحجة على ذلك: قوله :((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها))(2).
وهذا هو الأقرب لأن التيمم طهارة تقصد للصلاة فلم يكن خروج الوقت مبطلاً لها كالوضوء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
__________
(1) في حاشية الأصل: هو صاحب (الوافي) علي بن بلال رحمه الله، اه.
(2) سيأتي في الأوقات.