والحجة على كونه مستعملاً: هو أنه لو مسح يديه بالضربة التي مسح بها وجهه لم يصح وإن كان قد بقي فيها غبار، فلأن لا يصح فيما تناثر من الوجه أولى من جهة أن سقوطه من العضو إلى الأرض لا يزيل حكم الاستعمال عنه فلهذا وجب الحكم عليه بكونه مستعملاً.
الفرع الثاني: هل يجوز التيمم بالتراب المستعمل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة القاسمية والناصرية كما قالوه في الطهارة بالماء المستعمل، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أنه إحدى الطهارتين فلا تجوز بالمستعمل كالطهارة الأخرى.
المذهب الثاني: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن الحسن البصري والزهري وبه قال زفر، وإحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على ذلك: قوله : ((التراب طهور المؤمن )) ولم يفصل بين كونه مستعملاً أو غير مستعمل، وقوله : ((الصعيد الطيب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )) ولم يفصل.
والمختار: جوازه كما قاله الإمام المؤيد بالله، ويدل عليه ما أوردناه حكاية عنهم ولأن الأدلة الشرعية والظواهر النقلية الواردة في جواز التيمم وإباحته لم تفصل في ذلك، ولقوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً )). ولم يفصل بين تراب وتراب إلا ما خصته دلالة، ولأنه باق على ما كان عليه قبل الإستعمال فوجب القضاء بإجزائه كما لو لم يكن مستعملاً.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: إحدى الطهارتين فلا تجوز بالمستعمل كالطهارة الأخرى، وطهارة تفعل للصلاة فلا تجوز بالمستعمل كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نمنع الأصل في الوضوء ونجيز التوضؤ بالماء المستعمل وقد قدمنا دليله فأغنى عن الإعادة إذ لا وجه للتفرقة بينهما وقد أسلفنا أن الماء المستعمل طاهر مطهر فهكذا حال التراب يكون طاهراً مطهراً مع الإستعمال.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة الشرعية النقلية فإنها دالة بظواهرها على ما قلناه.
الفرع الثالث: والغبار الذي يحصل في البرذعة والأثواب الخلقه والأهدام المتقطعة، هل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو رأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن محمد بن الحسن.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }[النساء:43]. وما يحصل من البراذع ليس طيباً ولا خالصاً لأنه لا يؤمن أن يكون مجتمعاً من العفونات كالرماد والدقيق والزرنيخ والكحل والجص والتراب وما هذا [حاله] لا يكون صعيداً فضلاً عن أن يكون موصوفاً بالطيب فلهذا لم يكن مجزياً.
وثانيهما: أنه جائز وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه ضرب بيده على حائط من حيطان المدينة وتيمم؛ ولأن هذا تراب فجاز التيمم به كغيره من الترابات.
والمختار عندنا في ذلك: تفصيل. فإن كان الذي علق بالثياب تراب له غبار يعلق بالأكف جاز التيمم به كما لو كان موضوعاً على حصير، وإن كان الذي يعلق بالثياب ليس تراباً خالصاً لم يجز التيمم[به] كما قلناه في الرمل، ومع هذا التفصيل ربما زال الخلاف في المسألة بيننا وبين الشافعي لأنه معنا في أنه لا يجوز التيمم بغير التراب، فأما أبو حنيفة فإنه من القائلين بجواز التيمم بغير التراب فلا وجه للكلام معه. وإن علق بثيابه غبار فضرب بيده عليها فعلق منه غبار جاز التيمم به لأنه غبار يعلق بالكف فجاز التيمم به، وحكي عن أبي يوسف: المنع منه، وحكاه ابن المنذر عن مالك. والحق: جوازه لما ذكرناه من قبل من أنه صعيد طيب.
وحجتهما: أن ما هذا حاله ليس صعيداً طيباً فلا يجوز التيمم به، وهذا فاسد فإن الصعيد هو التراب وهذا تراب فجاز التيمم به.
الفرع الرابع: استعمال التراب يدخل على وجهين:
أحدهما: أن يستباح به الفرض ويؤدى به في الصلوات المفروضة.
وثانيهما: أن يؤدى به النفل كالقراءة ودخول المسجد وغير ذلك فمتى كان الأمر فيه كما قلناه كان مستعملاً كما قلناه في الطهارة بالماء فإنه لا يكون مستعملا إلا بما ذكرناه من هذين الوجهين دون التبرد وقد مضى شرحه. وقد حكى الشيخ أبو حامد الغزالي عن الشافعي قولاً آخر في جواز التيمم بالتراب المستعمل، وحكى ابن الصباغ في (الشامل) عن بعض أصحاب أبي حنيفة ذلك، وفرقوا بينه وبين الوضوء من جهة أن الوضوء بالماء يرفع الحدث بخلاف التراب فإنه لا يرفع الحدث.
والمختار عندنا: هو جواز المستعمل في الطهارتين معاً كما مر تقريره، فهذا ما أردنا ذكره في الأوصاف المعتبرة في كون التراب مجزياً للتيمم.
مسألة: في بيان ما يستباح بالتيمم: واعلم أن التيمم جائز من الحدث الأصغر وهو البول والغائط والريح وخروج الخارج كالدم والقيء لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ يعني من النوم- أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ}[المائدة:6]. ومن الحدث الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس والموت لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6]. وروى عمار بن ياسر، قال: اجتنبت فتمعكت بالتراب فقال له الرسول : ((إنما يكفيك هذا وضرب بيديه على الأرض ومسح بهما وجهه وذراعيه)). وروى أبو ذر رضي اللّه عنه أنه قال: اجتويت المدينة يعني: كرهت المقام فيها فأمرني رسول اللّه بذود فيها وقال: ((أبدُ فيها))(1)
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: والذي في البيان: بذود غنم وقال: ((أبدُ أبدُ)) مرتين.
يعني أخرج إلى البادية، فخرجت بأهلي إلى الربذة فكنت أعدم الماء خمسة أيام وستة وأنا جنب فأصلي بغير طهور ثم قدمت المدينة فأتيت النبي فقال: ((أبو ذر؟)) فقلت: نعم هلكت فقال: ((وما أهلكك؟)). فقصصت عليه القصة وقلت: إني كنت أصلي بغير طهور فأمر لي بماء فاستترت براحلتي واغتسلت ثم أتيته فقال: ((يا أبا ذر الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك))(1).
فدل ما ذكرناه على جواز التيمم من الحدثين جميعاً، فإذا حصل التيمم بما ذكرناه فإنه يستبيح به ما كان محظوراً عليه كالصلاة المؤداة والمقضِّية ودخول المسجد وقراءة القرآن والوطء في حق الأزواج وغير ذلك.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لا خلاف في كونه يستباح به ما كان محظوراً كما ذكرناه، وهل يكون رافعاً للحدث أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكون رافعاً للحدث، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية والسادة الهارونيين الإمامين الأخوين وأبي العباس الحسني، وهو قول الفريقين الحنفية والشافعية، ومروي عن جلة الفقهاء.
__________
(1) هذا الحديث أخرجه أبو داؤد عن أبي ذر بلفظ: اجتمعت غنيمة عند رسول الله فقال: ((يا أبا ذر أبد فيها)) فبدوت إلى الربذة... إلى أخر الحديث، كما جاء في (الروض النضير)1/466 مع اختلاف اللفظ في: ((...فأمسسه جلدك)) مكان: ((...فامسسه بشرتك))، قال: وقال المنذري: أخرجه ايضاً الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إ.ه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح ولم يخرجاه
والحجة على ذلك: ما روى عمرو بن العاص عن الرسول ، قال: كنت في عزوة ذات السلاسل فاجتنبت في ليلة باردة فأشفقت على نفسي إن اغتسلت هلكت فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح فَذُكِرَ ذلك لرسول اللّه فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ))؟ فقلت: سمعت اللّه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}[النساء:29]. فضحك رسول اللّه ولم يقل شيئاً.
المذهب الثاني: أنه رافع للحدث، وهذا هو المحكي عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر، ومروي عن بعض أصحاب مالك، وحكي عن بعض الخراسانيين من أصحاب الشافعي.
والحجة لهم على ذلك: هو أنها طهارة عن حدث تستباح بها الصلاة فوجب أن تكون رافعة للحدث كالطهارة بالماء.
والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة وفقهاء العامة. ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى أبو ذر الغفاري عن الرسول أنه قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك))(1)
فلو ارتفع حدثه لكان لا وجه لوجوب إمساس بشرته للماء بعد ارتفاع حدثه.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أنه لو كان رافعاً للحدث كما زعموه لكان لا وجه لانتقاض تيممه برؤية الماء ولأنه لو كان رافعاً للحدث لوجب أن يكون حكمه حكم الطهارة بالماء في تعلقه بجميع ما يتعلق به الحدث كالوضوء والغسل فكان يلزمه استعماله في جميع الأعضاء وهو محال.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فوجب رفعها للحدث كالطهارة بالماء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فبالفرق وهو أن المعنى في الأصل، طهارة الماء شاملة لمحل الحدث وغيره كالوضوء والغسل بخلاف التيمم فإنه ليس واقعاً إلا على بعض أعضاء الطهارة فلأجل هذا لم يكن رافعاً للحدث.
__________
(1) الرواية السابقة للحديث بلفظ: ولو لم يجد الماء...إلخ، ولعلها الصواب.
وأما ثانياً: فلأن الطهارة بالماء ليس ورآها غاية في رفع الحدث بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورية صارت بدلاً عن الطهارة بالماء عند عدم الماء أو تعذر استعماله فلا يلزم أن يكون حكمها حكم الطهارة بالماء في رفع الحدث.
الفرع الثاني: في بيان الفوائد المستنبطة من خبر ذات السلاسل وجملتها فوائد إحدى عشرة:
الأولى: أن التيمم جائز لخوف التلف من البرد خلافاً للحسن و عطاء كما مر تقريره.
الثانية:أن التيمم يجوز للجنب خلافاً لأقوام.
الثالثة:أن الجنب إذا صلى بالتيمم في السفر فلا قضاء عليه خلافاً لقوم.
الرابعة: أن كل من تيمم لأجل البرد في السفر فلا قضاء عليه.
الخامسة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الرسول سماه جنباً مع علمه أنه قد تيمم، وفي هذا دلالة على أن حدث الجنابة باقٍ.
السادسة: أن المتيمم إذا كان تيممه للجنابة جاز له أن يقرأ في غير الصلاة القرآن. لأن عمراً قال: سمعت اللّه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }[النساء:29]. ولم ينكر الرسول عليه القرائة.
السابعة: أنه يجوز للمتيمم أن يؤم المتوضين لأن أصحابه كانوا متوضين وقد قال : ((صليت بأصحابك يا عمرو وأنت جنب ))؟ فأقره على ذلك ولم ينكره عليه، على رأي من جوزه.
الثامنة: أن هذا المتلو هو كلام اللّه لأن عمراً قال سمعت اللّه يعني كلام اللّه ولم يسمع إلا هذا المتلو.
التاسعة: أنه يجوز للصحابي أن يجتهد رأيه في زمن الرسول إذا لم يكن بحضرته لأن عمراً كان غائباً عن الرسول فأداه اجتهاده إلى التيمم مع وجود الماء للعذر.
العاشرة: أنه يجوز العمل على الرأي والاجتهاد لأن ما فعله عمرو غير منصوص عليه ولكنه أخذه من جهة الرأي والاجتهاد.
الحادية عشرة: أنه يستحب للإمام أن يأمر السرايا ويجهز المغازي في سبيل اللّه تعالى؛ لأن عمراً كان في عزوة ذات السلاسل مجهزاً في سرية من أجل الجهاد ونصرة الدين وإعزاز الحوزة عن الكفر، وتحته فوائد غير هذه لا يليق ذكرها بالمقاصد الفقهية.
الفرع الثالث: وإذا تيمم عن الحدث الأصغر فإنه يستبيح به ما يستبيح بالوضوء من الصلاة والطواف بالبيت ومس المصحف على رأي من يشترط الطهارة فيهما؛لأن التيمم بمنزلة الوضوء فوجب فيه ما ذكرناه، فإن أحدث نظرت فإن كان حدثه بالإيلاج وإنزال الماء فإنه يحرم عليه ما يحرم على الجنب من قراءة القرآن ودخول المسجد والصلاة وغير ذلك لأن تيممه قد بطل كما يبطل وضوؤه، وإن كان حدثه بخروج الخارج من السبيلين وغير ذلك من نواقض الوضوء فإنه يمنعه من الصلاة و الطواف ومس المصحف على رأي من أوجب الطهارة فيهما ولا يمنعه من قراءة القرآن ودخول المسجد كما لا يمنع ذلك من انتقض وضوءه، وإن كان تيممه عن الحدث الأكبر فإنه يستبيح به ما يستبيح بالغسل كالصلاة ودخول المسجد وقراءة القرآن، فإن أحدث نظرت فإن كان بالجماع وإنزال الماء فإنه يعود عليه حكم الجنابة لأنه قد بطل تيممه بما يوجب الغسل فيجب أن يمنع مما كان ممنوعاً منه قبل تيممه الأول، وإن كان حدثه بخروج الخارج من السبيلين وهو الحدث الأصغر، فهل يعود عليه حكم الجنابة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يعود عليه حكم الجنابة بالحدث الأصغر، وهذا هو الذي يشير إليه كلام المنصور بالله؛ لأنه لما بطل تيممه بالحدث صار في الحكم كأنه لم يتيمم فلأجل هذا حرم عليه ما يحرم على الجنب من الصلاة وقراءة القرآن ودخول المسجد وحمل المصحف ومسه.
وثانيهما: أنه يستبيح به ما يستبيح بالغسل من الصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك فإذا أحدث منع من الصلاة ولم يمنع من قراءة القرآن ودخول المسجد، وهذا هو الذي يظهر من رأي أئمة العترة وهو قول الشافعي وأصحابه من جهة أن التيمم صار كالغسل في استباحة ما ذكرناه، ولا شك أن الحدث لا يبطل الغسل فهكذا لا يبطل ما كان قائماً مقامه، وهذا هو المختار، ويدل عليه هو أن الحائض إذا تيممت لعدم الماء فإنه إذا باشرها قبل الإيلاج وإنزال المني فلا يعيده من جهة العادة خروج المذي لأجل المباشرة الفاحشة وذلك يوجب نقض الطهارة فلو كان مبطلاً للتيمم لحرم الوطء، لا يقال: فالإيلاج وإنزال الماء يوجبان الغسل ويبطلان التيمم ولا يحرمان جماع الحائض فهكذا حال الحدث يبطل التيمم ولا يحرم جماع الحائض لأنا نقول: هذا فاسد فإن التفرقة بينهما ظاهرة. فإن الإيلاج وإنزال الماء إنما يوجبان غسل الجنابة فأما غسل الحائض لأجل الحيض فلا يبطلانه ولا شك أن التيمم قائم مقامه فلهذا لم يكن باطلاً فافترقا.
الفرع الرابع: إذا تيمم للنوافل جاز أن يؤدي به ما شاء منها عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ذلك من جهة أن النوافل يكثر وقوعها ويستحب الترغيب فيها والإستكثار منها، فلو أوجبنا لكل نافلة تيمماً لكان في ذلك حرج ومشقة، وذلك يؤدي إلى قطعها والإقلال منها، وإن تيمم لأداء فريضة قضاءاً أو أداءاً بانفرادها مع نافلتها جاز ذلك عند أئمة العترة وفقهاء الأمة من غير خلاف فيه لأنها هي المقصودة فلو منعنا من تأدية فريضة واحدة مع نافلتها بالتيمم لكان في ذلك إبطال للغرض به.
وهل يجوز أن يؤدَّى بالتيمم الواحد أكثر من فريضة واحدة؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من ذلك قضاءاً كان أو أداءاً واجبة كانت على الأعيان أو على الكفاية، وعلى هذا لا يجوز أن يؤدي بتيمم واحد مؤداتين أو فائتتين ولا فائتة وفريضة الوقت ولا مكتوبة وصلاة جنازة، وهذا هو الذي نص عليه الإمامان القاسم والهادي واختاره الإمامان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب وهو رأي الصادق والباقر وزيد بن علي وهو قول الناصر في (الألفاظ) و(المختصر)، وهو محكي عن أمير المؤمنين وابن عباس وعبدالله بن عمر(1)
من الصحابة رضي اللّه عنهم، وهو مروي عن قتادة والنخعي وربيعة، وهو مروي عن الشافعي ومالك خلا أن مالك يقول: لو تيمم لركعتي الفجر فعليه أن يعيد التيمم للفرض، وروي عن الشافعي في بعض كتبه مثل ما قاله مالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ }[المائدة: 6] ..الآية.
ووجه تقرير هذه الدلالة: هو أن ظاهر الآية يقتضي أن كل من قام إلى الصلاة فعليه الغسل لهذه الأعضاء إن كان واجداً للماء أو التيمم إذا كان عادماً له أو تعذر عليه استعماله كلما قام إليها، لكنا تركنا هذا الظاهر لما روي أن الرسول جمع بين صلوات عدة يوم الفتح بطهارة واحدة فخرج هذا من مقتضى دليل الآية وبقي التيمم على ما اقتضاه ظاهر الآية.
المذهب الثاني: أنه يجوز الجمع بين الفريضتين بالتيمم الواحد قضاءً أو أداءً، فإذا تيمم الرجل جاز أن يؤدي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث أو يتمكن من الماء، و هذا هو نص الإمام الناصر في الكبير وهو الأصح من قوليه، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((التراب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )) ولم يفصل بين صلاة وصلاة ولأنها طهارة يجوز بها أداء النوافل الكثيرة فهكذا حال الفرائض.
__________
(1) في الأصل: وابن عمر وعبد الله بن عمر، ويبدو هذا تكراراً للعلم الواحد والله أعلم.
المذهب الثالث: محكي عن أبي ثور، وهو أنه يجوز أن يجمع بين فريضتين في وقت واحد بتيمم واحد ولا يجوز ذلك في وقتين.
والحجة على ذلك: هو أن الخطاب بتأدية الصلاة إنما يكون متوجهاً عند حضور وقتها وقبل ذلك لا معنى له فإذا دخل وقت الصلاة الأولى فهو مخاطب بتأديتها بوضوء عند إمكان الماء وبالتراب عند عدمه فإذا قام الدليل الشرعي على جواز الصلاتين المفروضتين إما مؤداتين أو مقضيتين وإما أداءاً أو قضاءاً كانا في حكم الفريضة الواحدة، فلهذا جاز تأديتهما بتيمم واحد بخلاف ما إذا كانا في وقتين فإنهما متغايرتين من جهة أن خطاب أحدهما مخالف لخطاب الأخرى فلا جرم افتقرت إلى تيمم آخر، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما عول عليه الإمام الناصر ومن وافقه من جواز تأدية الفرائض الكثيرة والسنن بتيمم واحد إلى [أن] تعرض رؤية الماء أو ما ينقضه.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنه ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: الظواهر الشرعية من الكتاب والسنة كقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً }[المائدة:6]. وقوله في خبر أبي ذر ((الصعيد الطيب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )). وقوله: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج )) فهذه الأدلة كلها لم تفصل في مطلق الإباحة للصلاة بين فرض وفرض فدل ذلك على الجواز.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها طهارة تؤدى بها فريضة فجاز أن تؤدى بها فرائض كالوضوء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه يجوز أن يؤدى بالتيمم الواحد جميع الفرائض والنوافل ما لم يعرض فيه عارض يبطله.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية دالة على وجوب تكرير الوضوء لمن قام إلى الصلاة لكن خصصنا الوضوء بالإجماع فبقي التيمم على الأصل.
قلنا: عن هذا جوابان: