أما أولاً: فلأنه إذا بطل تكرير الوضوء على من قام إلى الصلاة لأجل الإجماع وجب ذلك في حق التيمم إما بالرد إليه بجامع كونهما طهارتين فلا يفترقان في الحكم وإما لأنه لا فائدة في تكرير التيمم لأنه موضوع للإستباحة وفائدتها أنه غير ممنوع من الصلاة بعد التيمم وهذا لا فائدة في تكريره ولا وجه لتزايده لأنه سلب صرف والسلوب لا يعقل فيها تزايد.
وأما ثانياً: فلأنه إذا صلى بتيمم واحد فريضة واحدة ثم أراد صلاة العصر بعد فراغه من صلاة الظهر فلأي وجه تلزمه إعادة التيمم، هل تكون لرفع الحدث؟ فالتيمم غير رافع للحدث كما مر بيانه وأيضاً فلو رفع الحدث لكان قد رفعه بالأول فلا فائدة في تكريره مرة ثانية، وإن كان من أجل استباحة الصلاة فقد استباحها بالتيمم الأول فلا فائدة في تكرير الإستباحة، أو لزيادة الفضل كما وجب في الوضوء فهذا فاسد فإن الشرع قد ورد بتكرير الطهارة على الطهارة ولم يرد في التيمم، ثم إن تكرير الوضوء إنما كان على جهة الاستحباب وأنتم توجبونه في التيمم فلا يكون مثله، ثم نقول: لو استدللنا بالآية على ما ذهبنا إليه من كفاية التيمم الواحد لجميع الفرائض لكنا أسعد حالاً، وبيانه: هو أن اللّه تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا }[المائدة:6] هذه الأعضاء، والوضوء لأداء كل فريضة ونافلة كافٍ، ثم قال عقيب ذلك: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. فعلى هذا يكون معناه: فتيمموا لأداء كل فريضة ونافلة، وهو مقصودنا فإذا حملناه على ذلك اتسق نظام الآية وكانت جارية على جهة الإنتظام في حكم الطهارتين جميعاً في تأدية كل فريضة ونافلة بهما، ثم يقال لهم: التيمم بدل عن الوضوء بلا منازعة في ذلك ومن حكم البدل أن يكون قائماً مقام المبدل منه قياساً على سائر الأبدال والمبدلات في ذلك الحكم كما نقوله في كفارة اليمين من العتق والإطعام والكسوة، وكما نقول فيمن فعل محظوراً في حجه فإنه مخير بين النُسُك
والإطعام والصوم، وإذا كان الأمر كما قلنا وقد تقرر كون التيمم بدلا من الوضوء فكما كان الوضوء يؤدى به أكثر من فريضة واحدة فهكذا حال التيمم يؤدى به أكثر من فريضة واحدة إلا أن يعرض له ما يبطله.
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلى بتيمم واحد إلا فريضة واحدة ثم يتيمم للفريضة الأخرى، والسنة إذا أطلقها الصحابي فالمفهوم منها سنة الرسول .
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه ليس في كلام ابن عباس ما يشعر بالوجوب وإنما قال من السنة ولا شك أن السنة ليست دالة على الوجوب، وكلامنا إنما هو فيما يجب من ذلك.
وأما ثانياً: فلأن مستند ابن عباس في هذا الإطلاق، إما أن يكون قولاً أو فعلاً من جهة الرسول فما هذا حاله يكون مقبولاً فلا بد من بيانه لينظر فيه، ويحتمل أن يكون قوله ذلك من جهة الاجتهاد فهمه من جهة القول والفعل فلهذا أساغ له إطلاق السنة بهذا الاعتبار وإذا كان هذا ممكناً لم يلزمنا قبوله كسائر الآراء الاجتهادية من جهة الصحابة رضي اللّه عنهم وإنما يجب الإحتكام لما كان من جهة صاحب الشريعة .
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه تيمم لكل صلاة وروي مثله عن ابن عمر ولا مخالف لهما في الصحابة فيجب قبوله وأن يكون حجة.
قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن ما نقل عن أمير المؤمنين ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما هو حكاية فعل فعله لا ندري كيف أوقعه، ونهاية الأمر فيه أنه تيمم لكل صلاة، وما هذا حاله لا يشعر بالوجوب فلعله فعله على جهة الندب.
وأما ثانياً: فلأنه لم يحكه عن صاحب الشريعة فيكون حجة وإنما فعله على جهة الاجتهاد، والصحابي إذا فعل فعلاً لم يلزم اتباعه في الفعل، والمجتهد لا يجوز له اتباع مجتهد آخر، وإنما عليه إعمال فكره وكد قريحته في تحصيل حكم الواقعة من غير تقليد فيها لغيره.
وأما ثالثاً: فلأن كلام أمير المؤمنين إنما يعول عليه إذا روى خبراً كان خبره راجحاً على خبر غيره أو تأول تأويلاً كان تأويله أحق بالقبول من تأويل غيره من الصحابة رضي اللّه عنهم، ولا يلزم أن يكون حكمه حكم صاحب الشريعة في الإحتكام لقوله خاصة مع عدم العصمة وإن دعواها غير ممكنة في حقه لما يعرض في دلالتها من الاحتمال القوي، وعلى هذا لا يكون ما نقلوه عنه فيه حجة على ما زعموه.
قالوا: طهارة لا ترفع الحدث فلا يجوز أن يؤدى بها أكثر من فريضة واحدة مع نافلتها كطهارة المستحاضة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فنقلب عليهم ما أوردوه من القياس بأن نقول: طهارة فوجب أن يجوز الجمع فيها بين الفريضتين أو فلا يجب تجديدها لكل صلاة كالمستحاضة.
وأما ثانياً: فلأنا لو أخذنا بهذا(1)
القياس لوجب في حق المستحاضة أن لا ينتقض وضؤها لكون طهارتها أصلية لكن الشرع قد دل على انتقاض وضؤها بدخول الوقت كما سنوضح القول فيه، فلأجل هذا جاز تأديتها الفريضتين في وقت واحد، وهكذا حال المتيمم فإنه يجوز له أن يؤدي الفريضتين وأكثر في وقت واحد، وأيضاً فإنا نقول: المستحاضة مخالفة في حكمها لحكم المتيمم من وجهين:
أحدهما: أن التيمم لا يرفع الحدث بخلاف طهارة المستحاضة فإنها رافعة للحدث.
وثانيهما: أن صلاة المتيمم لا تكون إلا في آخر الوقت بخلاف المستحاضة فإنها تكون في أوله وآخره، وإذا كان مفارقاً لها لم يجز أن يقاس المتيمم على المستحاضة لافتراقهما فيما ذكرناه.
فأما ما يحكى عن أبي ثور أنه يجوز أن تؤدَّى بالتيمم فريضتان في وقت واحد ولا يجوز ذلك في وقتين فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه تحكم لا مستند له.
__________
(1) في الأصل: (وأما ثانياً فلأنا لو خلينا والقياس.. وهي جملة غير مفهومة يبدو أنها نقلت خطأ. وقد أبدلناها بما تعنيه من خلال السياق، وهو جملة (فلأنا لو أخذنا بهذا القياس...) والله ولي التوفيق.
قوله: إنهما إذا كانا في وقت فهما كالفريضة الواحدة بخلاف ما إذا كانا في وقتين.
قلنا: الفريضتان في أنفسهما متغايرتان وتأديتهما في وقت واحد لا يبطل تغايرهما.
وأما ثانياً: فلأن ما جاز التأدية به فريضتين في وقت واحد جاز تأديته فريضتين في وقتين كالوضوء، فبطل ما قاله.
فأما [ما] يحكى عن الشافعي ومالك أنه إذا [أدَّى] بالتيمم نافلة فلا يجوز أن يؤدي به الفريضة بعد ذلك بل لابد من تجديد التيمم للفريضة، فوجهه أن التيمم عبادة فإذا وضعها على عبادة لم يجز أن يؤدي به عبادة أخرى، كالإحرام إذا وضعه على العمرة فلا يجوز أن يؤدي به الحج الواجب. فهو فاسد، فإن الإحرام جزء من أجزاء العبادة، بخلاف التيمم فإنه ليس جزءً من أجزاء الصلاة فافترقا، وسيأتي لهذا مزيد تقرير فيما نذكره على إثر هذا بمعونة اللّه تعالى.
الفرع الخامس: إذا تيمم للنافلة هل يجوز تأدية الفريضة به أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما:أنه تجوز تأدية الفريضة به، وهذا هو الذي يأتي على رأي الإمام المؤيد بالله وهو الذي يحكى عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة عن حدث أو طهارة تُراد للصلاة فلا تفتقر إلى نية تعيين الفرض كالوضوء.
وثانيهما: أنه لا تجوز تأدية الفريضة [به]، وهذا هو الذي يأتي على كلام الإمام أبي طالب وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه لم ينو بتيممه الفرض فلا يصلي به الفرض كما لو لم ينو.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله وأبو حنيفة.
والحجة على ذلك: ما قالوه ونزيد: أنه إذا تيمم للفرض صلى به النفل فهو إذا تيمم للنفل صلى به الفرض من غير مخالفة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: لم ينو الفريضة بتيممه. فصار كما لو لم ينو.
قلنا: هذا فاسد لأن المعنى في الأصل أنه خال عن النية مطلقاً فلهذا لم يكن مجزياً بخلاف ما لو نوى النفل فإنه ناوٍ لا محالة، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في نية التيمم وكيفية ايقاعها بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السادس: إذا قلنا بجواز تأدية الفروض والنوافل الكثيرة بالتيمم الواحد مالم يعرض ما يبطله، فعلى هذا يجوز الجمع بين فرضين مؤديين وبين فرضين مقضيين وبين فرضين قضاء وأداء، ويجوز الجمع فيه بين صلاة واجبة وصلاة منذورة وبين صلاتين منذورتين وبين طوافين و اجبين ونفلين وبين صلاة مفروضة وركعتي الطواف، وبين طواف واجب وركعتي الطواف وبين صلاة الجنازة والصلاة المفروضة وبين صلاة العيد وصلاة الجنازة إلى غير ذلك من الفروض الواجبة المعددة؛ لأن الدليل الذي ذكرناه في جواز الجمع لم يفصل بين صورة وصورة، وقد منع من أبى تأدية الفروض الكثيرة بتيمم واحد هذه الصور كلها ولم يجوز أداءها بتيمم واحد، وهم أكثر العترة والشافعي من الفقهاء، وقد تردد في الصلاتين المنذورتين وفي تأدية ركعتي الطواف والطواف الواجب، فمرة أجازه ومرة منعه حكاهما (المسعودي) من أصحابه.
والمختار: أنه لا تفرقة بين هذه الأمور كلها في جواز تأديتها بالتيمم الواحد وقد قررنا دليله.
وإن أراد أن يصلي على جنائز متفرقة في أوقات مختلفة فإنه يصليها بتيمم واحد كما قلناه في فرائض الأعيان، وحكي عن الشافعي أنه قال: ينظر فيها فإن لم تكن الصلاة متعينة في حقه بل كانت فرض كفاية جاز له تأديتها بتيمم واحد؛ لأنها كالنافلة في حقه، ولهذا فإنه يجوز له تركها، وإن تعينت عليه فله قولان:
أحدهما: لا يجوز لأنها قد صارت فرض عين فلا يجوز تأديتها بتيمم واحد.
وثانيهما: الجواز وهو المنصوص له حكاه (ابن الصباغ) في كتابه (الشامل) وهو الصحيح على المذهب الذي اخترناه من جواز تأدية الفروض الكثيرة بتيمم وا حد، فأما النوافل فمتفق على جواز تأديتها وإن كثرت بتيمم واحد لأن أمرها على التخفيف وقد فسح الشرع في حالها بأن جوّز أدائها على الراحلة وترك القيام فيها مع القدرة عليه بخلاف الفرائض.
الفرع السابع: في حكم من نسي من صلوات اليوم والليلة وكان عادماً للماء وأراد أداءها بالتيمم أو كان زائداً على صلاة واحدة، وفي ذلك خمس صور نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
الصورة الأولى: أن يكون المنسي صلاة واحدة من خمس في يوم وليلة ولا يعلمها بعينها فكم يلزمه من التيمم؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يلزمه تيمم واحد، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأكثر أصحابه.
والحجة على ذلك: وهو الذي عليه التعويل لمذهب الشافعي، هو أن الفائت ليس إلا صلاة واحدة فلا يجب أكثر من تيمم واحد لأن وجوب ما زاد على المنسية إنما كان ليتوصل به إلى تأدية المنسية فهو كالتابع للمنسية، فلهذا لم يفتقر إلى زيادة تيمم ينفرد به.
القول الثاني: أنه يفتقر إلى تيممات خمسة، وهذا هو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي. ووجهه: هو أن كل صلاة من الصلوات الخمس قد صارت فرضاً فلهذا وجب عليه تيممات خمسة.
والمختار: هو الأول، من أجل أن التيمم إنما يقصد من أجل الصلاة المؤداة، والفائت ليس إلا واحدة فلا جرم لم يجب إلا تيمم واحد كما قررناه.
الصورة الثانية: إذا كان المنسي صلاتين مختلفتين من صلوات اليومين والليلتين ولا يعرف أعيانهما فإذا أراد أداءها بالتيمم ففيه قولان أيضاً:
فالقول الأول: أن يتيمم لكل صلاة كما قررناه من قبل، وهذا شيء يحكى عن (الخضري) من أصحاب الشافعي.
والحجة له: ما ذكرناه أولاً.
القول الثاني: وهو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وعليه التعويل لأكثر أصحاب الشافعي وهو الذي ارتضاه (أبو بكر الحداد) وتقرير ذلك: هو أن الفائت عليه فرضان مختلفان من يومين، وعليه ثماني صلوات مفروضات فإذا أراد الأخذ باليقين فعليه أن يتيمم ويصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم مرة ثانية فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء فإذا فعل ذلك فقد أدَّا ما عليه باليقين والباقيات نوافل، فيكون قد صلى فرضين مختلفين بتيممين فعلى أي تنزيل نُزلت المنسيتان فإنه قد أدَّى إحداهما بالتيمم الأول والثانية بالتيمم الثاني، وهذا التقرير الذي لخصناه مبني على أصلين:
أحدهما: أن التيمم الواحد لا تؤدى به أكثر من فريضة واحدة.
وثانيهما: أن الصلاتين مختلفتان وعلى هذا يكون الأمر كما حققناه، ولا بد من رعاية هذا الترتيب في تأدية الصلوات حتى يحصل تأدية المنسيتين بيقين، فإن غير هذا الترتيب بأن صلى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم صلى بالتيمم الثاني الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز لاحتمال أن يكون عليه العشاء مع الظهر أو مع العصر أو مع المغرب فلا تحصل للفائت بيقين. وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أصلاً في امتحان صحة هذه الطريقة، وهو أنك تضرب المنسي في عدد المنسي منه ثم تزيد المنسي على ما صح لك من الضرب ثم تحفظ مبلغ ذلك كله ثم إنك تضرب المنسي في نفسه فما بلغ من ضربه نزعته من الجملة التي حفظتها، فما بقي من ذلك فهو عدد الصلوات التي يجب تأديتها وعدد التيمم يكون على قدر عدد المنسي، مثال ذلك في مسئلتنا هذه أن تضرب اثنين وهما عدد المنسي في خمسة وهو عدد المنسي منه فذلك يكون عشرة ثم تزيد عدد المنسي على ذلك فيصير اثنى عشر ثم تضرب اثنين في اثنين وهو المنسي في نفسه فيصير أربعة فإذا نزعت ذلك من اثني عشر بقي لك ثمانية وهي عدد ما تصلي بتيممين على قدر المنسيتين.
الصورة الثالثة: إذا كان المنسي ثلاث صلوات مختلفات من خمس صلوات، فعلى القول الأول: يتيمم لكل صلاة كما مر تقريره، وعلى القول الثاني وهو المختار للمذهب وعليه تعويل الأكثر من أصحاب الشافعي، فعلى هذا يتيمم أولاً ثم يصلي الفجر والظهر والعصر، ثم يتيمم ثانياً ويصلي الظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم ثالثاً فيصلي العصر والمغرب والعشاء، وإذا أردت امتحانه بتلك الطريقة فإنك تضرب ثلاثة في خمسة فيكون خمسة عشر ثم تزيد عليها ثلاثة فذلك ثمانية عشر ثم تضرب ثلاثة في ثلاثة فذلك يكون تسعة فتنزعه من ثمانية عشر فيبقى لك تسع وهو عدد ما تصلي بثلاثة تيممات.
الصورة الرابعة: أن يكون المنسي أربع صلوات مختلفات من صلاة يوم وليلة، وذلك أن يتيمم ويصلي الصبح والظهر أولاً ثم يتيمم ثانيا ويصلي الظهر والعصر ثم يتيمم ثالثاً فيصلي العصر والمغرب ثم يتيمم رابعاً ويصلي المغرب والعشاء، فإذا أردت امتحانه بما ذكرناه من تلك الطريقة فإنك تضرب أربعة في خمسة فذلك عشرون ثم إنك تزيد عليه أربعة فيجتمع لك أربعة وعشرون ثم تضرب أربعة في أربعة فذلك ستة عشر فتنزع ذلك من أربعة وعشرين فيبقى لك ثمانية وهو عدد ما يصلى من الصلوات بأربعة تيممات هذا كله إذا كان الفائت صلاتين أو ثلاثاً أو أربعاً مختلفات سواء كن من يوم وليلة أو من يومين وليلتين فهو يكون على التقرير الذي لخصناه.
الصورة الخامسة: أن يكون المنسي صلاتين متفقتين بأن تكونا فجرين أو ظهرين أو عصرين أو عشائين فإذا أراد التيمم لذلك ففيه قولان:
أحدهما: أن يتيمم عشرة تيممات على قدر الصلوات وهو المذكور عن بعض أصحاب الشافعي.
وثانيهما وهو المختار: وهو الذي عليه الأكثر من أصحاب الشافعي، هو أن الفائت صلاتان متماثلتان فعلى هذا يتيمم أولاً ثم يصلي أولاً صلاة يوم وليلة ثم يتيمم ثانياً ويصلي صلاة يوم وليلة، فإذا فعل ذلك فقد أدّا ما عليه باليقين، فإن شك هل هما متفقتان أو مختلفتان لزمه أن يأخذ بالأَسَدِّ من حالهما وهو أنهما متفقتان لأنه أغلظ حكماً والتكليف شديد، وإن غلب على ظنه أحدهما عمل عليه لأن لغلبة الظن مدخلاً في الأمور العملية فلهذا وجب التعويل عليه، فإذا لم تغلب على ظنه عمل على الأخذ بالأشق كما أشرنا إليه.
دقيقة: هذا كله ينزل على رأي من أوجب لكل فريضة من الصلوات تيمماً ومنع من تأدية الفروض الكثيرة بتيمم واحد، وهو الأكثر من أئمة العترة والشافعي فعلى هذا يكون التيمم على مقدار الفائت واحداً واثنين وثلاثة وأربعة على ما فصلنا، فأما على رأي الإمام الناصر وأبي حنيفة وهو المختار الذي قررناه فإنه يكفي في ذلك تيمم واحد سواء كان الفائت من الصلوات قليلاً أو كثيراً، ودليله قد مرَّ فأغنى عن الإعادة.
الفرع الثامن: والسنن المضافة إلى الصلاة المفروضة نحو ركعتي الظهر والفجر والمغرب، تؤدى بالتيمم المفعول للصلاة لأنها تابعة لها باتفاق القائلين بأن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة ولا يجوز أن تؤدى به النوافل المستقلة؛ لأنها منفردة بنفسها فأشبهت الفرائض، فأما من قال بأن التيمم يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة كما هو رأي الناصر وأبي حنيفة [وهو] المختار عندنا: فإن النوافل يجوز أداءها به سواء كانت تابعة أو مستقلة للدليل الذي أسلفناه، فأما الوتر فهل يجوز تأديته بالتيمم المفعول للعشاء أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: الجواز وهذه هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: هو أن الوتر لا يخرج عن كونه سنة للعشاء وإن كان مؤكداً فإذا جاز تأدية سنة الظهر بتيمم الفريضة فهكذا حال العشاء من غير تفرقة بينهما.
وثانيهما: أنه لا يجوز ذلك وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أنها وإن كانت نافلة لكنها مستقلة بنفسها غير مضافة فجرت مجرى الفرائض فلهذا كانت محتاجة إلى تيمم على حياله.
والمختار: تفريعاً على رأي من زعم أن التيمم لا يؤدى به أكثر من فريضة واحدة، أنها مخالفة للسنن المضافة لأمور ثلاثة:
أما أولاً فلأنه قد وقع الخلاف في وجوبها بخلاف غيرها من سائر الرواتب.
وأما ثانياً: فلأنها مخالفة لها في العدد فإن الرواتب ثنائية وهذه ثلاثية.
وأما ثالثاً: فلأجل عظم الإعتناء بحالها كانت على الرسول واجبة بخلاف غيره فلما كانت مخالفة لسائر الرواتب في هذه الخصال لا جرم جرت مجرى الإستقلال فلهذا احتاجت إلى تيمم آخر غير تيمم الفريضة، فأما من قال بجواز أداء الفرائض الكثيرة بالتيمم الواحد فتأديتها أجوز لا محالة لأنه إذا جاز الفرض جاز النفل كما مر بيانه.
الفرع التاسع: وإذا اجتنب الرجل ثم نسي جنابته في سفر كان أو حضر، فكان يتيمم عند عدم الماء أو تعذر استعماله ويتوضأ عند وجوده حتى أتى على ذلك أيام ولم يذكر الجنابة فيها ثم ذكرها فاغتسل فإنه يعيد كل صلاة صلاها بالوضوء ولا يعيد ما صلى بالتيمم.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان ذاكراً للجنابة فإنه لا يلزمه أكثر من التيمم فكذلك إذا كان ناسياً وليس كذلك حال الوضوء فإنه لو كان ذاكراً للجنابة وجب عليه الاغتسال والوضوء جميعاً، فيكون على هذا مخلاً بشرط من شرائط الصلاة في حال الوضوء وهو الاغتسال بخلاف التيمم فإنه لا يكون مخلاً بشيء من شرائطها فافترقا، هذا كله على رأي من أوجب عليه الإعادة مع نسيان الجنابة فأما من لم يوجب عليه الإعادة مع النسيان فلا معنى للإعادة فيهما جميعاً، وسنذكر ما يوجب الإعادة وما لا يوجبها في الصلاة بمعونة اللّه سبحانه.