الفرع العاشر: والجنب إذا أراد فعل شيء من فعل العبادات المطلقة التي لا وقت لها مقدر وعَدِمَ الماء وأراد التيمم لذلك نحو قراءة القرآن ودخول المسجد فإنه يجب عليه أن يقدر ذلك من جهة أن التيمم لا يرفع الحدث و إنما يستباح به فعل ما كان محظوراً عليه، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فلا بد فيه من التقدير بتفرق الحال بين ما يكون رافعاً للحدث وبين ما لا يكون رافعاً له، وتقدير ذلك يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون تقدير الفعل بالإضافة إليه في نفسه كأن ينوي استباحة جزء من القرآن أو ربع أو نصف أو ثلث أو للبث في المسجد حتى يقضي سبحة الضحى أو يصلي فيه ركعتين أو ركعات.
وثانيهما: أن يكون التقدير فيهما بالإضافة إلى الوقت فينوي اللبث في المسجد حتى تطلع الشمس أو يقرأ القرآن حتى تزول الشمس أو تغيب فلا بد من تقديره بما ذكرناه فإن لم يكن اللبث مقدراً بما ذكرناه، فهل يكون جائزاً أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو الذي يأتي على رأي من منع تأدية الفروض الكثيرة بالتيمم الواحد.
والحجة على ذلك هي: أنه غير رافع للحدث، وإذا كان غير رافع له كان قاصراً فلأجل هذا وجب ما يستباح به مقدراً ليكون منحصراً.
قال الإمام القاسم بن إبراهيم: لا بأس للمتيمم أن يأخذ المصحف ويقرأ فيه جزءاً من القرآن، يعني به إذا تيمم لذلك، ولم يكن قد صلى بعد، فإن كان قد صلى لم يجز له ذلك، وهذه إشارة إلى أن وجه المنع أنما كان من أجل كونه غير رافع للحدث فمن أجل ذلك وجب قصره على أمر مقدر محدود لا يتجاوزه.
وثانيهما: أن ذلك جائز وهذا هو الذي يأتي على رأي من قال بجواز تأدية الفروض الكثيرة والسنن بالتيمم الواحد كما هو رأي الناصر وهو قول أبي حنيفة لأنه إذا جاز تأدية الفروض الكثيرة لم يكن منحصراً فلهذا جاز فيه ما ذكرناه.

الفرع الحادي عشر: ومن حبس في موضع فلم يجد ماء ولا تراباً، أو وجد تراباً نجساً، فهل يصلي على الحال التي هو عليها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه تجب عليه الصلاة من غير ماء ولا تراب إذا كانا متعذرين، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية لا يختلفون في ذلك وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف.
قال الهادي في (الأحكام) و(المنتخب): ومن عدم الماء والتراب فإنه يصلي على الحال التي هو عليها.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ }[الإسراء:78]. وقال تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود:114]. وقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }[النساء:103]. فهذه الظواهر كلها دالة على وجوب تأدية الصلاة ولم يفصل بين حالة وحالة، فيجب تناولها لما ذكرناه.
والحجة الثانية:ما روي عن الرسول أنه قال:((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم )) وما روي عن النبي أنه قال:((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماءً)) ولم يفصل بين حال وحال فهذه الآيات والأخبار كلها دالة على وجوب تأدية الصلاة على كل حال إلا ما خصته دلالة شرعية.
المذهب الثاني: أنه لا تجوز له الصلاة على هذه الحالة وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد،ومحكي عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر.
وعن مالك روايتان:
إحداهما:مثل مذهبنا.
والثانية:مثل رواية أبي حنيفة.
والحجة لهم على ذلك:هو أن هذه صلاة بغير طهارة فلا يكون مأموراً بها كصلاة الحائض والنفساء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين:

الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه أمر أسيد بن حضير (1)
وناساً معه في طلب قلادة أضلتها عائشة يوم المريسيع فلما حضرت الصلاة ولا ماء معهم، فصلوا بغير طهارة فأتوا النبي فأخبروه بذلك فنزلت آية التيمم، ولم ينكر عليهم الرسول ما فعلوه فدل ذلك على أنه هو المتوجه عليهم.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه تطهير واجب فالعجز عنه لا يبيح ترك الصلاة كما لو كان بعض أعضائه جريحاً.
ووجه آخر: وهو أن الصلاة لا تسقط عن المكلف بتعذر شرط من شروطها كتعذر ستر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما من الشروط.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا:صلاة بغير طهارة فلا يكون مأموراً بها كصلاة الحائض.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً:فلأن حدث الحائض متصل ولانقطاعه غاية فلهذا لم تجز الصلاة منها قبل انقطاعه.
وأما ثانياً:فهو أن التفرقة بينهما ظاهرة فإن الحائض ممنوعة من الصلاة بدليل قوله:((دعي الصلاة أيام أقرائك)). بخلاف ما نحن فيه فإنه ليس ممنوعاً من الصلاة فافترقا.
قالوا: لو كان ما يأتي به صلاة لم يؤمر بإعادتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم كونه واجباً عليه الإعادة كما سنوضح القول فيه بدليل قوله : ((لا ظهران في يوم )).
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه مأموراً بالإعادة فهو منقوض بالحجة الفاسدة، فإنه مأمور بإتمامها ومع ذلك فإنه تتوجه عليه الإعادة.
__________
(1) أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك الأوسي، أبو يحيى، صحابي كان شريفاً في الجاهلية والإسلام، مقدماً في قبيلته الأوس من أهل المدينة، ويعد من عقلاء العرب وذوي الرأي فيهم.. شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الإثني عشر. وشهد أحداً وجرح سبع جراحات، وثبت مع رسول الله حين انكشف الناس عنه، وشهد الخندق والمشاهد كلها. وفي الحديث: ((نعم الرجل أسيد بن الحضير)) توفي في المدينة سنة20ه‍م له 18 حديثاً. اه‍. (الأعلام1/331).

قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل اللّه صلاة من غير طهور )).
قلنا: إنا نقول بموجب الخبر، فإنا نقول: لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور مع التمكن منه فأما مع عدم البدل والمبدل منه فلا نتناوله، ولأن ظاهر الخبر دال على أن الصلاة غير مقبولة بالتيمم فإذا كان التيمم خارجاً بدلالة فهكذا يخرج من لا يجد ماء ولا تراباً بدلالة.
قالوا: ما يستباح بالبدل مرة وبالمبدل أخرى فلا يجوز استباحته مع عدمهما كوطء المظاهر.
قلنا: التفرقة بينهما ظاهرة من وجهين:
أما أولاً: فلأنه لا يوجد في شروط الوطء ما يستباح الوطئ مع عدمه، وفي شروط الصلاة ما تستباح الصلاة مع عدمه وهذا نحو ستر العورة وإزالة النجاسة.
وأما ثانياً: فلأنه لو التبست امرأة بنساء وأمته بإماء، فإنه لا يحل له الوطئ بخلاف الصلاة فإنه لو نسي صلاة من صلوات فإنه يجب عليه أن يصلي جميعها، فقد افترقا فيما ذكرنا، وفي هذا دلالة على أن أحدهما لا يقاس على الآخر.
الفرع الثاني عشر: إذا قلنا بوجوب الصلاة عليه وهو على تلك الحالة فهل توجه عليه الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه إن تمكن من الماء والتراب في الوقت وجبت عليه الإعادة، وإن فات الوقت وهو على حالة التعذر فلا إعادة عليه، وهذا هو رأي (الهادي) نص عليه في (الجامعين) الأحكام والمنتخب.
والحجة له على ذلك هي: أنه إذا كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه عليه بتأدية الصلاة، وما صلى إنما كان بحكم الوقت لا غير، وأما إذا كان الوقت فائتاً فإنه لا يتوجه عليه القضاء لأن القضاء إنما يجب بخطاب جديد ولم تدل دلالة على وجوب ما هذا حاله أصلاً.
وثانيهما: أنه لا تتوجه عليه الإعادة على الإطلاق، وهذا هو رأي المؤيد بالله والشافعي وهو محكي عن أبي يوسف.
والحجة على ذلك: قوله : ((لا ظهران في يوم )) فلو أوجبنا عليه الإعادة لكان نقضاً لهذا النص.

والمختار: ما عول عليه الهادي لأنه مهما كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه فلهذا توجهت عليه الإعادة بخلاف ما لو كان الوقت ماضياً فإنه يضعف الحكم فلا يكون مخاطباً وكيف لا وقد أدّى الصلاة الواجبة عليه على حال هو معذور فيها فأشبه ما لو أداها في حالة الصحة وعدم العذر، وإذا قلنا بأنه لا يصلي وتحرم عليه الصلاة فهل يتوجه عليه القضاء والإعادة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه القضاء وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها )). فإذا كان أداء الصلاة متوجهاً على النائم والناسي مع سقوط التكليف عنهما فلأن يجب على من هذه حاله أحق وأولى، لأنه في الحكم كأنه قد تركها عامداً، وإن كان معذوراً في تركها.
وثانيهما:أنه لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو المحكي عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة لهم على ذلك: هو أنه لما كانت الصلاة من غير طهارة باطلة غير مجزية فلما كان معذوراً في ترك الطهارة لا جرم لم يكن مخاطباً بالصلاة، فلما بطل خطابه بها لم تجب الإعادة ولا القضاء لأنهما إنما يجبان على من توجه عليه الخطاب بالصلاة، وهي غير متوجهة كما قررناه.
هذا كله تفريع على رأي من منع من تأدية الصلاة لمن هذه حاله، ونحن قد أبطلنا هذه المقالة فأغنى عن إبطال ما تفرع عليها والله أعلم.
الفرع الثالث عشر: وإن انقطع دم الحائض والنفساء ولم تجد ماء ولا تراباً فحكمهما في الصلاة حكم غيرهما في وجوب الصلاة عليهما أو منعهما عنها وفي وجوب الإعادة والقضاء كما مر بيانه من قبل. وهل يجوز وطئها أم لا؟
أحدهما: أنه لا يجوز الوطئ لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}[البقرة:222] فشرط في جواز الإتيان الطهارة والتطهر ولم يفصل هناك بين حالة وحالة.

وثانيهما: جواز ذلك لأنه إذا جازت الصلاة جاز الوطئ لأن المانع من أحدهما مانع من الآخر والمبيح لأحدهما هو المبيح للآخر فلما أوجبنا عليه الصلاة على هذه الحالة ابحنا له الوطء من غير تفرقة بينهما. ويمكن نصرة الوجه الأول: بأنها لم تأت في رفع حدثها بأصل ولا بدل، فلهذا لم يبح له الوطء، ويمكن نصرة الوجه الثاني وهو الأقوى: بأن الأصل من الماء والبدل من التراب إنما يؤمر بهما إذا كانا ممكنين فأما إذا تعذرا فلا وجه للأمر بهما، والأصل هو الإباحة للوطء في حق الأزواج إلا لمانع، ورفع المانع إنما يكون متوجهاً مع الإمكان فلهذا جاز الوطء لها لا محالة من أجل احفاز(1)
حاجة الزوج. فهذا ما أردنا ذكره في صفة التراب الميمم به وما يستباح به من العبادات المؤقتة والمطلقة والله الموفق للصواب.
__________
(1) في حاشية الأصل: الإحفاز شدة الشباق، وحفزه دفعه من خلفه. اه‍.

---
الفصل الثالث في بيان وقته وكيفيته
وقت التيمم
أما وقته: فاعلم أن الصلاة التي يجب من أجلها التيمم لا يخلو حالها إما أن تكون مؤداة أو مقضية، فإن كانت مؤداة فالواجب على المكلف بها أن يتحرى وقتاً يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى صلاة الظهر لم يبق من غروب الشمس إلا ما يتسع لصلاة العصر وتيممها، وإذا أراد أن يصلي العصر فإنه يتحرى مرة أخرى وقتاً يغلب على ظنه أنه يصادف فراغه منها غروب الشمس، ثم إذا أراد أن يصلي المغرب فإنه يتحرى وقتاً يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى لم يبق من الوقت إلى طلوع الفجر إلا ما يتسع لصلاة العشاء الآخرة وتيممها، وإذا أراد أن يصلي العشاء الآخرة فإنه يتحرى وقتاً يغلب على ظنه أنه يصادف طلوع الفجر عند الفراغ منها، فإذا أراد أن يصلي الفجر فإنه يتحرى وقتاً يغلب على ظنه أنه يصادف فراغه منها طلوع الشمس.
وإن كانت الصلاة مقضية نحو أن تكون عليه صلوات عدة وأراد قضائها بالتيمم فإنه يتحرى وقتاً يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى الصلوات المقضية لم يبق من الوقت إلا ما يتسع للصلاة المؤداة وتيممها.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: هل يجوز التيمم للصلاة المؤداة قبل دخول الوقت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم للصلاة المفروضة قبل دخول وقتها وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية والهارونية لا يختلفون في ذلك، وهو محكي عن الشافعي ومالك وداؤد من أهل الظاهر وروي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية سبقت وقت الفريضة فأشهبت طهارة المستحاضة للطهر قبل دخول وقته.
المذهب الثاني: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة فجاز أن تكون متقدمة على وقت الصلاة كالوضوء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من امتناع التيمم قبل دخول وقت الصلاة.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين:

الحجة الأولى: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " } إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}[المائدة:6].
ووجه الحجة من الآية: هو أن اللّه تعالى أجاز التيمم للقائم إلى الصلاة، وإنما يصح القيام إليها بعد دخول وقتها وأما الطهارة بالماء فظاهر الآية دال على أنه غير جائز قبل دخول الوقت لكنا تركنا هذا الظاهر للسنة والإجماع وبقي التيمم على ظاهر الآية في المنع من ذلك.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه تيمم لصلاة في وقت هو مستغن عن التيمم فيه فلم يكن صحيحاً ولا منعقداً كما لو تيمم مع وجود الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: طهارة فجاز تقدمها على الوقت كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوبان:
أما أولاً: فلأن الوضوء طهارة كاملة تفعل على جهة الرفاهية، والتيمم طهارة ناقصة ضرورية فلأجل هذا جاز الوضوء في كل وقت بخلاف التيمم، وإنما قلنا أنها ضرورية فلأنها لا تجوز إلا عند عدم الماء أو تعذر استعماله ولا تجوز من غير ضرورة كأكل الميتة.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل أنها طهارة رافعة للحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع الحدث فلأجل هذا لم يجز قبل دخول وقت الصلاة.
قالوا: أوجب اللّه الطهارة بالماء على كل من قام إلى الصلاة محدثاً، فإن لم يكن واجداً للماء فإنه يتيمم، في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " } إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}[المائدة:6] وهما طهارتان فإذا جاز فعل طهارة الماء قبل دخول الوقت جاز في الثانية لاستوائهما جميعاً في كونهما مفعولين للصلاة وهذا هو مقصودنا.

قلنا: تعويلكم في الدلالة هل كان على ظاهر الآية أو على القياس؟ فإن كان مأخوذاً من ظاهرها فهو فاسد لأنه يكون حجة لنا من جهة أن ظاهرها يقضي بأن لا يجب القيام إلى الصلاة إلا حين وقتها فبقي التيمم على الأصل وخرج الوضوء بالدلالة كما مر بيانه، وإن كان مأخوذاً من جهة القياس فهو باطل أيضاً بجامع كونهما طهارتين فإن التفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع له فلهذا بطل فعله في غير وقت الصلاة.
الفرع الثاني: إذا كان الفعل للتيمم لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، فهل يجوز فعله في أول الوقت أو لا يفعل إلا في آخره؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز فعله إلا في آخر وقت الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو رأي السادة الهارونيين المؤيد بالله وأبي طالب وأبي العباس، وهو محكي عن الحسن البصري وعطاء وابن سيرين.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " } ثم قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}[المائدة:6].
ووجه تقرير الدلالة من الآية، هو أن اللّه تعالى أمر بالوضوء للواجد ثم بالتيمم للعادم بدلاً منه، وقد تقرر أن الأمر إذا ورد بشيء على طريقة البدل لأجل العجز عن مبدله فالعدول عنه إلى البدل لا يجوز إلا عند اليأس منه، وهذا لا يكون إلا عند تضَيُّق الوقت وخشية فوت الفرض فلأجل ذلك وجب أن يكون في آخر الوقت.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أن التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل فوجب أن لا يجوز الإنتقال إليه إلا بعد اليأس من المبدل كالمعتدة بالأشهر.
وقولنا: لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل، نحترز به عن الكفارات فإنها وإن كان كل واحد منها بدلاً عن الأخر لكن القربة شاملة لها أجمع فلهذا جاز الإتيان بكل واحد منها مع القدرة على الآخر وإمكانه.

المذهب الثاني: أنه لا يجب تأخيره إلى آخر الوقت، وهذا هو قول الفريقين من الحنفية والشافعية.
والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا}. ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6]. والخطاب بهما واحد فإذا جاز أن تكون الطهارة بالماء في أول الوقت جاز ذلك في طهارة التيمم لأنهما مستويتان في تأدية الصلاة فيجب استواؤهما في جواز تأديتها بهما في أول وقتها وهذا هو مطلوبنا.
الحجة الثانية: قياسية. وهو أنها طهارة تراد من أجل الصلاة أو طهارة موجبها في غير محل موجبها فجاز فعلها في أول الوقت كالطهارة بالماء.
وقولنا: موجبها في غير محل موجبها نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها لا توقيت فيها.
والمختار: جواز فعل التيمم في أول الوقت كما هو رأي الفقهاء، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى:قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ " }[الإسراء:78].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى أمرنا بإقامة الصلاة عند زوال الشمس الذي هو الدلوك ولم يفصل هناك بين من يكون متطهراً بالماء أو متطهراً بالتراب، فيجب حمل الآية على صلاحية الوقت كله من أوله إلى آخره للأداء للمتيمم والمتوضي.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103].
ووجه تقرير الدلالة من هذه الآية: هو أن الآية مصرحة على كونها مكتوبة أي مفروضة وأنها مؤقتة أيضاً بأوقات مخصوصة وقد دل الشرع على أن تلك الأوقات موسعة ومضيقة ولها أول وآخر ولم يفصل هناك بين ما يكون من الصلاة مؤدى بالماء وبين ما يكون مؤدى بالتيمم، فيجب القضاء بكونها شاملة للأمرين في صحة تأديتهما جميعاً بالتيمم والوضوء في أول الوقت إذ لا وجه للتخصيص من غير دلالة.

111 / 279
ع
En
A+
A-